كاسل الحضارة والتراث

كاسل الحضارة والتراث

الحب في مصر القديمة

كتبت د. هناء سعد الطنطاوي زايد

 (إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها حسنة، وإذا عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها). حديث قدسي. هكذا خلقنا الله بالحب، فهو يحبنا، فخلق لنا الكون وسخر كل ما فيه طوع إيدينا حبًا، فيقول ربي جل في علاه (يابن آدم خلقت الدنيا لأجلك، وخلقتك لأجلي). حديث قدسي.

فكل شىء في الكون أخذ الله بناصيته، ولا يقدر على معصيته، إلا ابن آدم خلقه الله حبًا، وينتظره راجعًا إليه أيضًا حبًا. فهكذا فطرنا على المحبة، ولعل هذا السبب هو أن أرواحنا تضيق من الأمراض القلبية من الحقد والغل والكراهية، وذلك لأنها منافية للفطرة التي خُلقنا بها.  ومحبة من الله لآدم خلق له ونس زوجته (سيتنا حواء)، فأصبح ميزان الحب في الكون رجل وإمرأة، فالحب في البيت يخلق المودة والسكينة، ويخرج أبناء أسوياء، ويكون مجتمع قوي نفسيًا لا يقدر أحد استغلال مشاعره، فيقدر على غسيل مخه، واستغلاله في كل ما نسمع عنه اليوم من أعمال إنحرافية، فدعونا نخوص في أعماق الحب عند المصري القديم لنعرف أين نحن من أجدادنا ومن إسلامنا.

لاشك أن تلك الحضارة التي أبهرت العقول من عظمة فكرها إلا أن تكون نتاج محبة، محبة بين مئات العمال التي صنعت هرم، كأن قام ببناؤه شخص واحد، ومحبة بين شعب وملك خلدت أعماله على إيديهم حتى الآن.

ولا خير دليل أكثر من التماثيل التي مثلث الحب ما بين الرجل والمرأة في الحضارة المصرية القديمة، فعندنا على سبيل المثال لا الحصر تمثال مزدوج للملك تحتمس الرابع مع أمه، وهو معروض بالمتحف المصري والذي يمثل الملك جالسًا على العرش مع أمه الملكة (تيا)، ويلتف ذراع كل منهما حول خصر الآخر دليل المودة والحب بينهم. وتمثال الملك أمنحتب الثالث وزوجته الملكة تي بالمتحف المصري والذي يمثل الملك والملكة ويلتف ذراع كل منهما حول خصر الآخر دليل المودة والحب أيضًا.

وهناك أيضًا التماثيل التي أظهرت إخناتون مع زوجته وبناته والتي تعكس الحب والمودة في القصر الملكي وإنسانية الفرعون، فهناك تمثال يصور الملك إخناتون وزوجته الملكة نفرت إيتي والمعروض بمتحف اللوفر، والذي يمثل الزوجين يقف كل منهما إلى جانب الآخر، ويمسكان بأيدي بعضهما، وينظران إلى الأمام كما لو كانا يتمشيان معًا، وكذلك تمثال يصور إخناتون وهو يقبل ابنته (مريت آتون)، هذا بالإضافة إلى نقش عثر عليه بتل العمارنة، ومعروض بمتحف برلين، وهو نقش فريد من نوعه، حيث نرى فيه مشهد من الحياة الخاصة للملك والملكة، فنري إخناتون ونفرت إيتي وهم يداعبون ثلاثة بنات من بناتهم الستة.

أخيرًا وليس بآخر ذلك النقش الذي يمثل الملك توت عنخ آمون وزوجته (عنخ إس إن با أتون)، والتي تظهر الملكة واضعة يدها على كتف زوجها، والأكثر إبداعًا هو تمثيل الملك بفردة حذاء واحدة والفردة الثانية في قدم الملكة، نقش ينطق بمدى التكامل والحب بين الرجل والمرأة.

وتماثيل الأفراد والتي منها على سبيل المثال لا الحصر تمثال القزم سنب وزوجته وأبنائهم، وتمثالا رع حتب وزوجته نفرت، وتمثال ل "يوني وزوجته" بمتحف المتروبوليتان (عصر الملك سيتي الأول) بل امتد الحب لأكثر من هذا، فنجد تمثال لشخص يدعى (أوخ حتب) من عصر الملك (سنوسرت الثالث)، ويجمع عائلته المكونة من زوجتين وابنته في تمثال واحد، بل وتسمى زوجته الثانية ابنتها على اسم ضرتها التى لم تنجب، أي حب هذا؟

بل إن كافة النصائح الأدبية التي وصلتنا من آني وبتاح حتب وغيرهم تحث على مدى الحب والمودة بين الرجل وزوجته، بين الإبن وابيه، بين الأم وابنتها، كأن المصري القديم يوجه لنا رسالة وهي لتقوى ابدأ من الداخل (بيتك).

فجميع ما وصل إلينا من نقوش وتماثيل مصر القديمة من ملوك وعامة الشعب تظهر أن الملك لم يخجل من تمثيله لحبه ومودته لعائلته، وأحب أن يظهر ذلك أمام خالقه عند بعثه، ألم يتفق هذا مع قول النبي (خيركم خيركم لأهله).

تعالى ننظر الآن ونتعمق في حياتنا لنعرف أحقًا تقدمنا أم تخلفنا؟ فنجد الآن الزوج يستحي أن يعبر لزوجته عن مشاعره ولا يستحي من إهانتها، وينشغل في عمله أو على الفون بكافة تطبيقاته وينسي يحضن ابنته أو ابنه، يظل طول الوقت خارج البيت وعندما يأتي للبيت لا يريد سماع شىء عن أحد ولا يكلم أحد فحدثت عزلة داخل الأسرة وضاعت الرحمة والإحساس بالأخر داخل بيت واحد. فظهر لنا ما يعرف بالخيانة الإلكترونية، فأصبحنا نتلصص من وراء شاشة فون على كلمة تقدير أو حب زائف يروى ما بنا من هشاشة نفسية، فضاعت الأسرة وانحرف المجتمع، وأصبحنا كلما تجمعنا نتحسر على لمة أحبابنا وأهالينا قديمًا في الفرح والحزن. ونقول ماذا حدث؟ الذي حدث إنك لم تقلد جدك فتهت (ألم تسمع المثل الشعبي من فات قديمه تاه)، ولم تطبق تعاليم دينك فضعت وضيعت راعيتك. فياعزيزي أنت حر أن تتزوج أو لا، ولكن إن تزوجت فاتقي الله في راعيتك، ومخير في أن تخلف أو لا، ولكن إن خلفت عليك أن تربي، فكل إنحرافات المجتمع الأخلاقية علاجها في الحب.

فالحب ليس له ديانة، فقد اتفقت عليه جميع الديانات. فهو مسألة عقل ووعي.

 

العدل .. خلق اتصف به المصريون القدماء

كتب د. حسين دقيل

باحث آثارى بوزارة السياحة والآثار

لم يكن المصريون القدماء أصحاب حضارة مادية معمارية وفقط؛ بل كانوا أيضًا أصحاب نبوغ أدبي ورقي معنوي؛ تمثل في تلك القيم والأخلاق الفاضلة التي ظلت حضارتهم المادية شاهدة عليها حتى يومنا هذا.

ومن هذه الفضائل فضيلة تُعد من محاسن الأخلاق ومكارمها، وبدونها لا تستقيم الحياة البشرية ولا تصلح، فهي أساس التماسك والترابط والتعاون في المجتمع، وبغيابها يُصبح المجتمع متفككًا مترديًا، يأكل بعضه بعضًا، ألا وهي فضيلة العدل.

فالعدل عند المصريين القدماء خُلق فاضل دعوا إليه وحثوا على الالتزام به، وقد ظهر ذلك واضحًا في أدبياتهم التي وصلت إلينا، حتى إنهم جعلوا للعدل معبودًا خاصًا به، معبودًا لم يكن كغيره من المعبودات المصرية القديمة، وإنما كان فكرة تتلخص في الحق والعدل الذي يجب أن يلتزم به الجميع، فكان يلجأ الضعيف إلى هذا المعبود فيشكو إليه من بطش القوي، ويلجأ إليه المظلوم الذي يئن من اعتداء الظالم، إنها (ماعت) معبودة الحق والعدل والنظام.

