كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 25, 2021 - 168 Views

نشأت الرهبنة المسيحية

Rate this item
(0 votes)

بقلم - سهر سمير فريد

باحث دكتوراه فى تاريخ العصور الوسطى

     وُلدت ونشأت الرهبنة كنظام مسيحي في مصر، لذلك كان أمر طبيعي أن يولي الباحثون إهتمامًا عظيمًا للأطوار الأولي للرهبنة المسيحية، وتطور أنظمتها وأنماطها علي يد رهبان ونساك مصريين، لما كان لها من تأثير كبير علي النظام المسيحي العالمي ككل، وعلي العالم الأوروبي بصفة خاصة.

     تعني كلمة رهبنة monasticism المؤسسة التي تنظم الظروف النسكية والحياة الاجتماعية لحياة الشركة التي أسسها الأنبا باخوميوس، ورهبنة الوحدة التي أسسها الأنبا أنطونيوس. وأصل كلمة رهبنة من الكلمة اليونانية موناخوس التي تعني وحيدًا أو معتزلًا Solitaries، ومع بداية القرن الرابع الميلادي أصبحت كلمة رهبنة تعني الإنسان الذي يحيا حياة رهبانية حتي لو كان يحيا مع آخرين. حتي أن البابا أثناسيوس الرسولي قد استخدم كلمة " دير monastery " حين دَوَّنَ سيرة أبو التوحد أنبا أنطونيوس بمعني قلاية متوحد وليس مسكنًا لجماعة من الرهبان مثلما أصبحت تستخدم بعد ذلك. وتقوم الرهبنة على أساس محبة التفرغ للعبادة والنسك.

     كان السبب في ظهور الرهبنة ازدياد اضطهاد المسيحية وأتباعها في عهد الإمبراطور الروماني ديكيوس Decius Augustus ( 249 – 250م ) ، الذي أصدر مرسومًا في عام 250م يُحتِّم فيه ضرورة إعادِة ديانِة الدولة الوثنية، وحصول كل مواطن علي شهادة من الحاكم المحلي تفيد بأنه قدم القرابين للآلهة الوثنية، وأدي جميع طقوسها. وكل من لم يخضع لهذا المرسوم عرَّض نفسه لمعاملة وحشية غاية في العنف. وساد اضطهاد عام وشامِل في عهده، راح ضحيته عدد كبير من الشهداء الذين تمسَّكوا بإيمانهم ومحبتهم للسيد المسيح  بشجاعة نادرة مُذهلة، وكان الولاة أكثر شراسة مع الأساقفة والرعاة والخدام، الذين أرادوا نيل بركة الاستشهاد حُبًا في الله.

     أطاع الكثير من المسيحيين أساقفتهم وفروا إلى الصحاري حيث عاشوا هناك حياة نُسكية تحت ظروف قاسية، وصاروا أوَّل نُسَاك مسيحيين، وعندما انتهى الإضطهاد، لم يرجع البعض إلى مُدُنِهِم بل ظلُّوا في الصحراء حيث وجدوا فيها أفضل موضِع لجهادهم الروحي، ويُعتبر اضطهاد داكيوس السبب التاريخي الذي جعل المسيحيين الغيورين في الكنيسة الأولى مُتدربين ومُعتادين على حياة الوحدة في الصحاري والجبال.

     لكن حتي بعد أن انتهي عهد الاضطهاد بعد أن اعترف الإمبراطور قنسطنطين الأول بالمسيحية، استمر العديد من الرجال في الفرار إلي الصحراء واستمر الازدهار في حياة الرهبنة خلال القرن الرابع الميلادي، ويرجع المؤرخون ذلك إلي 3 أسباب، الأول، زيادة الضرائب الباهظة التي عاني منها الناس خلال تلك الفترة، بسبب المتاعب الاقتصادية العديدة التي مرت بها الدولة، فترك العديد من الفلاحين أراضيهم وأعمالهم فرارًا من وطأة الأعباء المالية فوق كاهلهم إلي الصحراء، مع أن جميعهم لم يصبحوا رهبانًا إلا أن ظروفهم شجعتهم علي العيش في المناطق الصحراوية والنائية، فجرب بعضهم حياة الزهد والرهبنة.

     كان السبب الثاني للرغبة البعض في حياة البعض سعيهم نحو مثالية حياة الاستشهاد، فبعد إنتهاء عصر الاضطهاد والاستشهاد، واستمرارية ذكر أولئك الشهداء الذين ماتوا فداءًا لإيمانهم وعقيدتهم، فرغب البعض أن يسلك طريق يوازي طريق الاستشهاد، وقد وفرت لهم حياة الرهبنة ذلك بما تمتلكه من زهد في الأمور الدنيوية وإنكار للذات وخدمة الله وعبادته. حتي أن البعض قد أطلق علي الرهبنة اسم " الشهادة البيضاء أو الخضراء التي حلت محل الشهادة الحمراء ".

     كان السبب الثالث أيضًا وراء انتشار حركات الزهد والرهبنة في الدولة البيزنطية بشكل كبير، ازدياد نفوذ وسلطان رجال الكنيسة، خاصة بعد إعلان قنسطنطين الأول تسامح الدولة مع الديانة المسيحية، فاندمجت الكنيسة في النظام الحكومي للدولة. ومع تعميد قنسطنطين أيضًا قبيل وفاته عام 337م تحول وضع المسيحيين من أقلية مضطهدة إلي جماعة مؤيدة رسميًا من قبل الدولة.

     كرد فعل من المؤمنين الملتزمين الذين أزعجهم تصرفات رجال الكنيسة ومعيشتهم البعيدة عن كل زهد وتقشف وعدم رضاهم عن هذا الوضع، فقدر رأوا أن الكنيسة بات من المستحيل عليهم الحصول علي حياة مسيحية حقة بداخلها، فاجتماعات العبادة العامة، وتعليم الأسقف، وغيرها من الأمور التي كانوا يرونها شكلية ذات أهمية ثانوية مقارنة بتهذيب النفس وتربية الروح التي تتكون قبل كل شيء من الإماتة الشخصية وإنكار الرغبات الجسدية والصلاة المستمرة. قرروا الفرار بأنفسهم إلي الصحاري بحثًا عن حياة القداسة، فأنشأوا الأديرة التي لعبت دورًا هامًا في الحياة الروحية المسيحية، فتبؤت الأديرة ورهبانها مكانة عليا في المجتمع، وسارع للإلتحاق بها العديد من النساء والفتيات وكذلك الرجال والفتيان. فقد كانت حياة الراهب نقدًا صريحًا للمجتمع الكنسي ورجاله ، ذلك المجتمع الذي فقد الكثير من طهارته وقداسته التي تمتع بها سابقًا وفي عصور الاضطهاد.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.