كاسل الحضارة والتراث Written by  شباط 25, 2021 - 50 Views

كنيسة العائلة المقدسة بالفجالة

Rate this item
(0 votes)

بقلم - د. إيمان محمد العابد

مفتش أثار ثاني ـ منطقة أثار وسط القاهـرة ـ وزارة الأثار

تضم منطقة الفجالة واحدة من أقدم الكنائس الكاثوليكية التي أقيمت بالقاهرة تباعا  مع ازدهار حركة العمران في القرن التاسع عشر.

يرجع تاريخ إنشاء الكنيسة إلى عام 1889م ، وهي من تصميم المعماري الفرنسي "فرانسوا موريه" ، فتتسم بروعة وجمال عمارتها ، كما تنفرد باحتوائها على العديد من العناصر الفنية المعمارية والزخرفية متنوعة الانتماءات ؛ فضلا ً عن مجموعة من أجمل اللوحات الزيتية المنفذة على نوافذها الزجاجية الملونة ، وكذلك عدد من الجداريات الرائعة التي تجسد مشاهد مختلفة من القصص الديني المسيحي ، بالإضافة إلى صور وتماثيل للسيد المسيح وعدد من تلامذته وحوارييه.

تزخر كنيسة " العائلة المقدسة " بالعديد من العناصر المعمارية الزخرفية كالعقود المختلفة وغيرها من العناصر الأخرى التي اقتطفت من طرز فنية متنوعة ؛ لذا تعد هذه الكنيسة بوتقة من العناصر والوحدات المعمارية والزخرفية المقتبسة من طرز وفنون مختلفة تم جمعها معا ، فمنها ما هو يهودي ، ومنها ما هو قبطي ، ومنها الإسلامي ؛ والتي بالرغم من اختلافها وتنوعها إلا أن المعمار والفنان أضفى عليها ما جعلها متجانسة مع بعضها البعض ، فتراها العين متناغمة ، بعيدة عن أوجه التنافر أو التباعد.

وفي هذا المقال نقوم بتكثيف الضوء على هذه الكنيسة العريقة لتعريف القراء بها ؛ كواحدة من روائع المباني المعمارية التي يزخر بها قلب القاهرة النابض بالحركة والصخب ؛ إذ تتسم منطقة وسط القاهرة باحتوائها على العديد من المباني الشامخات ـ سنقوم بإلقاء الضوء عليها تباعا ً ـ والتي تعد بدورها شهود عيان على حقبة هامة من تاريخ مصر الحديث ...  

مقدمة:

                تٌعد كنيسة العائلة المقدسة ـ الكائنة بشارع "بستان المقسي" بالفجالة بالقرب من محطة "سكة حديد مصر" ، واحدة من أقدم كنائس منطقة وسط البلد .

في عام 1879م أعطى البابا "ليو الثالث عشر" أوامره لـ"الأباء اليسوعيين" بتأسيس مدرسة لخدمة الكاثوليك بمصر ؛ فقاموا ببنائها في "قصر باغوص" بمنطقة "الموسكي" ، وفي عام 1881م رأى الأب "ميشيل ماري جوليان" (1827 ـ 1911م) ـ الفرنسي الجنسية ـ أن هذا القصر لن يستوعب أعداد المصريين المتزايدة الراغبة في إلحاق أبنائها للتعلم بالمدرسة ؛ لذا قام في عام 1882م بشراء قطعة أرض بالفجالة مساحتها 11.500 م2  ، وفي 22 أبريل 1882م ، تم وضع حجر الأساس وتم نقل المدرسة من قصر باغوص إلى موقعها الحالي بمنطقة الفجالة وعرفت باسم "مدرسة العائلة المقدسة" ؛ وفي الثاني من أبريل عام 1889م بدأت أعمال بناء الكنيسة الملحقة بالمدرسة ؛ تحت إشراف المهندس الفرنسى اليسوعي "فرانسوا موريه" ، ودشن المبعوث الرسولي "جيدو كوربيللي" الكنيسة في 1نوفمبر عام 1891م.

هذا وتتبع هذه الكنيسة في تخطيطها العام الطراز البازيليكي ؛ وقوامه مساحة مستطيلة الشكل مقسمة إلى ثلاثة أروقة بصفين من البوائك ، أوسع هذه الأروقة أوسطها ، والذي يُعرف بالراواق الكبير الذي يؤدي في نهايته إلى شرقية الكنيسة أو المحراب "حضن الآب" ؛ لذا يُوحي مظهرها الخارجي بالعظمة ، كما يوحي مظهرها الداخلي بالمهابة الناتجة عن تكرار الأعمدة والعقود  الداخلية التي تسير موازية لبعضها البعض ، ومنها يمتد البصر إلى المحراب.