وقد كان العدل من أولى وصايا حكمائهم، فها هو الحكيم "أمون أم أوبى" يوصي ابنه حور فيقول: "إن جميع ما تفعله في غير عدالة لن يجلب لك بركة؛ إذ إن مكيالًا واحدًا يعطيه الرب خير من 5 آلاف تكتسبها بغير حق… والعدل هبة غالية من الرب يهبها لمن يشاء، فالرب يحب إسعاد الفقير أكثر مما يحب تعظيم النبيل."

كما ينصحه أيضًا بتجنب الظلم واحتقار الضعيف، ويبين له عاقبة ذلك؛ فيقول: "لا تظلم صاحب الحق، ولا تهتم بشخص لأنه يلبس ملابس بيضاء ناصعة، على حين تترك من يرتدى خرقا باليه، ولا تقبل هدية الرجل القوى وتظلم الضعيف من أجله، ولا تؤلفن لنفسك وثائق مزورة، سلم الأمتعة لأربابها، ولا تغتصب متاعهم وإلا هلكت".

أما الحكيم "عنخ شاشنقي" فكان يوصي ابنه بوجوب الالتزام بفضيلة العدل حتى داخل البيت بين الأبناء، فكان يقول: "لا تُفضل أحد أبنائك على الآخر وأنت لا تدري أيهم سوف يكون عطوفًا بك". فقد كان العدل خلق دعوا إلى الالتزام به في كل محافلهم.

ويقدم الحكيم "بتاح حتب" نصيحته إلى ابنه، فيدعوه إلى الالتزام بالعدل أيًا كانت وظيفته أو منصبه، سواءً كان قاضيًا أو زعيمًا أو قائدًا، فيقول له: "إذا كنت ممن يقصدهم الناس ليقدموا شكاواهم، فكن رحيمًا عندما تستمع إلى الشاكي، لا تعامله إلا بالحسنى، حتى يفرغ مما في نفسه وينتهي إلى قول ما أتى ليقوله لك… وإن رفقك بالناس عند إصغائك للشكوى يفرح قلوبهم". ويوصيه بالفقراء خيرًا فيقول: "ارضِ العوام فإن النعم لا تكمل من دونهم".

كما يوصيه بالخضوع للحق ولو على نفسه فيقول: "إذا كنت زعيمًا يحكم الناس فلا تسعَ إلا وراء كل ما اكتملت محاسنه، ما أعظم الحق فإن قيمته خالدة ولم ينل منها أحد، والذي يعتدي على ما يأمر به يحل به العقاب، والحق هو الطريق السوي أمام الضال، ولم يحدث أن أوصل عمل السوء صاحبه إلى الأمان".

ويقول له أيضًا: "إذا كنت قائدًا كن طيبًا في تصرفاتك، تمسك بالعدالة لا تكن جشعًا باحثًا عن الثروات، فالشر لا يقود أبدًا إلى بر الأمان… إذا كنت من العاملين في جهاز القضاء، تجنب أن تنحاز لجانب دون جانب، اترك الناس تقول أفكارها، راع دائمًا العدالة".

وقال حكيم آخر من حكمائهم موجهًا حديثه للقاضي: "لا تتكلمن بهتانًا لأنك الموازين، ولا تحيدن لأنك الاستقامة، افهم؛ إنك والموازين سيان".

وربطوا بين العدل وبين الرب واعتبروا أن الظالم الذي لا يلتزم بالعدل واقع تحت غضب الرب، فها هو أحد حكمائهم يقول: "لا تنس أن تحكم بالعدل؛ لأن التحيز عدوان على الأرباب، عامل من تعرفه معاملة من لا تعرفه، والمقرب من الملك كالبعيد عنه".

بل إن قدماء المصريين من الحكام والقادة كانوا يفتخروا بهذا الخلق ويدعون أبناءهم إلى الالتزام به، فها هو الملك "خيتي" يوصي ابنه بالعدل حتى وإن كان عند العقاب؛ فيقول: "وإذا عاقبت فراع العدل… لا تقتل ولا تظلم الناس فإنهم عبيد الله يستمع لبكائهم".

ويوصيه بالعدل حتى مع الفقير، ويطالبه بالاعتماد على الرجل صاحب الكفاءة وليس لمن هو مقرب منه أو صاحب عز وجاه، فيقول: "لا ترفع من شأن ابن الرجل العظيم على ابن الرجل الوضيع، بل اتخذ لنفسك الرجل حسب أعماله وكفايته… احم حدودك، وحصن قلاعك، حتى يكون للجيوش شأن في للحفاظ على البلاد".

بل يوصيه أيضًا في حالة إذا أصبح حاكمًا، بكيفية تطبيق خلق العدل بين رعاياه، بل ويبين له درجات المقاضاة والأحكام، وألا يتسرع في العقاب بالقتل قبل العقاب بالضرب والسجن فيقول: "أقم الحق طوال حياتك على وجه الأرض، وواسي الحزين، ولا تظلم الأرملة، ولا تطرد رجلًا مما كان يملكه أبوه، ولا تلحق ضررًا بالقضاة فيما يتصل بمناصبهم، وكن حذرًا مدققًا حتى لا تظلم أحدًا أو تعاقب دون وجه حق، ولا تقتل فالقتل لا يفيد، ولا يعود عليك بأي خير، بل عاقب بالضرب والسجن".

أما القائد العسكري أنتف – أحد القادة المحاربين من عصر الأسرة الحادية عشرة – فكان يفتخر باتصافه بالأخلاق السمحة والعدل فيقول: "قد كنت رجلًا حارب القسوة وأمرت بتطبيق القانون بالعدل".

بل القضاة أنفسهم كانوا يفتخرون أيضًا بأنهم حكموا بالعدل بين المتنازعين والمتخاصمين، فها هو أحد قضاتهم يقول عن نفسه" "إنه جعل المتخاصمَين يخرجان مسرورَين من المحكمة، وإنه كان يهتم بأن يحفظ للابن مال أبيه وممتلكاته حين لا يكون في الأمر خلاف".

وهذا رئيس عمال يفتخر أيضًا بعدله فيقول عن حسن معاملته لمرؤوسيه: "عاملتُ كل عمالي برفق وما ظلمتهم أو أهنتهم".

أما الفلاح الفصيح الذي يشكوا إلى الملك ظلم الأمير فقد أثار فكرة العدل بقوة، إذ يقول: "إن أصدق وزن للبلاد هو إقامة العدل، كن صبورًا حتى يمكنك أن تصل إلى العدل، ولا يوجد إنسان طائش يجيد عملًا، اجعل عينيك تتأملان، وعلم قلبك ولا تكونن شديدًا بمقدار قوتك، خوفًا من أن يحيق بك المكروه، ولا تحرمن رجلًا رقيق المال من أملاكه ولا ضعيفًا تعرفه، فإن أملاك الرجل الفقير بمثابة النفس له".

ولم يتوقف الفلاح الفصيح – الذي لم يخش بطش الملك ولا جبروته – عند هذا الحد؛ بل دعاه أيضًا بكلمات بجب أن تظل شعارًا، إذ ناداه قائلًا: "أقم العدل لرب العدل الذي أصبحت عدالته موجودة … وعندما يكون الحق حقًا فهو إذًا حق لأن العدل أبدي، ويذهب مع من يعمله إلى القبر وسيدفن وتطويه الأرض، أما اسمه فلن يُمحى من الأرض، بل سيذكر بسبب الحق وهكذا عدل الله في كلمته".

هذه مقتطفات مما وصل إلينا من تحقيق العدل والدعوة إلى الالتزام به عند المصريين القدماء، فما أحوجنا نحن الآن – ونحن ندعي التقدم والتطور – أن نلتزم بهذه الفضيلة، وخاصة أن ديننا الحنيف والشرائع السماوية السمحة جميعها قد دعت إلى التحلي به.

 

مكانة الفن القبطي و تأثره بالفن الإغريقي والروماني

كتبت د. شهد البياع

مدير شئون المناطق بمنطقة آثار وسط الدلتا- وزارة السياحة والآثار

              الفن القبطي  له خصائصه وذلك على الرغم من قصر الفترة التي ارتقي فيها ولقد قام من أجل الشعب وأسهم فى تربية عقول العامة وكان هذا الفن رغم ذاتيته متطورا ً مع المعتقدات والعادات المتباينة فقد تأقلم شكله الفني خلال العصور المختلفة ، واستطاع أن يساير عامة الشعب ويحاكى عالمه وتسلل إلى دهاليز قصور العظماء فارضا ًنفسه بكل واقعية من حيث المظهر و المضمون.

