كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 20, 2022 - 88 Views

أدب المقاومة المصري ضد الاحتلال الأجنبي في العصرين البطلمي والروماني

Rate this item
(0 votes)

بقلم أ.د. محمد عبد الغنى

أستاذ التاريخ والحضارة  اليونانية والرومانية بجامعة الإسكندرية

مقدمة: الملك نكتانيبو الثاني

تحررت مصر من ربقة الاحتلال الفارسي الذي جثم على أنفاسها منذ غزو الملك قمبيز بن قورش الأكبر لها عام 525 ق.م. بعد أن نجحت الثورة المصرية الثالثة ضد الحكم الفارسي بقيادة أميرتايوس الأصغر عام 404 ق.م. الذي ظل يحكم مصر لمدة خمس سنوات (404 – 399 ق.م.) شكّلت أصغر فترة حكم لأسرة حاكمة فرعونية هي الأسرة الثامنة والعشرين. وظلت مصر محافظة على استقلالها الذي انتزعته من الفرس حتى عام 343 ق.م. تحت حكم الأسرتين التاسعة والعشرين من منديس (399 – 379 ق.م.) والثلاثين من سمنود/ سيبانيتس (378 – 343 ق.م.). وقد تخلل فترة الاستقلال عن الفرس (404 – 343 ق.م) أربع محاولات من جانب الفرس لاسترداد مصر تحت سيادتهم، وقد فشلت هذه المحاولات ما عدا المحاولة الأخيرة التي قام بها الملك الفارسي أرتاكسركسيس الثالث (أوخوس) (359 – 338) الذي تمكن من هزيمة آخر ملوك الأسرة الثلاثين الفرعونية نكتانيبو الثاني([1]) (360 – 343) وأعاد الاستيلاء على مصر وأعاد السيادة الفارسية عليها لفترة قصيرة حتى عام 332 ق.م. حين دخلها الإسكندر الأكبر فاتحًا أو غازيًا دون قتال بعد تسليم الوالي الفارسي مازاكيس مفاتيح البلاد للقائد المقدوني المنتصر.([2])

من هذا المنطلق أصبح للملك نكتانيبو الثاني وضعٌ خاصٌ ومميزٌ في الوجدان الشعبي المصري القديم في الفترات اللاحقة إبان حكم البطالمة ثم الرومان باعتباره أخر (ملك مصري) يحكم البلاد؛ حيث صارت مصر بعد ذلك تحت حكم الملوك الفرس لمدة عقد تقريبًا (يمثلهم ولاتهم في مصر) ثم جاء الإسكندر الأكبر المقدوني وتلاه ملوك الأسرة الحاكمة البطلمية (323 – 30 ق.م.) ثم الأباطرة الرومان وولاتهم في مصر (30 ق.م. – 641 م.).

هذه الخصوصية وعوامل أخرى –سنتعرض لها بعد قليل- جعلت من نكتانيبو الثاني رمزًا للحكم المصري الخالص والاستقلال عن حكم الأجانب والروح الوطنية المصرية* التي تتأجج من حين لأخر حين تسوء الأوضاع في مصر أو ترتفع معنويات المصريين لإنجاز حققوه في ظل حكم حكامهم الأجانب. ورغم أن نكتانيبو الثاني قد هُزم على يد الملك الفارسي أرتاكسركسيس الثالث واضطر إلى الفرار والهرب إلى النوبة ونهاية عصر الأسرات المصرية الفرعونية إلا أن كل ذلك لم يحل دون تبوأه في الوجدان الشعبي المصري مكانة رفيعة. لعل مرد ذلك إلى أن هزيمته على يد الفرس لم تكن (هينة) سهلة المنال، وإنما حدثت بعد مقاومة شديدة منه تصدى فيها للفرس في المحاولة الأولى في عهده (على الأرجح في عام 352/ 351 ق.م.)([3])، وأنه في المعركة (المحاولة) الثانية للملك الفارسي ساهمت خيانة حاكم صيدا وأحد قادة المرتزقة الإغريق في جيش نكتانيبو –ومعه أربعة آلاف من جنوده- في إلحاق الهزيمة بالملك المصري عام 343 ق.م.

إن المصدر الذي يتناول تفاصيل ما حدث لنكتانيبو هو ديودور الصقلي في الكتاب السادس عشر من مؤلفه الضخم "المكتبة التاريخية". ورغم بُعد الشقة الزمنية بين ديودر الصقلي وفترة حكم نكتانيبو الثاني (قرابة ثلاثة قرون) إلا أن من المؤكد أن ديودور قد استعان بمصادر معاصرة أو قريبة من أحداث منتصف القرن الرابع ق.م. لاسيما إيفوروس. إن ديودور ومصادره في هذا الكتاب من مؤلفه يبرز انحيازه الواضح للعنصر اليوناني في الجيش المصري ممثلًا في المرتزقة الإغريق وقادتهم الذين كانوا في صفوف الجيش المصري كعنصر أساسي خلال فترة استقلال مصر عن السيادة الفارسية (404 – 343 ق.م.) والمحاولات المتكررة من الفرس لاستردادها. إنه ينسب كل فضل في هذا الصمود وفشل المحاولات الفارسية المتتالية وتحقيق الصمود والنصر على المحاولات الفارسية إلى براعة وحسن تخطيط وتنفيذ القادة الإغريق وجندهم المرتزقة، ويعزو كل قصور أو نقص أو إهمال إلى المصريين ملوكًا وقادة وجندًا ويرميهم ويفتري عليهم بأي نقيصة ويجردهم من كل فضلٍ – إلا لمامًا أو على استحياء([4])! فها هو مثلًا يشير    -في أكثر من موضع-  إشارات طفيفة إلى الانتصار الأول الذي تحقق على الفرس في عهد نكتانيبو الثاني: "وفي آسيا فإن ملك الفرس قام من قبل في الفترة المشار إليها بحملة ضد مصر بجحافل هائلة من الجند وأخفق، أما في الفترة التي نحن بصددها الآن فقد شن الحرب ثانيةً على المصريين وبعد أن نفذ بعض المنجزات الكبيرة بهمته وحيويته استرد مصر وفينيقيا وقبرص". هكذا حين انتصر نكتانيبو الثاني على جحافل الجيش الفارسي الهائلة لم يوصف هذا النصر المبين إلا بأن الملك الفارسي قد "أخفق، أو لم يحالفه الحظ ἀπέτυχε"! كما وصفت نفس هذه النتيجة في مواضع أخرى ببساطة على أنها "خسارة سابقة τὸ πρότερον ἐλάττωμα"، أو هزيمة سابقة τὸ προνενικῆσθαι دون وصف لملابساتها أو تعقيب عليها!([5])

ويمكن أن نوجز وقائع الأحداث التي أدت في النهاية إلى هزيمة الملك نكتانيبو الثاني على يد أوخوس ملك الفرس عام 343 ق.م. في الحرب الثانية بعد فشل محاولته الأولى عام 352/351 ق.م. في هذا الصدد يذكر ديودور الصقلي أن إخفاق أرتاكسركسيس الثاني (أوخوس) في محاولته الأولى لاسترداد مصر يعود إلى جبنه وعدم خبرة قواده، ولذلك احتقره المصريون([6]). ولكن عندما قلد الفينيقيون وملوك قبرص المصريين وأبدوا احتقارهم للملك الفارسي وبدأوا في الثورة عليه استبد به الغضب وقرر شن الحرب على من بدأوا الثورة عليه وتمردوا على حكمه، وصمم على أن يتولى القيادة بنفسه هذه المرة ولا يسندها إلى قواده. وأعد أرتاكسركسيس الثالث العدة للحرب من أسلحة ومؤن وعتاد، وحشد ثلاثمائة ألف من المشاة وثلاثين ألفًا من الفرسان وثلاثمائة سفينة قتال وخمسمائة سفينة إمداد. ((16.40.4-5. على الجانب الآخر قام أهل صيدا –الذين عانوا كثيرًا من ظلم وغطرسة الوالي الفارسي المقيم في صيدا وموظفيه- بعقد العزم على الثورة ضد الحكم الفارسي الجائر. وأرسل أهل صيدا سفراء إلى الملك المصري نكتانيبو الثاني الذي كان عدوًا للفرس وأقنعوه بقبول تحالفهم معه وبدأوا في الإعداد للحرب ((16.41.2-3 وقاموا بعدد من الأعمال العدائية ضد بعض المنشآت الملكية والإمدادات والموظفين الفرس في صيدا ((16.41.5-6.

وقد حصل تينيس –ملك صيدا الخاضع من قبل لسلطان الفرس- على إمدادات من الملك نكتانيبو الثاني تمثلت في أربعة آلاف من المرتزقة الإغريق بقيادة مينتور الرودي. وقد اشتبك في معارك –بهؤلاء المرتزقة وقوات المدينة- مع الولاة الفرس وانتصر عليهم وطردهم من فينيقيا([7]). وفي قبرص –حيث كان هناك تسعة ملوك للمدن الرئيسية في الجزيرة خاضعين لسلطة الملك الفارسي –أجمع ملوكها على الاقتداء بما فعله الفينيقيون بالتمرد والثورة على الحكم الفارسي وأعدوا العدة للحرب وأعلنوا استقلال ممالكهم. ((16.42.3-5

هكذا كان الوضع بين الجانبين قبيل المواجهة المباشرة بين الطرفين: الفرس من جهة، والمصريون والفينيقيون والقبارصة من جهة أخرى. أما ملوك قبرص فقد تكفل بهم طاغية كاريا إدريوس –الذي كان صديقًا وحليفًا بالوراثة لملوك الفرس– الذي أرسل إليهم قوة برية وبحرية كبيرة –خصوصًا ضد سلاميس أكبر مدن الجزيرة- وألقى في قلوبهم الفزع والرعب. (16.42.6-9).

