كاسل الحضارة والتراث Written by  حزيران 24, 2021 - 513 Views

إطلالة علي حضارة صالحجر من خلال حفائر شارع الأثار(2)

Rate this item
(4 votes)

بقلم الآثاري / محمد أحمد ناصر

استكمالا للمقال السابق والذي حمل نفس العنوان للوقوف علي بعض الجوانب الحضارية لصالحجر القديمة من خلال المكتشفات الأثرية لحفائر شارع الأثار 2025-2016 نتعرض لنوع من التماثيل وجد بكثرة في صالحجر حتي لا تكاد تخلو أية حفائر منه وهو المعبود حربقراط في وضع الخصوبة .

حربقراط هو إله الصمت والأسرار ظهر كنظير للمعبود حورس المصري أثناء الدمج الحضاري الهلينستي من بداية الفترة البطلمية بمصر وذكر بلوتارخ أنه الإبن الثاني للمعبودة ايزيس وسيقانه عوجاء لأنه ولد قبل الأوان ولأنه كان يعزف علي القيثارة (الهارب) سمي حربقراط .

ويصور حربقراط بشكل جانبي كشاب عاري يجلس علي قاعدة شبه مستطيلة رافعا ركبتيه وقضيب مشدود مبالغا في حجمه ومادة الاثر حجر جيري ملون بالأحمر الداكن .

وتتسم هذه التماثيل بعدم الدقة في تصوير ملامح الوجه وعدم مراعاة المقاييس التشريحية وأغلبها صنعت من الحجر الجيري أو الفيانس وظهر هذا الشكل بمدينة منف وبشكل أكثر شيوعا في نقراطيس (كوم جعيف-البحيرة) وهي المستوطنة الوحيدة التي نشأت بمصر في العصر الصاوي إثر ثورة إجتماعية  بصالحجر حيث ضجر الأهالي بالأجانب من التجار والمرتزقة اليونانيين الذين ملأوا شوارع صالحجر وكان ضمن تأثيراتهم السلبية الإنحلال الأخلاقي الذي ينافي الأخلاقيات المحافظة للشعب المصري ورضخ الفرعون لرغبة الشعب وقام ببناء مدينة جديدة بكوم جعيف لتضم الأجانب إليها وتكون مركزا تجاريا شديد الأهمية في العصر الصاوي حيث إمتد منها رافدا نهريا الي مدينة هيراقليون المكتشفة حديثا ويؤكد بعض العلماء بوجود رافد نهري صناعي يربط بين صالحجر وكوم جعيف (نقراطيس ) نشأ بغرض تسهيل حركة التجارة  .

ما يعنينا هنا هو تأثير الأجانب من المرتزقة والتجار أخلاقيا ودينيا علي المصريين وإنتشار عبادة حربقراط عامة وعلي أهالي صالحجر خاصة بهذا الشكل الذي يصور عضو التذكير بصورة فجة والغرض منه استجداء الخصوبة والفحولة .

ننتقل للأثر الثاني تمثال فخار (تيراكوتا) خفيفة ومجوفة من الداخل وبفتحة دائرية من الخلف لتسمح بالتهوية أثناء الحرق حتي لا تتشقق وظهرت تماثيل التيراكوتا بمصر أواخر القرن الرابع قبل الميلاد وتري ألكسندرا فيلينغ وجفري سبنسر وأخرون أنها جاءت من اليونان عبر مدينة نقراطيس ونري بالأساس أنها نشأت بالمزامنة مع نقراطيس في سايس كأبرز تجمع لليونانيين قبل نقراطيس خصوصا بعدما تم الكشف عن العديد منها بحفائر صالحجر الأخيرة .

وهذا الأثر أيضا يمثل حربقراط ولكن بشكل آخر بل وشديد الندرة وهذه التيراكوتا فاقدة أجزاء منها ومجمعة بالترميم وتصور حربقراط كفتي عاري يضع إصبعه علي ذقنه أسفل فمه مباشرة مثل مخصص كلمة طفل باللغة المصرية القديمة بخطها الهيروغليفي وذلك ما جعل اليونانيين والرومان من بعدهم يصفونه بإله الصمت لتشابه هذا الوضع مع إيماءة الصمت في الميثولوجيا اليونانية  .

وتم تصويره ممسكا قرن الخيرات مليئا بالفاكهة بيده الأخري وشعره المجعد الطويل مكلل برباط دائري ويتدلى عضوه الذكري المبالغ في حجمه مع توضيح صفاته التشريحية .