        ومن سمات هذا الفن، سنجده فقد  التوجيه السياسي واتجه إلى الشعبية البحتة حيث يغلب عليه الطابع البسيط، والسبب الجوهري الذى ساعد الفنان علي ذلك في الحقبة المبكر تصوير الأساطير في منحوتاتهم إذ أنهم وجدوا فى تلك المناظر الخلابة منهجا ً عزبا ً يرجعون إليه في زخرفة الكرانيش والعمائر المختلفة وكذلك فى أعمال نقوش أعالي الشرفات وغيرها من الحجارة والأخشاب والأواني والادوات المعدنية وعلى زخارف النسيج بأنواعه ،ويرجع ذلك إلى تأثرهم الشديد بفنون العصر اليوناني والروماني، وبالرغم من انتشار المسيحية منذ أواخر القرن الرابع الميلادي إلى ان الفنانون كانوا متأثرين فى أغلب أعمالهم الفنية بالطابع الهلنستي إلى حد كبير وكثيرا ً ما كانوا يقلدون المناظر التي كانت تقع تحت بصرهم من فنون العصر اليوناني والروماني خصوصا ً في فجر الحقبة المبكرة، وعلى ذلك تجلت على إثارة مناظر عديدة بعضها أسطورية وبعضها خليعه ولقد كان فنا ً عريقا ً تظهر عليه دلائل الترف ويستمد أصوله من الفن  الواقعي الهلنستي، فيما بين القرنين الثالث والرابع الميلادي ولعل من أهم ما نذكره من موضوعات" ديونسيوس و أردياني " ثم الموضوعات النيلية " إله النيل – تيلوس والحوريات " "هرقل ، افروتيت كيوبيد ، ليدا والبجعة وزيوس " وغيرهم من الموضوعات

كما ان الفنانين فى تلك الفترة المبكر من المسيحية لم يفطنوا إلى فهم المبادئ المسيحية فهما ً كاملا ً لأنهم كانوا حديثي العهد بالدين الجديد فلم يعلموا أن الديانة المسيحية تنفر من المناظر الخليعة والصور العارية ،كما أنه كان يعبر عن نفسة بشكل فيه رمزية خوفاً علي نفسه من الاضطهاد ، فلما انتشرت المسيحية وأعلن أن الديانة المسيحية ديانة رسمية للبلاد فهم الفنان أصول الديانة المسيحية وأيضا ً مبادئها ،وأصبح من حقة يعبر عن ذاته، ومن ثم شرع رجال الفن فى العمل على تغيير النقوش فبدأ التطور تدريجيا ً،أول الأمر بين المسيحية والحضارات السابقة ثم بدأ الفن المسيحي فى الانحسار عن المبادئ الطبيعية وعن الفن الإغريقي والروماني وورث أفضل التقاليد القديمة وإلى جوارها استوعب أنماط من المصطلحات عن العالم المحيط به وتحولت كلها فى النهاية لخدمة العقيدة المسيحية .

مهارة الفنان القبطي :

          لقد كان الفنان القبطي يرى أن التناسق لا يتحقق بالمهارة في المبادلة بين النسب بقدر ما يتحقق بالمغايرة بين الكتلة الكبيرة والصغيرة ،الفن القبطي من أدق أنواع الفن فقد أستوحى الفنانون بعض التكوينات المصرية المتأغرقة والتكوينات الإغريقية والرومانية والفارسية والبيزنطية والهندية ولكن على الرغم من تعدد هذه الإسهامات وتنوعها فلقد ظل فنهم قبطيا ً قبل كل شيء لا يتخل عن تراث بلاده ولا عن المبادئ التقليدية للفنون الشعبية إلا فيما ندر، ولقد صور الفنان القبطي الموضوعات الفنية الإغريقية ورسوم جنوب شرق أسيا ، فأخرجها فى شكل جديد لفن مبسط يهتم فقط بالسمات الأساسية أي بأسلوب قبطي بحت . 

حكاية تأسيس القاهرة

كتبت شيماء رمضان

باحثة ماجستير فى الآثار الإسلامية

تأسس القصر والمدينة :

  يذكر المؤرخون أن جوهر بعد انتصاره واستتاب الأمر له أقبل بعساكره من فرسان ورجالة ونزل إلى حيث موضع القاهرة وأناخ هناك واختط القصر فى الليل فلما أصبح المصريون وجاءوا ليهنئوه وجدوه قد حفر أساس القصر وكان فيه زورات غير معتدلة فلما رأها جوهر لم تعجبه ولكنه قال : قد حفر فى ليلة مباركة وساعة سعيدة وتركه على حاله وأدخل فيه دير العظام.

ويشير القلقشندى إلى بناء القاهرة سنة ٣٥٨ هجرياً بيقول "بناها القائد جوهر المعزى لمولاه المعز لدين الله أبى تميم معد بن المنصور أبى

الطاهر إسماعيل بن القائم أبى القاسم محمد بن المهدى بالله أبى محمد عبيد الله الفاطمى فى سنة ثمان وخمسين وثلثمائة عند وصوله إلى الديار المصرية من المغرب واستيلائه عليها".

موضع القاهرة وحدودها

يشار إلى أن المكان الذى أناخ فيه جوهر وجيشه والذى أصبح فيما بعد مدينة القاهرة لم يكن سوى رملة فيما بين مصر وعين شمس يمر بها الناس عند سيرهم من الفسطاط إلى عين شمس وكانت فيما بين الخليج المعروف فى أول الإسلام باسم خليج أمير المؤمنين (والذى أطلق عليه أيضاً خليج القاهرة والخليج الكبير والخليج الحاكمى)وبين الخليج المعروف باليحاميم وهو الجبل الأحمر وكان الخليج المذكور فاصلا ً بين الرملة المذكورة وبين القرية التى يقال لها أم دنين و التى عرفت بعد ذلك بالمقس.

ولم يكن بهذه الرملة من البنيان سوى بستان الأخشيد محمد بن طغج الذى عرف فيما بعد بالكافورى ودير للنصارى يعرف بدير العظام  يقال أن فيه رفات وعظام بعض من أدرك المسيح عليه السلام والذى عرف فيما بعد بالركن المخلق  وقام جوهر بنقل ما فيه من رفات وعظام إلى دير الخندق وتبقى بئر هذا الدير ويعرف ببئر العظام ويطلق عليه العامة بئر العظمة ويزعمون أن طاسة وقعت من شخص فى بئر زمزم وعليها اسمه فطلعت من هذه البئر ووجد كذلك مكان ثالث وهو قصر الشوك وقيل قصر الشوك بصيغة التصغير وكانت تنزله بنو عذرة فى الجاهلية وصار موضعه عند بناء القاهرة يعرف بقصر الشوك من جملة القصور الزاهرة .

  وورد فى المصادر أن الإمام المعز لدين الله لما أتى إلى مصر ورأى القاهرة لم يعجبه مكانها فى البرية بغير ساحل وقال لجوهر "يا جوهر فاتتك عمارتها ها هنا"يعنى المقس بشاطئ النيل فلما رأى سطح الجرف المعروف بالرصد قال "يا جوهر لما فاتك الساحل كان ينبغى عمارة القاهرة بهذا الجبل على هذا السطح وتكون قلعة لمصر ".

    ويشار إلى أن ما بداخل سور القاهرة الأول  من الأماكن أرضه سبخة وماؤه زعاق قال ابن عبد الظاهر ولذلك عتب المعز عند وصوله إلى الديار المصرية ودخول القاهرة على جوهر لكونه لم يعمرها مكان المقس بالقرب من باب البحر أو جنوبى الفسطاط بالقرب من الرصد لتكون قريبة من النيل عذبة مياة الآبار.

ويذكر أن القاهرة اتخذت شكلاً مستطيلاً غير منتظم الأضلاع طوله حوالى ١١٠٠م من الشرق إلى الغرب و١٢٠٠ م من الشمال إلى الجنوب وهناك من يرى أنها كانت على هيئة مستطيل منتظم تقريباً طول ضلعه من الشرق إلى الغرب ١١٠٠ م ومن الشمال إلى الجنوب حوالى ١١٥٠ م وقيل أنها اتخذت شكل مربع طول كل ضلع من أضلاع ١٢٠٠ ياردة وكانت مساحتها ٣٤٠ فدانًا منها نحو ٧٠ فدانًا بنى عليها جوهر القصر الكبير وخمسة وثلاثين فدانًا للبستان الكافورى ومثلها للميادين والباقى وقدره مائتان فدان هو الذى وزع على الفرق العسكرية فى نحو عشرين خطة بجانبى قصبة القاهرة وأشار آخر إلى أن مساحتها بلغت وقت إنشائها ٤٠٠ فدان .

