كاسل الحضارة والتراث

كاسل الحضارة والتراث

زواج الطبقات الشعبية وحقوق المرأة في العصور الإسلامية :

                      بقلم د :  ريهان نجدى

            دكتوراه في التاريخ والحضارة الإسلامية

الزواج نظام اجتماعي يهدف فى المقام الأول الى تكوين أسرة ،  وعلى الرغم من أهميته إلا أن المصادر التاريخية قد ضنت علينا بالمعلومات حول هذا النظام الاجتماعي الهام الذى هو عماد المجتمع  ، فقد كانت الفتاة تتزوج فى سن مبكرة عادة ما يكون فى سن الخامسة عشر والثامنة عشر للرجال ، وكان اختيار العروس يتم إما عن طريق الأهل، حيث تقوم أم العريس أو أحد قريباته بزيارة بعض المنازل لاختيار زوجة تنطبق أوصافها على الزوج ، وترى ما عندهم من فتيات دون ان تعلن عن مقصدها ، أوعن طريق الخاطبة وفقا للتقاليد الإسلامية حيث يتاح للخاطبة دخول بيوت الفتيات التى قاربن من سن الزواج فتتأمل الخاطبة مشيتهن ونقل أقدامهن وطريقتهن فى تقديم الشراب وتخاطبهن للتعرف على فصاحتهن ، ثم يذهبن بعد ذلك الى الحمام لمشاهدتهن بكامل زينتهن وملاحظة عيوب جسدهن وينقلن ذلك الى الخاطب وأسرته لتبدأ مرحلة أخذ موافقة والد العروس لإتمام الزواج ، حيث كان من الصعب رؤية الفتيات بحرية قبل الزواج، وهذا ما كان أيضا للفتاة الذمية سواء مسيحية أو يهودية حيث كانت الفتاة الذمية خاصة اليهودية غالبا ما تخطب قبل الزواج بأشهر قليلة لأن هذه الزيجات تتم بين أبناء دينهم وخاصة الأقرباء.

أما وسائل التعارف على النساء البدويات فكانت الى حد ما متاحة عن المدن حيث كان يسمح للفتاه بالتجول بين القبيلة لرعى الأغنام فكان متاحا لأى شاب التعرف عليها ومن ثم يتوجه الى والدها مباشرة لخطبتها، ونادرا ما كان يرفض طلبه ، ثم ينتقل الشاب فى المرحلة التالية لمعرفة رأى عروسه فى الزواج ويكلف بذلك أمه أو خالته للتحدث معها ومعرفة رأيها فى الزواج وبعد موافقتها تتم المراحل التالية للخطبة وبصورة عامة فقد أعتاد أهل بلاد الشام على زواج أبنائهم فى سن مبكرة لوقايتهم من الوقوع فى الرزيلة ولكى يعتادوا على الاعتماد على النفس.

أما عن أسس أختيار العروس سواء أكانت مسلمة أو ذمية  فكان يتم أختيارها حره  ولم يكن يتم أستشارتها ولا العريس فكان من يتولى هذه العملية ولى الزوجة ووكيل الزوج  حيث يستطلع رأى والد الزوجة ، وعند الموافقة يقررون المهر ويقرأون الفاتحة للتبرك ودليلا على موافقة الطرفين  ويهدى العريس عروسه قطعة من الحلى كقرط أو خاتم ، أما عن الصداق أو المهر فكان من حقوق الزوجة على الزوج ولكنه لا يبطل عقد الزواج وكان من الممكن تقديم الصداق كله أو بعضه ويتم تأخير الباقى الى أجل معلوم ويكون غالبا ثلث الصداق  ولما كان من المتاح تأخير الصداق الى اجل غير مسمى فكان من الملاحظ أن قيمة المؤخر أكبر من قيمة المقدم وذلك لتأمين المرأة اقتصاديا  فى حالة وفاة الزوج أو الطلاق ويكتب بهذا المؤخر سندا للزوجة أو لوالدها ويحدد فى عقد  الزواج المدة التى سيدفع فيها الزوج هذا المؤخر وفى حالة الوفاة يعتبر هذا المؤخر دينا يتم سداده أولا قبل توزيع التركة  وقد أختلفت قيمة الصداق وفقا لمكانة العروسين الاجتماعية  فكان صداق المرأة من نساء الطبقات الفقيرة يتراوح بين دينارين واربعة دنانير أو اقل من ذلك فى بعض الاحيان.

أما عقد الزواج فقد كان يتم عادة فى المسجد الجامع لكل مدينة او قرية حيث يتم إعلان أسم الزوج وأسم والد العروس لإشهار الزواج كما كان يدون في عقد الزواج أسمى العروسين وحالة العروس "ثيبا او بكرا" وما إذا كانت بالغا أو لا ويعتبر هذا من شروط الزواج ، كذلك بعض الشروط والوصايا التى تضمن حق المرأة كحريتها فيما تمتلك وعدم تدخل الزوج فى هذا وأن يكون لها حق طلاق أي مرأة يتزوجها الزوج بعدها وبيع أي جارية يتخذها بعد زواجها وألا يمنعها الزوج من أهلها ولا يمنعهم منها، وكذلك حسن المعاشرة ووجوب طاعة الزوج ، وكان شهود العقد تتراوح أعدادهم بين أثنين وأربعة شهود يتم أمامهم رضا العروس وقبولها للصداق، وفى بعض الأحيان كان يؤخذ عليهم شهادة مكتوبة يقرون فيها بمعرفة العروس، وتوافر كل شروط الزواج فيها بالإضافة الى أسماء الشهود على العقد, وكانت هذه العقود تكتب ويتم نسخها الى اكثر من نسخة وبعد كتابة العقد ينصرفون الى حفل ببيت الزوج يحضره المغنيون ويطاف على الحضور بكؤوس المرطبات.

*أما زواج الطوائف الذمية فقد كان أيضا بعقود تنص على شروط الزوجة بإستفاضة وفيما يتعلق ببيتها وأولادها ونفقاتها وغيرها من بقية الشروط التى تضمن حق الزوجة وكان اليهود من أهل الذمة يسألون عن ما لدى زوجاتهم من الأموال قبل الخطبة كشرط لأختيار الزوجة.

*أما جهاز العروس فكان يشتمل على ملابس العروس ومفروشات المنزل والحلى والأدوات المنزلية وكان جهاز عروس الطبقة الفقيرة قلما يوجد فيه ملابس فاخرة أو أدوات منزلية غالية الثمن كما كان الجهاز أيضا يشتمل على صندوق لحفظ الملابس التى كانت تعدها العروس على فترات طويلة مما كان يستدعي إخراج  هذه الملابس من وقت لآخر فى الهواء، أما بقية الجهاز فيشتمل على الأثاث المصنوع من القماش والمساند والبسط  والستور والمتارح "أو الأترحة" وهى نوع من المراتب التى إتخذها الفقراء للنوم، بالإضافة الى أدوات الطعام المختلفة من الأوعية التى تصنع من النحاس ، وكذلك أوانى العطور والكحل والمرايا، ثم يحمل هذا الجهاز الى بيت الزوجية على ظهور الدواب المجملة سروجها والمعصبة رؤوسها بالمناديل الملونة فى موكب يتقدمه لاعبى السيوف والعصى وضاربى الطبول والمزامير، وكان من أهم عادات سكان ضواحى حلب فرش غرفة العروس بالقطيفة وجعل ما التوى من وبرها الى جهة صدر الغرفة بقصد التيمن والفأل الحسن.

*أما عن الإحتفال بالعرس فكانت هذه الإحتفالات تقام إما فى الدار الخاصة بالعريس أو فى بعض الدور التى يمتلكها بعض الأفراد ويخصصونها لهذا الغرض حيث كانت تعقد حلقات الرقص والغناء كما كان أهل الريف  يذهبون الى بعض المدن لاستقدام أشخاص يجيدون الرقص بالسيف ليقوموا بإحياء هذه الإحتفالات فى مناطقهم الريفية.

*أما افراح اليهود فتقام لها الولائم لمدة سبعة أيام كاملة بحضور الأقارب  وشاركهم المسلمون فى ذلك، كما كان من عاداتهم إن يشترك رجالهم ونسائهم فى احياء أفراحهم وكانت مواعيد إحتفالات  الزواج إما فى شهور الربيع من مارس الى مايو أوفى  شهور الخريف من سبتمبر الى نوفمبر  ،وكان يوم الأربعاء هو اليوم المفضل لدى اليهود، ويوم الخميس هو اليوم المفضل لدى المسلمين لإقامة  حفلات الزواج، وكانت تقام المآدب للرجال والنساء فى غرفة واحدة تقسم بستارة لكل من عائلتى العريس والعروس ويتحمل العريس نفقات هذه الولائم طبقا لإستطاعته  أويساعده فيها أهل العروس ويسبق ليلة العرس عدة ليال يسمونها  "التعاليل" يحضرها المغنيون ، وقبل ليلة الزواج بليلتين يدعو أهل الزوجة أقاربهم للمشاركة فى العرس وليلة الحناء التى تعرف بليلة النقش

*أما عن استعدادات العروس فقد كانت العروس فى هذه الليلة تظهر بكامل زينتها، حيث كانت تقوم بصبغ شعرها بالزعفران كما كانت تقوم بوضع يديها وقدميها فى الحناء، وكانت هذه الاستعدادات تتم فى الحمامات العامة أو فى الدور الخاصة بالأفراح، ثم تبدا ليلة العرس بإقامة وليمتين احدهما للرجال تقام ببيت العريس والأخرى للنساء ببيت العروس، ثم تزف العروس فى هودج يطاف به شوارع المدينة والأسواق برفقة أهل العروسين الذين أصطفوا وأهل المدينة فى سماطين على جانبى الطريق عند باب العروس والبوقات تضرب مع المزامير، وقد أعتاد أهل الذمة مشاركة المسلمين فى أفراحهم مثلما أعتاد المسلمون على هذا أيضا، أما العريس فيقوم بإنتظار العروس فى أحد دور أصدقاءه حتى وصول موكب العروس الى دارهما ثم يطاف به فى موكب حتى يصل الى داره فيدخل الزوج الى الدار يصحبه أحد أقاربه حتى موضع العروس فيضع القريب يد العريس فى يد عروسه ليدخلان الى دارهما ويفتح على رأسيهما طيلسان وردى اللون بينما تستمر الاحتفالات .

