كاسل الحضارة والتراث Written by  أيار 27, 2019 - 3536 Views

"هيرودس يقتل أطفال بيت لحم" صورة نادرة من كنيسة مار يوحنا بالمنيا

Rate this item
(11 votes)

كتب عاطف ربيع أبو زيد

باحث دكتوراه- مفتش آثار بمنطقة آثار المنيا

بين أحضان الجبل الشرقي بمحافظة المنيا مركز ملوي قرية دير ابوحنس، وعلي ربوة عالية  تجثو كنيسة مار يوحنا المعمدان، بين الكهوف التي يبلغ عددها 40 كهف اثري، تلك الكنيسة الكهفية البسيطة في عناصرها المعمارية والغنية في عناصرها الزخرفية، حيث تحتوي تلك الكنيسة بين جنباتها علي مجموعة من التصاوير الجدارية الغاية في الروعة والأهمية، لاسيما تلك التصويرة التي تمثل قتل أطفال بيت لحم علي يد جنود هيرودس والتي تعتبر أقدم توثيق جداري في العالم لهذا الحادث وقد نفذت بأسلوب الفرسكو، وهيرودس هو الحاكم الظالم الذى هربت فى عهده العائلة المقدسة من فلسطين إلى مصر وعادت بعد زوال حكمه   

يحتوي جبل دير ابوحنس علي حوالي 40 كهف أو مغارة ترجع هذه الكهوف إلي العصر الفرعوني والأرجح أنها تؤرخ بعصر الدولة الحديثة، وقد استعمل الرهبان الأقباط هذه الكهوف مرة أخري وقد استخدموها لأكثر من غرض منها أولا الهروب من الاضطهاد الروماني الذي يعاني منه سكان مدينة أنصنا والغرض الأخر لدفن موتاهم نظرا لامان هذه الكهوف وبعدها عن أيدي الرومان علاوة علي جفاف هذه الكهوف لتحافظ علي أجساد الموتى. 

وقد سجل الرهبان الأقباط علي جدران هذه الكهوف الكثير من الكتابات اليونانية والقبطية والعربية، سواء أدعية معينة لسكان الجبل أو أجزاء من الإنجيل أو نصوص جنائزية تذكارية تخليدا لذكري المتوفى والدعاء له. 

علاوة علي التصاوير الكثيرة علي جدران هذه الكهوف للسيد المسيح وأتباعه وبعض قديسي أنصنا وأطباءها وعلاوة علي بعض التصاوير لسيدنا زكريا ويوحنا المعمدان وتصوير بعض الملائكة مثل جبرائيل وميخائيل. 

ويوجد في أحد هذه الكهوف كنيسة مار يوحنا المعمدان وهي مسجلة ضمن عداد الآثار الإسلامية والقبطية وتابعة لمنطقة جنوب المنيا للآثار الإسلامية والقبطية، وقد نسبت هذه الكنيسة إلي يوحنا المعمدان نظرا لما بها من التصاوير الكثيرة التي تسجل حياة يوحنا المعمدان مع السيد المسيح وسيدنا زكريا. 

وهي كنيسة بسيطة تتكون من صحن وشرقية وهيكل ومعمودية ومن المرجح أن الزخارف المصورة علي جدران هذه الكنيسة ترجع إلي الفترة من القرن السادس إلي الثامن الميلادي.

قصة التصويرة. 

تبدأ القصة لهذه التصويرة بميلاد السيد المسيح كما وردت في إنجيل متي ( 1 : 18 – 25 )، ورؤية المجوس للنجم، وزيارتهم لهيرودس وإخباره عن الصبي المبارك، ( متي 2 : 1 – 12 )، أوغر صدر هيرودس واستشاط غضبا بعد زيارة المجوس له ( متي 2 : 1 – 12 )، وكذلك هدايا المجوس التي كانت قوامها ( ذهبا ولبانا ومرا ) ، والدلالة الرمزية لهذه الهدايا، فكون الذهب رمزا لملك السيد المسيح، واللبان ( البخور ) رمز علي كهنوت السيد المسيح وخدمته، والمر دليل علي العذابات التي سوف يواجهها السيد المسيح في سبيل نشر دعوته، وكذلك الدعم المادي لاسيما وأن ذلك الذهب المقدم من المجوس سوف يمثل النفقات للعائلة المقدسة خلال رحلة الهروب إلي مصر، والتي دارت أحداثها في ( متي 2 : 13 – 15 ). 

" حينئذ لما رأي هيرودس أن المجوس قد سخروا به فغضب جدا وأرسل فقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي تخومها من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس" ( متي 2 : 17 – 18 ). 

نفذت هذه التصويرة في صحن الكنيسة بأسلوب الفريسكو وهي محاطة بمجموعة من التصاوير الأخرى، حيث يبدأ المشهد برسم هيرودس يجلس علي عرشه المزود بالوسائد تحت سقيفة محمولة علي أعمدة، يحمل في يده الصولجان، وتحيط برأسه الهالة ( للدلالة علي الشخص المميز في التصويرة، والتي ترمز إلي القوة )، داخل قصره وعلي جانبيه اثنين من الحراس وكتب علي إفريز القصر اسم هيرودس باللغة اليونانية، وكذلك نري المشهد الذي علي يساره جنود هيرودس تقتل الأطفال، بحسب السن الذي حدده هيرودس، حيث رسم جنود هيرودس وفي أيديهم السيوف وكذلك الأطفال لقتلهم ونري أيضا علي أرضية التصويرة أطفالا ملقاة علي الأرض وحركة أيدي الجنود وحركة السيوف في أيديهم والأطفال وعلي الأرضية كل هذه الانفعالات حاول المصور لهذه التصويره أن يجعل من التصويرة مفعمة بالحركة والإحساس بمشاعر الألم نحو الأطفال الملقاة علي الأرض، نفذت هذه التصويرة علي ارتفاع 1.5 متر من أرضية الكنيسة، وامتداد (  1.5 متر عرض 1.10متر طول )، أما عن الألوان فقد استخدم عدة ألوان منها الأبيض والأصفر والأحمر والأسود.

هذه التصويرة التي تعود إلي الفترة ما بين القرنين السادس إلي الثامن الميلادي، أي أنها عاصرت الحرب الشديدة علي الإيقونات التي كانت في القرن الثامن الميلادي  وما تلاه حيث أصابت هذه التصويرة وباقي التصاوير بداخل تلك الكنيسة التي يرجح استخدامها يعود إلي أوائل القرن الخامس الميلادي أصابها بعض التلف والتهشم ولكن لاتزال هذه التصويرة محتفظة برونقها وجمالها تتحدي الزمن والأحداث شاهدة علي مدي براعة الفنان القبطي في تسجيل هذا الحدث وتجعل منها أقدم توثيق جداري لهذا الحدث وهي تحتاج إلي ترميم لزيادة جمالها وإعدادها لكي يراها العالم، هي وباقي التصاوير التي تحتويها تلك الكنيسة الجميلة المغمورة، والتي لا تقل في أهميتها عن مثيلاتها من الأهمية والجمال، التي تحتاج إلي نظره متأنية وعين حانية ويد خبيرة تزيل عنها أعباء السنين لتعيد إخراجها من جديد لكي يراها المتخصصون لعلها تثبت أو تنفي بعض الأفكار لديهم.     

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.