كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 02, 2021 - 160 Views

"السعادة" من وجهه نظر الحكماء

Rate this item
(2 votes)

بقلم الدكتورة/ بوسي الشوبكي

دكتوراه في التاريح والحضارة القديمة

 السعادة هي الإحساس بالمتعة والانبساط، والفرح والابتهاج، وكل ما يدخل السرور على النفس يطمئن القلب، ويشرح الصدر للحياة. أو شعور ناتج من الأعمال التي يقوم بها الإنسان للأشخاص الأخرون فيعود عليه بالسعادة. فالسعادة شعور عام بين الناس جميعاً، ومتاحة للجميع. ويري البعض أنها بالمال، ويري البعض الآخر أنها بالنجاح والإنجاز.

 فالسعادة شعور نسبي يختلف بإختلاف قدرات الفرد وامكاناته ودوافعه للحياة. وماهية السعادة ترتبط بالرضا والراحة التي تنبع من القلب؛ حيث تجد النفس البشرية السلام والهدوء وراحة البال في مواجهه الحياة بصعابها وصراعاتها. وأيضا اختلف الفلاسفة في تعريفها؛ فيعرفها أفلاطون انها عبارة عن فضائل الأخلاق والنفس كالحكمة والشجاعة والعدالة والعفة، بينما عرفها أرسطو انها هبه من الإله، وتنقسم لخمس أبعاد صحة البدن، الثروة وحسن استثمارها، تحقيق الأهداف والنجاحات العلمية، سلامة العقل والعقيدة ، السمعة الحسنة والسيرة الطيبة. ويري العلماء والمفكرين المسلمين ان السعادة هى حالة من تحقيق التوازن بين ما يتطلبه الجسد والروح وبين متطلبات الفرد ذاته في المجتمع الذي يعيش فيه. وأكدوا علي السعادة مرحلتين: وهما السعادة الدنيوية في ظل الأحكام والضوابط الشرعية. والسعادة الآخرة التى تتحقق بدخول الجنة حسب درجة صلاح الإنسان في حياته الدنيوية السابقه.فيقول الامام الغزالي أن اللذة والسعادة هي معرفه الله عز وجل.

أما السعادة من وجهه نظر الحكماء اليونانيون القدامي؛ فيروي لنا أرسطو قصة معبرة عن السعادة ومفهومها. وذلك من اللقاء بين الحكيم سولون وكرويسوس ملك سارديس عاصمة مملكة ليديا بأسيا الصغري.

 فعندما سأل كرويسوس سولون، يا صديقي أنت معروف بحكمتك وأسفارك في أنحاء العالم طلبًا للعلم والمعرفة، فمن هو أسعد الرجال؟ وما هو مفهوم السعادة من جهة نظرك؟. وعندما سأله الملك هذا السؤال كان يتوقع أن يجيبه إنه هو أسعد الرجال حظًّا، بما يتملكه من حكم وثراء باهظة، لكن سولون ردّ عليه دون تملق أو إطراء، أن السعادة نسبية وتختلف من شخص لأخر وسأروي لك بعض القصص عن الرجال السعداء.

أولهم تيلّوس، وعندما سمع الملك إجابته، سأله تيلّوس منّ؟ ولماذا هو سعيد؟ فأجابه سولون: إنه رجل أثيني عاش في مدينة عظيمة، ولديه أولاد يتمتعون بالأصل النبيل، وأيضًا كان من سعادته أن شاهد ميلاد أحفاده في حياته، وكانوا جميعًا يحيون حياة طيبة، ويعيشون في هدوء وسلام، وعندما توفي تيلّوس كان قد أنهى حياته أيضًا بشرف وعظمة .  فشهرته ترجع إلى اشتراكه مع الأثينيين في إحدي المعارك، ونال شرف الشهادة لدفاع عن وطنه، وتم تشييع جثمانه في جنازة وطنية، ودُفنَ في المكان الذي توفي فيه، وترك وراءه أبناءً وأحفادًا ظلوا يتذكرونه لشرفه وعظمته، وظل في ذاكرتهم إلى الأبد، وهكذا يوضح سولون مفهوم السعادة من ذِكرهِ لحياة هذا الرجل، وأنها الحياة في حالة متوسطة من الثراء، والموت مع الخلود في ذاكرة خلفائه، وذلك من تقديم حياته فداءً لوطنه، فظل خالدًا في ذاكرة الجميع.