*أما النصارى فكانت الخطبة عندهم تتم فى الكنيسة  فبعد أن يقرر العريس الزواج يذهب الى الكنيسة فإذا وقع اختياره على أحدى الفتيات يحاول أن يحاورها ويستميلها فإذا أستجابت صرح لها برغبته فى الزواج وهذه المرحلة عندهم تسمى بالخطبة الأولى، ثم تبدأ المرحلة الثانية من الخطبة "الرسمية" حيث يرسل كاهنا إلى ولى العروس ومعه بعض الأ قارب ليتلقاهم والد العروس بالترحاب ويقدم لهم الحلوى ثم يقوم الكاهن بسؤال ولى العروس عن موافقته على زواجها ، وعند الموافقة يضع يدهما فى يد بعضهما دليل على القبول ويشهد عليهم هو ومن معه ثم يتوجه الكاهن لسؤال العروس عن موافقتها فتجيب بخفض رأسها عند الموافقة بحضور والدتها فيهديها بعض قطع الحلى كهدية من الخطيب وبعد ذلك يتوجه الحضور الى منزل العريس ليقوم بتقبيل يد أبيه وأمه والكاهن، وكان الخطيب يذهب لزيارة عروسه فى أوقات محددة حتى يتم الإستعداد للزواج  ليقوم الكاهن بزيارة العروس مرة أخرى لتحديد ميعاد الزواج، وفى يوم الزفاف يقبل المدعوين على بيت العريس وتوزع عليهم المرطبات ثم يذهبون الى بيت العروس فيطلب الكاهن إزار العروس وخمارها لتضعهما عليها ثم يمشون فى جلبة ببطء فى الشارع متجهين الى بيت العريس ويحمل امامها الشموع وعند إقترابها من بيت الزوج يخرج المطربون من البيت لإستقبال العروس ثم يؤتى بولى الزوجة الى جمهور من الكهنة فيقرأون التراتيل التى هى عقد النكاح على نحو الساعة ثم يدعون لهما بالخير، ثم يدار بكؤوس الخمر ليشرب المدعوون ويقدم لهم طعام العشاء والأشربة والحلوى، ليستمروا  فى الغناء حتى الصباح ثم يقدم لهم طعام الفطور والخبز، وبعدها ينظمون حلقة ليرقصون فيها بعض الوقت ثم ينصرفون، ثم يقوم الزوج بتقديم هدية لزوجته "الصبحية" فى ثالث أو سابع يوم من الزواج وفى اليوم الثامن يزور العروسان أصحابهما ،أما اليوم الثانى عشر فيولم العريس بعض الكهنة فيأكلون وينصرفون، وفى اليوم الثلاثين يخرج الزوجان لزيارة من حضر يوم زفافهما

*اما اليهود فكان من اليسير حدوث إتفاق بين الرجل والمرأة على الزواج فبعد التعارف يلجأ العريس الى أخذ موافقة عروسه وعند رضاها يتم بينهما تحالف على الرضا فيكتب الخطيبين "القنيان" أى العهد ويسمونه شطارا يحددون فيه مقدار المهر المدفوع وميعاد الزفاف وما تم الإتفاق عليه من بقية الشروط، وعند حلول ميعاد الزواج  تنعقد جمعيه يسمونها "كتبه" ليتسلم الزوج الأمتعة التى تم الإتفاق عليها ومقدار من المال تدفعه له الزوجة، وبعد ثلاثة أيام يتم الزفاف "القدوس" وكانت العروس اليهودية يقام لها ديوان فى أحد الزوايا يوم الزفاف وتجلس على كرسى ذو ذراعين فى وسطه وخلفها ثلاثة شموع ضخمة مشتعلة وتطلى بشرتها باللون الأحمر وتجلس والدتها أو أحدى قريباتها بجوارها ويجلس بقية الناس ورائها على بعد خطوات محجبات وتبقى على هذا الحال حتى إتمام الرجال الطقوس الدينية والقدوم اليها فى موكب يتقدمه  رئيس الطائفة "الحاخام" وأثنين أو ثلاثة من الربانيين فتتوقف الموسيقى ويذهب العريس ووالده الى يسار العروس ويغطى الوالد رأس العروسين بنقاب صوفى يسمى"الطليطة" ثم يقوم العريس بتقديم قطعة  فضه الى العروس ويشهد بذلك رجلان لهم قرابة بالعائلتين فتأخذها منه ثم يخطبها بقوله "انت مقدسة لى بهذه القطعة بدين موسى و إسرائيل" ثم يعود والده الى الوراء ويقدم زجاجتين من الخمر الى الحاخام ليشرب منهما جرعة ويدعو لهما ،ثم يدار بالزجاجتين على الحاضرين يشربوا أيضا جرعة ثم يقوم الحاخام بكسر الزجاجتين ونزع الحجاب من على رأس العروسين ليقدم لهما الحضور التهانى ثم يذهب العريس الى داره يصحبه موكب من الرجال لتناول الطعام وتنتقل بعده العروس الى بيتها بصحبة موكب من النساء.

وفى صبيحة اليوم الأول للزواج أعتاد العروسان على أن يقدما لبعضهما هديه تسمى "الصبيحة"  يذهب الزوج بعدها الى الحمام ومعه جمع غفير من خلانه بعدها يخرج الزوج الى السوق لتوزيع السكاكر على من يهنئه بالزواج ثم يزور أهل العروس إبنتهم فى اليوم التالى وتسمى هذه الزيارة "سلاما" وتقام لهم الولائم على عدة أيام وتسمى هذه الولائم بالصباحيات، وفى اليوم الخامس عشر من الزواج يقيم الزوج لأهل زوجته وليمة تسمى عزيمة الخامس عشر ، وطبقا لعادات اليهود فبعد الزواج يمسك الزوج عن زوجته خمسة عشريوما  وينغمس فى حوض خاص بالتطهر ويدعو فى اليوم الثانى من زواجه عشرة من رجال الدين لتناول الطعام فى بيته وعلى رئيسهم قبل الطعام ان يبارك المائدة سبع مرات كما بارك على الخمر يوم الزفاف.

*أما الفئة الثالثة من اهل الذمة وهى الصابئة فكان من حق الزوج أن يتزوج أكثر من مرة إلا أنه كان من غير المتاح لهم الزواج من غير الصابئة لعدم إختلاط الدم، وللزواج عندهم مراسم خاصة وتعميد مقرر يجرى على أيدى رؤسائهم الدينيين ، حيث يتم بإرسال نسوة الى العروس للتأكد من بكارتها ،لأن العقد على الثيب ينجس الكاهن وكان التعميد من أهم مراسم الزواج حيث يأتى أحد الكهنة من درجة "كنزورة" مع مساعدين له من درجة "ترميده"أاى تلميذ فتدخل الزوجة معهم الى الماء وتغدق عليها المياه ثلاث مرات ثم تخرج الزوجة وفى يدها مصباح للدلالة على أنها عروس لا يجوز لمسها فى السبعة أيام الأولى لان لمسها ينجسها، ثم تذهب العروس الى بيتها فيقرأ عليها الكاهن دعاءا خاصا ثم يعود الى الماء مرة اخرى ليعمدها ثانيا، وبعد الإنتهاء يرسلها الى غرفة زوجها حيث تجلس على "الكلة" سرير العروس بانتظار زوجها، أما العريس فيتم تعميده بنفس الطريقة وبعد ذلك يأتى مع وكيل الزوجة ومجموعة من الأقارب ورؤساء الدين فى عريش من القصب ويوزع على الحاضرين أرغفة من الخبز ليأكلوه كأحد طقوس الزواج فان لم يؤكل يوزع على الفقراء أو يلقى به فى الماء، ثم يتقدم الكاهن الذى قام بالتعميد يرتدى رداء خاصا هو والعروسين ويلقن وكيل الزوجة صيغة العقد الذى تستمر لمدة ثلاث ساعات ثم يستبدل العروسان ألبستهما بألبسة العرس، ثم يأخذ الكاهن الزوجة الى الزوج ويلصق ظهرهما ببعض أيامرهم  الكاهن بأن تقابل الزوجة زوجها وتنطح رأسه ثلاث مرات برفق وهى تدعى بعض الأدعيه يكونا بعدها زوجين ثم يكسر بعد ذلك كوزين ويبدأ الحضور بالإنصراف.

*اما البدو فكان الزواج بالنسبة لهم وسيلة للراحة حيث كان ثراء البدوى  يتوقف على عدد الزيجات والأولاد الذين يقومون بكافة الأعمال من رعى وزراعة وجمع الأحطاب وغيرها من الأعمال، وكان من المعتاد أن تخرج العروس بعد أسبوع لزيارة أهلها وتأخذ شئ من عند عريسها لتقدمه لأهلها.

*وكانت المرأة عند حدوث الحمل تقوم بتوفير كافة المستلزمات لطفلها وهى ما تعرف بـ"الديارة" والإستعداد لقدوم هذا المولود وعند الوضع يتم إستدعاء القابلة "الدايه" مصطحبه معها كرسى من الخشب قد قور من منتصفه فكلما جاء للأم المخاض جلست على هذا الكرسى فإذا تعسر المخاض شربت الأم شيئا من السمن المذاب وبعد وضع المولود يطبخ للأم الحلوى المصنوعة بالجوز لزيادة لبنها ويقتصر شربها على منقوع البنفسج لمدة أسبوع وترسل لها الولائم المشتملة على الزلابية  والسكر كما تشرب من ماء الحمام المنقوع فيه أصول البنفسج وتقوم بالمكوث فى البيت لمدة أربعين يوما ثم تخرج بعدها الى الحمام بصحبة أهلها حيث يتم كبس بدنها بعد دهانه بمادة مقوية ويعنى هذا زوال الخطر عنها .

*أما الطفل فبعد ولادته تقوم القابلة بلمسه لتصلى على محمد((eان كان ذكرا، وتترضى على فاطمة إذا كانت أنثى ثم يقوم أحد الاقارب ليؤذن فى أذنه بالآذان الشرعى ثم يطلق عليه اليه أسما ثم يقيم أهل المولود وليمة فى اليوم السابع للأقارب تحتوى على الدبس والشمرة و يقدم المدعوون لأهل المولود بعض الهدايا التى تسمى "تهنايه" ، وتتلقى الأم فى الأسبوع الأول من الولادة الكثير من الهدايا المتمثلة فى أصناف الحلوى والسكر، وفى اليوم السابع يقام إحتفال للمولود تتلقى فيه الأسرة "النقوط" من ملابس وأصناف الأطعمة والحلى ، ويتم  تكحيل الطفل كل أسبوع بكحل أسود مركب من هباب الزيت من يوم ولادته حتى بضعة أشهر بعدها وإذا خرجت أسنان الطفل يقومون بسلق القمح  ويخلطونه بالسكر والرمان ويطعموه من هذا الخليط ويفرقون ما تبقى منه، وكان أفراد الاسرة يمكن أن يزيد حتى يصل فى بعض الأحيان الى عشرين شخص ربما دفعهم الى ذلك عملهم كمزارعين وما تطلبه هذه المهنة من أيدى عاملة .