وقد أرجع الكتاب والباحثون في مجال الدراسات القبطية أصل هذا النمط من التخطيط إلى العمائر الرومانية القديمة ، لاسيما ساحة العدل عند الرومان التي كانت تعقد بها المحاكمات ، فضلاً عن اعتبارها مكانا ً لإتمام الأعمال والصفقات التجارية.

يتقدم مبنى الكنيسة "كتلة المدخل" الموجودة على يسار الداخل من بوابة هذا المجمع الكنسي ـ المدرسة والكنيسة وملحقاتها ـ وهي عبارة عن سقيفة محمولة على أعمدة حجرية مدمجة تشرف على الفناء الخارجي بثلاثة عقود من نوع حدوة الفرس أوسعها أوسطها.

يزين مدخل الكنيسة لوحة داخل حنية معقودة لصليب لاتيني الطراز محاط بملاكين ؛ حيث ساقه السفلى هي الأطول من الأذرع الثلاثة ، ويتوسط مركز الصليب شكل "نجمة داود"، تحيط بالتركيبة الزخرفية عقد حدوي إسلامي الطابع .

ويغلق على الكنيسة باب من مصراعين من الخشب ، زخرفا بعناصر هندسية لصلبان محورة وشكل نجمي متعدد الأضلاع نفذت على أشرطة معدنية بالتفريغ وتم تثبيتها على الباب الخشبي بواسطة المسامير المكوبجة.

يتكون مبنى الكنيسة من طابقين ، حيث يشرف الطابق الثاني منها على الصحن بواسطة شرفة خشبية ، وكان الطابق الثاني مخصص لجلوس الكوراس الذي يقوم بترتيل وترديد الترانيم والأناشيد خلال المراسم والطقوس والصلوات المختلفة ، ويوجد بالطابق الثاني أرغون من الخشب كان مخصصا ً لعزف الألحان الكنسية ، وقد صنع على غرار عمارة الأبراج القوطية ، ألا أنه حاليا ً معطل عن العمل.

تبلغ مساحة صحن الكنيسة 15م X 33م ، وعقود أروقتها مطلية باللونين الأسود والأحمر ، وتشبه في شكلها العام بعض الأثار الإسلامية.

أما جدران الكنيسة فقد زخرفت من الداخل بعدد 14 لوحة زيتية صغيرة معلقة على الجدران ؛ يحيط كل منها إطار أو برواز خشبي ، وتجسد هذه اللوحات مراحل محاكمات السيد المسيح الأربعة عشر ، والمعروفة في التقليد المسيحي باسم " درب الصليب " ، ومنها وقوف المسيح أمام بيلاطس ـ الملك اليهودي ، وغيرها من جلسات المحاكمة .

وقد حملت العقود بدورها على أعمدة من الرخام الملون زخرفت تيجانها برسوم طائر النسر نفذت على الجص ، حيث شكل أربعة نسور ناشرة جناحيها بواقع نسر في كل ضلع. يفصل بين كل نسر وأخر زخارف نباتية . أما أرجل العقود فقد شكلت على هيئة رأس أسد ، وتحمل الأعمدة نقاط تلاقي العقود مع بعضها البعض ؛ ما أوجد الفرصة لتغطية السقف بالأقبية الممتدة والتي تسير موازية لجدار المحراب.

وتتوسط الأقبية صرة زخرفية قوامها زخرفة نباتية محورة ـ على غرار طراز الباروك ـ لإبرازها بشكل ملفت للنظر قام الفنان القبطي بتفريغ المساحة فيما حولها داخل الصرة الزخرفية.  

تعكس الألوان الخلابة لزجاج أحد النوافذ صورة "بشارة الملاك للقديس يوسف" ، وتظهر في الخلفية العائلة المقدسة في رحلتها إلى أرض مصر وأحد الأهرامات.  

وفي عام 1963م هدم الأب "هنري عيروط" المذبح القديم" ، وكلف الفنان الإيطالي "أميديو تريفيسنو" برسم الحائط من خلفه ، فنتج عن التصميم لوحة جدارية جصية رائعة تصور السيد  المسيح متوجاً على العرش محاطاً برؤوس الحيوانات الأربعة الغير متجسدة المذكورة في رؤيا "يوحنا اللاهوتي" ، وهي النسر ، الثور ، الأسد ، والإنسان.