وعلى ما يبدو فإن الملك كرويسوس لم يفهم ما يهدف إليه سولون من قصة تيلّوس، وأعاد السؤال مرة أخرى عليه: "من هو أسعد الرجال حظًّا رأيته؟"، وكان يتوقع أنه الرجل السعيد الثاني بعد تيلّوس، لكن إجابه سولون أدهشته أيضا هذه المرة؛ لأنه أجابه بقصة آخري، لشابان هما كليوبيس وبيتون ، وترجع شهرتهما إلى أنهما عملا على تنفيذ رغبة أمهما وإسعادها، وذلك لأنها كانت تريد الذهاب إلى احتفال الإلهة هيرا في أرجوس، وتأخرت الثيران التي ستجر العربة التي ستركبها الأم للذهاب إلى الاحتفال، فركب هذان الشابان النير الخشبي، وقاما بجر عربة أمهما مسافة خمسة أميال حتى وصلت إلى المعبد، بدلاً من الثيران التي تأخرت، وعندما وصلت عربة الأم ورأى الجميع ما فعله هذان الشابان من أجل إسعاد أمهما، التف الناس حولهما وهنئوهما على قوتهما، وقامت النساء بتهنئة الأم على مثل هذين الولدين الصالحين، وكانت الأم في قمة سعادتها في الاحتفال؛ لأنها شعرت بقيمةٍ ما صنعهُ ولداها، وأنهما قاما بتقديم حياتهما من أجل إسعادها، وبعد أن تم تقديم الأضاحي وتناول الشراب قامت الأم بالصلاة والدعاء للإلهة أن تمنح ولديها أفضل شيء لإسعادهما، وأخيرا ذهب الشابان إلى المعبد كي يستريحا من شدة الإرهاق والتعب الذي بدا عليهما، إلا أنهما لم يستيقظا مرة ثانية، ومات الشابان بشرف وفخر من أجل إسعاد أمهما، وتم تشييع جثمانهما في جنازة وطنية تكريمًا لهما لما فعلاه تقديرًا لاحترام ولحب أمهما وإسعادها، وفي النهاية تم تكريمهما في ديلفي بصنع تمثال يخلد ذكراهما.

وهكذا وضع سولون هذين الرجلين كليوبيس وبيتون في المرتبة الثانية من السعادة، وأثار ذلك غضب كرويسوس وقال لسولون: "يا صديقي لِمَ، لم تجعلني من هؤلاء الرجال فأجابه  بالنسبة لي تبدو رجلاً عظيم الثراء، وملكًا لعديد من الشعوب، ولكن لا يمكنني أن أجيب على تساؤلك دون أن أعلمكَ شيئا ذا قيمة، وهو أن الذي يحدد مدى سعادة المرء هو نهايته السعيدة، وأن الرجل الثري ليس بالضرورة أن يكون سعيدًا؛ لأن الثراء والغنى ليس شرطًا أساسيًّا من شروط السعادة، فكثير من الرجال الأغنياء لا ينعمون بالحياة السعيدة، وكثير من الرجال متوسطي الحال ينعمون بالحياة السعيدة، ويعيشون في هدوء وسلام، ووضح سولون لكرويسوس أن الفرق بين الرجل الغني والرجل السعيد هو أن الغني يستطيع أن يحقق جميع شهواته ورغبته، أما السعيد فلا يستطيع فعل ذلك؛ لأن الحظ يحفظه بعيدًا عن ذلك، حيث يجعله حرًّا من العاهات والأمراض، حيث لا خبرة له بالشرور، وأنه فقط يمتلك الأشياء الطيبة الحسنة للحياة مثل إنجاب الأطفال والحياة السعيدة، وبذلك لم يُرض سولون كرويسوس على الإطلاق، وأخبره أنه يجب على المرء أن ينتظر حتى النهاية؛ لأن نهاية المرء هي التي تحدد مقدار السعادة التي يتمتع بها.

يري سولون أن السعادة مرتبطة بالحياة الطيبة التي يحياها الإنسان، وأن تنتهي تلك الحياة بالموت بشرفٍ وعظمةٍ، وأن يظل هذا الإنسان خالدًا في أذهان عائلته وأصدقائه ومجتمعه، وبهذا الخلود الذي يجنيه الإنسان من الأعمال والأفعال الحسنة التي قدمها سواء لعائلته أو أصدقائه أو لوطنه الذي عاش فيه، ويذكر هيرودوتوس في تعليقه على هذه القصة أن الحظ أخفى لكرويسوس ما هو سعيد أيضًا؛ إذ إنه عندما جاء الفرس لغزو ليديا وتم الاستيلاء عليها وأسروا الملك كرويسوس وأوثقوه بالسلاسل، وعندما وقف على المحرقة تذكر كلمات سولون، فنادى باسمه ثلاث مرات على التوالي، فلما سمع قورش ملك الفرس هذا الاسم سأل كرويسوس عن صاحبه؟ فأجابه كرويسوس: هو رجل عُرف بحكمته وحديثه مع الملوك، وعندما سألته عن مفهوم السعادة والحظ لم أفهم ما كان يقصده عندما أجابني، ولكني الآن فهمت ما كان يقصده بأننا ننتظر حتى نهاية الحياة، وهكذا أنقذت كلمات سولون حياة كرويسوس من الموت، وبذلك تكون النصيحة التي رفضها كرويسوس في البداية هي التي أنقذت حياته في النهاية.

فالسعادة هي حالة؛ يستطيع أن يصنعها الإنسان لنفسه أذا أراد أن يشعر بها ايان كانت الظروف التي تواجهه.

فالحياة جميلة بحلوها ومرها. ورضاء الإنسان بما قسمه لله له مع السعي والصبر يشعره بالسعادة والطمأنينة.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.