*أما عن العلاقة بين الأزواج فكانت تسودها المعاملة الحسنة فى العموم من قبل الزوجين اما المشاكل التى تنشا بين الزوجين كان من أهم اسبابها ضرب الزوجة أحيانا وتقييد حريتها ، كما كانت الزوجة البدوية تتفانى فى إتخاذ كل الوسائل والسبل التى تكفل لها الأحتفاظ بزوجها ومشاعره ومكانتها عنده، فقد كانت ا المرأة فقد كانت مصدر العطف لكل الأسرة والمسأولة عن تربية الأطفال، وصاحبة الدور الأساسى فيها، وكانت تحترم من قبل أبنائها ، وكان اليهود يلقبون امهاتهم بلقب سيدتى ، أما الأب فكانت له السلطة المطلقة  داخل أسرته فيتعامل بشده وصرامة نحو ما يخص أسرته وكان من غير المسموح به أن يخرج أحد الأبناء عن طاعة والده وإلا عاقبه الأب بأشد أنواع العقاب التى كان من الممكن أن تصل الى القتل بين القبائل البدويه التى كان الأب فيها يؤثر البنين على البنات ويرى الولد درعا حصينا يتقى به العدو ولذلك كانوا يتخذون لأبنائهم أسماءا تعكس هذه المشاعر مثل كلب وأسد وثور وفهد، كما كانوا يمنحون أولادهم قسطا وافرا من الحنان والرعايه .

*أما عن الطلاق فقد كانت هناك بعض الأسباب التى تؤدى الى حدوثه منها

  • عندما لا تروق المرأة فى عين زوجها لأى سبب
  • أن تكون المرأة غير قادرة على الإنجاب أو اأنها لا تنجب سوى الإناث
  • ان تكون غير قادرة على الإجتهاد فى أداء الأعمال الموكله بها
  • حينما ترتكب خطئ فادح سلوكيا أو أخلاقيا

وعند وقوع الطلاق يصبح من الحتمى أن تعود المرأة الى بيت أبيها حتى تتزوج بآخر، أو تبقى كما هى، وعند رحيلها من منزلها يمنحها الزوج ملابس جديدة ومبلغ من المال، وإذا كانت حاملا وقتها فيمنحها مالا يكفيها لغذائها وغذاء طفلها وإن كانت هى من طلبت الطلاق فليس من حقها أخذ هذه الأموال، أما فى البادية فكان الزوج وحده هو من له الحق فى الطلاق وليس للمرأة الحق فى ذلك.

وبصورة عامة فقد كانت المرأة المتزوجة على قدر عالى من العفة والطاعة لأزواجهن وعلى قد كبير من الرضا بالمعيشة، كما كن متفانيات فى خدمة أزواجهن وأولادهن وكانت حالات الطلاق قليلة لا يلجأ اليها إلا بعض فئات العوام من الرعاع  قليلى الخلق.

 

الأمير خع إم واست الثاني ( خعمواست )ابن فرعون الفراعين , أمير اكتسب سمعة طيبة في حياته و بعدها

بقلم / سُميه محمد عجم ، كاتبة في التاريخ المصري القديم

يعتبر الأمير " خعمواست " من أشهر أمراء الإمبراطورية الحديثة ، ذاع سيطه بين العالم على إثر إنجازاته العظيمة و إهتماماته التي خلدت ذكراه

  • المولد و النشأة :
  • معنى الاسم / الملك الذي أشرق في طيبة
  • رابع أبناء الملك رعمسسو الثاني بالأسرة التاسعة عشر
  • ابن الملكة الرئيسية الثانية " ايست نفرت "
  • كان يسبقه أخ يحمل نفس الإسم لكنه توفي و هو صغير
  • خلص والده نفسه من أعباء الحكم بتعيينه ولي للعهد
  • وُلد عنما كان والده نائبا للملك ( ولي العرش )
  • كان الملك يعتبره أحب أبنائه إليه ( الابن المقرب )
  • مات في فترة حكم والده
  • أهم الأعمال :

اختلف كثيراً عن إخوته !

  • ابتعد عن الحياة العسكرية التي لم تجذبه
  • ذهب مع والده لحملة صغيرة للنوبة و هو في الخامسة من عمره
  • شارك بعد انفراد والده بالحكم في بعض الحملات على سوريا
  • أصبح والياً على العرش في خمسينيات حكم والده لكنه شغله لفترة قصيرة بسبب موته
  • اكتسب خبرة إدرية واسعة في علوم الدين و الدنيا
  • أشرف على الأعياد و الاحتفالات و ترأس اللجنة المسؤلة عن العيد اليوبيلي لخمس سنوات
  • تميز بتفوقه في المواهب العقلية المختلفة فقيل أن عقله أكبر مما توحي به سنه !
  • كان مولعا بالسحر و الماورائيات و مصدر إلهام للأساطير و القصص مثل : قصة كتاب تحوت
  • إهتم بدراسة الديانات المصرية و علم اللاهوت و كان شغوفا بالمعبود بتاح , حيث :
  • دخل في خدمته بمدينة منف و تدرج في المناصب حتى أصبح كبير كهنته
  • تولى منصب الساعد الأيمن للكاهن حوي ( كبير الصناع ) في سن العشرين
  • قضى أربعين عاماً في خدمة المعبود بتاح و ضمن لنفسه دخل هذا المعبود
  • كان متشعب المسؤليات :
  • امتد مسؤلياته : شمالا حتى بر رمسيس و جنوبا بمدينة نينسو عند مدخل الفيوم
  • أشرف على إنشاء كثير من آثار و مشروعات أبيه و حرص على معالجة آثار السابقين
  • كان كاتم أسرار الملك و تعددت ألقابه طوال فترة حياته
  • الإهتمام بالعجول المقدسة ( منطقة سيرابيوم سقارة ) :
  • فكر في طريقة جديدة لدفن العجول المقدسة لتوفير الحماية لها " جبانة السيرابيوم " :

نحت نفق في احدى الجبال منحوت على جوانبه محاريب يوجد بها نواويس العجول "  اكتشفه مارييت

  • بنى معبد أبيس لاستقبال مومياء العجل الميت ليوم واحد و يكون مركزا لعبادته " الحي في الأبدية "
  • خع إم واست بين الإمارة و علوم المصريات و الترميم :
  • أول عالم مصريات في التاريخ ( له سبق الريادة )
  • درس أهرامات سقارة وشمال الجيزة
  • ظهر شغفه في الكيمياء و الهندسة المعمارية
  • كان مولعا بترميم آثار أجداده

 أصابه الإحباط عندما وجد آثار أجداده مُهملة و على وشك الإنهيار

قرر ترميم معابد إحياء الذكرى و بعض الأهرام و المقابر و إزالة الرمال الكثيفة

تقرر إصدار مرسوم ملكي لتنفيذ فكرته التي شملت :

  • نصوص هرم أوناس بسقارة
  • مقبرة الملك شبسكاف
  • هرم الملك زوسر
  • هرم الملك ساحورع
  • معابد الشمس
  • كان يضيف اسم والده و أحيانا اسمه و نص المرسوم مع اسم الملك القديم بعد عملية الترميم
  • إهتم بإحياء التراث القومي و تخليد ذكرى الأجداد الراحلين
  • آثاره :
  • صُور مع والده على جدران مقبرة السيرابيوم يقومان بتقديس المعبود أبيس
  • له تمثال عُثر عليه بسقارة مُهدى للعجل أبيس
  • له جزء من تمثال بقرية " الشيخ مبارك " قبالة مدينة المنيا
  • له تمثال بالمتحف البريطاني مصنوع من الصوان تم العثور عليه في أسيوط
  • سُجلت بعد النقوش عنه مع عائلته بمعبد الذكرى في بيت الوالي
  • له تمثال محفوظ في متحف برلين بألمانيا
  • المقبرة :
  • ذكر سليم حسن أنه دفن في جبانة الجيزة عند كفر البطران
  • ذكر كنت كتشن أنه دفن في السيرابيوم :
  • كان أسلوبه في اختيار مقبرته فريداً من نوعه
  • انفصل عن مقابر عائلته الملكية
  • دُفن بين عجوله المقدسة التي ظل يرعاها طوال حياته
  • حفر لنفسه سرداباً بين غرف العجول بالسيرابيوم
  • محتويات المقبرة كانت : تابوت خشبي متين يحوطه جهازه الجنزي مع الحلى و قناع ذهبي
  • إنهار السقف و أخفى معه معالم الدفن , ثم جُردت غرف العجول من كنوزها ( نُهبت )
  • اكتشف المقبرة العالم مارييت عام 1852م و لم يصدق أن يجد هذا الأمير العظيم بين العجول !