وفي الجزء الأسفل من اللوحة تظهر مريم العذراء محاطة بالإثنى عشر تلميذا ً ، بالإضافة إلى إثنين من الرهبان المشهورين ، وهما : الأنبا انطونيوس ، والأنبا باخوميوس ـ مؤسس حياة الرهبنة في مصر.

تلك الصورة التي تُعد من أهم السمات الفنية المميزة للكنائس ، والمعروفة باسم "المسيح ضابط الكل" ، وفيها يبدو السيد المسيح جالساً على كرسي مزخرف برسوم هندسية متنوعة ملونة ، ووجهه المستدير المحاط بهالة حول صليب يعلو رأسه ، يقبض بيسراه على الإنجيل ، ويرفع يده اليمنى بإشارة البركة ، مرتديا ً ثيابا ً تغطي كامل جسده بها زخارف من تهشيرات وخطوط أفقية ورأسية ، هذا المنظر داخل جامة لوزية الشكل ممتدة رأسيا ً، ويحيط بها رسم للمخلوقات الأربعة ، إذ يظهر في الركن العلوي صورة لنسر ، يقابله في الجانب الأيمن صورة لإنسان وفي الأسفل يوجد رسم لثور ـ يرمز للقديس لوقا ـ ، وفي الجانب الأخر رسم للأسد ـ رمز للقديس مرقس ـ ومن أسفل هذا المنظر يوجد رسم لتلاميذ المسيح الإثنى عشر وقد رسما في صفين يعلوكلا ً منهما الأخر ، تتوسطهم السيدة العذراء في ثياب بيضاء اللون ، وقد أحاط الفنان رؤوس هؤلاء التلاميذ بهالات ذهبية اللون ، ووضع إلى جوار كل منهم إسمه باللغة اللاتينية. 

كان يعلو المذبح تمثال "قلب يسوع المقدس" وهو من الرخام الأبيض ، عمل أحد النحاتين الإيطاليين ؛ إلا أنه تم نقله ووضعه خارج الكنيسة ، ليقف أمام مدخل المدرسة تجسيدا ً للعبارة المدونة عليه } أنا نور العالم {. وتم استبداله بلوحة "المسيح ضابط الكل" الموجودة حاليا ً بمحراب الكنيسة .

تزخر هذه الكنيسة بالعديد من العناصر الفنية مختلفة الانتماءات ؛ فمنها ما ينتمي لطراز الباروك ، حيث العناصر الزخرفية المستوحاة من العقيدة الكاثوليكية والتي تهتم بتمجيد الرب ، وتعمد إلى التأكيد على الفخامة والمهابة من خلال الاعتماد على الأشكال الحلزونية Swirling spirals ، واتباع تقنيات جديدة في توزيع الإضاءة والاهتمام بشغل كامل للفراغ ، ومنها ما يعود لطراز الروكوكو ، حيث أشكال الأغصان وأوراق الأشجار المنفذة على الجص بطريقة الحفر. ومنها ما هو مأخوذ عن الفن الإسلامي كشكل حدوة الفرس المأخوذ عن العمارة الأندلسية ؛ والذي يُعد من أهم ملامح الاقتباس من العمارة العربية والإسلامية ، وكان عقد "حدوة الفرس" قد ظهر لأول مرة في أواخر القرن الـ 9 م ، وبدايات القرن الـ 10م في الأندلس وشاع استخدامه في مساجد قرطبة وفي مساجد الأمويين في مدن الزهراء ، أشبيلية ، وطليطلة ؛ هذا بالإضافة إلى استخدام الأقبية في تغطية الكنيسة من الداخل ، وهنا يقوم نظام التقبيب على تقاطع العقود البارزة أو الضلوع ، وكان أول مثال لظهور هذا النوع من الأقبية في جامع مردوم ـ طليطلة في القرن العاشر الميلادي ، عقب تطور هذا النمط في التغطية بالقبة في الجامع الكبير ـ قرطبة ، وذلك رغبة من المعمار الأندلسي في استنباط أفكار زخرفية جديدة نابعة من الفكرة المعمارية التي تقوم على تقاطع الضلوع محل الفكرة المعمارية الأصلية التى يعبر عنها تقاطع الضلوع في القباب القرطبية.

هذا بالإضافة إلى عنصر "النوافذ التوأمية" ذات الطابع الأندلسي الشكل ، والتي فتحت في جدران الكنيسة وتم تغشيتها بالزجاج الملون ذي الزخارف النباتية ، واللوحات المرسومة على الزجاج.

ومنها ما هو مأخوذ عن الديانة اليهودية ؛ حيث شكل نجمة داود الذي يظهر بكثرة مفرطة في زخرفة جدران الكنيسة من الداخل والخارج.