نأتي الآن إلى بيت القصيد في هذا البحث –ونقصد به الملك نكتانيبو الثاني وحليفه الفينيقي تينيس ملك صيدا وموقف كل منهما من الفرس- لنرى أن ملك صيدا حين علم بأمر الحشود الفارسية الضخمة التي لا قبل له بمواجهتها آثر سلامته الشخصية τὴν σωτηρίαν ἰδίᾳ πορίζειν ἔκρινεν. على مصلحة وطنه ومواطنيه من أهل صيدا وبقية الفينيقيين. وعلى ذلك فقد وعد ملك الفرس –سرًا ودون علم أهل صيدا- أنه سوف يسلمه صيدا بالغدر والخديعة بل وسوف يؤازره في إخضاع مصر بحكم معرفته الدقيقة بطبوغرافية تلك البلاد ومواضع الرسو على نهر النيل، وهو الأمر الذي أسعد الملك الفارسي الذي وعده بالعفو عن تمرده وتقديم مكافآت سخية له إن هو أنجز تلك الوعود. ((16.43.1-3.

في الوقت ذاته أرسل الملك الفارسي أرتاكسركسيس الثالث وفودًا إلى أبرز المدن اليونانية يطلب منها الانضمام للفرس في حملتهم ضد المصريين ἀξιῶν συστρατεῦσαι τοῖς Πέρςαις ἐπ' Αἰγυπτίους. وقد لبت الدعوة كل من طيبة وأرجوس وبعض المدن اليونانية في آسيا الصغرى حيث أرسلوا نحو عشرة آلاف جندي يوناني للانضمام للجيش الفارسي. ومن جهة أخرى فإن تينيس ملك صيدا قد دبّر بقية خيوط مؤامرة تسليم صيدا بالغدر والخيانة مع مينتور الرودي قائد المرتزقة الإغريق الذين سبق أن أرسلهم إليه الملك المصري، حيث عهد إليه بحراسة قسم من المدينة وأن يتصرف بالتنسيق مع رفاقه لتسليم المدينة غدرًا([8]). ومن الجدير بالذكر أن هذا الخائن مينتور الذي ساهم في الغدر بمدينة صيدا قد نال حظوة كبيرة لدى الملك الفارسي وشكل دورًا مهمًا في غزو الفرس لمصر واسقاط حكم الملك نكتانيبو الثاني وكافأه الملك الفارسي بسخاء على دوره في كل تلك الخيانات.

(16.47.4; 49.7-8; 50.1-7).                                      

مما سبق ندرك أن (الخيانة) كانت القاسم المشترك الأكبر الذي أفضى في نهاية المطاف إلى هزيمة كل من الفينيقيين والمصريين أمام جحافل الجيوش الفارسية بقيادة أرتاكسركسيس الثالث (أوخوس) في حملته الثانية عام 343 ق.م. فقد غدر تينيس ملك صيدا –بالتآمر مع مينتور الرودي- بمدينة صيدا وأهلها الذين لم يكونوا على علم بغدر ملكهم واستعدوا استعدادًا مكثفًا لصد الهجمة الفارسية، إلا أن مليكهم سلّم الملك الفارسي مائةً من أبرز وجهاء المدينة من صفوة مستشاريه ونفذ فيهم ملك الفرس حكم الإعدام بوصفهم ممن حرضوا على الثورة على حكم الفرس. وفضلًا عن ذلك نفَّذ الملك حكم الإعدام كذلك في خمسمائة غيرهم من وجهاء المدينة أتوا إليه حاملين أغصان الزيتون وطالبين العيش في سلام، ولم يقبل الملك الفارسي بأقل من أن يسلمه ملك صيدا الخائن المدينة بنفسه لكي يلقنها درسًا قاسيًا ليلقي في قلوب أهلها الرعب لتصبح عبرةً لبقية المدن الفينيقية. وقد رضخ ملك صيدا –بالتواطؤ مع مينتور الرودي- لطلب الملك الفارسي وسمح له ولقواته بالولوج إلى داخل أسوار المدينة، "وهكذا وبهذه الخيانة الوضيعة -حسب وصف ديودور الصقلي- سُلِّمت صيدا لسلطان الفرس.

ἡ μὲν οὖν Σιδὼν διὰ τοιαύτης προδοσίας ὑποχείριος ἐγένετο τοῖς Πέρσαις. (16.45.4).

أما عن مصير تينيس ملك صيدا فحين اعتقد الملك الفارسي أنه لم يعد يُرجى منه نفع له أبعد من ذلك أعدمه!

ὁ δὲ βασιλεὺς ὑπολαβὼν τὸν Τέννην μηκέτι χρήσιμον ὑπάρχειν ἀνεῖλεν. (16.45.4).

وحين اكتشف أهل صيدا ما حل بمدينتهم من جراء الخيانة قاموا –قبل وصول الملك الفارسي- بإحراق كل سفنهم حتى لا يتسنى لأحد من مواطنيهم الإبحار سرًا للنجاة بحياته وسلامته. ولكنهم حين رأوا سقوط مدينتهم وأسوارها وهي تعج بعشرات الآلآف من الجند في جحافل هائلة أغلقوا منازلهم عليهم هم وأطفالهم ونساءهم وأشعلوا فيها ألسنة اللهب، ويُقال أن من قضوا نحبهم في هذه المحرقة –بمن فيهم خدم المنازل- قد تجاوز عددهم أربعين ألفًا. هكذا كانت نهاية الكوارث التي حلت بصيدا، أما بقية المدن الفينيقية فقد استبد بها الرعب والفزع واستسلمت للفرس([9]):

τὰ μὲν οὖν κατὰ Σιδῶνα συμβάντα δυστυχήματα τοιαύτην ἔσχε τὴν καταστροφήν, αἱ δ' ἄλλαι πόλεις καταπλαγεῖσαι προσεχώρησαν τοῖς Πέρσαις. (16.45.6).

وبعد أن فرغ الملك الفارسي من أمر صيدا والمدن الفينيقية، وبعد أن وصلته إمدادات  بقوات إضافية من حلفائه من طيبة وأرجوس والمدن اليونانية في آسيا الصغرى حشد كل جيشه الضخم –من فرس وإغريق- وتقدم نحو مصر. وحين اقترب من مدينة بيلوزيون في أقصى شمال شرق الدلتا آنذاك (عند مصب الفرع البيلوزي للنيل في البحر المتوسط) عسكر الملك الفارسي وقواته من الفرس على مسافة أربعين ستاديون (إلى الشرق) من المدينة، في حين جعل حلفاءه الإغريق على تخوم المدينة. ويروي ديودور الصقلي "أن المصريين كان لديهم متسع من الوقت من قبل للاستعداد للحرب، وأنهم كانوا قد حصَّنوا جيدًا كل مصبات النيل ولاسيما المصب القريب من بيلوزيون لأنه كان من أول تلك المصبات (من جهة الشرق) وأفضلها موقعًا".

οἱ δ' Αἰγύπτιοι, δεδωκότων αὐτοῖς τῶν Περσῶν πολὺν χρόνον εἰς τὴν παρασκευήν, πάντα μὲν τὰ στόματα τοῦ Νείλου καλῶς κατεσκευακότες ὑπῆρχον, μάλιστα δὲ τὸ πρὸς τῷ Πηλουσίῳ διὰ τὸ πρῶτον εἶναι τοῦτο καὶ μάλιστα κείμενον εὐκαίρως.

ومن اللافت للانتباه أن الملك الفارسي حين قام بتوزيع وتنظيم جيشه وحلفائه حول المدينة قسَّم الجيش اليوناني المتحالف معه والملاصق للمدينة إلى ثلاثة أقسام (فرق) على رأس كل منها قائد يوناني ومعه ضابط فارسي رفيع المقام ومشهود له بالبسالة والإخلاص([10])، وكان في الصف الأول الطيبيون ومن بعدهم فرقة من أهل أرجوس، أما الفرقة الثالثة فتألفت من المرتزقة الإغريق تحت قيادة مينتور الرودي الذي غدر بأهل صيدا من قبل كما غدر بالملك نكتانيبو الثاني وانضم لأعدائه الفرس. إذًا كان الإغريق من حلفاء الفرس في مقدمة صفوف القتال، أما الملك الفارسي وبقية جيشه (من الفرس) فقد جعلهم الملك بمثابة قوات الاحتياط للعملية بأكملها"([11]).ويقرر ديودور –نقلًا عن مصادره الأقدم- أن نكتانيبو (الثاني) لم يصبه القنوط من جراء الحشود الضخمة من الأعداء ولا الوضع العام للقوات الفارسية على الرغم من أن قواته كانت أقل بكثير من قوات خصومه. ويخلص ديودور إلى أنه على الرغم من الاستعدادت المكثفة للحرب من جانب المصريين فإن الملك المصري سرعان ما لقى هزيمة ثقيلة بسبب سوء تقديره.([12]) ويتضح انحياز ديودور الصقلي ومصادره للإغريق على حساب المصريين حين يقرر أن سبب هزيمة الملك المصري في هذه المواجهة هو افتقاره إلى الخبرة القتالية كقائد وهزيمة الفرس على يديه من قبل في الحملة السابقة (ربما يقصد أن الانتصار السابق للملك المصري قد أصابه بالغرور). ويستدرك فيقول أن الفضل في انتصاره الأول يعود إلى قادة جيشه من الإغريق ممن تميزوا وتفوقوا في الشجاعة والحصافة والفطنة في فن الحرب مثل ديوفانتوس الأثيني ولاميوس الإسبرطي، ويرجع إليهما الفضل في انتصاراته في كل المجالات([13]). إن مثل هذه اللهجة الاستعلائية التي تمجد قادة المرتزقة الإغريق ودورهم في الجيش المصري –على مدى فترة الاستقلال المصري عن السيادة الفارسية 404 – 343 ق.م.- وتحط من قدر الملوك والقادة المصريين في عنصرية سافرة([14]) تتضح بجلاء في حديث ديودر عن تلك الفترة من تاريخ مصر.