ويشير كريزول إلى موقعها بأن الجهة الجنوبية من السور تواجه الفسطاط والجهة الشرقية المقطم والجهة الشمالية تطل على خلاء وتسير الجهة الغربية للسور موازية للخليج ولكن على بعد قليل منه لأن المساحة التى تركت أقيمت فيها دار الذهب وغيرها وقد ظل الخليج قائماً حتى سنة ١٨٨٩م حين طمر وسار فى مكانه الترام ويطلق عليه اليوم اسم شارع الخليج المصرى (بورسعيد).

مسميات القاهرة

  يروى المقريزى عن سبب تسميتها بالقاهرة أن جوهر لما أراد بنائها أحضر المنجمين وعرفهم أنه يريد عمارة مدينة جديدة ليقيم بها الجند وأمرهم باختيار طالع لوضع الأساس بحيث لا يخرج البلد عن حكمهم فاختاروا طالعاً لحفر السور وطالعاً لابتداء وضع الحجارة فى الأساس وجعلوا بدائر السور قوائم من خشب بين كل قائمين حبل فيه أجراس وقالوا للعمال "إذا تحركت الأجراس أرموا مابأيديكم من الطين والحجارة فوقفوا ينتظرون الوقت المناسب فأتفق أن وقع غراب على حبل من تلك الحبال فتحركت الأجراس كلها وظن العمال أن المنجمين حركوها فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة وبنوا فصاح المنجمون "القاهرفى الطالع"ويقال أن المريخ كان فى الطالع عند ابتداء وضع أساس القاهرة وهو قاهر الفلك فسموها القاهرة.

   وتشير رواية أخرى إلى أن الإمام المعز لدين الله حدد اسم المدينة قبل دخوله مصر فتذكر أنه ركب إلى جوهر أثناء استعداده لغزو مصر فجلس وقام جوهر بين يديه فالتفت المعز إلى المشايخ الذين وجههم معه وقال "والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر وليدخلن إلى مصر بالأردية من غير حرب ولينزلن فى خرابات ابن طولون وتبنى مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا.

ويروى المقريزى أنه "يقال إن جوهر لما بنى القصور وأدار عليها السور سماها المنصورية فلما قدم المعز لدين الله إلى مصر سماها القاهرة .

   ومن الجدير بالذكر أن مدينة المنصورية التى أنشأنها بتونس الإمام المنصور بالله والد الإمام المعز لدين الله كان يطلق على بابين من أبوابها باب زويلة وباب الفتوح وقد أطلق هذان الاسمان على بابين من أبواب مدينة القاهرة .

ويشار إليها إلى أن المدينة عرفت باسم مدينة المعز لدين الله حيث سجل هذا الاسم على دينار بأحد المجموعات الخاصة مؤرخ بسنة ٣٦٢ هجرياً ويقول أن المعز لدين الله سجل عليه اسم مدينته بمجرد وصوله إلى مصر.

ونعتت المدينة بالمحروسة فأطلق عليها القاهرة المحروسة ويظهر هذا على أحد الدنانير التى ترجع إلى عصر الإمام الحاكم بأمر الله .

وكذلك ورد أسمها "المعزية القاهرة المحروسة"فى النص التأسيسى  لباب الإقبال ٤٨٠هـ وهو الباب الغربى بالجهة الشمالية لسور القاهرة والنص التأسيسى لباب التوفيق ٤٨٠هـ الواقع بالجهة الشرقية للسور نفسه.

  وذكرت باسم "المعزية القاهرة"فى النص المسجل على المحراب الخشبى الجامع الأزهر الذى أمر بعمله الإمام الآمر بأحكام الله سنة ٥١٩هـ وسجل أسمها "القاهرة المعزية المحروسة "فى نص تأسيس مسجد الصالح طلائع ٥٥٥هـ

  ويقول على مبارك "وفى الخطط أن القاهرة فى أول الأمر كانت تسمى بالقلعة والطابية والمعقل والحصن ".

الهدف من إنشائها:

  يذكر المقريزى أن جوهر كان يقصد من إنشائها "أن تصير حصناً فيما بين القرامطة ومدينة مصر ليقاتلهم من دونها فأدار السور اللبن على مناخه الذى فيه بعساكره وأنشأ من داخل السور جامعًا وقصرًا وأعدها معقلاً يتحصن به وتنزله عساكره واحتفر الخندق من الجهة الشامية ليمنع اقتحام عساكر القرامطة إلى القاهرة وما وراءها من المدينة .

  وكان المقريزى قد أشار كما أوردنا من قبل إلى أن المعز لدين الله كان قد عاب على جوهر موقع مدينة القاهرة وأنه أرادها أن تكون قلعة لمصر .

نعى السيد الرئيس محمد حسنى مباركرئيس جمهورية مصر العربية

تنعى كاسل الحضارة والتراث  السيد الرئيس محمد حسنى مبارك الرئيس الأسبق لجمهورية مصر العربية .

والذى كان له افضال فى مجالات الآثار فى فترة تولى الفنان فاروق حسنى لوزارة الثقافة وكان يتبعها هيئة الآثار المصرية ثم المجلس الأعلى للآثار .

وقد تم ترميم وتطوير العديد من المواقع الأثرية المصرية القديمة واليونانية والقبطية والإسلامية متمثلة فى المعابد المصرية القديمة بالأقصر وأسوان والنوبة وتطوير وترميم منطقة الاهرامات وابو الهول وترميم القطع الاثرية وتطوير العرض المتحفى بالمتحف المصرى وتطوير المتحف اليونانى الرومانى بالإسكندرية وإنشاء متحف الاسكندرية القومى ووضع حجر الاساس وسيناريو العرض المتحفى والبدء فى إنشاء المتحف القومى للحضارة المصرية بالفسطاط والمتحف المصرى الكبير بمنطقة الرماية بالهرم وتطوير وترميم القطع الأثرية وإعادة العرض المتحفى بمتحف الفن الإسلامى بباب الخلق .

وفى عام 1998م تم انطلاق مشروع ترميم وتطوير الآثار الإسلامية ضمن مشروع القاهرة التاريخية حيث تم ترميم المساجد والكنائس والمعابد وتطوير وترميم شارع المعزلدين الله الفاطمى المتفرد فى آثاره وافتتاحه عام 2010م

وترميم اكثر من 70 مسجدا وإقامة الشعائر بها وترميم المتحف القبطى وكنائس مصر القديمة والعديد من القصور الأثرية وترميم منطقة القلعة وإقامة محكى القلعة

 

( مادة علمية : الآثارى/  أحمد مصطفى شرف الدين ) وقد عمل بمكتب وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى

3- دير السيدة العذراء براموس

سلسلة مقالات تحت عنوان "وادي النطرون تاريخ وآثار" يكتبها

الأستاذ/ عبدالفتاح عبدالحليم زيتون                   د/ عثمان الأشقر

مدير عام مناطق آثار وادي النطرون                  مفتش التوثيق الأثري والبحث العلمي

وزارة السياحة والآثار                                  وزارة السياحة والآثار

تعتبر مدينة وادي النطرون واحدة من المدن السياحية في مصر والتي تحوي بين جنباتها أربعة من الأديرة العامرة في مصر وهو الأمر الذي لا يتكرر في غيرها من المدن المصرية الأخري وسنتناول في هذا المقال أحد أهم هذه الأديرة وهو

   سمي هذا الدير بإسم دير السيدة العذراء براموس وكلمة برموس مشتقة من الكلمة القبطية " بي روميئوس" والتي تعني الرومي أو باروميئوس والتي تعني الذي للروم نسبة للقديسين الروميين مكسيموس ودوماديوس إبنا ملك الروم فالنتينوس (364-375م)،  وهم من آباء القرن الرابع الميلادي وهي بهذا كلمة غير عربية مما لا يصح معه محاولة تفسيرها علي أساس أنها تحوير للفظ عربي.

  وقد أنشئ دير البراموس في وادي النطرون سنة 340م علي يد الأنبا مكاريوس بعد أن ازدحمت برية شيهات بالنساك والمتوحدين،و يقع هذا الأثر بصحراء وادي النطرون فى أقصى شمال غرب برية وادى النطرون والتى يطلق عليها بقعة أولاد الملوك ( مكسيموس ودوماديوس )  و يبعد عن مدينة الرست هاوس بحوالى12كم.