أما سقف الكنيسة الخارجي فهو جمالوني الشكل مغطى ببلاطات القرميد ؛ ومن المعروف أن القرميد كان يستخدم لزخرفة المساجد والقصور والدور الخاصة ، وقد ظهرت هذه التقنية في العراق خلال عهد السلاجقة في القرن التاسع الميلادي ، ومنها انتقلت إلى تركيا ، وفي عهود لاحقة تأثر الفنانون والمصممون الأوربيون بهذا الأسلوب الفني ؛ حيث أثر القرميد تأثيرا ً بالغ الأثر في أوروبا ، عقب وصوله إلى الأندلس وتغلغله في التقاليد الفنية الهسبانية ـ المورستية ، ومنها إلى أوروبا.

الكنيسة وصورتها المصغرة

كان الأب اليسوعي "ميشيل ماري جوليان" (1827 ـ 1911م( صاحب مبادرة إقامة مركزا ً للسياحة الدينية في منطقة المطرية بالقاهرة ، وتشير الوثائق المحفوظة في أرشيف "مدرسة العائلة المقدسة" ـ بالفجالة ؛ والتي تعود لأعوام 1883 ، 1885، 1890 ، 1910 ، 1911 م إلى أن الأب "جوليان" حاول شراء الحديقة المحيطة بـ "شجرة مريم" ؛ إلا أن محاولاته باءت بالفشل . لذا قام بشراء قطعة أرض بالقرب من الشجرة ، قام بتوسيعها تدريجيا ً، وفي عام 1855م قام الأب "جوليان" ببناء كنيسة صغيرة تحيط بها حديقة غناء ، عرفت باسم "كنيسة العائلة المقدسة".

وخلال مارس من كل عام كانت الرحلات تتوافد على الكنيسة للتبرك بها ، ومع تزايد أعداد الزوار تنامت الحاجة إلى بناء كنيسة أكبر حجماً ، وبدأت أعمال البناء تحت إشراف الأب "بونتيه" ، وتم تدشين الكنيسة في 8 ديسمبر 1904م ، وقامت نخبة من كبار الفنانين الفرنسيين المعاصرين مثل "باربيه Barbaire" ، "شنور Schnore" ، "اوفربك Overpek" ، "تسيمرمن  Zimerman" ، و"اسلر Esler" برسم ست لوحات كبيرة على القماش يبلغ إرتفاع كل منها 1.5م ، وعرضها 5م ، وفي اغسطس عام 1906م تم تعليق اللوحات على جدران الكنيسة ، وتصور اللوحات "مذبحة أطفال بيت لحم" ، "أمر الرحيل إلى مصر" ، "الرحلة إلى أرض مصر" ( على الجدار الشمالي) ؛ أما الجدار الجنوبي المواجه فقد علقت عليه لوحات تمثل "استراحة على ضفة النيل" ، "شجرة مريم" ، "الدخول إلى مدينة هليوبوليس" ، وكانت هذه اللوحات في حالة متردية إلا أنها خضعت لأعمال الترميم لاستعادة رونقها وجمالها مرة أخرى.

كما توجد مجموعة من التماثيل التي تجسد شخصيات وأفراد العائلة المقدسة تعلو المذبح ، وهي من عمل النحات الإيطالي "ميليفو" ، وتوجد نماذج ونسخ منها في الحديقة أمام مدخل الكنيسة ، وترعى الكنيسة القبطية الكاثوليكية هذه الكنيسة منذ عام 1997م ، والتي تحتفل بذكرى رحلة العائلة المقدسة إلى أرض مصر في 17 فبراير من كل عام بإقامة قداس.

وختاما ً وبعد هذه الرحلة السريعة إلى واحدة من أهم وأعرق الكنائس الموجودة بوسط القاهرة ، وجب علي أن أهيب بالقائمين على الحفاظ على مثل هذه المنشأت وتلك الكنائس ـ ممثلين في جهاز التنسيق الحضاري ـ لاسيما تلك الواقعة في قلب زخم العاصمة وضوضائها بضرورة الاهتمام بها والحفاظ عليها ، وعمل لافتات معلوماتية عن كل كنيسة منها مدون عليها اسم كل كنيسة وتاريخ إنشائها وكذلك أسماء المهندسين المعماريين الذين قاموا بوضع تخطيطاتها ، وغيرها من المعلومات الهامة ؛ كي نعي مدى القيمة التاريخية والتراثية لمثل تلك المنشأت الهامة ...

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.