إن ديودر يتغاضى –عن عمد فيما يبدو- عن أن هؤلاء المرتزقة الإغريق في الجيش المصري إبان هذه المعركة الأخيرة هم من ورَّط الملك المصري نكتانيبو في الهزيمة الثقيلة. وبيان ذلك أن أحد قادة هؤلاء المرتزقة في الجيش المصري ويُدعى كلينيوس من جزيرة كوس قد خاض معركةً حامية الوطيس –حسب وصف ديودور– ضد الإغريق المحاربين في الجيش الفارسي ممن قاتلوا بصورة رائعة ونجم عن هذه المعركة مقتل هذا القائد كلينيوس وخمسة آلاف من رجاله السبعة آلاف- هذا الأمر أصاب الملك المصري بالفزع وجعله يسرع مع بقية جيشه للدفاع عن مدينة منف مخافة أن تسقط في يد جحافل الفرس وحلفائهم([15]): ويواصل ديودور -أو بالأحرى مصادره القديمة التي نقل عنها وتحمس لروايتها- نهجه المنحاز للإغريق بالقول بأن القوة المكلفة بحماية بيلوزيون ضد الهجوم الفارسي والمتحصنين في حاميتها –وهم من المرتزقة الإغريق- قد صدوا القوات الفارسية وحلفاءهم من الإغريق بجسارة، ولكنهم عندما علموا بانسحاب الملك المصري إلى منف انتابهم الذعر وأرسلوا سفراء منهم لترتيب تسوية (استسلام) لبني جلدتهم الإغريق في الجيش الفارسي، لاسيما أن الأخيرين وعدوهم بالعفو عنهم وإعادتهم إلى موطنهم في اليونان محمَّلين بكل ما استطاعوا حمله من مصر، وهو ما أغرى هؤلاء المرتزقة الإغريق المدافعين عن حامية بيلوزيون بتسليمها للفرس([16]). إن حجة أن انسحاب الملك نكتانيبو الثاني إلى منف للدفاع عنها هي ما دفع المرتزقة الإغريق لتسليم حامية بيلوزيون للفرس ما هي إلا ذريعة واهية لخيانة وانتهازية صريحة من جانب هؤلاء المرتزقة، لاسيما أنهم لن يخسروا شيئًا كما رأينا. وأخيرًا في مسلسل الخيانة الإغريقي للملك نكتانيبو يعود إلى الواجهة مرة أخرى ذلك الخائن من المرتزقة الإغريق مينتور الرودي الذي سبق أن بعث به الملك نكتانيبو لمساعدة أهل صيدا في الثورة على الحكم الفارسي، فخان –هو وملك صيدا تينيس- قضية المدينة كما رأينا. هذا الرجل الذي تمتع بحظوة كبيرة لدى الملك الفارسي عاد إلى مصر –التي يعرفها جيدًا- هذه المرة كأحد قادة الإغريق في الجيش الفارسي ولعب دورًا مهمًا في الدعاية للملك الفارسي وزعزعة الروح المعنوية للمدافعين عن المدن المصرية حتى استسلمت العديد منها للفرس([17]): ولما رأى الملك المصري –وهو في منف- ميل المدن إلى التسليم للفرس وخيانته لم يجرؤ على المخاطرة بخوض معارك للدفاع عن عرشه، لذا فإنه فقد الأمل في الحفاظ على مُلكه وحمل معظم مقتنياته وفرَّ إلى أثيوبيا([18]). وكوفئ قائد المرتزقة الخائن مينتور الرودي بأن عينه الملك الفارسي القائد الأعلى على المناطق الساحلية من آسيا الصغرى حيث ظل خادمًا مطيعًا للملك الفارسي. (16.50.1-7).

 من مجمل العرض السابق –رغم التحيز الواضح من ديودور ومصادره للإغريق على حساب المصريين وملكهم- ندرك أن هزيمة آخر ملوك الأسرة الثلاثين في مصر الفرعونية نكتانيبو الثاني (360 – 343 ق.م) لم تكن في الأساس عن ضعف منه أو لقلة حيلته وعدم أخذه بالأسباب، بل نجمت في المقام الأول عن خيانة وخذلان عناصر المرتزقة الإغريق في جيشه، ومن انقلب منهم عليه من قبل وانضم للجانب الفارسي مثل مينتور الرودي.

إذا كانت هذه هي الصورة التي وصلتنا من مصدر غير محايد في رواية أحداث تلك الفترة من التاريخ المصري وهو ديودور الصقلي ومصادره الأقدم، فما بالنا بالمصريين من شهود الحدث ومعاصريه وأجيالهم اللاحقة! لابد أن المصريين قد أدركوا من مجريات الأحداث آنذاك أن ملكهم الوطني لم يقصِّر في الذود عن حياض البلاد وبذل كل ما في وسعه من جهد للحفاظ على استقلال البلاد واستمرار الحكم الوطني الذي انتُزع انتزاعًا من براثن الفرس. ولابد أن جموع المصريين قد أيقنوا كمَّ الخديعة والخيانة التي تعرض لها مليكهم من أطراف متعددة مما أفضى إلى هزيمته وفراره الحتمي. لذلك لم تهتز صورة آخر ملوكهم الوطنيين في وجدانهم بل احتفظوا له –رغم هزيمته وفراره- بصورة الملك النبيل الغيور على وطنه وإن خذلته أمور قاهرة كما رأينا.

يبقى القول أنه في ظل عودة الحكم الفارسي المتغطرس إلى مصر –بعد عقود من الحرية والحكم الوطني- انتقم الفرس شر انتقام من مصر والمصريين وعلى رأسهم كهنة المعابد المصرية لوضعهم المتميز على مدى تاريخ مصر القديم. فبعد هزيمة الملك نكتانيبو وفراره "استولى الملك أرتاكسركسيس (الثالث) على مصر بأسرها وهدم أسوار أبرز وأهم مدنها وقام بنهب معابدها وحصل منها على مقدار هائل من الذهب والفضة ونقل السجلات المقدسة للمعابد بعيدًا، ثم أعادها باجواس (أحد قادة الفرس البارزين المقربين من الملك في تلك الحملة وكان ينسق العمل مع مينتور الرودي) لاحقًا للكهنة المصريين نظير دفع مبالغ ضخمة كفدية"([19]).

 ولم يقف أوخوس عند هذا الحد من الوحشية والإهانة في التعامل مع المصريين بل تجاوز ذلك إلى ضرب مقدسات المصريين في الصميم وإهانة معبوداتهم. إن المؤرخ وكاتب السير بلوتارخ يصف هذا الملك الفارسي الفظ بأنه أكثر ملوك الفرس قسوةً وترهيبًا: καὶ γὰρ τὸν ὠμότατον Περσῶν βασιλέα καὶ φοβερώτατον Ὦχον حتى أنه أعدم الكثيرين، وأخيرًا ذبح (العجل المقدس) أبيس وجعله وجبة عشاء له وأصدقائه، ولذا أطلق عليه المصريون لقب "السيف" ولا زالوا يطلقون عليه هذه التسمية حتى يومنا هذا في قائمة ملوكهم ... ليشبهوه –في عناده وشروره- بأداة القتل هذه" ويذكر في موضع آخر من نفس المؤلف أن المصريين "نظرًا لكراهيتهم لأوخوس أكثر من أي ملك فارسي آخر أطلقوا عليه لقب (الحمار)،  وعلّق هو على ذلك بقوله: "هذا الحمار سوف يقيم وليمة على عجلكم"([20]).

ولحسن حظ المصريين لم تطل فترة الاحتلال الفارسي بعد إعادة احتلالها من جانبهم عام 343 ق.م.، إذ قضى الإسكندر الأكبر بعد إحدى عشر عامًا على الحكم الفارسي في مصر عام 332 ق.م.، وبعدها بعامين أسقط تمامًا الإمبراطورية الأخمينية الفارسية وأخر ملوكها داريوس الثالث عام 330 ق.م. في هذا المناخ المُشبَّع بالنفور والكراهية من جانب المصريين تجاه الحكم الفارسي وصل الإسكندر الأكبر المقدوني (356 – 323 ق.م.) إلى مصر بعد انتصاراته المدوية على الفرس ومليكهم داريوس الثالث عامي 334 و 333 ق.م.، وبعد أن أخضع مدن الساحل الفينيقي والفلسطيني (لاسيما صور وغزة) بعد مقاومة عنيدة. ويركز المؤرخون لحملة الإسكندر –من اللاحقين الذين استقوا معلوماتهم من المصادر الأقدم المعاصرة- على أن فتح الإسكندر الأكبر لمصر قد جاء بصورة سلمية ودون أية مخاطر:  παρῆλθεν εἰς Αἴγυπτον καὶ παρέλαβε πάσας τὰς ἐν αὐτῇ πόλεις χωρὶς κινδύνων·  ويستطرد ديودور الصقلي في نفس الموضع ليبرر هذا الدخول الآمن المطمئن للإسكندر بالقول: "وذلك لما اقترفه الفرس من آثام وخطايا بحق المعابد وحكمهم العنيف للبلاد، لذا رحّب المصريون بالمقدونيين"([21]) ويتفق كوينتوس كورتيوس مع ديودر الصقلي في هذا الطرح والتفسير.([22])        

من هنا لعب الإسكندر الأكبر على وتر الدين الحساس عند المصريين وبمجرد أن وصل إلى منف قدم الأضحيات للآلهة هناك -خصوصًا أبيس- وأقام مسابقات رياضية وموسيقية شارك فيها مشاهير الرياضيين والموسيقيين من بلاد اليونان([23]). إن ذكر أبيس هنا على وجه التحديد وصراحةً له دلالة ذات مغزى حيث أن ذلك المعبود الذي سبق أن أهانه وسخر منه ملوك الفرس من قبل خصوصًا أولهم قمبيز أرتاكسيركسيس الثالث قبل فترة قصيرة. لقد عمد الإسكندر –على الأرجح- أن يكسب مشاعر المصريين لصفه من أقصر طريق. وقد كرر الإسكندر نفس المنافسات الرياضية والموسيقية ثانية في منف –بعد عودته من رحلته الشهيرة لمعبد وحي آمون في سيوه- حيث أقام موكبّا بقواته بأسلحتها بعد أن قدم الأضحيات لزيوس الملك([24]).