التخطيط العام وعناصر التكوين:

   عبارة عن مساحة مربعة الشكل تقدر بنحو فدانين وطوله من الشرق إلي الغرب (100- 107م)، وعرضه من الشمال إلي الجنوب (83-90م) وكان حتي القرن الثامن عشر أقل من ذلك قبل أن يُضيف عليه المعلم إبراهيم الجوهري مساحة 24م بطول الدير، ويحوي الدير الأثري العديد من المباني حيث يشمل عدة كنائس وهي  ( كنيسة العذراء الأثرية، كنيسة الأمير تادرس، كنيسة مارجرجس، كنيسة ماريوحنا المعمدان، كنيسة الملاك ميخائيل بالحصن) كما يحوي الدير الأثري حصناً كان يختبئ الرهبان المقيمون فيه أثناء هجمات البربر علي أديرة وادي النطرون، كما يحوي مجموعة من القلالي الأثرية في الجهة الشمالية والشرقية من الدير، فضلاً علي بعض الملحقات الخدمية مثل خزان المياه والطاحونة والمكتبة.

   ويحيط بهذا الدير سور من الحجر المطلي بالجبس، طوله من الشرق إلي الغرب 112متراً ومن الشمال إلي الجنوب83متراً، وكان قبل القرن الثامن عشر  أقل من ذلك قبل أن يضيف عليه المعلم إبراهيم الجوهري مساحة 24متراً بطول الدير، ويرتفع السور عن الأرض بنحو 9أمتار، وعرض حائطه متر ونصف المتر، ويمكن السير بأعلي السور من الداخل، وأعلي السور يوجد فتحات يطل منها الرهبان علي القادمين إلي الدير، ويرجع تاريخ السور الأثري للقرن التاسع الميلادي في عهد البابا شنوده الأول (859-880م)، ويتخلل هذا السور ثلاثة أبواب يعتبر الباب البحري هو المدخل الرئيسى للدير، ويوجد أيضاً الباب الشرقي الذي كان غير مستخدم لفترة طويلة حتي عام 1975م، وفي عام 1983م، قام الدير ببناء قلالي جديدة في الجهة القبلية خارج السور القديم وبالتالي فتح الدير باباً ثالثاً في الناحية القبلية ليستخدمه الرهبان للدخول مباشرة للدير.

الحصن في دير السيدة العذراء براموس:

   وهو عبارة عن وحدة ذات إكتفاء ذاتي ، ويعرف عند الرهبان بالقصر القديم، يعلو بابه عن الأرض بمقدار ستة أمتار، ومن باب الحصن يمتد عادة ممر خشبي متحرك يرتكز في نهايته علي بناء مقابل، وعند الخطر يرفع الممر من داخل الحصن بسلاسل حديدية حتي يقوم عمودياً أمام الباب، فيتعذر علي المغيرين إقتحامه، وفي أعلي الحصن توجد كنيسة الملاك ميخائيل.

منارتي الدير:

   بناهما المتنيح الأنبا توماس مطران المنيا الأسبق على نفقته الخاصة سنة 1920م ، ويبدو أنه قصد الإشارة إلى القديسين مكسيموس ودوماديوس، وتم بناء تلك المنارتين علي الطراز البيزنطي والذي ينتهي بقباب محكمة ترتكز علي أعمدة مستديرة ويعلو كل قبة صليب من الحجر.

القلايا القديمة:

   يوجد بالدير الأثري مجموعة من القلالي التي تلاصق السور الاثري من الداخل وتختلف هذه القلالي عن بعضها في القدم، فيوجد بعض القلالي القديمة بجوار الدوكسار( المدخل) الجنوبي للكنيسة الأثرية بالدير، وفي سنة 1923م، تم بناء قلالي للآباء الرهبان مجاورة للمنارتين علي نفقة المتنيح الأنبا توماس مطران المنيا، كما قام سنة 1960م الأنبا مكاريوس رئيس الدير المتنيح ببناء قلالي بالناحية الغربية بجوار سور الدير الغربي وفي سبعينيات القرن الماضي تصدعت مجموعة القلالي المتاخمة للسور الشرقي وتم هدمها وبُني مكانها أربعة قلالي منفردة علي طراز حديث.

الطافوس:

طافوس كلمة يونانية تعني قبر أو مقبرة، وهذه الكلمة سائدة في الأديرة وتُقال علي مدفن الآباء الرهبان ويقع في الركن الجنوبي الغربي لسور الدير، وكان بعين واحدة حتي عام 1932م، حيث قام الدير ببناء عين أخري بامتداد الأولي، ثم تم بناء العين الثالثة في سنة 1990م، وتم بناء العين الرابعة في العقد الثاني من القرن الحالي.

من مظاهر النظافة عند المصريين القدماء

كتب د. حسين دقيل

باحث آثارى بوزارة السياحة والآثار

يزعجني كثيرا ضعف اهتمامنا بالنظافة والنظام، ويكاد الأمر يعكر مزاجي في كثير من الأوقات، ولا أدري سبب انتشاره في بيئتنا رغم أن ديننا الإسلامي الحنيف والرسالات السماوية السمحة حثوا على الاهتمام به. وقد دفعني انزعاجي هذا نحو البحث في أدبيات المصريين القدماء كي أقف على حالهم مع النظافة العامة والشخصية، وهئنذا أضع بين قرائي الأعزاء صورة مختصرة لما استطعت التحصل عليه.

فقد عرف المصري القديم النظافة بشكلها المتكامل فحافظ من خلالها على صحته وبيئته، وها هو المؤرخ الإغريقي هيرودوت يصف المصريين القدماء بقوله: "كانوا يشربون في كؤوس يغسلونها بعد تناول الشراب، وكانوا شديدي العناية بلبس الكتان النظيف وغسله، وهم يمارسون الختان حرصا على النظافة، ويحلق الكهنة شعورهم وأجسامهم جيدا تجنبا لظهور أية حشرات".

والمناظر القديمة الموجودة على جدران المعابد والمقابر تؤكد لنا ذلك؛ حيث يظهر لنا اهتمامهم بتقليم الأظافر، وحلق الذقن، وقص الشعر، بل وأيضا غسل الفم والأسنان، والاستحمام، ودهان الأجسام بالعطور. فكان المصري القديم يغتسل في اليوم عدة مرات عند الاستيقاظ من النوم وقبل وبعد تناول الوجبات، وكانت لهم أواني لصب الماء من الطست، وكانت الأيدي تغسل بماء مختلط بالنطرون، أما مياه المضمضة فكانت تعقم بنوع آخر من الملح يسمى "بد".

وكانوا يكثرون الاستحمام في أيام الصيف خوفا من الرائحة الكريهة، فها هو أحدهم يتحدث إلى آخر فيقول: "لا تجعل اسمي مكروها أكثر من الرائحة العفنة للجسم في وقت الصيف". ولم يكتف المصري القديم بالنظافة الشخصية وفقط، بل اهتم أيضا بنظافة بيته، وقد عثر على العديد من أدوات التنظيف المنزلية من مكانس مصنوعة من ألياف النباتات، واحتوت المنازل على مراحيض كانت تحتل الجهة الجنوبية الشرقية من المنزل. وقد طورت أشكال تلك المراحيض خلال فترة أخناتون حيث وجدت بشكل متقدم بمدينته الجديدة بتل العمارنة، وهذا ما دفع هيرودوت أن يقول: "إن المصريين يختلفون عن غيرهم من الشعوب الأخرى في أنهم يقضون حاجاتهم داخل بيوتهم". وكانوا يتخلصون من القمامة والمخلفات بدفنها في الرمال، كما قاوموا الحشرات الضارة بالمنازل من خلال مواد استخلصوها من البيئة المحيطة.

وكانت البيوت تستقبل المياه من خلال السقائين الذين كانوا يقومون بحمل وتوزيع المياه إليها براتب من قبل السلطة، وهناك نص لحاكم أسيوط يقول فيه، إنه قام بتعيين سقائين لتوزيع المياه على البيوت في المدينة. كما اهتموا أيضا بنظافة الأماكن العامة من المعابد والمقابر، فالمصري القديم حرّم مجامعة النساء في المعابد، أو دخولها بعد الجماع دون اغتسال وطهور، بل وكان من الشعائر الدينية الرسمية طقوس التطهير بالماء أو البخور وقد وجدت العديد من أدوات التطهير هذه خلال الاكتشافات الأثرية المتتابعة.