التحنيط "الـنـفـس الـخـالـدة لا تـمـوت أبــدًا"

بقلم / سُمية محمد عجم 

كاتبة في التاريخ المصري القديم

عند الحديث عن علم التحنيط يتسع المجال أمامي كثيراً و يتشعب بين الجهة الدينية و العلمية و التاريخية

كما نعرف كان التحنيط أحد شروط البعث لضمان الخلود ؛ حتى تجد الروح مكانًا تحل فيه بعد الممات

معنى التحنيط : هو عمليه حفظ الجسد من الفناء و التلف

ثم شاعت التسمية اللاتينية " Mummification " التي ظهرت منها كلمة مومياء و اختلف العلماء في أصلها

  • ( ميمياء ) ذات أصل فارسي بمعنى القار أو اللون الأسود
  • ( مومياء ) ذات أصل عربي بمعنى مادة سوداء اللون

مصادرنا عن علم التحنيط شحيحة لكنها تنقسم لنوعين :

_ النوع الأول | مصادر مصريه أصلية

  • البرديات
  • الفحص العلمي

_ النوع الثاني | كتابات المؤرخين الكلاسيكيين لكنها مشاهد وصفية غير متعمقة

  • هيرودوت
  • دويدور الصقلي

و بما أن الشعب المصري متدين بطبعه منذ قديم الأزل كان لابد من اختيار آلهة التحنيط ، أهمها

_ " أنوبيس " و في المصرية القديمة يسمى " انبو "

_ " أولاد حورس الأربعة " يتواجدون على أواني الأحشاء لحمايتها

 كان للتحنيط مكان مخصص بالجبانة تتم فيه هذه العملية في الصحراء بالبر الغربي بجانب النيل أو اي قناه بها ماء جاري وكانت تسمى ( وعبت أو ابو )

_ طرق التحنيط :

  • الطريقه الأولى | الملوک و حاشيتهم

° أدق أنواعه و هي طريقة مكلفة تسمى بالنموذج الكامل

° يتم استخراج المخ و الأحشاء

° يتم معالجة الجسم بالنطرون مع مواد أخرى مستوردة و عالية الجودة

  • الطريقه الثانيه | الطبقة الوسطى و الأغنياء

° محاولة الإقتصاد و التوسط

° تتحل الأحشاء داخل الجسم عن طريق حقنة شرجية و لا يتم استخراجها

° يتم دهن الجسم بمواد عطرية محلية و لفه بالكتان

  • الطريقه الثالثة | عامة الشعب و الفقراء

° لا يتم استخراج المخ أو الأحشاء و لا تحلل

° يتم دهن الجسم بمواد عطرية محلية و لفه بالكتان

_ خطوات التحنيط :

١ . نقوم بغسل الجسد و تطهيره في نفس يوم الوفاة و هذا الأمر مرتبط بالعقيدة الشمسية

٢ . تجفيف الجسد بالنطرون لامتصاص الماء و قتل البكتريا

٣ . استخراج المخ حسب الطريقة المستخدمة إما من فتحتي الأنف أو فتحة خلف الرأس ثم يوضع في وعاء من الفخار أو الجلد " تكنو " و في النهاية يتم ملئ الجمجمة بالكتان المغموس بالراتنج أو دهون الحيوانات المغلية

٤ . استخراج الأحشاء الأربعة إما عن طريق فتحة بالجانب الأيسر من المعدة أو من فتحة الحوض ( حسب جنس المتوفي ) ، و يتم وضعها بملح النطرون و لفها بالكتان و وضعها في الأواني المخصصة لها

٥ . كان يتم معالجة القلب و الكليتين ثم وضعهما مرة أخرى داخل الجسد

٦ . وضع مواد الحشو لملئ شكل الجسد مرة أخرى

كانت هذه العملية تستغرق ٤٠ يوماً و منها ظهرت عادة الأربعين المصرية

٧ . صب الزيوت و الدهون على الجسد لسد المسامات

٨ . يتم وضع اللمسات الأخيرة و هي غلق الفتحات التسعة للإنسان ، و تزيينه بالحلى و الباروكة و غيرها ..

٩ . يتم لف الجسد بالكتان و قراءة تعاويذ من كتاب الموتى ، و كانت هذه الأكفان طويلة جداً

١٠ . وضع التمائم و الأحجبة لحماية المتوفي من أهوال الوصول للعالم الآخر بسلام

كانت العملية الفعلية للتحنيط حتى التكفين و الدفن تستغرق ٧٠ يوماً

و بالطبع لم يتوقف فن التحنيط على البشر فقط فلدينا من الأمثلة ما تكفينا

عن تحنيط الحيوانات أما الأليفة التي يريدها المتوفي معه في حياته الأخرى ،

أو تلک التي تجسد الآلهه مثل البقر و الثيران و التماسيح  . .  

_ إحياء الفن المصري القديم | التجربة الأمريكية :

ترجع هذه القصة لرجل أمريكي يُسمى " چون سانتوس " اُتهم بقتل اثنين من جيرانه ، اقترحت عليه ابنته الممرضة أن يتبرع بجسده لقسم التشريح بجامعة ماريلاند حيث أراد أن يكفر عن أعماله بعدما حُكم عليه بالإعدام

في اليوم الأول قاموا بنزع المخ و الأحشاء و استغرقت عملية التجفيف ٣٥ يوماً

أما فترة الدهون و الزيوت استغرقت ثلاثة أيام ، و استغرق التكفين يومين استناداً على صور مومياء الملک تحوتمس الثالث ، استكمال التجفيف أخذ منهم ١٣٤ يوماً !

بالطبع ظهرت العديد من الملاحظات على هذه التجربة ، لكن من حسن الحظ مازالت هذه المومياء في حالة جيدة و محفوظة بمتحف الإنسان في سان دييجو

هذا الفن حافظ على عظمة الأجداد و تراثهم ، و مازال العلماء ييحثون حتى اليوم في أسراره لرؤية خباياه

المعبودات حمسوت ونثرعنخ وتانيت نظائر للمعبودة نيت

بقلم الآثاري / محمد أحمد ناصر

تميزت المعبودة نيت ببعض الرموز التي صاحبت ظهورها مثل مكوكك الحياكة والقوسين المتقاطعين والدرع والسهمين المتقاطعين والسمكة لاتس رغم ظهورها في الهيئة التي تشبه مثيلاتها من المعبودات المصرية كالشكل البشرى الخالص وامرأة برأس لبؤة والبقرة و غيرها

إلا أنه وجدت معبودات أخرى شاركتها رمزا مميزا لها أو تداخلت معها بشكل واضح منها المعبودة حمسوت ربة القدر والحماية والتي ظهرت بالهيئة الآدمية لإمرأة تحمل الدرع والسهمين المتقاطعين مما يصعب التفريق بينهما والربط بينهما جاء عندما رفعت المعبودة  نيت المعبودة حمسوت من المياه الأزلية نون ضمن مجموعه من المعبودات في اشارة لخلقها وأن حمسوت ربة القدر هي ابنة نيت التي اتخذت شكل أمها

مرة أخرى تأتى المعبودة نثر عنخ والتي عرفناها بشكل الكوبرا على صدرها القوسين المتقاطعين ومعنى اسمها المعبودة الحية والذى ذكر على تمثال لها من الخشب المذهب تقف على قاعدة خشبية سوداء كأحد مقتنيات مقبره توت عنخ آمون و أحد الإلاهات المسئولة عن حماية إله الشمس أثناء مروره ليلا فى العالم السفلي وظهرت نيت بنفس الشكل أو مضافا اليها الجناحين وفى أحيان أخرى متوجة سواء بتاج الشمال أو الجنوب ونرى أنها  بشكلها المجرد تحمل قرص الشمس هي نفسها نيت  مصطبغة بما يناسب الحدث وهو الوجود بالعالم السفلى وما يمثله من موت لذلك وصفت بالمعبودة الحية ضمن مقتنيات الدفن لتمثل وتدعم فكرة الحياة و البعث ( كحامل النور في الطريق المظلم) 

وبالتنقل بين مقتنيات مقبره توت عنخ آمون نجدها منتشرة في الاثاث الجنزى مثل كرسي العرش حيث مثلت نيت على الجانبين بشكل الكوبرا المجنحة ترتدى تاج الشمال على جانب وتاج الجنوب على الجانب الاخر ووجدت كذلك على خلفيه نفس الكرسي كأربعة من حيات الكوبرا تحمل قرص الشمس ويمكن تمييز صف الكوبرا العلوى من صندوق الاحشاء أنه للمعبودة نيت حيث تميز بوجود رمز القوسين المتقاطعين على صدرها بخلاف الصف الأسفل منه ثم للأسفل نجد نيت ممثلة كأنثى عليها رداءا فضفاضا مضلعا فاتحة يديها لحماية أواني أحشاء الملك توت عنخ أمون مع كل من المعبودات ايزيس ونفتيس وسرقت في نحت رائع وطلاء مذهب وتحمل كل منهن رمزها فوق رأسها  

ووجدت نيت بهذا الشكل على بعض الحلى المكتشفة بمقبرة الملك الشاب منها قلادة متحدة مع عين حورس وقد حلت بجانب انثى العقاب نخبيت على معظم مقدمة أغطية الرأس التي صور الملك يرتديها وكذا أحد التيجان الرائعة المرصعة بالأحجار الكريمة و حيه الكوبرا على صدرها القوسين المتقاطعين و بذلك تمثل مملكة الشمال و نخبيت تمثل مملكة الجنوب

وصور الملك توت عنخ امون مرتديا تاج الشمال تتقدمه الصل على صدرها الرمز المميز للمعبودة نيت ونلاحظ تخليه عن اللون الأحمر المميز لتاج الشمال وتلون باللون الذهبي ونرى أن ذلك تم لمغزى ديني و هو تقمص الملك للصورة الإلهية للمعبودة نيت وبتلك الاضافة الإلهية فقد طغى عليه اللون الذهبي المميز لأجساد الآلهة

   قبل ما يزيد عن سبعة ألاف عام تطورت عبادة نيت على الجانب الغربي من دلتا النيل وفي نفس التوقيت وعلي نفس الإتجاه الغربي وفي عمق الصحراء ظهرت معبودة أخرى حملت نفس الاسم بالإضافة الي تاء التأنيث وهي تانيت أو تنيت أو تانيث وربما تطور هذا المنطوق الي تونس الدولة العربية الشقيقة وانتشرت من ليبيا الى المغرب وتحديدا بين الأمازيغ وعبدها البونيقيون و هي أعظم ربات قرطاج مدينة المحارب القديم حنبعل كما عبدت في مالطا وسردينيا وإسبانيا

 ورجح بعض العلماء أن أصلها أمازيغي وإستقرت بغرب الدلتا بصالحجر وانا شخصيا أرجح هذا الرأي حيث انتشرت مع عبادة تانيت بعل آمون وأطلس وبحسب رواية سولون من أحد كهنة معبد نيت عن قارة أطلنتس المفقودة وتأثير مسمى المعبود أطلس على الرواية (سوف نفرد مقالا مستقلا عن قارة أطلنتس )  واتخذت قالبا مختلفا مما أوحى أن كل منهما مختلفة عن الأخرى

جدير بالذكر أن عادة التضحية البشرية بالأطفال ربما البكر تمت ممارستها كأحد طقوس عبادة تانيت حيث عثر غرب قرطاج على توفيت وهو مكان التضحية بالأطفال مما يشير في تطور عبادتها فى قرطاج أنها كانت أكثر وحشية من نظيرتها فى صالحجر حيث لم يعثر ما يشابه ذلك بها حتى تاريخه

وافترض ج.كاربينى أن تانيت أصلها من مدينه صيدا وأن قرطاج تبنت عبادتها إثر الصلة الوثيقة بينهما وطالما إعتبرت قرطاج أن مدينتها الام هي صور وكذلك الاعتماد على النقش المكتشف في ساربتا 15كم جنوب صيدا وبشهادة المصادر الاغريقية والرومانية و قد سكت عملة فينيقية بقرطاج ما بين العامين 215-205 ق م تظهر عليها المعبودة تانيت