  • نكتانيبو الثاني في السيرة الشعبية للإسكندر الأكبر Alexander Romance

إذا ما ربطنا بين هذه الأحداث المتعاقبة في مخيلة المصريين في تلك الحقبة التاريخية الممتدة بين سقوط آخر الملوك المصريين الوطنيين نكتانيبو الثاني آخر ملوك الأسرة الثلاثين وفتح الإسكندر الأكبر لمصر وتخليصها من حكم الفرس ثم اسقاط الأسرة الحاكمة الفارسية الأخمينية بعد قليل لأدركنا مدى تأثير ذلك على مشاعر المصريين التي ألهبت خيالهم. فقد كان جليًا للمصريين أن آخر ملوكهم لم يُهزم عن ضعف أو تخاذل بل أدى كل ما في وسعه للحفاظ على الحكم الوطني المصري، ولكن ساهم الغدر والخيانة من أطراف عديدة داخلية وخارجية في الإطاحة بجهوده. وشاهد المصريون بأم أعينهم مقدار الإهانة والإذلال وشهوة الانتقام الوحشي الذي تعرضوا له –هم وعقائدهم ومعابدهم- على يد الملك الفارسي المنتصر، وأهاجت مشاعرهم إهانات الفرس لهم منذ غزو قمبيز لمصر. وفي الختام –وتشفيًا وثأرًا من كل فظائع وأهوال الفرس– استقبل المصريون الإسكندر الأكبر بكل حفاوة وترحاب، ورد هو بدبلوماسية بارعة على ذلك الاستقبال ورد التحية بأحسن منها كما رأينا واحترم عقائد المصريين –وهو بيت القصيد- فحظي بمكانة مرموقة في قلوبهم حين بشَّر بأفكار إنسانية عالمية أرحب من الأطر الضيقة التي درج عليها الإغريق من تقسيم العالم بين إغريق متحضرين وبرابرة أقل شأنًا ورقيًا. كما كان لاعتقاد الإسكندر بأنه من نسل إلهي مقدس وليس بشرًا عاديًا وترسيخ كاهن الإله آمون في سيوة لهذا الاعتقاد حين خاطب الإسكندر على أنه ابن آمون (زيوس) أثرٌ كبيرٌ في إضفاء الصفات الخارقة على الإسكندر في أذهان المصريين، وفي تصويره على أنه أداة الانتقام المقدس لهم من طغيان وإهانات الفرس الذين أنهوا حكم آخر ملوكهم الوطنيين (نكتانيبو الثاني).

من هنا لا يبدو غريبًا أن تشتعل قريحة المصريين وخيالهم الوطني لتوجد رابطةً من نوع ما بين آخر ملوكهم الوطنيين وبين الإسكندر الأكبر. من هنا بدأ أدب المقاومة المصري الوطني الذي يرفض الاعتراف بهزيمة المصريين أمام الملك الفارسي أوخوس، ويرى أن هذه جولة سيعقبها جولات ينهزم فيها الفرس على يد الإسكندر (ابن) نكتانيبو!!

أما عن هذه الرابطة بين أخر ملوك مصر من الفراعنة (نكتانيبو الثاني) وبين الإسكندر الأكبر المقدوني فتتجلى بوضوح في السيرة الشعبية عن حياة ومنجزات الإسكندر والتي تعرف في المراجع الحديثة Alexander Romance وتنسب بشكل غير صحيح إلى كالليسثنيس (ابن أخت المُعلم الأول أرسطوطاليس، وهو مؤرخ وكاتب رافق الإسكندر في حملاته في الشرق، وأُعدم بعد رفضه السجود للإسكندر الذي طالب بتأليه نفسه كما كان يفعل ملوك الفرس). وقد أُطلق على هذه السيرة الشعبية غير مؤكدة النسبة "سيرة حياة الإسكندر Life of Alexander" ونسبت زورًا إلى كالليسثنيس Pseudo- Callisthenes. من خلال القرائن والإشارات الخارجية في هذا النص الملحمي الشعبي يمكن القول أن أقدم نسخة منقحة وصلتنا من هذا العمل تعود للقرن الثالث الميلادي([25]). أما عن طبيعة هذا العمل فإنه سرد تاريخي زائف Pseudo يتخلله أدب مراسلات روائي عبارة عن مراسلات غير حقيقية بين الإسكندر الأكبر وداريوس الثالث أخر ملوك الفرس الأخمنيين. أما عن توليفة عناصر هذا العمل الملحمي الشعبي فإنها تجمع بين عدة عناصر تراكمت على مر القرون ابتداءً من عصر خلفاء الإسكندر المباشرين Diadochoi وعلى مدى الفترة الهيللينستية. وإحدى مكونات هذه الجديلة (الضفيرة) الملحمية هو المكوِّن المصري الذي يقدم أخر الفراعنة المصريين –نكتانيبو الثاني- كفاعل بارز في الأحداث([26])، ويضيف تفاصيل مثيرة وطريفة عن الإسكندرية، وهو الأمر الذي يعنينا في سياق هذا البحث (أقصد الدور البارز لنكتانيبو الثاني في هذه السيرة). هذا الذكر المتكرر للإسكندرية بظرف المكان "هنا" وإلى مصر "هذا البلد" –لاسيما في الكتابين الأول والثاني من العمل- جعل فريزر يميل إلى ترجيح أن مصر والإسكندرية هما مكان وأصل النسخة اليونانية من هذه السيرة الشعبية للإسكندر، لاسيما وأن الأجزاء المشار إليها تفيض مديحًا لمصر وتتسم بصبغة مصرية.([27])

ها هو الفصل الأول من الكتاب الأول من هذه السيرة الملحمية للإسكندر الأكبر يبدأ على النحو الآتي: "إن المصريين الذين بلغوا ذروة الحكمة، أحفاد ونسل الآلهة، قد قاموا بقياس الأرض وتهدئة أمواج البحر، وحددوا مجرى نهر النيل، وعينوا مواضع المجرات في السماء، وأهدوا العالم المسكون القوة وقدرة العقل واكتشاف فن السحر. إذ يقولون أن نكتانيبو –أخر ملك لمصر- الذي فقدت مصر مجدها العظيم من بعده- قد فاق كل البشر في استخدام السحر، إذ استطاع بصوابه ورشده إخضاع كل عناصر الكون لنفسه"([28]) إن هذه البداية الموحية للعمل تُعد إرهاصًا إيجابيًا وبشيرًا بموقف متعاطف ومدافع عن مصر وحضارتها حتى بعد أن زالت عنها قوتها ومجدها الغابر بعد سقوط أخر ملوكها الوطنيين نكتانيبو الثاني. إن ذكر نكتانيبو منذ بداية العمل مؤشر إلى أنه سيُفرد له حديثًا مفصلًا نسبيًا ينصفه فيه رغم هزيمته أمام الفرس، ويروج له على أنه سيعود شابًا إلى مصر ويثأر لها! وتتواصل السيرة الشعبية في هذه الجزئية لتطلعنا على أن الملك نكتانيبو – رغم براعته في فنون السحر الذي سخَّر به قوى الطبيعة لمصلحته وهزم به خصومه بغير قتال– اكتشف في أواخر فترة حكمه في مصر تكالب أمم كثيرة مختلفة الأجناس والأعراق على عرشه في مصر، كما "اكتشف خذلان آلهة مصر له وانحيازها إلى أعداءه، وعندها قام بحلاقة شعر رأسه وذقنه لكي يتخفى وملأ عباءته بكل ما أمكنه أن يخفيه من الذهب وفرَّ من مصر عبر بيلوزيون"، وبعد أن طوَّف بأمم كثيرة وصل إلى بيللا في مقدونيا([29]). وهناك ارتدى رداء من الكتان كعرَّاف ومنجم مصري واتخذ مجلسه في ميدان عمومي ليسدي النصح لكل من يدنو منه.

أما في مصر فإن المصريين حين اختفى نكتانيبو قرروا استشارة جد الآلهة هيفايستوس (بتاح عند المصريين) لمعرفة ما حدث لملك مصر. وكانت إجابة وحي الإله كما يلي "إن الملك الذي فرَّ من مصر، ذلك الحاكم العظيم القوي المُسِّن سوف يعود بعد حين إلى سهول مصر فتيًا، وقد نضا عن نفسه هيئة الشيخوخة؛ وبعد أسفاره في كل أرجاء العالم سيمنحكم النصر على أعداءكم"([30]). وحين نطق وحي الإله بهذه الإجابة لم يفقهوا معناها، ولكنهم دونوها كسجل على قاعدة تمثال نكتانيبو شعرًا عسى أن تتحقق نبؤة الوحي في وقت ما في مكان ما.