وكان من مظاهر النظافة عند المصريين القدماء؛ اهتمامهم بالحداق المنزلية والعامة، واستخدامهم للزهور والورود، وكان الأثرياء منهم يحيطون منازلهم بحدائق وبساتين تتوسطها غالبا بركة من المياه. كما اهتموا بنظافة النيل الذي كان مقدسا لديهم لدرجة أنهم جعلوا له معبودا خاصا وهو "حعبي"، وحرصوا على عدم تلويثه، بل وحذروا من الإضرار به فها هي إحدى وصاياهم تقول: "إن من يلوث ماء النيل سوف يصيبه غضب الآلهة".

أما مقابرهم فكانت في الصحراء بعيدا عن موطن الأحياء، كما أن عملية التحنيط كانت تتم بعيدا عن المنشآت الدنيوية حرصا منهم على صحة الأحياء والحفاظ على البيئة. وبعد هذا العرض الموجز لأدب من أهم آداب المصريين القدماء؛ أرجو أن نسعى معا نحو الاقتداء بهم في هذا الجانب ولا نكتفي بالافتخار اللفظي في الانتساب إليهم.

-----------------------

مراجع:

1-رمضان عبده، زاهي حواس، حضارة مصر القديمة منذ أقدم العصور حتى نهاية عصر الأسرات الوطنية، ج1، دار الآثار للنشر والتوزيع، القاهرة 2004.

2-بول غليونجي، الطب عند قدماء المصريين، في تاريخ الحضارة المصرية، المجلد الأول، العصر الفرعوني، مكتبة النهضة المصرية، د.ت.

2- العائلة المقدسسة ومباركتها لمدينة وادي النطرون

سلسلة مقالات تحت عنوان "وادي النطرون تاريخ وآثار" يكتبها

الأستاذ/ عبدالفتاح عبدالحليم زيتون                   د/ عثمان الأشقر

مدير عام مناطق آثار وادي النطرون                  مفتش التوثيق الأثري والبحث العلمي بالمنطقة

وزارة السياحة والآثار                                  وزارة السياحة والآثار

   تعتبر مدينة وادي النطرون واحدة من الأماكن الهامة التي باركتها العائلة المقدسة أثناء تواجدها في مصر، حيث خرجت العائلة المقدسة عن طريق فرع رشيد من مدينة سخا (كفر الشيخ حالياً) بعد أن مكثت بها فترة من الزمن قاصدة برية وادي النطرون.

    وفي الحقيقة أن كتب التاريخ لم تحدد الموقع الذي نزلت فيه العائلة المقدسة بوادي النطرون ولكن الثابت في الكتب أن العائلة المقدسة أتت إلي وادي النطرون ومكثت فيها فترة من الزمن، وبارك السيد المسيح برية وادي النطرون، ويُذكر أن من بركات السيد المسيح والعائلة المقدسة بوادي النطرون انه لما قدم البرية دعي بأن لا يسكنها أيُ من الحيوانات المتوحشة والمفترسة، وبالفعل فنحن لم نسمع عن وجود أي حيوانات مفترسة ببرية وادي النطرون وهذا ما ينعكس مع طبيعتها الصحراوية والتي من المفترض أن تكون ممتلئة بتلك الحيوانات المتوحشة والمفترسة، وكان من ضمن بركاته أيضاً أنه يوجد الأن عين ماء تعرف "بعين مريم" كانت تُخرج ماءً مالحًا غير صالح للشرب؛ حيث أن طبيعة المياه بوادي النطرون مالحة، ولكن عندما شربت العائلة المقدسة من هذه العين تحول الماء المالح الغير صالح للشرب إلي ماء عذب حلو المذاق صالح للشرب بأمر الله، كما تذكر بعض الدراسات أن السيد المسيح وعد بأن هذا المكان سيكون فيه جماعة من الرهبان يتعبدون الله ويصلون فيه ليلاً ونهاراً.

    وتعكف وزارة السياحة والآثار في الوقت الحالي علي وضع أديرة وادي النطرون علي قائمة التراث العالمي "اليونسكو"؛ نظراً لمكانتها الدينية منذ القرن الرابع الميلادي وحتي وقتنا الحالي، كما أنها تحتوي علي أربعة من الأديرة العامرة والتي تنتمي للكنيسة الأرثوزوكسية وهذه الأديرة هي ( دير السيدة العذراء البراموس، دير القديس الأنبا مقار، دير السيدة العذراء السريان، دير القديس الأنبا بيشوي) ، إضافة إلي مباركة العائلة المقدسة لهذه البقعة من أرض الوطن الغالي.

من هم الذين قاموا بالرسوم الصخرية في العصر الحجري؟

كتب د. ياسر الليثي الباحث الباليوأنثروبولوجي

كان التفسير القديم لرسوم العصر الحجري يقول بأن إنسان العصر الحجري أعتقد بأنه في حال تجسيده للحيوان فإنه بذلك يكتسب قوة السيطرة عليه لأجل اصطياده,

 حسب ذلك التفسير القديم  يكون المنفذين لهذه الأعمال مِن أولئك الذين يُسمون بالشامانيين الذين لم تكن لهم أية صلة بالفن و ذلك لبعض الاسباب التي سوف نوردها في المقال.

 ولكن تلت ذلك الكثير من الأراء العلمية التي لا تقدم التفسير الشاماني إزاء هذه الرموز المرسومة فحسب, بل تتعداها إلى الحيوانات والأشكال البشرية, إي أن كل الأعمال الفنية في ذلك الوقت كانت لغرض السيطرة على الطبيعة, 

 فهل يعني ذلك أن الفن البدائي كان نفعياً؟

لأكثر من قرن منذ اكتشاف كهف التاميرا في اسبانيا, خضع الفن الصخري لتفسير مؤرخي الفن، و راي حينها معظم العلماء أن الرسوم الصخرية لا يجب أن تندرج تحت مفهوم الفن، و ذلك لسببين:

 السبب الأول، لأن الغرض منها لم يكن فنياً, بل نوعاً من الواجب الطقوسي المتعلق بالدفن والصيد والحرب, حيث كان البشر في ذلك الوقت يؤمنون باعتقاد خارق للطبيعة و من أجل ذلك قاموا بصنع تلك الرسوم.

السبب الثاني، هو أن الفن الصخري كان ينفذ  في العادة من قبل الأفراد الممارسين للشامانية و الذين أعتمدوا علي مفهوم الغموض الطوطمي للرسم اكثر من التعبير الفني.

ولكن مع بداية الألفية الثالثة ظهر فريق بارز من العلماء يقول بأن الوقت قد حان ليسيطر التفسير المبني على عوامل أخري بعيدة عن الشامانية على ميدان تفسير الفنون القديمة، حيث قال بعض العلماء أن الشامانية  لم تكن المتسبب الوحيد في ظهور وتطور الفنون الصخرية القديمة, وأن هناك الكثير من الطرق الأخرى لتفسير هذه الأعمال

 حيث أثبتت الكثير من الابحاث و الدراسات أن المنفذين الفعليين لأغلب اللوحات المنتشرة في معظم ملاجئ العالم الباليوتية ينتمون إلى مجتمع الصيادين, فقد اتضح ذلك من خلال العثور على بقايا عظام الحيوانات التي تناولوها بالقرب من الملاجئ التي تحتوي على الأعمال الفنية. هذا بالإضافة إلى كون الغالبية العظمى من الرسوم الصخرية المكتشفة حتى الآن كانت قد رسمت على الملاجئ الصخرية المعزولة وسط السهول, والتي كان يتردد إليها دائمو الترحال كمجتمع الصيادين, أما الكهوف التي فضلها ” مجتمع جناة القوت” وهم الأكثر استقراراً، فلم تظهر فيها تلك الرسوم  , كان ذلك كفيلا بجعل معظم علماء ما قبل التاريخ يعتقدون بأن تفسير صناعة الرسوم الصخرية في تلك الحقبة كانت بأيدي الصيادين و ليس الشامانات , و لكن يبقي السؤال , هل بعد ذلك الأثبات تظل الرسوم الصخرية غير مندرجة تحت تصنيف الفن لنفس الأسباب المذكورة سلفا أم نستطيع آلان إدراجها؟ هذا ما سنتناوله إن شاء الله في المقال القادم .