وبالرجوع الي الصفات الرئيسية المشتركة بين كل منهما نجد تانيت ولدت حول بحيره تريتونيس وظهرت نيت من الماء الأزلي نون وكانت كل منهما ربة للخصوبة وعلي لوحة أخرى للمعبودة تانيت نقش عليها شكل السمكة بوضوح ونجد على الجانب الآخر أن نيت  أحد أشكالها البدائية السمكة لاتس ويعد ذلك من تأثير البيعة الجغرافية لحوض البحر الأبيض المتوسط والملاحة فيه 

وكان الفينيقيون يضعون رموز المعبودة تانيت على عتبات بيوتهم بغرض الحماية ونجد المصريين يضعون المعبودة نيت بشكل الكوبرا على عتبات بيوتهم بغرض الحماية أيضا وقد كشفت البعثة الإنجليزية العاملة بصالحجر عن العديد من شكل الكوبرا الفخارية والتي كان مكانها عتبات البيوت للحماية بل وإمتد ذلك الى المعابد حيث تزينت بعض المعابد بإفريز الكوبرا على صدرها علامة نيت للحماية و ورد سلفا بذات المقال وجود إفريز من الكوبرا على صندوق الأواني الكانوبية للملك توت عنخ آمون وكان أيضا بغرض الحماية 

كل منهما تتمتع بطقوس أنثوية عسكرية حيث كانت محاربة وأشار كل من هيرودوت وأفلاطون أن الإغريق عبدوا نيت الأمازيغية باسم أثينا وسميت أكبر مدنهم بإسمها أثينا وهو نفس الشيء مع نيت بصالحجر.

وتتضح ماهية المعتقدات من التحليل الرمزي لكل لاهوت ولعل أشهر الرموز للمعبودة تانيت عبارة عن مثلث تعلوه دائرة أو هلال  بينهما خط أفقي وفي بعض الأحيان يتم عمل زيادة علي الخط الأفقي حتى يتماثل الشكل مع شكل المرأة ببساطة ونرى أنها تقارب بشكل كبير علامة العنخ المصرية وهنا نسترجع صورة المعبودة نيت بشكل الكوبرا والمعبودة نثرعنخ فربما جاءت تلك التسمية من الذاكرة الرمزية للمعبودة تانيت

رغم كون علامة المثلث ترمز للمرأة كتفسير بدائي عند أغلب الشعوب الأرضية  إلا أن هناك تفسيرات لعقيدة شمسية مرتبطة بهذا الشكل ونرى ترجيح تلك الفرضية بالإضافة الى ان هذا المثلث جاء مقلوبا مطابقا لشكل الهريم فوق المسلة مما يوضح الإرتباط المباشر بالعقيدة الشمسية

وجدت لوحة ممثل عليها شكل المعبودة تانيت نقش عليها شكلين لسعف النخيل ومن جهة أخرى روى هيرودوت أن الصالة الخارجية لمعبد نيت بصالحجر كانت مقامة على أعمدة نخيلية.

ويعد الهلال فى شكل المعبودة تانيت رمزا مقدسا بقرطاج أما في صالحجر يعد أيضا مقدسا وتسمى عليه أمازيس  أحد أعظم فراعنة الاسرة السادسة والعشرون وينطق إسمه (إعح مس) ويعني وليد القمر

ولطالما رجح العلماء أن ملوك العصر الصاوي تعد أصولهم ليبية ولم يشهد التاريخ أو تشير الآثار المكتشفة حتى حينه نفور أهل صالحجر منهم كعرق بشري مخالف لهم علي خلاف اليونانيين وغيرهم من شعوب البحر وربما يعود ذلك لإعتقادهم في أصولهم المشتركة ومعتقداتهم المشتركة أيضا 

أقدم من احتفل بعيد الأم: المصريون القدماء

بقلم/ مي شريف العناني

مفتشة آثار الدقهلية _باحثة دكتوراه

للأم مكانة كبيرة في بناء المجتمعات والحضارات، ونتيجة لدورها العظيم في المجتمع، فقد دفعت الكتاب لذكرها في شعرهم مثل الشاعر "حافظ إبراهيم"، الذي ذكرها في قصيدة " العلم والأخلاق" قائلًا: "الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق". كما قدسها المصري القديم، حيث أن هناك معبودات ترمز للأمومة في مصر القديمة، مثل المعبودة إيزيس، والتي لها عدة تماثيل تصورها وهي تُرضع إبنها حورس، والمعبودة حتحور معبودة الأمومة والحب والجمال والموسيقى. بالإضافة لوجود معبودات تحمي الأم أثناء الحمل والولادة من الأرواح الشريرة مثل "المعبود بس"، والذي يحمي أيضًا المواليد والأجنة والرُضّع فهو معبود الحماية في مصر القديمة. والمعبودة تاورت والتي تحمي الأم أثناء الحمل والولادة، كما صورت على الأسرة مع المعبود بس. وكان يحمي المولود والأم أيضًا "الحتحورات السبعة".

ووصف مكانة الأم الأدباء والحكماء في البرديات المصرية القديمة، فمن نصائح الحكيم آني لإبنه هو أن يطيع أمه، ويحترمها، فهي منحة من الإله له، وينهي نصائحه بقوله "فتذكر أمك التي ولدتك، وأنشأتك تنشئة صالحة، فلا تدعها تلمك، وترفع أكفها إلى الله فيستمع لشكواها".

ولم يقتصر إهتمام المصري القديم بالأم في حياتها فقط، بل دعا أيضًا إلى برها وبر والده حتى بعد مماتهما، من خلال زيارة قبرهما، فها هو الحكيم "آني" يقول: "قدم الماء لأبيك وأمك الذين انتقلا إلى قبرهما في الصحراء، وإياك أن تغفل عن هذا الواجب، حتى يعمل لك إبنك بالمثل".

وهناك بردية عُثر عليها في سقارة تتحدث عن عيد الأم حيث تذكر "اليوم عيـدك يا أماه، لقد دخلت أشعة الشمس من النافذة لتقبل جبينك، وتبارك يوم عيدك، واستيقظت طيور الحديقة مبكرة لتغرد لك في عيدك، وتفتحت زهور اللوتس المقدسة على سطح البحيرة لتحيتك، اليوم عيدك يا أماه فلا تنسي أن تدعو لي في صلاتك للرب".

احتفل المصريين القدماء بعيد الأم منذ أقدم العصور، وأطلقوا على عيد الأم العديد من المسميات منها عيد الأم المقدس، عيد أم الوجود، عيد أم الحياة، وعيد الأم الجميلة. وأقام المصريين

القدماء إحتفالًا سنويًا لتكريم المعبودة إيزيس، والتي كانت رمزًا للأم والزوجة المثالية، وذلك لدورها العظيم في إسطورة "إيزيس وأوزيريس"، فقد حاربت طويلًا لإستعادة جسد زوجها "أوزيريس"، وإستعادة حق إبنها "حورس". وقد جاءت نقوش المعابد المصرية لتُظهر لنا مدى تقديس المصري القديم للأم. كما أن إختيار المصريين القدماء لموعد الإحتفال بعيد الأم كان مقصودًا، ففي ذلك الوقت من شهر مارس تكون الأرض خصبة ومجهزة تمامًا لنثر البذور، فتنبت وتبعث الحياة من جديد، فالأم هي رمز للحياة والخير والعطاء. واحتفلوا بهذا العيد مع شروق الشمس بإقامة مواكب من الزهور تطوف المدن. وكان المصريين القدماء يضعون للأم في غرفتها الهدايا والتماثيل المقدسة، المعبرة عن الأمومة مثل تمثال "إيزيس تُرضع إبنها حورس"، ويحيطونه بالزهور وأواني العطور والدهون، وملابس الكتان ومختلف أنواع الأطعمة.

في عام ١٩٠٨م احتفلت الولايات المتحدة بأول عيد أم، وأول من إحتفلت به هناك هي "آنا جارفيز"، وذلك تحقيقًا لحلم والدتها المتوفاه والتي كانت تتمنى وجود يوم يكرم فيه الأمهات، وإحتفلت به في شكل حفل تأبين لأمها بكنيسة بولاية فيرجينيا الغربية. وفي عام ١٩١٤م نجحت "جارفيز" وداعميها في جعل عيد الأم إجازة قومية في يوم الأحد الثاني من شهر مايو.

اختلف يوم الإحتفال بعيد الأم من دولة إلى أخرى، وتختلف مظاهر الإحتفال نفسه، ولكن يعتبر منح الهدايا والزهور، أو الطبخ للأمهات للتعبير عن الشكر والإمتنان لهن موجودًا في كل مكان. ففى مصر يتم الإحتفال به في الربيع كما كان متبع عند أجدادنا المصريين القدماء، ويحتفل به في النرويج يوم ٢ فبراير، وفي جنوب إفريقيا يتم الإحتفال به في الأول من مايو، وفي الولايات المتحدة يوم الأحد الثاني من شهر مايو، وفي الأرجنتين يتم الإحتفال به في الثالث من أكتوبر.

في عام ١٩٤٣م دعا الأخوين مصطفى وعلي أمين، مؤسسي دار أخبار اليوم إلى الإحتفال بعيد الأم تكريماً للأمهات، وذلك بعدما تلقى "علي أمين" رسالة من أم مصرية تشكو فيها جفاء أولادها وسوء معاملتهم لها، إلا أنهم واجهوا سخرية المجتمع، وفي عام ١٩٥٦م بدأ المجتمع المصري ينتبه لأهمية ذلك ليصبح "عيد الأم" يومًا للإحتفال، وأختاروا نفس التوقيت الذي كان يحتفل به قديمًا ليكون فصل الربيع رمزًا للمشاعر الطيبة، ومنها إنتقلت الفكرة لباقي العالم العربي.

وفي النهاية نستطيع أن نقول انه لابد أن نقدر قيمة أمهاتنا، وما فعلته من أجلنا، ولابد أن نكون بجانبهم ونسعدهم دائمًا، فنحن مرآة تعكس تربيتهم لنا، فأجعل من يراك يدعو لمن رباك، فهم حقًا يستحقوا كل الخير، فالجنة تحت أقدام الأمهات.

نشأت الرهبنة المسيحية

بقلم - سهر سمير فريد

باحث دكتوراه فى تاريخ العصور الوسطى

     وُلدت ونشأت الرهبنة كنظام مسيحي في مصر، لذلك كان أمر طبيعي أن يولي الباحثون إهتمامًا عظيمًا للأطوار الأولي للرهبنة المسيحية، وتطور أنظمتها وأنماطها علي يد رهبان ونساك مصريين، لما كان لها من تأثير كبير علي النظام المسيحي العالمي ككل، وعلي العالم الأوروبي بصفة خاصة.