 وقد حظي نكتانيبو باحترام كبير في مقدونيا حتى لقد وصلت شهرته وسمعته إلى أوليمبياس (زوجة فيليب الثاني ملك مقدونيا) التي رغبت في مقابلته ودعته إليها في الوقت الذي كان فيه زوجها فيليب غائبًا في ميدان القتال. وقد توجه إلى القصر "ورأى أن جمالها أكثر إشراقًا من القمر، وهو الذي لم يكن يكترث كثيرًا بالنساء"

ἰδὼν αὐτῆς τὴν εὐμορφίαν τῆς σελήνης διαφορωτέραν, ἄλλως καταφερὴς εἰς τὰς γυναῖκας τυχών, ….

وقد حياها نكتانيبو تحية طيبة وخاطبها ب"ملكة المقدونيين ‘Χαίροις Μακεδόνων βασίλεια’ فاستقبلته بقبول حسن وحيته وأجلسته بجوارها ودار بينهما حديث ودي عن أصله المصري وسألته عن أنواع العرَّافة والوحي والنبؤات التي يجيدها، والسحر والتنجيم الذي يمارسه. وحين حدَّق فيها بعين فاحصة سألته الملكة عن سبب ومغزى ذلك فأجابها "إنني أتذكر يا مليكتي نبؤةً، فقد سمعت من آلهتي: لسوف تُطلق نبؤةً لملكة وسوف تظهر حقيقة ما تفوهت به"

‘Ὑπομνησθεὶς χρησμοῦ βασίλισσα· ἤκουσα γὰρ ὑπὸ τῶν ἰδίων θεῶν ποτε, ὅτι βασιλίδι σε δεῖ σκέψασθαι καὶ ἅπερ λέγεις ἀληθῆ εὑρεθῆναι.

من هنا بدأت العلاقة بين أوليمبياس والساحر العرَّاف المصري (الملك نكتانيبو المتخفي على هذه الشاكلة) تتوطد لكي تتعرف على مصيرها ومستقبلها من هذا العرَّاف القدير الذي شرع في استخدام ما لديه من أدوات وطرق السحر والعرَّافة. وبدأت أوليمبياس تطرح على نكتانيبو ما يشغلها من تساؤلات تخص علاقتها بزوجها الملك فيليب (الثاني). فقد طرحت على العرَّاف المصري سؤالًا عن أخبار فيليب، إذ وصلت إلى مسامعها شائعات بأنها سوف يهجرها بعد أن يفرغ من الحرب ويتزوج بامرأة أخرى. وردَّ عليها نكتانيبو بأن الشائعة المتعلقة بالانفصال الفوري عنها غير صحيحة، وإن كان ذلك سوف يقع بالفعل بعد حين، لكنه طمأنها "بأنه كعرَّاف وساحر مصري يمكن أن يكون عونًا كبيرًا لها عندما يحتاج الأمر لتدخله، وأن ما أملته المقادير لها –حسبما يتبين من ساعة مولدها التي أخبرته هي بها- أنها سوف تلتقي بإله ولد من رحم الأرض وأنه سوف يحتضنها (يجامعها) وسوف تحمل منه ابنًا ينتقم لها من خطايا وآثام فيليب، وأن هذا الإله هو إله ليبيا ذو القرنين وجالب الثروة آمون":

πλὴν δύναμαί σοι ὡς Αἰγύπτιος προφήτης <καὶ> μάγος εἰς πολλὰ βοηθὸς γενέσθαι, ὅταν μου <ἐπὶ> πράγει τοιούτῳ χρεία γίνηται. τὸ γὰρ νῦν εἵμαρταί σοι, καθ' ἣν τέθεικές μοι σαυτῆς γένεσιν, θεῷ ἐπιγείῳ συνελθεῖν καὶ ἐξ αὐτοῦ σύλληψιν ἔχειν καὶ παιδοποιηθῆναί σοι ἔκδικον γενόμενον τέκνον τῶν ὑπὸ Φιλίππου γενομένων ἁμαρτημάτων…..

‘Ὁ τῆς Λιβύης κεραὸς πλουτηφόρος Ἄμμων.

ولما استفسرت منه عن مواصفات ذلك الإله الذي سيجامعها أخبرها أنه متوسط العمر، أشيب الشعر وله قرون كبش فوق معابده، وأن عليها أن تتهيأ لهذا اللقاء كامرأة وملكة مقبلة على الزواج. وأخبرها بأنها سوف ترى الإله في المنام أولًا، وأوصاها بأن تكون نفسها (كامرأة) وأن تضع جانبًا مقامها الملكي لأن الإله سوف يجامعها في المنام. وردت أوليمبياس بأنها إن رأت ذلك فإنها ستبجل نكتانيبو وتنزله منزلة الإله لا العرَّاف أو الساحر.([31])

بعد هذا اللقاء ذي الدلالات والمغزى –كما توحي هذه السيرة الشعبية- بدأ نكتانيبو –الساحر- يعد للموقف الجديد بكل ما أوتي من براعة وتفوق في فنون السحر حتى تحقق له ما أراد من ظهور آمون لأوليمبياس في المنام ومضاجعته إياها ثم نهض بعدها قائلًا: "سيدتي إنك تحملين في رحمك من ينتقم لكِ"([32]) ‘Γύναι, κατὰ γαστρὸς ἔχεις σὸν ἔκδικον γινόμενον. وعندما استيقظت أوليمبياس من نومها كانت مندهشة من تحقيق النبؤة وأخبرت العرَّاف (نكتانيبو) بذلك وأعربت عن رغبتها في مجامعته وهي مستيقظة وفي وضح النهارὥστε με καὶ βούλεσθαι γρηγοροῦσαν αὐτῷ κοινωνεῖν καθ' ἡμέραν. وتعجبت كيف يفوته هذا الأمر، وطلبت منه ترتيبه، وأخبرها أنه لم يفته شيء وإنما كان ينتظر أن يكون الأمر برغبتها وإقرارها. وأخذ يعد للأمر عدته. وشرح للملكة أن الحلم شيء وتحقيق ذلك في الواقع أمر آخر. وأفادها بأن تحقيق ذلك الأمر يقتضي أن يشغل غرفة صغيرة مجاورة لغرفة نومها حتى لا ترتعب الملكة حين يدنو منها الإله لأنه (العرَّاف نكتانيبو) سيقدم لها حينئذ العون بتعاويذه: لإن الإله سيتجلى أولًا في هيئة ثعبان زاحف على الأرض ويصدر فحيحًا ثم يتحول إلى آمون (الكبش) ذي القرون ثم إلى هيراكليس العظيم ثم إلى ديونيسوس وأخيرًا يأتي كإله في صورة بشرية وسوف يبدو على شاكلتي (على شاكلة نكتانيبو): (مغزى هذه العبارة الأخيرة مهم في سياق الأحداث)

εἶτα συνελθὼν ἀνθρωποειδὴς θεὸς ἐμφανίζεται τοὺς ἐμοὺς τύπους ἔχων.([33])

وقد سمحت له أوليمبياس بغرفة مجاورة لمخدعها، ودبر نكتانيبو الأمور بسحره على النحو سالف الذكر وبالتحولات المزعومة للإله في صوره المختلفة وتهيأت أوليمبياس للأمر تمامًا ولم تعد ترتاع من تلك التحولات المتوقعة –التي أُحيطت بها علمًا- وصرفت كل المحيطين بها من الحاشية، واسترخت في مخدعها وغطت وجهها ورأته (الإله المزعوم في صورته البشرية) بطرف عينها بنفس مظهره الذي ترآى لها في الحلم، فارتقى إلى مخدعها وأدار أوليمبياس ناحيته وجامعها. وحين نهض من فوقها مسَّ بطنها برفق قائلًا: "أيها الطفل ستبقى دومًا عظيمًا لا تُقهر"([34]) (لتبق أيها المَنيُ لا تُقهر ولا تخضع)  ‘Σπέρματα ἀνίκητα καὶ ἀνυπότακτα διαμείνατε.

(وحين حلَّ الصباح نهضت أوليمبياس وأخبرت العرَّاف الساحر (نكتانيبو) بما حدث وأن كلماته قد تحققت، وتساءلت منه عما إذا كان الإله لن يأتي ثانيةً ليضاجعها، وأنها تتوق إليه كزوجة ليجامعها وأنها استعذبت لقاءه بشغف. "وقد سُرَّ نكتانيبو وطرب أن الملكة قد وقعت في غرامه"، وأبلغ الملكة بأنه عرَّاف الإله واستأذنها في أن تسمح له بالبقاء حيث هو (في غرفته المجاورة لمخدع الملكة) حتى لا يزعج أو يحبط أحدًا، وأنه سوف يقوم بالتطهير التقليدي المصاحب والمطلوب لمجيء الإله. ووافقت أوليمبياس وأعطته مفتاح الغرفة. وحين فعل ذلك سرًا أصبح يأتي إليها كلما اشتهت أوليمبياس مجيئه. وكانت أوليمبياس تفصح عن رغبتها مقدمًا عن طريق العرَّاف، وكان هو يجامع الملكة –كالمعتاد- مع الإيحاء بأنه الإله آمون)- هذا الجزء من النص موجود في الفصل السابع نفسه من النسخة الأرمينية([35]) من سيرة الإسكندر الشعبية، وغير موجود بالنسخة اليونانية.