الصيانة الوقائية للأثار فى ضوء المواثيق الدولية

كتب د.  عبدالحميد عبدالحميد السيد الكفافى                      

مدير عام التخطيط والمتابعة لترميم الأثار

قطاع المشروعات – الإدارة المركزية للصيانة والترميم بوزارة السياحة والآثار

الحفظ هو الفعل الذي يتم لمنع التلف أو التدهور، وهو بذلك يشمل جميع الأعمال التي قد تتم لإطالة عمر الأثر، وتفضل عمليات الحفظ أقل تدخل بشرط أن تؤدى الغرض من أجل الحفاظ على العناصر الأثرية، كذلك فمن الأفضل أن يكون هذا التدخل استرجاعياً قدر المستطاع، وأن لا يؤثر بالسلب على أي تدخل مستقبلي، وعليه فإنه يمكن أن يتم إلغاء الخطوات التي تتم للحفاظ على المبنى إذا ثبت أنها متلفة أو تضر بالنسيج الأصلي للمبنى أو إذا تم التوصل لطريقة أخرى أكثر فاعلية للحفظ([1])، حيث يتضمن هذا المدلول كل الطرق التي يمكن أن تضر بالأثر، سواء في طرق الصيانة أو أعمال التوظيف التي تضر بالأثر أو استخدام من شأنه يؤدى إلى التلف, كذلك فإن التدخل للفحص بأجهزة يمكن أن تضر بالمبنى , وتؤثر بالسلب على بعض العناصر الأثرية , يعتبر تدخلا مرفوضا, إلا إذا دعت الحاجة لهذا الإستخدام, ويجب أن تؤكد عملية الحفظ على القيمة التي تساعد على تحديد الأولويات التي تدعم التدخل المناسب، حيث أن التفتيش المبدئي والفحص تعتبر من أهم الإجراءات التحضيرية لعملية الحفظ ومنه الفحص البصري للمبنى الأثري وعناصره، حيث يتم توثيق الحالة الراهنة توثيقاً منظماً، ثم تحديد الدراسات المطلوبة، ثم وضع خطط الصيانة الوقائية لتلافى التدخلات الحفظية الواسعة، وقد ثبت أن هذه الإجراءات الواقية تقلل مصاريف الترميم على المدى البعيد، حيث تتضمن الإجراءات الوقائية منع حدوث التلف Preventive of deterioration  وذلك عن طريق التحكم في البيئة لمنع تنشيط عوامل التلف والتحكم في الرطوبة الداخلية ودرجة الحرارة والضوء واتخاذ إجراءات منع حوادث الحريق والسرقة والتخريب وتخفيض التلوث والاهتزازات المرورية([2]).

ومن المعروف أن المواثيق الدولية جميعها قد اهتمت وركزت على دور الصيانة في الحفاظ على المباني الأثرية والتاريخية، ومنذ أن تنامي الوعي العام بعالمية التراث ظهرت توجهات تنادى بأهمية توحيد قواعد حماية الآثار وسبل الحفاظ عليها كتراث للإنسانية، وقد تبلورت هذه التوجهات بشكل عملي في بداية القرن العشرين بصدور باكورة المواثيق الدولية لحماية المباني الأثرية بمدريد عام 1904([3])، وتعتبر المواثيق الدولية هي مجموعة من الإرشادات والمقاييس تتشابه مع القوانين في أسلوب صياغتها وفعلها التنظيمي، ولكنها لا تصدر عن جهة تشريعية وطنية، وإنما تصدر بالتراضي العلمي والفني بين ممثلي الدول المختلفة من المهتمين بالتراث الثقافي من منظمات وجمعيات وطنية ودولية، وتعد هذه المواثيق خلاصة الفكر والعلم والخبرة الدولية، ويتميز التكوين العام للميثاق الدولي باحتوائه على شتى عناصر الحفاظ كمنظومة متكاملة فهو يهتم بالحفاظ على مجمل قيم الأثر سواء كانت قيم مادية أو معنوية أو رمزية وفنية.

 

 

 وتعتمد قدرة الحفاظ في المواثيق الدولية بشكل أساسي على اتساع وشمولية إلمام الميثاق بالعناصر المادية والتنظيمية المحاصرة لمسببات التلف للمباني الأثرية وعناصرها الفنية، حيث ركز الميثاق الدولي لمؤتمر البندقية عام  1964([4]) على أنه من الضروري أن تجرى صيانة المباني التاريخية على أساس ثابت،وأن تسهيل صيانة المباني يتم دائماً عن طريق الأستفادة منها لبعض الأغراض المفيدة، ويجب عدم تغيير مخطط أو زخرفة المبنى، وأن صيانة أي مبنى تاريخي يتضمن الحفاظ على أي تركيب داخل المخطط، وحيثما وجد موضع تقليدي فيجب الاحتفاظ به، وعدم السماح بإقامة بناء جديد أو هدم أو تحوير من شأنه أن يغير من علاقات الكتلة واللون، وأن أي مبنى تاريخي غير قابل للانفصال عن التاريخ الذي يقف شاهداً له وعن المكان الذي يوجد فيه، وأن نقل كل أو جزء من النصب لا يمكن السماح به إلا عندما تتطلب حماية النصب ذلك، أو عندما تبرر ذلك المصالح الوطنية أو الدولية ذات الأهمية القصوى.               

وتبرز أهمية هذا البند من ميثاق مؤتمر البندقية في ضرورة وضع أسس لصيانة المباني وعناصرها الفنية والتاريخية، وأن هذه المباني يمكن الاستفادة منها في الأغراض المفيدة. عن طريق توظيفها وقد تم توظيف كثيراً من المباني في بعض الأغراض مثل استخدام الدور الأرضى بمنزل الهراوى كبيت لفرقة العود العربي، حيث يتم استخدامهم للمندرة التي تفتح على الفناء، رغم أن بها عناصر فنية وأثرية هامة مثل الأسقف المزخرفة، وكذلك الدواليب الحائطية، فهي تعتبر حجرة للتدريب على أنواع الموسيقى، كذلك تستخدم قاعة الدور الأرضي بما فيها من دواليب حائطية وأسقف خشبية مزخرفة والشخشيخة والدور قاعة والإيوانين اللذان يرتفعان عن الدور قاعة، فهي تستخدم في التدريب على الموسيقى، وكذلك إقامة الحفلات بهذه القاعة, كما يستخدم الفناء للدور الأرضي في الموسيقى، كما استخدم منزل زينب خاتون كمقر لتفتيش منطقة الأزهر والغورية، وقد ركز هذا البند من الميثاق على أن نقل كل أو جزء من النصب لا يمكن السماح به إلا عندما تتطلب حماية النصب ذلك، وهذا ينطبق على نقل الصور الجدارية من منزل الست وسيلة، عندما علم موري والبعثة الفرنسية أثناء أعمال الترميم لمنزل الهراوى، أن هذه الصور تتدهور حالتها نظراً لسقوط الجدران فأسرع بنقلها وتخزينها في إدارة الترميم الدقيق بالقلعة حيث أن التخزين في هذه الحالة يعتبر نوعاً من الحفاظ على هذه الصور الجدارية وقد عنيت بعض المواثيق بالصيانة والحفاظ على المباني الأثرية، فنجد أن ميثاق بورا ([5]) Burra charter 1976، قد ذكر أن الصيانة هي كل العمليات التي تعتني بالأماكن الأثرية لحفظ أهميتها الثقافية,

ويدل هذا البند من الميثاق على أن العناية بالأماكن الأثرية مثل  المبانى الأثرية الإسلامية أمرا غاية في الأهمية حيث تتمثل العناية بالمبنى في عمليات التنظيف والصيانة الدورية والصيانة العلاجية (الإصلاحية) لكل عنصر ينتمي إلى المبنى بدءا من العناية بترميم أي من أجزاء المبنى أو إصلاح مرافق المبنى مثل دورات المياه ومواسير مياه الشرب وغيرها من الإضاءة والكهرباء وخلافه، وقد عنى كذلك المعهد الأمريكي بالصيانة وذكر أنها كل العمليات المتخصصة للحفاظ على التراث الثقافي للمستقبل، وتتضمن نشاطات الصيانة الاختبارات والتوثيق والعلاج والصيانة الوقائية معتمدة على الأبحاث والتعليم.