     تعني كلمة رهبنة monasticism المؤسسة التي تنظم الظروف النسكية والحياة الاجتماعية لحياة الشركة التي أسسها الأنبا باخوميوس، ورهبنة الوحدة التي أسسها الأنبا أنطونيوس. وأصل كلمة رهبنة من الكلمة اليونانية موناخوس التي تعني وحيدًا أو معتزلًا Solitaries، ومع بداية القرن الرابع الميلادي أصبحت كلمة رهبنة تعني الإنسان الذي يحيا حياة رهبانية حتي لو كان يحيا مع آخرين. حتي أن البابا أثناسيوس الرسولي قد استخدم كلمة " دير monastery " حين دَوَّنَ سيرة أبو التوحد أنبا أنطونيوس بمعني قلاية متوحد وليس مسكنًا لجماعة من الرهبان مثلما أصبحت تستخدم بعد ذلك. وتقوم الرهبنة على أساس محبة التفرغ للعبادة والنسك.

     كان السبب في ظهور الرهبنة ازدياد اضطهاد المسيحية وأتباعها في عهد الإمبراطور الروماني ديكيوس Decius Augustus ( 249 – 250م ) ، الذي أصدر مرسومًا في عام 250م يُحتِّم فيه ضرورة إعادِة ديانِة الدولة الوثنية، وحصول كل مواطن علي شهادة من الحاكم المحلي تفيد بأنه قدم القرابين للآلهة الوثنية، وأدي جميع طقوسها. وكل من لم يخضع لهذا المرسوم عرَّض نفسه لمعاملة وحشية غاية في العنف. وساد اضطهاد عام وشامِل في عهده، راح ضحيته عدد كبير من الشهداء الذين تمسَّكوا بإيمانهم ومحبتهم للسيد المسيح  بشجاعة نادرة مُذهلة، وكان الولاة أكثر شراسة مع الأساقفة والرعاة والخدام، الذين أرادوا نيل بركة الاستشهاد حُبًا في الله.

     أطاع الكثير من المسيحيين أساقفتهم وفروا إلى الصحاري حيث عاشوا هناك حياة نُسكية تحت ظروف قاسية، وصاروا أوَّل نُسَاك مسيحيين، وعندما انتهى الإضطهاد، لم يرجع البعض إلى مُدُنِهِم بل ظلُّوا في الصحراء حيث وجدوا فيها أفضل موضِع لجهادهم الروحي، ويُعتبر اضطهاد داكيوس السبب التاريخي الذي جعل المسيحيين الغيورين في الكنيسة الأولى مُتدربين ومُعتادين على حياة الوحدة في الصحاري والجبال.

     لكن حتي بعد أن انتهي عهد الاضطهاد بعد أن اعترف الإمبراطور قنسطنطين الأول بالمسيحية، استمر العديد من الرجال في الفرار إلي الصحراء واستمر الازدهار في حياة الرهبنة خلال القرن الرابع الميلادي، ويرجع المؤرخون ذلك إلي 3 أسباب، الأول، زيادة الضرائب الباهظة التي عاني منها الناس خلال تلك الفترة، بسبب المتاعب الاقتصادية العديدة التي مرت بها الدولة، فترك العديد من الفلاحين أراضيهم وأعمالهم فرارًا من وطأة الأعباء المالية فوق كاهلهم إلي الصحراء، مع أن جميعهم لم يصبحوا رهبانًا إلا أن ظروفهم شجعتهم علي العيش في المناطق الصحراوية والنائية، فجرب بعضهم حياة الزهد والرهبنة.

     كان السبب الثاني للرغبة البعض في حياة البعض سعيهم نحو مثالية حياة الاستشهاد، فبعد إنتهاء عصر الاضطهاد والاستشهاد، واستمرارية ذكر أولئك الشهداء الذين ماتوا فداءًا لإيمانهم وعقيدتهم، فرغب البعض أن يسلك طريق يوازي طريق الاستشهاد، وقد وفرت لهم حياة الرهبنة ذلك بما تمتلكه من زهد في الأمور الدنيوية وإنكار للذات وخدمة الله وعبادته. حتي أن البعض قد أطلق علي الرهبنة اسم " الشهادة البيضاء أو الخضراء التي حلت محل الشهادة الحمراء ".

     كان السبب الثالث أيضًا وراء انتشار حركات الزهد والرهبنة في الدولة البيزنطية بشكل كبير، ازدياد نفوذ وسلطان رجال الكنيسة، خاصة بعد إعلان قنسطنطين الأول تسامح الدولة مع الديانة المسيحية، فاندمجت الكنيسة في النظام الحكومي للدولة. ومع تعميد قنسطنطين أيضًا قبيل وفاته عام 337م تحول وضع المسيحيين من أقلية مضطهدة إلي جماعة مؤيدة رسميًا من قبل الدولة.

     كرد فعل من المؤمنين الملتزمين الذين أزعجهم تصرفات رجال الكنيسة ومعيشتهم البعيدة عن كل زهد وتقشف وعدم رضاهم عن هذا الوضع، فقدر رأوا أن الكنيسة بات من المستحيل عليهم الحصول علي حياة مسيحية حقة بداخلها، فاجتماعات العبادة العامة، وتعليم الأسقف، وغيرها من الأمور التي كانوا يرونها شكلية ذات أهمية ثانوية مقارنة بتهذيب النفس وتربية الروح التي تتكون قبل كل شيء من الإماتة الشخصية وإنكار الرغبات الجسدية والصلاة المستمرة. قرروا الفرار بأنفسهم إلي الصحاري بحثًا عن حياة القداسة، فأنشأوا الأديرة التي لعبت دورًا هامًا في الحياة الروحية المسيحية، فتبؤت الأديرة ورهبانها مكانة عليا في المجتمع، وسارع للإلتحاق بها العديد من النساء والفتيات وكذلك الرجال والفتيان. فقد كانت حياة الراهب نقدًا صريحًا للمجتمع الكنسي ورجاله ، ذلك المجتمع الذي فقد الكثير من طهارته وقداسته التي تمتع بها سابقًا وفي عصور الاضطهاد.

المصحف الشريف والخط العربي

بقلم - سعيد رمضان أمين

مسئول قسم المسكوكات بالمتحف الإسلامي

" القرآن " كتاب الله وكلمته التي اجتمعت حولها الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها ، نزل على رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وحيا منجما في الثلاثة والعشرين عاما الأخيرة من عمره صلى الله عليه وسلم.

كان عليه الصلاة والسلام شديد الاهتمام بالوحي وتثبيت النص القرآني محفوظا ومسجلا : فعمد بنفسه إلى تلقينه للحفاظ وإملائه على كتبة الوحي ، حيث كتبوا آياته مفرقة على الرقاع والعظام وعسب النخل واللخاف والرق دونما ترتيب زمني أو موضوعي .

ومع العلم بأن بداية التدوين الفعلي للقرآن قد جرت في عهد الرسول الكريم في المدينة فإن هذا التدوين لم يكن مرتب السور بل كان مجرد تسجيل لها ؛ أي أنه كان مفرقا لم يتخذ صفة الجمع في كتاب واحد. 

أدت الحروب - خاصة حروب الردة - التي قتل فيها عدد كبير من حفظة القرآن إلى الإسراع في عملية جمع القرآن خوفا  عليه من أن يذهب بذهابهم . فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعرض أهمية الأمر وخطورته على الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي تردد بادئ الأمر ـ بحجة أن الرسول الكريم لم يأمر بمثل هذا العمل ـ لكنه بعد أن اقتنع بضرورة ذلك كلف زيد بن ثابت·رضي الله عنه ، كبير كتاب الوحي·، بهذه المهمة الجليلة يساعده فيها آخرون كعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم .

 فأخذ زيد في البحث عن آيات القرآن وجمعها من العسب واللخاف وصدور الرجال في صحف جمعت وحفظت عند الخليفة أبي بكر ، وهذه كانت البداية الحقيقية لجمع القرآن وهو ما يعرف " بالجمع البكري ".

 وبعد أن تم ذلك دعا الخليفة أبو بكر الصحابة ليختاروا لهذه الصحف المجموعة اسما· فأجمعوا على اقتراحه بتسميته مصحفا وشهد كتابة هذا المصحف أصحاب الرسول والحفاظ منهم . وكان هذا المصحف بمثابة وثيقة للتسجيل تحفظ عند الخليفة .

وبعد وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقي المصحف عند ابنته السيدة حفصة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم، على حاله، إلى أن قام الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه بطلبه منها، إذ نتج عن اتساع رقعة البلاد الإسلامية اختلاف ألسنة الأمة الإسلامية في قراءة القرآن ، وقيل للخليفة عثمان : أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فسارع إلى استشارة الصحابة في جمع الناس على مصحف واحد خوفا من تصحيف القرآن وتحريفه، وأمر بنسخ عدة مصاحف اختلف في عددها بين الأربعة والسبعة من المصحف البكري عرفت باسم المصاحف الأئمة أو العثمانية وبعث بها عثمان إلى الأمصار وآمر بحرق ما سواها من المصاحف ؛ وذلك منعا للخلاف بين المسلمين . وقد عرف هذا الجمع بالجمع العثماني ولقب عثمان بعد قيامه بهذا العمل الجليل بجامع القران .

 أدت كتابة القران الكريم بالخط العربي إلى إعلاء شأن هذا الخط وإجلاله؛ لذا كان لا بد في هذا المجال من التطرق إلى أصل الخط العربي ونشأته وتطوره ومن ثم تحسينه وتجويده . 

تضاربت الآراء حول أصل الخط العربي ونشأته ، إلى أن استقر الرأي بعد اكتشاف بعض النقوش الكتابية، التي يعود أقدمها وهو نقش أم الجمال الأول إلى سنة 250 م على أنه اشتق من الخط النبطي الذي نشأ بدوره من الخط الآرامي . ويعتقد بأن مسار هذا الاشتقاق قد وجد سبيله إلى بلاد العرب عن أحد طريقين أحدهما أو كليهما حيث يحتمل أن يكون قد

بدأ رحلته من حوران في بلاد الأنباط ، ثم اتجه نحو الحيرة والأنبار في العراق ومنهما إلى المدينة فالطائف .

 أو أن يكون قد جاء من البتراء عاصمة الأنباط وسار جنوبا إلى شمال الحجاز فالمدينة فمكة. 