وحين كبرت بطن أوليمبياس مع الحمل وخشيت من رد فعل فيليب الغاضب العنيف حين يعود من حربه فيجدها حاملًا طمأنها العرَّاف المصري (نكتانيبو) بأن الإله آمون سوف يساعدها ويلقي في روع فيليب أن زوجته قد حملت من إله وأن الجنين نسل مقدس، وهو ما تم بفعل سحر نكتانيبو.([36]) وتمضي تلك السيرة الشعبية لتقول أن فيليب لم يكن يُزمع تنشئة المولود الجديد (الإسكندر) بعد ولادته، لأنه ليس ابنه، إلا أنه حين أدرك بوضوح أنه من نسل مقدس وتظهر عليه سمات العناصر الكونية أولاه جلَّ عنايته وجعل الناس في بيللا وطراقيا ومقدونيا يحتفلون بمولده وهم يلبسون تيجان الزهور على رؤوسهم. وحين بدأ الطفل يشب عن الطوق جلب له فيليب خيرة ومشاهير المعلمين في مقدونيا واليونان في كل فروع المعرفة وأثبت الصبي نبوغًا عبقريًا فاق كل أقرانه في العلم والجسارة.([37])

وفي سياق أحداث هذه السيرة الشعبية يرد أن الإسكندر قد رأى نكتانيبو –في أثناء غياب فيليب خارج مقدونيا- يشرح لأوليمبياس على لوحة سحرية حركة النجوم ويعلِّق عليها لكي يخبرها عما يخططه فيليب بشأنها. وحينها طلب من نكتانيبو أن يُريه ذلك المدوَّن على لوحة السحر على الطبيعة في السماء. ويبدو من السياق أن الإسكندر قد استدرج نكتانيبو إلى الخلاء في المساء ليوقع به –على الرغم من براعة نكتانيبو في السحر والتنبؤ إلا أن كل ذلك لا يمنع القدر- فاستدرجه خارج المدينة في المساء بحجة أن يرى حركة النجوم في السماء. ولكن الإسكندر رفعه فوق كتفيه وهوى به على صخرة صلبة ناتئة، وأمسك به لكي يلقيه في جُبٍّ، وفي أثناء سقوطه شُجت رأسه بصورة مفزعة وصاح: "أيها الإسكندر، يا بني، ماذا تظن أنك قد فعلت؟" فردَّ عليه: "لا تلومَّن إلا نفسك أيها المُنجِّم" فردَّ: "على ماذا؟" فأجابه: "لأنك لم تفهم أمور الأرض وتسعى لمعرفة السماء". فقال: "إنني احتضر يا إسكندر. إن هذه السقطة مهلكة. وليس بوسع أي بشر أن يهزم قدره. إذ أنني عندما قرأت طالع مستقبلي وجدت أنه مُقدَّر عليَّ ان يقتلني ولدي. وهكذا فإنني لم أفلت من قدري، بل قُتلت على يديك". عندئذ قال الإسكندر: "هل أنا حقًا ابنك؟" فرد عليه: "نعم يا بني". وشرح له كيفية حدوث ذلك (كما أسلفنا).

Ὁ δὲ εἶπε· ‘Τελευτῶ Ἀλέξανδρε· φοβερῶς εἴληφα τὸ πρᾶγμα. ἀλλ' οὐκ ἔστιν οὐδένα θνητὸν νικῆσαι τὴν εἱμαρμένην. ὡς γὰρ ἐμοιρολόγησα ἐμαυτόν, ηὗρον εἱμαρμένον μοι ὑπὸ ἰδίου τέκνου ἀναιρεθῆναι· οὐκ ἐξέφυγον οὖν τὴν μοῖραν, ἀλλ' ὑπὸ σοῦ ἀνῃρέθην.’ Εἶπε δὲ ὁ Ἀλέξανδρος· ‘Ἐγὼ οὖν σοῦ υἱὸς τυγχάνω’; Ἔφη αὐτῷ· ‘Ναὶ τέκνον.

ولما علم الإسكندر أن المتوفي هو أبوه خشي أن يطرحه في غيابة الجُب وتحركت مشاعره نحو أبيه وحمله على كتفيه عبر بوابات المدينة وقص على أمه ما باح به العرَّاف وأعلن أنه لا مناص من دفنه:([38])

Μαθὼν οὖν Ἀλέξανδρος αὑτοῦ πατέρα τὸν τελευτήσαντα εἶναι ἐφοβήθη αὐτὸν ἀφεῖναι ἐν τῷ βόθρῳ…. στοργὴν δὲ λαβὼν πρὸς τὸν σπείραντα …. βαστάξας ἐπ' ἐμοῖς ὤμοις σὸν σκῆνος ἀποκομίσω πρὸς τὴν ἐμαυτοῦ μητέρα, ξαγγέλλων αὐτῇ τὰ πεπραγμένα, καὶ συμβουλεύσω τὴν σὴν ταφὴν γενέσθαι.

(ويعبر كاتب السيرة الشعبية للإسكندر عن دهشته من المصير الذي آل إليه نكتانيبو: إذ قدم المصري إلى مقدونيا وكُفِّن ودفن على الطريقة اليونانية في حين أتى الإسكندر المقدوني إلى مصر ودُفِنَ فيها دفنًا يليق بإله على الطريقة المصرية: في النسخة الأرمينية من السيرة الشعبية/ الكتاب الأول- فصل 14).

هذا هو ما يعنينا –في هذا البحث- من السيرة الشعبية الملحمية للإسكندر الأكبر، وهو الجزء المتعلق بادعاء أبوَّة نكتانيبو –أخر ملوك الأسرة الثلاثين الفرعونية- للفاتح المقدوني. من الواضح من الرواية السابقة للأحداث أنها من بنات أفكار من صاغها (أو صاغوها) من المصريين –على الأرجح- وأنها ربما كُتبت أصلًا باللغة المصرية –رغم عدم وجود أي نص مصري مماثل- ثم تُرجمت أو صيغت أفكارها لاحقًا باليونانية (اللغة "الرسمية" المعتمدة تحت حكم البطالمة، ثم الرومان من بعدهم، واللغة الأم لجماعات الإغريق الذين توافدوا وأقاموا في مصر قبل مجيء الإسكندر وبعده وتحت حكم البطالمة). إن هذه السيرة الشعبية الملحمية تجنح في الأغلب إلى القصص السردي الذي يمتزج فيه الخيال كثيرًا بخلفية محدودة من الواقع التاريخي. ومن الواضح أن ما ورد عن نكتانيبو في هذه السيرة الشعبية للإسكندر مُختلق ولا علاقة له بالواقع التاريخي المُحدد بالزمان والمكان. لقد ظل نكتانيبو الثاني يحكم مصر –كما سبق أن رأينا- حتى عام 343/ 342 ق.م. حين هزمه الملك الفارسي أرتاكسركسيس الثالث (أوخوس) واضطره إلى الفرار إلى أثيوبيا حسب رواية ديودر الصقلي. معنى ذلك أن الإسكندر الأكبر (356 – 323 ق.م.) قد ولد قبل إضطرار نكتانيبو للفرار من مصر بثلاثة عشر أو أربعة عشر عامًا، أي في الوقت الذي كان فيه نكتانيبو في أوج سلطانه في مصر ولم يتعرض بعد لتهديدات الفرس حتى قبل محاولتهم الأولى الفاشلة لغزو واستعادة مصر عام 353/ 352 ق.م. التناقض الثاني في الرواية الشعبية يتمثل في القول بأن فرار الملك نكتانيبو من مصر كان عن طريق بيلوزيون، حيث أن بيلوزيون آنذاك كانت في قبضة الفرس المنتصرين وبالتالي لم يكن من الممكن عمليًا أن يفر من مصر عن طريقها([39])، وأن رواية ديودر التاريخية من أن فراره كان إلى أثيوبيا (في الجنوب) أقرب إلى المنطق.

دعنا الآن من مدى تاريخية النص ومحدوديته في هذا الجانب، لننتقل إلى رمزية ومضامينه ورسائله التي يبعث بها للمتلقي. رغم أن النسخة اليونانية المتاحة لدينا (وهي أقدم نسخة من هذه السيرة الشعبية للإسكندر) ترجع إلى القرن الثالث الميلادي تقريبًا فإن بعض عناصرها الفردية والمنفصلة تمثل تراثًا تاريخيًا يعود إلى العصر الهيللينستي المبكر من جيل ما بعد الإسكندر الأكبر، وعليه فإن قدرًا كبيرًا من المادة التاريخية المحدودة مستقاةٌ من مؤرخين أدنى شهرة من العصر الهيللينستي أو ربما من مؤرخ واحد منهم، لعله كان كليتارخوس الذي اتسمت روايته للأحداث بالإثارة وأخذ عنه عدد من المؤرخين اللاحقين مثل ديودر الصقلي وكونيتوس كورتيوس وجوستين.([40])  ويبدو أن من صاغ هذا العمل (السيرة الشعبية) قد اكتفى بالنقل عن هذا المصدر الوحيد ذي النزعة العاطفية المرتفعة النبرة فيما يتعلق بالسرد التاريخي، بل وكثّف من جرعة الإثارة بإضافة أحداث ميلودرامية ومستحيلات غير منطقية تخرج عن السياق. وقد تداخل مع هذا المكوِّن التاريخي العاطفي مكوِّنات أخرى تقليدية متواترة وأخرى خرافية صرفة. ومن هذه المكونات المتداخلة كانت البدايات والأصول الأولى لهذا العمل الشعبي الملحمي في بدايات العصر الهيللينستي المبكر في زمن خلفاء الإسكندر في أوائل القرن الثالث ق.م.([41])، وكما أسلفنا فإن منشأ هذا العمل الأدبي كان في مصر –على الأرجح- وخصوصًا في الإسكندرية التي شغل وصفها التفصيلي والإشادة بعظمتها ومساحتها الشاسعة كأكبر مدن عصرها متفوقةً على أعظم مدن عصرها مثل أنطاكية وقرطاجة وبابل وروما ثلاثة فصول طويلة من الكتاب الأول (I. 30-32).