كما عنى مؤتمر نارا باليابان 1999م Nara conference بالصيانة وقد أكد على أنها تعنى كل الجهود المبذولة والمخططة لفهم التراث الثقافي ومعرفة تاريخه ومعرفة المواد الأثرية وإرشادات الأمان وإظهار وترميم وتأكيد التراث الثقافى (مفهوم التراث الثقافي المتضمن الآثار ومجموعات المباني والمواقع التراثية المفضلة) ([6]) ويضيف ميثاق لاهور بضرورة العناية بالصيانة الدورية للمبنى الأثري، ويؤكد على صيانة البيئة المحيطة بالمبنى، ويرى الميثاق أن صيانة المناطق التاريخية يجب أن تكون وفقاً لقواعد وأسس علمية مدروسة، أما اليونسكو فيرى أن الصيانة هي تدابير وقائية وإصلاحية وتدابير تحددها التشريعات، وأن الصيانة تستهدف الحفاظ على المظهر التقليدي والحماية من كل بناء أو إعادة تشكيل والتي قد تختل بسبب علاقات الأحجام والألون القائمة بين الأثر والبيئة، ويرى اليونسكو أن الصيانة تتضمن هدم الذي لا قيمة له وإزالة الإضافات الغير أصلية، ويركز الميثاق الاسترالي ( ميثاق بورا) على أن الصيانة هي عمليات العناية بالأثر من أجل الإبقاء على المغزى الثقافي، كما يرى أن مفهوم الصيانة يشمل الحفاظ والترميم وإعادة البناء والتأهيل، ويجب أن تكون الصيانة في أقل قدر ممكن من التدخل مع بقاء المنظور من حيث المقياس والألوان والتراكيب والخامات، ويؤكد هذا المفهوم على أن الصيانة تعتمد على دراسة خواص الآثار وتأثير الظروف المحيطة عليها، حيث تتعرض للتفاوت الكبير في درجات الحرارة والرطوبة النسبية([7]).

أما الصيانة المتعاقبة فهي تعنى بإزالة التراكمات من التلف الذي قد علق بالمادة الأثرية سواء في القشرة السطحية للأثر من جراء التغيير الكيميائي نتيجة تعرضها للعوامل الجوية أو الملوثات ، وهذه الصيانة تعمل على حماية الأثر تدريجياً، ويمكن أن يتم هذا النوع من الصيانة كل شهر([8])، وهى تشبه الصيانة الدورية، وهذه الصيانة تعمل على تقليل الحاجة إلى أعمال الترميم الجذرية، وتحمى المبنى وعناصره من أخطار التأثيرات المناخية والتلوث الجوى ، كذلك فإن حماية المبنى وعناصره من أخطار الحريق والاهتزازات وأخطار المياه والصرف الصحي هي من أهم أنواع هذه الصيانة، حيث أن أي تأجيل في هذا النوع من أنواع الصيانة، يمكن أن لا يسبب ضرراً فورياً، ولكنه يؤدى إلى التحلل البطئ للمواد الأثرية، فمثلاً انفجار مواسير مياه الشرب بالشارع الموجود به منزل زينب خاتون، قد أدى إلى دخول المياه إلى الغرفة المجاورة للمدخل، وهى غرفة مبنية من الحجر الجيري، وقد أدى ذلك إلى تحلل القشرة السطحية للحجر بالإضافة إلى ظهور الأملاح على سطح هذه الأحجار بعد جفاف هذه المياه؛ كذلك فإن الحواصل الموجودة في الدور الأرضى بمنزل الست وسيلة تتعرض لمياه الصرف الصحي نتيجة لأن المبنى المجاور خلف هذه الحواصل توجد به مشاكل للصرف نظراً لضيق مواسير الصرف أو الاستخدام الخاطئ، مما يؤدى إلى سقوط طبقات الملاط وزيادة الرطوبة الدائمة والمستمرة لجدران الحواصل .

بالرغم من أن مبنى منزل الست وسيلة قد تم ترميمه كاملا من سنوات قليلة , وهذا يؤكد على ضرورة دور الصيانة الوقائية لمنع التلف وقطع مصدره قبل أن يبدأ حتى لا نلجأ إلى أعمال ترميم كاملة عالية التكاليف , والأمثلة على التلف الذى يحدث بعد أعمال الترميم كثيرة والتى تتضح فى كثير من مواد الأثار مثل الأخشاب بمبنى منزل زينب خاتون والتى قد حدث لها جفاف بسبب قلة التهوية بالقاعة الكبرى , وكذلك بسبب زيادة مواد التقوية وتكرارها على المواد الأثرية بما يؤدى إلى جفافها..وسنذكر فى فصل عوامل التلف أسباب وعوامل التلف الدائمة على الأثر والتى يجب تقليلها أو منع مصدر التلف على هذه المواد الأثرية,ويؤكد تومسلاف ماراسوفيج 1985على أن  أخطار مياه الصرف على المباني الأثرية تمثل خطراً كبيراً على مواد البناء.

أما صيانة الحفاظ فقد عني بها ميثاق أثينا(1931Athien Charter([9] بأنها تتم وفقاً لإجراء نظم وقاية دائمة ومنتظمة للحفاظ على الأبنية بهدف تجنب المخاطر ويشمل ذلك الحفاظ على المدن التاريخية بتناسق وتناغم الإنشاءات الحديثة المجاورة لها وإبعاد المصالح العامة والخاصة والمصانع المسببة للضوضاء والمباني المرتفعة التي من الممكن أن تحيط بالمبنى الأثري وتحجبه، ويتفق ميثاق المدن التاريخية في مفهوم صيانة الحفاظ ولكن يؤكد على ضرورة التسجيل الدقيق قبل إجراء أي عمليات للحفاظ بالإضافة إلى تدابير الحفاظ داخل المدن التاريخية من التحذير من مخاطر سير المركبات والاحتياطات المطلوبة لحماية المباني التاريخية من الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والبراكين والفيضانات، ويتفق اليونسكو على هذه المفاهيم ويدعو إلى ضرورة اتخاذ تشريعات صارمة من أجل الحفاظ على التراث المعماري، أما الميثاق الأوربي فيتفق مع كل هذه المفاهيم ولكن يدعو إلى ضرورة الحفاظ على التراث من أخطار التلف الناتج عن عدم الوعي والإهمال والترميم الخاطئ أو لصق إعلانات على المباني الأثرية، كما حدد القانون أن من أهم مهام السلطة المختصة بالآثار هو حق الإشراف والسماح للمشروعات التي تقام في المناطق القريبة من المناطق الأثرية، ووقف ما تراه  ضاراً بالأثر بالاستعانة بالسلطات الأمنية، ويعرف الميثاق الاسترالي الحفاظ على أنه صيانة للمباني على الحالة المتواجد عليها ومنع التلف ويكون ذلك مناسباً عندما تكون الحالة المتواجد عليها المبنى الأثري جيدة ومستمرة كدلالة على مغزى ثقافي معين أو يحتاج المبنى إلى ترميم ولكن لم توجد الأدلة الكافية للترميم، وقد يشمل الحفاظ تقوية وتدعيم وتثبيت الأجزاء الضعيفة، أما الميثاق الكندي فهو يعنى بالحفاظ على أنه كل الأعمال التي تتم لمنع التلف ، حيث تشمل هذه الأعمال السيطرة على البيئة المحيطة وظروف الاستخدام، ووضع أعلى المعايير  للعرض والتناول للمبنى الأثري، وكلمة maintain والتي تعنى الحفاظ والصيانة والتي يقصد بها الحفاظ على الآثار في الظروف الموجودة بها من أي تأثيرات.             

[1]- Bernard Fenden: preservation & conservation for historical buildings, oxford, 1994 p.3.

1- Bernard Fenden : Ob. Cit. 1994 , PP. 7-8.

2 -  Madrid 1904 : international congress of architects

-The Venice Charter :International Charter For The Conservation and Restoration of Monuments and Sites 1964  3

1-The Burra Charter :The Australia ICOMOS Charter for The Conservation of places of Cultural Significance 1976

1- Nara conference on authenticity in relation to the world heritage convention, held at Nara, Japan from 1 – 6 November 1999.

2- عبد المعز شاهين: طرق صيانة وترميم الآثار والمقتنيات الفنية – الهيئة العامة للكتاب 1975 – ص 7 - 9.

[8]  -Reginald, Lee : Building maintenance mangment – Report about Grosby wood staples .

- Atheien Charter : Neil Grieve The Urban Conservation Glossary 1931                            [9] 1

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.