كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 06, 2020 - 199 Views

مظاهرالرحمة والحنان من واقع التصاوير القبطية

Rate this item
(0 votes)

كتب د. عصام أحمد آدم

مفتش الآثار الإسلامية والقبطية

باحث دكتوراة بقسم الآثار –كلية الآداب- جامعة الوادى الجديد

تسعى الإنسانية جمعاء الآن وسط هذا الموج العاتي المتلاطم من الصراعات والحروب الى البحث عن ملاذ آمن تستشعر بداخله الرحمة والعطف والحنان، تلك المشاعر التي من أجلها أرسل الله الرسل فقال: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" ، وحث الأنبياء أتباعهم عليها بالترغيب تارة فقال صلي الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن"، وبالترهيب تارة أخرى فقال صلي الله عليه وسلم: " ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم  صغيرنا" .

هذا السعي وان كان الآن قد أجمع الكل عليه، إلا أنه يعد سعياً قديماً قدم الصراع الأزلي بين الخير والشر، فكلما احتدم الصراع واشتد كلما زاد سعي الانسان إلي هذا الملاذ، وهنا يبرز لنا الدور الهام للفن الذي عكس لنا مظاهر الرحمة والعطف والحنان التي كان يلجأ إليها الإنسان، ويشتاق إليها كلما ابتعد به المكان أو الزمان عن هذا الملاذ .

وتجلت لنا تلك المظاهر في فن التصوير القبطي من خلال الموضوعات التي تجسد لنا حنان الأم علي ولدها، وعطف المسيح علي أتباعه، وتعد أيقونات التجسد أوضح نموذج نستشرق من خلاله حنان الأم بولدها وعطفها عليه ورحمتها به، وقد جاءت غالب التصاوير التي تمثل هذا الموضوع منفذة بأسلوب واحد حيث تجلس العذراء في وضع المواجهة، وتضع ابنها المسيح علي فخذها الأيسر، وتحيطه بذراعها من خلف  ظهره وهي تنظر إليه، وكل جارحة من تلك الجوارح  تحمل في طياتها مظهر عطف وحنان يختلف عن غيره فى الأوضاع الأخرى، فوضع العذراء لابنها علي فخذها الأيسر يتيح له الإتكاء علي صدرها من الجهة اليسرى محل القلب، وبالتالي فهي تحيطه بقلبها، وتستشعر قربه منها، وتبعث إليه من خلال دقات قلبها المتكئ عليه من معانى المحبة والرحمة ما يعجز اللسان عن الإفصاح به، حتي أن المشاهد لهذا المنظر يقف حيراناً من روعته لا يدرى، هل العذاراء تحيا بقلبها النابض في أحشائها، أم بذاك الجالس علي فخذها ؟! لذلك تعد هذه الجلسة من الإبداعات التعبيرية التي تميز بها المصور القبطي، وأما وضع ذراعها خلف ظهره، فيحمل في ثناياه كل معانى الحماية والرعاية، فهي تحمى ظهره من أي شيئ يؤذيه، وتفديه بروحها التي عبرت عنها بجزء منها وهي الذراع، وكأنها تخبره بلسان الحال لا المقال امض ولا تعبأ يا صغيرى، فأنا سندك وملاذك الآمن، ستجدنى فى ظهرك أحميك وأدفعك للأمام، ثم يتكرر هذا المشهد وتلك الأحاسيس من الأمام، اذ يبرز كف اليد ليحوطه برعاية من الأمام، وكأنها تطمئنه: لا تخش ممن خلفك، وستجدنى أمامك، فلاعليك  إلا أن تجد في السير ولا تلتفت، ويختم الفنان تلك الأيقونة الرائعة التي تفوح بمشاعر العطف والحنان بشيئ ساحر تتجسد من خلاله كل الأحاسيس السابقة بصورة رائعة متقنة، هذا الشيئ هو نظرات عيني العذراء لابنها، استطاع الفنان من خلال جلسة العذراء الشامخة التي تدل علي الكبرياء والعزة، مع نظرة عينيها لولدها المليئة بالضعف والإنكسار الناتجين عن شدة حبها وولعها بابنها، استطاع أن يجمع بين المتناقضات بأسلوب فني عظيم، كأنه يخبر عنها أنها وان كانت تستطيع أن تتحدى العالم كله، إلا أنها لاتستطيع ذلك مع ولدها وفلذة كبدها، ولسان حالها يردد قول الشاعر:

إنما أولادنا بيننا      أكبادنا تمشي علي الأرض

أما عن عطف السيد المسيح ورحمته و حنانه بأتباعه فتجسده لنا صورته وهو يضع يده علي كتف أحد اتباعه، وقد أمسك بيده الأخري الإنجيل، والصورة تعكس لنا كم الإحتواء والحنان الذي كان يتعامل به المسيح مع أتباعه، ورغم أن القديس هنا لم يعاصر المسيح وإنما جاء بعده بقرون، إلا أن المصور أراد أن يعبر من خلال الجمع بين المسيح والقديس في صورة واحدة عن أن محبة المسيح وحنانه وعطفه مستمرون على طول الزمان لكل من تبعه وسار علي نهجه، انه دائماً قريب من أتباعه، يرعاهم ويحوطهم بعطفه وحنانه، فوضعه ليده علي كتف القديس يدل علي تواضع المسيح وقربه من القديس وكأنه صاحب أو أخ له،  وحمله للكتاب المقدس في يده الأخرى إشارة إلي أن كل من آمن بهذا الكتاب وعمل بما فيه سيناله ما نال القديس من رضا المسيح عنه وقربه منه، كما أن نظرات العيون تشعرنا بالرضى من كلا الطرفين عن الآخر، فقد رضي المسيح عن القديس لنقاء سيرته وسريرته، ورضي القديس أن يحتويه المسيح بعطفه وعنايته وحنانه .

   ويلاحظ فى الموضوعين السابقين أنهما تضمنا البحث عن الرحمة والعطف والحنان في رحم الصراع بين الخير والشر، وأجواء ملبدة بغيوم القسوة والجبروت، فالعذراء جسدت لنا أسمي درجات العطف والحنان بابنها حين اشتد عليها الغمز واللمز والطعن في عرضها وشرفها من قبل اليهود، وفي صورة المسيح وهو يضع يده علي كتف أحد أتباعه، جاءت الصورة لتجمع بين زمنين متباعدين كان العذاب والإضطهاد هو القاسم المشترك بينهما، فاستطاع الفنان ان يستلهم من هذا القاسم المشترك مظاهر تجسد مشاعر العطف والرحمة والحنان .

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.