ويتبين مما سبق أن هناك أصلًا مصريًا واضحًا لهذا العمل الأدبي الشعبي المُفعم بذكر مصر وأخر ملوكها الوطنيين (نكتانيبو الثاني) وبالإشادة بالإسكندرية ومديح مصر. ومن الواضح أن هذا التراث الفولكلوري قد تراكم على مدى قرون طويلة (من القرن الثالث ق.م. إلى القرن الثالث الميلادي) حتى ظهر بصيغته المنقحة التي وصلتنا والمؤرخة بالقرن الثالث الميلادي. ورغم أن نص هذا العمل الأدبي الشعبي الذي بين أيدينا مكتوب باليونانية إلا أن الروح المصرية تُطل بوضوح من مواضع عديدة في ثنايا العمل بصورة أكبر بكثير مما جاء في الكتابات الأخرى الرئيسية عن الإسكندر، وهو ما يُرجح أن هذا النص اليوناني الذي بين أيدينا ربما كان نسخة مُترجمة أو متوائمة مع أصل مصري ديموطيقي –رغم عدم وجود ما يثبت ذلك.([42]) ولكن ما الدافع وراء هذه الترجمة أو الموائمة اليونانية لأدب شعبي مصري: ربما كانت نغمةً أو نزعةً مناوئة للحكم المقدوني الجديد تريد التأكيد على أن الإسكندر –الذي غزا مصر- كان في واقع الأمر مصريًا لا مقدونيًا. ربما مثل هذا التصور نوعًا من العزاء والسلوى للمصريين في احتواء الغازي الجديد إلى بلاطهم الملكي المصري الوطني، وبالتالي استمرار الروح القومية المصرية.

هل تم هذا الأمر وترويج هذه الرواية الشعبية باليونانية –رغم كونها مصرية الروح والملامح- بإيعاز من البطالمة الأوائل لكونها متماشية مع سياستهم التي تؤكد على العلاقات والروابط بين الأسرة الحاكمة المصرية الأخيرة وبين الحكام المقدونيين؟([43]) ربما. الأمر المؤكد –على أية حال- هو الشعبية التي لابد أن الملك نكتانيبو الثاني كان يحظى بها في العصر البطلمي المبكر من منطلق أنه كان ملكًا وطنيًا شهدت مصر على يديه رخاءً وازدهارًا اقتصاديًا وحركة عمرانية نشطة وردت الفرس على أعقابهم في أول محاولة لأرتاكسركسيس الثالث (أوخوس)([44])، وأن هزيمة مليكهم في المرة الثانية كانت من جراء ما تعرض له من غدر وخديعة كما رأينا. وبالتالي ظلَّ هذا الملك –في مخيلة المصريين- رمزًا للوطنية المصرية التي لا تخبو جذوتها، وبالتالي أطلقوا لخيالهم العنان بفكر التمني أن يعود مليكهم المقدام –على أية صورة- ليثأر لنفسه ولهم من غطرسة وغدر الفرس؛ لقد كانت هذه العودة الميمونة لتحقيق هذا الغرض الأسمى مجسدةً في صورة ابنه –في مخيلتهم- الإسكندر المقدوني، رغم استحالة ذلك فعليًا كما أوضحنا من قبل... ولكن لا جُناح على الأماني والرموز كي تظل روح المقاومة متقدةً في الصدور لا يتسرب إليها اليأس. ولعل تبجيل الإسكندر وإبداء عظيم توقيره للآلهة المصرية كانت من الأمور الملهمة للخيال المصري في هذا الاتجاه.

أما لماذا تلك الترجمة أو الصياغة أو الموائمة اليونانية للأصل المصري، فهذا شأن آخر. من المؤكد أن المصريين –أو من صاغ الأصل المصري المفقود من بينهم- أرادوا أن يوصلوا تلك الرسالة بما تحمله من مشاعر قومية مصرية وأحلام وتطلعات وطنية –برؤية مصرية رومانسية تخفف من وطأة واقعهم الأليم- إلى الجموع الغفيرة من اليونانيين –حكامًا ومحكومين- ممن يعيشون بين ظهرانيهم من قبل ومن بعد مجيء الإسكندر ومن بعده الأسرة الحاكمة البطلمية ومن بعدهم الحكم الروماني. فإذا كان الكاهن المصري المثقف مانيتون السمنودي قد كتب مؤلفًا رسميًا "باليونانية" عن تاريخ مصر القديمة (الفرعونية) على مدى ثلاثين أسرة حاكمة وأهداه إلى أول ملوك البطالمة ليُعرِّفه بتاريخ مصر القديم، فأغلب الظن أن السيرة (الشعبية) للإسكندر –بأصولها المصرية- كانت امتدادًا واستكمالًا لرواية مانيتون بما يوحي بأن الإسكندر الأكبر (ابن نكتانيبو الثاني حسب الرواية الشعبية لحياة الإسكندر) كان استكمالًا لحكم الأسرة الثلاثين ولم يكن غريبًا عنها، وأنه انتقم (لأبيه) من غدر وغطرسة الفرس وقضي على امبراطوريتهم. فضلًا عن ذلك فإن رسالة هذا العمل الأدبي المصري الجذور -وغيره من الأعمال المماثلة من هذا اللون من الأدب الشعبي المصري المكتوب باليونانية أو بالديموطيقية، كما سنرى لاحقًا في هذا البحث- هي أن حكم مصر سيظل دومًا للمصريين وأن جذوة المقاومة لأي حاكم أجنبي ستظل مشتعلة ولن تخبو. ويتجلى هذا النوع من (أدب المقاومة) المصري في أوقات الشدة والعسر أو في لحظات علو شأن المصريين في موقف أو آخر تحت حكم البطالمة أو الرومان، حينها ينهلون من معين أدبهم الشعبي الذي يعينهم على الجلد والصمود والتحدي ويرفع من معنوياتهم وهممهم. ولكن من الصعب الإجابة على أسئلة مثل من ومتى تحديدًا تمت هذه الصياغة اليونانية لهذا الأدب المصري الأصيل الذي لم يجد حظه من الاهتمام بين علماء وأدباء مدرسة الإسكندرية ومكتبتها الذي انصب اهتمامهم الأساسي على كل ما هو يوناني، واعتبروا ما دونه هامشيًا. ولكن يبدو أن مثل تلك التراجم أو الموائمات اليونانية قد تمت في الفترة المبكرة من الحكم البطلمي لمصر خلال القرن الثالث ق.م. وتم اجترارها وتطويرها وتنقيحها على مدى القرون التالية بما يتناسب مع الوقائع والظروف المستجدة، لذلك وصلتنا نسخ من هذه الأعمال المنقحة في فترات لاحقة –وليست معاصرة- لصياغة نسختها الأولية.([45])

  • "حلم نكتانيبو"

نعود الآن إلى لون آخر من أدب المقاومة المصري المكتوب باليونانية ويتمثل في "الأحلام" ودلالاتها الضمنية الموحية. إن المثال الحي الموجود من هذا النوع من الأدب هو ما يُعرف ب"حلم نكتانيبو" (المقصود "نكتانيبو الثاني" أخر الملوك الوطنيين "الرسميين" للأسرة الثلاثين المصرية)، وهو الذي حظي بأكبر قدر من الشعبية بين المصريين حتى بعد فراره من مصر لأسباب شرحناها أعلاه في حديثنا عن "السيرة الشعبية" للإسكندر، والدور البارز لنكتانيبو فيها. لقد ورد هذا الحلم في إحدى وثائق معبد السرابيوم في منف والتي يعود تاريخها إجمالًا إلى حوالي منتصف القرن الثاني ق.م. هذه الوثيقة البردية اليونانية([46]) التي تتضمن هذا الحلم للملك نكتانيبو وصلنا منها سبعون سطرًا جيدة الحفظ، وإن لم يكتمل بقية الحلم فيما وصلنا من سطور. وتشكل هذه البردية جزءًا من أوراق أبوللونيوس –أصغر واحد من مجموعة من الإخوة النُسَّاك في المعبد- ومن الواضح أنه نقل هذه النسخة من نسخة أخرى. أما عن فحوى هذا الحلم الوارد في البردية فإنه يروي أن الملك نكتانيبو قد رأى فيما يرى النائم أنه يرقد في معبد في منف وتراءى له قارب مصنوع من نبات البردي كان راسيًا في ميناء منف. وكان على متن القارب عرش عظيم تجلس عليه إيزيس العظيمة –ملكة الآلهة ومانحة الخيرات- وقد تحلَّق حولها كل آلهة مصر.