ومهما يكن من أمر فقد مر الخط العربي منذ اشتقاقه من الخط النبطي برحلة تطور طويلة بدأت قبل الإسلام بطور الاقتباس والتنظيم تلتها بعد الإسلام مراحل عدة أملتها الظروف المتغيرة التي واجهت لغة القرآن الكريم، استهلت بمواجهة مشكلة اللحن الذي أخذ يتسرب إلى القرآن نتيجة لدخول الكثير من الأعاجم في الإسلام، حيث اضطلع أبو الأسود الدؤلي ( ت 69 هـ/ 688 م) بهذه المهمة فوضع الشكل لضبط الكلمات ( أي تقييد الحروف بالحركات، أو إزالة الإشكال أي عدم الوقوع في اللحن عند القراءة ).

وكانت في أول الأمر على هيئة نقط تنوب عن الحركات الثلاث - تكرر في حالة التنوين - وتكتب بمداد يخالف مداد الكتابة، وكان على الأغلب باللون الأحمر.

 ولم تشتهر طريقة أبي الأسود هذه إلا في المصاحف حرصا على إعراب القرآن .. أما بالنسبة للكتب العادية فكان نقطها ( تشكيلها) يعتبر إهانة وتجهيلا للقارئ .

 ولم تكن مشكلة اللحن هي المشكلة الوحيدة التي واجهت لغة القران ، بل واجهته أيضا مشكلة التصحيف ، إذ ظل خاليا من النقط لوقت متأخر ؛ مما أدى إلى خطوة أخرى من التطور تمثلت في الإعجام أي النقط ؛ ذلك أن عدم تمييز الحروف المتشابهة الصورة بعلامة تفرق بينها كالدال والذال مثلا أدى إلى اللبس ومن ثم إلى تغيير الكلمة وحتى المعنى أحيانا. 

وقد كثر التصحيف - خاصة في العراق - مما أفزع الحجاج ابن يوسف الثقفي ( ت 95 هـ/ 714 م) الذي طلب من كتابه وضع العلامات على الحروف المتشابهة .

وقد قيل إن أول من أعجم المصاحف هو نصر بن عاصم الذي لقب ب " نصر الحروف " (ت 89 هـ/ 707 م) أو يحيى بن يعمر (ت 129 هـ/ 746 م) وهما من تلاميذ أبي الأسود الدؤلي . 

وهكذا أدخلت النقط على الحروف حرصا على سلامة القرآن. وقد يكون هذان الكاتبان هما أول من نقط المصاحف بصورة كاملة لكنهما لم يكونا أول من اخترع النقط في الكتابة العربية، حيث إن النقط كان معروفا في عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إذ ورد أنه طلب من معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه وهو يكتب بين يديه أن يرقش الخط أي ينقطه.

 كما عثر على بردية نقطت بعض حروفها تعود إلى سنة 22 هـ/ 642 م، وظلت هذه الطريقة شائعة في العصرين الراشدي والأموي ، كما وجدت مصاحف غير مشكولة تنسب إلى القرن الأول الهجري نقطت بعض كلماتها، ثم أخذ هذا التطور يدخل مرحلة جديدة في زمن الدولة العباسية أملتها رغبة الناس في تسهيل الكتابة وجعلها مع الشكل بمداد ذي لون واحد.

هنا برزت مشكلة اختلاط الإعجام بالإعراب - أي التشكيل الذي تمثل في النقط - مما أدى في النهاية إلى الحل الذي أوجده الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 70اهـ/ 786 م)· فبدل نقط الشكل إلى الحركات التي نعرفها اليوم حيث أصبح بعدها من الممكن كتابة الكلمات بشكلها واعجامها بنفس المداد.

 وبديهي أن يمر الخط العربي بهذه المشاكل - من اللحن والتصحيف - نتيجة لخلوه أصلا من الشكل والاعجام متبعا في ذلك جذوره التي اشتق منها.. فالخط النبطي نفسه لم يكن مشكولا ولا معجما، ولا نعرف متى دخل الاعجام إلى القلم العربي الشمالي إذ تخلو النقوش التي عثر عليها تماما من الاعجام.

 خلاصة القول أن العرب تمكنوا - بسبب التعديلات والإضافات التي أدخلوها على الكتابة العربية - من المحافظة على لغتهم , لغة القران الكريم.

 

مقام سيدي الطشطوش

بقلم : د. إيمان محمد العابد

دكتوراه في الأثار والفنون الإسلامية والقبطية ـ وزارة السياحة والآثار

إعتاد الكثيرون على استخدام عبارات وصيغ للقسم والحَلف ؛ وذلك لإضفاء قدرا ً من المصداقية على أقوالهم وأفعالهم . فقد يلجأ البعض للقسم بالنبي ـ ص ـ أو بأحد الأشخاص ممن كانوا يتمتعون بمكانة كبيرة بين الناس لما كانوا يتسمون به من مظاهر الزهد والورع ، وهم من يعرفون باسم : } أصحاب الكرامات { ـ ( رغم إجماع الفقهاء على عدم جواز الحَلف بغير الله ـ جل وعلا ـ ) ؛ ومع أننا لسنا مؤهلين لمناقشة مدى مشروعية هذا الموضوع لكوننا غير ذي اختصاص من الناحية الشرعية ؛ إلا أننا أردنا أن نرصد هذه الظاهرة من خلال الوقوف على إحدى تلك العبارات .

ولعل من أشهر صيغ القسم والحَلِف التي كثيرا ً ما تتردد على لسان البسطاء ، مقولة : } ومقام سيدي الطشطوشي { !! تلك العبارة التي تتكرر على مسامعنا من خلال ورودها في الأعمال الدرامية المختلفة. فمن هو ذا " الطشطوشي " ؟!! ، وما هو سر تعلق البسطاء بهذه الشخصية ؟!!

" الطشطوشي" ـ كما يعرفه البسطاء ـ ؛ هو الشيخ محى الدين عبد القادر بن العارف بالله بدر الدين شرف الدين موسى الدشطوطى  ؛ وليس الطشطوشي ـ كما هو متداول بين البسطاء من الناس ، ينتمي لقرية دشطوط التي ولد بها بمركز ببا الكبرى بمحافظة بنى سويف .

كان " عبد القادر الدشطوطي " شافعي المذهب ، واشتهر بكونه ناسكاً زاهداً لا يأكل من الطعام إلا القليل ، ولم يكن له زوجة ولا ولد ؛ كما عاش طوال حياته دون أن يهتم بمظهره ؛ فدائما ً ما كان يسير مكشوف الرأس لا يحلق شعره ، مرتديا ً جبة خشنة ، هذا ويعد الشيخ " عبد الوهاب الشعراني" ، من أشهر تلاميذ الشيخ عبد القادر الدشطوشي، ووصف الشعراني شيخه ، بأنه كان من أكابر الأولياء، صاحبه طيلة عشرين عاما ً ، وكانت هيئته تشبه المجاذيب ؛ حيث كان يسير بين الناس مكشوف الرأس حافيا ً، ولما كُف بصره ـ أي فقد البصر ـ ، صار يتعمم بجبة حمراء، عليها جبة أخرى، فإذا اتسخت تعمم بالأخرى، وكان يسمى بين الأولياء بـ "صاحب مصر".

وتكاد المراجع المختلفة تتفق على أن الشعراني كان قد اجتمع بشيخه "الدشطوطي"، وكان دون البلوغ، في أول أيام رمضان سنة 912 هـ ، وأخذ منه "البركة"، ويقول "الشعراني": أن الدشطوطي قال له: اسمع هذه الكلمات واحفظها، تجد بركتها إذا كبرت.. فقلت له: نعم.. فقال: "يقول الله عز وجل: يا عبدي لو سقت إليك ذخائر الكونين فملت بقلبك إليها طرفة عين فأنت مشغول عنا لا بنا، فحفظتها فهذه بركتها".

من كرامات الشيخ الدشطوطي :

يذكر "الشعرانى" أن شيخه "الدشطوطى" كان «صاحب أحوال». فيقول الشعرانى في «الطبقات الكبرى»:

} قالوا إنه ما رؤى قط في معدية، إنما كانوا يرونه في مصر، والجيزة، وحج رضى الله عنه ماشياً حافياً، وأخبرنى الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمرى رحمه الله، أنه لما وصل إلى المدينة المشرفة، وضع خده على عتبة باب السلام، ونام مدة الإقامة حتى رجع الحج، ولم يدخل الحرم، وعمر عدة جوامع في مصر، وقراها، وكان رضى الله عنه له القبول التام عند الخاص والعام، وكان السلطان قايتباى يمرغ وجهه على أقدامه"{.

كما يذكر الشعرانى بعضا ً من كرامات شيخه "الدشطوطى" ، ومنها كرامات كثيرة يتفق فيها أولياء الله الصالحون، وما يتردد عنهم ؛ منها ما يرويه الشعرانى: } حلف اثنان أن الشيخ نام عند كل منهما إلى الصباح في ليلة واحدة في مكانين، فأفتى شيخ الإسلام جلال الدين السيوطى بعدم وقوع الطلاق { .

واقعة أخرى يرويها الأمير يوسف ابن أبى أصبغ ؛ حيث يقول :

} أنه لما أراد السلطان قايتباى أن يسافر إلى بحر الفرات، استأذن الشيخ عبدالقادر الدشطوطى في السفر، فأذن له، فكنا طول الطريق ننظره يمشى أمامنا، فإذا أراد السلطان أن ينزل إليه يختفى، فلما دخلنا حلب وجدنا الشيخ رضى الله عنه ضعيفاً بالبطن في زاوية بحلب مدة خمسة شهور، فتحيرنا في أمره رضى الله عنه { .

هذا وقد توفى الشيخ الدشطوطي فى اليوم التاسع من شعبان سنة 924 هجرياً عن عمر يناهز ثمانية ثمانون عاماً ودفن بمسجده الكائن بالقاهرة.

مقام الدشطوطي

يرجع تاريخ إنشاء المسجد والضريح للفترة ما بين عامي 912 ـ 914 هـ /1506م ؛ خلال عهد السلطان قنصوى الغوري ـ أحد سلاطين دولة المماليك الجراكسه ؛ ويقع ضريحه في الركن الشمالي الشرقي لمسجده الشهير المطل على شارع بورسعيد بالقرب من ميدان باب الشعرية ، والضريح عبارة عن غرفة مربعة تتوسطها تركيبة ضريحية مدفون بها الشيخ الدشطوطي ؛ يُدخل إليها من الإيوان الشمالي، وفي أركان المربع من أعلى توجد حنية واحدة كبيرة حولت المربع إلى مُثْمَن أقيمت فوقه قبة مرتفعة ، وفتحت في حوائط الضريح الأربعة نوافذ قنديلية مغشاه بالزجاج المعشق المتعدد الألوان مماثلة للموجودة في الغرفتين المطلتين على إيوان القبلة .