ويصورهنا جالسا علي زهرة اللوتس وتظهر بقايا الألوان علي أوراق الزهرة يمكن تمييز اللون الأزرق منها والجدير بالذكر أن الورود تعد رمزا مرتبطا بالمعبود حربقراط حيث يتم رسمها على أسقف غرف الضيوف كإشارة الي أن الموضوعات التي تتم مناقشتها داخل هذة الغرف لا يجب تكرارها بالخارج  ويعود ذلك للمعبودة أفروديت ربة الجمال الإغريقية حيث أعطت إبنها إيروس إله الحب وقد أعطاها بدوره الي حربقراط للتأكد أن تصرفات والدته الطائشة ستبقى طي الكتمان ويعتبر عطاء الورود دلالة علي السرية .

ومن الطريف أننا مازلنا نعبر عن الحب الصامت والسري بعطاء الورود .

ومن المرجح أن تيراكوتا حربقراط على زهرة اللوتس الزرقاء المكتشفة بصالحجر كانت ضمن أحد الغرف التي يتم تداول الأسرار بها وأن طريقة صناعتها يتيح لها وضعية الرؤية المباشرة للجالسين بالغرفة ولم يتم الإكتفاء بمجرد الرسم علي الأسقف أو الجدران ربما لأهمية الأسرار المتداولة بتلك الغرفة ويشير ذلك أيضا الي مدى تأثير ذلك المعتقد إجتماعيا ومدى فاعلية صناعة مثل تلك الرموز .

تميزت الحفائر أيضا بإستخراج العديد من كسرات الأواني الزجاجية في الثلث الأول من إمتداد الحفائر من الناحية الشرقية ونظرا لهشاشة مادة الصنع عاد من الصعب إستخراج آنية كاملة لكننا نستطيع أن نتصور شكل الأواني من الأجزاء الأثر سماكة وتماسكا وأغلبها قواعد الآنية الدائرية وقطعتين تمثل كل منهما يد إناء

ومن المؤكد أن صناعة الزجاج إزدهرت بصالحجر القديمة ليس فقط لإنتشار كسرات الزجاج والأفران بالتل الأثري ولكن لإكتشاف ساروق الزجاج (خبث الزجاج) ومتعارف علية كمصطلح أثري (سلاج) والزجاج المصنع بصالحجر القديمة ليس شفافا كما هو معتاد حاليا فلم يتوصل الصانع الي تقنية تصفية رمل الزجاج من الشوائب كما هو الأن ولم ينجح الصانع أيضا في تثبيت سمك بدن الأواني بالنفخ فنجد سماكة بدن الأواني مختلفة داخل الإناء الواحد وإنتشرت تلك الصناعة عموما بالحقبة البيزنطية ما يؤكد استمرار صالحجر كمركزا تجاريا وحضاريا بالعصر البيزنطي حيث كان لصالحجر أسقفا بدءا من الأسقف نميسيوس سنه 325م وحتى الأسقف أنبا مقارة سنة 1086م

لم تزدهر صناعة الخزف والزجاج فقط بصالحجر القديمة بل وتميزت في صناعة الفخار نضرب مثلا بالقلة المصرية والتي مازالت تصنع حتى الأن والصورة المرفقة توضح أجزاء من القلة المصرية المصنعة بصالحجر البيزنطية تمثل رقبة وفوهة القلة

ومن المفارقات أن صناعة القلة البيزنطية بصالحجر كانت أكثر تطورا وتقدما عن وضعها الحالي و تتسم بجودة الفخار والتلوين يتراوح بين الابيض والأسود والأحمر ودرجاتهم وفي أغلب الأحيان تتم زخرفتها بالتخطيط وأحيانا أخرى بالرسم مثل الدوائر ويعد ذلك سمة ثابتة بالفن البيزنطي وتتميز أيضا بطول الرقبة نسبيا عن القلة الحالية وحافة القلة الحالية مستقيمة عمودية أما الأخرى تخرج الحافة من رقبة إسطوانية تضيق كلما إتجهنا للأعلى وتتجه للخارج قليلا ثم تعود للإرتفاع ثم تتجه الحافة الي الداخل مما يتيح شرب المياة بطمأنينة وتمنع عب الماء والخلاصة أن التصميم القديم يتيح رفاهية الإستمتاع بالشرب ......... يتبع

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.