أما عن المسجد  فهو من المساجد المعلقة ؛ حيث بُنيّ على أعلى دورات المياه الموجودة أسفله أو مجموعة من الحواصل ؛ التي تم الكشف عنها أثناء عملية ترميمه عقب زلزال 1992والتي تم الانتهاء منها عام 2001.

والمسجد مشابه في تخطيطه المعماري لمسجد قايتباي بقرافة المماليك حيث يتكون من درقاعة يحيط بها أربعة إيوانات أعمقها إيوان القبلة الذي يتقدمه ثلاثة عقود نصف دائرية محمولة على عمودين ويقابله إيوان مماثل هو الشمال الغربي الذي يضم دكة المبلغ ؛ حيث يتخذ المسجد في تخطيطه شكل المدارس المتعامدة ؛ فالصحن مربع الشكل يتوسط المسجد، مغطى بسقف خشبي، وبه شُخشيخة ، ويحيط بالصحن أربعة إيوانات ؛ المكان المتسع من الدار تحيط به حوائط ثلاثة ، أو المجلس الكبير على هيئة صُفّة واسعة لها سقف محمول من الأمام ، كان مخصص لجلوس كبار القوم ؛ وإلى جانب إيوان القبلة من الجهة الجنوبية، غرفتان معقودتان ومفتوحتان على الإيوان، بهما نوافذ قنديلية مغشاة بزجاج معشق متعدد الألوان، ويضم الإيوان الشمالي ست نوافذ، تطل على شارع جانبي، بينما الإيوان الجنوبي له باب يؤدي إلى طرقة، تنتهي إلى مدخل المسجد الرئيسى الذي يطل على شارع بورسعيد ؛ الذي يعد من أكثر شوارع القاهرة التي تتسم بالعشوائية ، إلا أن الآثار الإسلامية المرصعة على جوانبه ؛ تظل كالدرر المتلألئة الوضاءة التي تزيد تاريخ مصر جمالا ً وتجسد بعمارتها الإسلامية الفريدة ، ورقي تصميمها العتيد ، حقبة تاريخية مهمة من تاريخ المحروسة، وتكشف لنا عن أسماء أعلام عاشوا هذا العصر، غابت أرواحهم، إلا أن أثارهم ظلت صامدة .

 هذا ويمتاز مسجد "الدشطوطي" بتصميم معماري فريد، حيث تم بناء دورة مياهه الأصلية أسفله، ولعل المعماري أراد بذلك أن يتفادى النشع ؛ الذي قد يصيب المسجد وقت الفيضان ؛ نظرا ً لوقوعه على الضفة الغربية للخليج المصري الذي كان يخرج من فُم الخليج في منطقة مصر القديمة ، وينتهي عند خليج السويس، الذي ردم في أوائل القرن العشرين، وقد أبطل استعمال هذه الدورة القديمة، وبُنيت بدلًا منها دورة أخرى تقع في الضلع الجنوبي للمسجد.

ظل مسجد  الدشطوطي محتفظا ً برونقه طوال ستة قرون ميلادية ، مواجها ً للتغيرات التاريخية التي تعاقبت أحداثها على مصر المحروسة ، ورغم شموخ المظهر الخارجي للمسجد الأثري، إلا أن المياه الجوفية تفت في عضده وأساساته ، مهددة بقاءه.

مكانة الأم بالحضارة المصرية القديمة

                                                             د. سهام عبد الباقى محمد

باحثة أنثروبولوجية- كلية الدراسات الافريقية العليا

                                                                جامعة القاهرة

كانت الحضارة المصرية من أبرز الحضارات فى تعظيم مكانة الأم وتقديسها منذ بداية الأسرات، وأسبقها فى الإحتفال بعيد الأم والذى إنتقل بعد ذلك لمعظم الحضارات من باب محاكاة الحضارة المصرية القديمة وقد تجسدت إحتفالات عيد الأم في تحديد يوم سنوي للإحتفال بإيزيس رمز الأمومة والزوجة الصالحة في الديانة المصرية القديمة وتخليدهاعلى شواهد المعابد والأساطير والبرديات المقدسة، كما تضمنت المعتقدات الدينية المصرية العديد من الآلهة من الأمهات.كالحتحورات السبعة الحاميات للمولود والأم،وصورتها العديد من التماثيل تقوم بإرضاع طفلها كالآلهة "تاورت" ربة الحمل والولادة والخصوبة، فضلاً عما تضمنته وصايا الحكماء من قيم إحترام للأم وتبجيلها،نتناول فى هذا المقال مكانة الأم فى المجتمع المصرى القديم،وطقوس الإحتفال بعيد الأم، ومكانة الملكة الأم فى حياة الكثير من الملوك المصريين.

وصايا الحكماء المصريين بالأم

سجلت العديد من البرديات المصرية وصايا بعض الحكماء بالأم منها وصايا "الحكيم آنى" إلى إبنه: قائلاً لا تنسى فضل أمك عليك، ما حييت فقد حملتك قرب قلبها

وكانت تأخذك إلى المدرسة،وتنتظرك ومعها الطعام والشراب

 فإذا كبرت واتخذت لك زوجة،فلا تنسى أمك،رد إلى أمك

 ضعف الخبز الذي أعطته لك، وأحملها كما حملتك

 لقد كنت بالنسبة لها عبئاً مرهقاً وثقيلاً وهى لم تسأم أو تضجر

 عندما أزف موعد مولدك،وحملتك رقبتها ومكث ثديها على فمك سنوات

فأجلب الرضا لقلب أمك والشرف لبيت أبيك.

وتعد تلك الحكمة بمثابة إفراد لعطاء الأم الذى لا ينفذ،كما حثت على عدم تفضيل الزوجه على الأم، وإكرامها فى شيبها لأن برها يؤكد حسن تربية الأب لإبنه،ويعكس أيضاً بر الإبن بأبية.مما يعكس لنا مكانة الزوجه المصرية بمصر القديمة.والقيم الإجتماعية التى دعمت إحترام الأم،بوصفها أساس الحياة وأصل الحضارة.

إحتفالات المصريين القدماء بعيد الام

أطلق المصريين القدماء على عيد الأم العديد من المسميات منها عيد الأم المقدس،عيد أم الوجود،عيد أم الحياة، وعيد الأم الجميلة، كما لقبوها بلقب "نبت بر" أي ربة البيت.وقد إحتفل المصريون القدماء بعيد الأم آخر شهور فيضان النيل وهو شهر"هاتـور"في التقويم المصري القديم وهو وقت خصوبة الأرض في مصر،ولقد شبه المصريون القدماء الأم بنهر النيل،الذي يهب الحياة والخصب والخير والنماء ووثقت أحدى البرديات التى يرجع تاريخها إلى خمسة آلاف عام ق.م إحتفالات عيد الأم، حيث كان يبدأ الاحتفال به مع شروق  الشمس،ومن طقوس المصريين القدماء فى هذا اليوم تزيين غرفته الأم بالزهور،وتقديم التماثيل المقدسة لها كتمثال"إيزيس" تحمل إبنها حورس.وتقدم إليها هدايا من العطور والزيوت العطرية،والملابس،كما كانت الأم تحرص على نظافة طفلها وحمايته من الأمراض والحسد فكانت تستعمل التمائم والتعاويذ،التي كان يلبسها الطفل حول رقبته،وتذهب به إلى الكهنة من أجل رقيته.وقد عٌثر على بطاقة تهنئة بعيد الأم سجلتها أحد البرديات كٌتب بها

اليوم عيـدك يا أماه، لقد دخلت أشعة الشمس من النافذة لتقبل جبينك

تبارك يوم عيدك،واستيقظت طيور الحديقة مبكرة لتغرد لك في عيدك

وتفتحت زهور اللوتس المقدسة على سطح البحيرة لتحيتك

اليوم عيدك يا أماه فلا تنسي أن تدعو لي في صلاتك للرب

وتعكس لنا تلك البردية أن الأم بالحضارة المصرية هى سر رضاء الآلهة وانها مستجابة الدعوات.

 مكانة الملكة الأم عند المصريين

لم يرتبط تقديس المصريين القدماء للأم بكونها ملكة تحكم مصر أو إمرأة من عامة الشعب، فالأم هى الأم مهما كانت مكانتها الإجتماعية،وقد وثّقت لنا الحضارة المصرية القديمة جانب من علاقة بعض الملوك وارتباطهم بأمهاتهم منهم الملك رمسيس الثاني،الذى منح أمه الملكة "تويا" تكريماً ملكياً كبيراً، زوجة الملك سيتي الأول،والتي عاشت حتى تنصيب أبنها الملك على عرش والده،وقام أبنها الملك رمسيس الثاني، بدفن جثمانها بين ملوك مصر العظام في منطقة وادي الملوك بجبانة طيبة في غرب مدينة الأقصر من قبيل التكريم والتشريف لها،بينما أقام مقبرة زوجته الملكة نفرتارى،بين الملكات والأميرات في منطقة وادي الملكات. لتحظى بمقبرة أدنى منزلة من مقبرة أمه مما يعكس لنا شدة حبة لأمه،وحرصه على إكرامها ،ومن النماذج  الأخرى الملك أمنحوتب الرابع الشهير بإخناتون والذى جمعته بأمه الملكة تى علاقة خاصة،ورعم أنها لم تكن ذات أصولاً ملكية ،فقد كانت أبنه يويا كاهن الإله مين رب الخصوبة وأمها تويا رئيسة حريم الإله مين بأخميم وقد كانت الملكة تى من أعظم ملكات مصر الفرعونية،كما لعبت دوراً كبيراً فى مساندت إبنها الملك فى أمور المملكة إقتصادياً،وسياسياً، وكانت نائبة عنه فى الإحتفالات،لدرجة أنه كان يكتب أسمها فى المرسلات الدولية. كما لم تعارض أبنها الملك من عبادة آتون رغم إستمرارها على عبادة أمون مما أجل غضبة كهنة آمون على إخناتون، إكراماً للملكة تى التى استمرت على عقيدة عبادة آمون وأجزلت الهبات والعطايا للكهنة لتمنعهم من ايذائه،مما يعكس لنا قوة العلاقة بين الملكة وإبنها الملك .

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.