ἐφʼ οὗ ἦν θρόνος μέγας, ἐπί τε τούτου καθῆσται (read: καθῆσθαι( τὴν μεγαλώδοξον εὐεργέτιαν  καρτῶν | εὐεργέτιαν καὶ  θεῶν ἄνασον )read: ἄνασσον( Ἴσιν καὶ τοὺς | ἐν Ἀγύπτῳ θεοὺς πάντας παραστάναι (read: παρεστάναι(  αὐτῇ)[47](

وقد تقدم أحدهم إلى المنتصف وكان طوله يبلغ عشرين ذراعًا ويُدعى باللغة المصرية أونوريس وباليونانية آريس (إله الحرب) الذي تقدم واستلقى على بطنه وقال ما يلي:

"تعالي إليَّ يا ربة الأرباب يا مالكة القوة الأعظم، يا من تحكمين ساكني الكون ويا منقذة كافة الأرباب، يا إيزيس يا رحيمة إصغِ إليَّ: تنفيذًا (وفقًا) لأوامرك فقد قمت بحماية البلاد على أكمل وجه وبذلت جُلَّ عنايتي (في هذا الصدد) حتى الآن، إلا أن ساماوس القائم على منصب الكاهن الأكبر؟ للملك نكتانيبو والمُعيَّن من قبلك قد أهمل معبدي وأعرض عن تعليماتي. وخارج معبده هو لم ينجز سوى نصف العمل في محرابي نظرًا لما يضمره رئيس عماله من شر"([48]) وحين سمعت سيدة الأرباب الرواية السالفة الذكر لم تُحِر جوابًا.

وتواصل البردية سرد بقية قصة الملك نكتانيبو بالقول بأن الملك حين رأى الحلم استيقظ من نومه "وأصدر أوامره على وجه السرعة باستدعاء كبير كهنة وعرَّاف أونوريس إلى سمنود (سيبانيتس) (عاصمة ملكه) وحين أتوا إلى بلاطه علم الملك أن هناك شخصًا بوسعه إنجاز الأعمال المتبقية في معبد (محراب) إله الحرب أونوريس والذي يُطلق عليه (معبد) فيرسوس"([49]) وقد أفادا بأن "كل شيء قد أُنجز باستثناء النقش الذي يُحفر بالكتابة المقدسة (الهيروغليفية) على المنشآت الحجرية (المباني)"

Τῶν δὲ φαμένων «Τέλος ἔχει `πάντα´ παρὲξ | τῆς  ἐπιγραφῆς τῶν ἐνκολλαπτωμένον | ἱερῶν  γραμμάτων ἐν  τοῖς  λιθικοῖς [[ἔργοις]] | ἔργοις,». )III:ll.20-23).

وقد أصدر الملك أوامره على وجه السرعة بأن يقوم كتبة النقوش المصرية ἱερογλύφους ἐπὶ τοὺς بالكتابة على المعابد المعدودة (الخاصة بالإله أونوريس) في كافة أرجاء مصر

γράψας εἰς τὰ λόγισμα ἱερά τὰ κατ'  Ἄγυπτον.([50])

   وحين أتى هؤلاء الكتبة في حضرته امتثالًا للتعليمات علم الملك أن هناك من بينهم كاتبًا في غاية البراعة بوسعه أن ينجز الأعمال المتبقية على وجه السرعة في قدس الأقداس المعروف باسم فيرسوس. وكان من بين من ورد ذكرهم شخص من مدينة أفروديتو في مقاطعة أفروديتوبوليس يُدعى بيتيسيس بن إيرجيس الذي وعد في حضرة الملك بأن ينجز العمل بأكمله في أيام قليلة.([51]) وقد علم الملك من آخرين بأن تلك هي الحقيقة (أن الرجل صادق فيما يقول) وأنه ليس هناك عذر كائنًا ما كان على وجه الأرض (للتراجع عما قال).([52]) ولكن الجزء المتبقي من البردية (رغم عدم اكتمالها) يشي بأن ذلك الكاتب لم ينجز ما قطعه على نفسه رغم تقاضيه أجورًا طائلةً μεγάλους μισθοὺς τάξας αὐτῷ واستلامه أموالًا (أقساطًا) كثيرة: πολλὰ   λαβὼν κέρματα إذ يبدو أنه أسرف في شرب الخمر واستخف بالأمر قبل أن يبدأ في تثبيت (النقوش) على العمل.

ʽΟ δὲ Πετήσιος | κέρματα λαβὼν πολλὰ ἀπῆλθεν εἰς Σεβεννῦτον| καὶ ἔδοξεν αὐτῷ φύσι ὄντι οἰνοπότῃ | ῥαθυμῆσαι πρὶν ἢ ἅψασθαι τοῦ ἔργου. (col. IV., ll.19-22).

وفي الأسطر القليلة المتبقية من الجزء المتبقي من البردية (col. V. 1-4) ما يفيد بأن جزءًا صغيرًا من العمل قد تم إنجازه في المعبد. ويبدو في الأسطر الأولى من البردية أن البردية كانت -على الأرجح–خطابًا اعتذاريًا من بيتيسيس (كاتب النقوش الهيروغليقية) إلى الملك نكتانيبو([53]) يفسر ويشرح ويعتذر فيه عن عدم اتمام العمل في الوقت المحدد، ويورد قصة هذا الموضوع بمراحله. ومن الواضح أن هذا الأمر كان ضمن التراث الديني المتوارث في معبد السرابيوم في منف ويتناقله العُبَّاد والنساك في ذلك المعبد في العصور اللاحقة؛ ومن هنا نجد هذه الرواية للأمر من حوالي منتصف القرن الثاني ق.م. في العصر البطلمي.

 إن رواية هذا (الحلم) على هذا النحو المثير في بردية معبد سرابيوم منف من منتصف القرن الثاني ق.م. توحي بمضامين عميقة الدلالة مرتبطة بالسياق العام للدور الذي لعبه نكتانيبو كما رأيناه في "السيرة الشعبية للإسكندر" Alexander Romance، وأن زخم هذا الموضوع لم يفتر أو يخبو –بل ربما زاد الاهتمام به- بمضي الوقت على مدى العصر البطلمي، بل وحتى الروماني. إن هذا اللون الأدبي من الأدب المصري المكتوب باليونانية يمثل امتدادًا وشرحًا وتفسيرًا لدور نكتانيبو في "السيرة الشعبية للإسكندر". لذلك فمن المتوقع أن يكون هذا (الحلم) لاحقًا زمنيًا للسيرة الشعبية للإسكندر بعدما اكتسبت قدرًا من الذيوع والانتشار، لاسيما فيما يخص دور نكتانيبو (الثاني) بعد فراره من مصر واستقراره بمقدونيا حسب السيرة. لقد أجاب هذا الحلم على سؤال لابد أن يراود القارئ وهو يقرأ السيرة الشعبية فيما يخص نكتانيبو: لقد ورد في السيرة الشعبية أن "الملك نكتانيبو –رغم براعته في فنون السحر الذي سخَّر به قوى الطبيعة لمصلحته وهزم به خصومه بغير قتال- اكتشف في أواخر فترة حكمه في مصر تكالب أمم كثيرة من مختلف الأعراق على عرشه في مصر([54])، كما اكتشف خذلان آلهة مصر له"([55])- والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة من واقع هذه الرواية هو: لماذا خذلت آلهة مصر الملك نكتانيبو؟ يأتي هذا (الحلم) الأدبي ليفسر مَن مِن آلهة مصر تحديدًا قد خذل نكتانيبو؟ ولماذا؟ ليجيب بأنه إله (الحرب) المصري أونوريس الذي قصَّر نكتانيبو في حق معابده وعبادته وأعرض عن أوامره؛ وحتى حين أراد الملك أن يستدرك ما فاته من تقصير خذله كاتب النقوش الهيروغليفية بيتيسيس وأهمل في أداء ما كلفه به الملك كما رأينا من سياق عرض البردية! من هنا جاء رد فعل إله الحرب مناوئًا ومعاديًا لنكتانيبو ومناصرًا لأعدائه وجعل أعوانه يقودون سفن الأعداء (حاشية رقم 55)، مما جعل نكتانيبو يوقن بخذلان آلهة مصر له ويضطر إلى الفرار. كما أن هذه البردية تفصح عن أن سبب الانتصارات التي سبق أن أحرزها نيكتانيبو على أعداءه من الفرس لم تكن بسبب براعة نكتانيبو في السحر (كما في السيرة الشعبية للإسكندر)، بل كان مردها أن إله الحرب أونوريس قد قام بواجبه على أكمل وجه وزاد عن أرض مصر وبذل قصارى جهده في هذا السبيل (حاشية رقم 48 أعلاه).

نقطة أخرى جديرة بالذكر في هذا المقام وهي مكان البردية في سرابيوم منف، وترجع أهمية ذلك إلى أن هذا المكان يعرفنا بماهية ذلك الشخص الذي أعجبه وراق له مثل هذا العمل الأدبي إجمالًا: إنهم أناس من النُسَّاك من محدودي التعليم كما يتضح من الأخطاء الإملائية والنحوية على مدى البردية من جانب كاتبها الناسك أبوللونيوس، ولعل النقطة الطريفة ذات الجاذبية لهؤلاء النُسَّاك من أمثال أبوللونيوس هي قصة الحضانة الروحية في المعبد (حلم الملك نكتانيبو وهو في منف). ورغم أن البردية مكتوبة باليونانية فإن لها مغزى ودلالة في غاية الأهمية تتمثل في أن تلك الرواية عن (حلم نكتانيبو) مأخوذة بوضوح وبصورة وثيقة من حكاية شعبية مصرية، إن لم تكن فعليًا ترجمة لنص ديموطيقي كما يتضح بجلاء من التعبيرات المصرية العديدة في ثوب يوناني ومن مُجمل أسلوب وطريقة السرد.([56])

  • "الحولية الديموطيقية"

ويبقى نكتانيبو الثاني في دائرة الضوء في لون آخر من أدب المقاومة المصري من العصر البطلمي في وثيقة ديموطيقية مشهورة عُرفت باسم "الحولية الديموطيقية".([57]) إن أول من عرَّف الوثيقة بهذا المُسمَّى هو Revillout وظل هذا هو الاسم الذي عُرفت به هذه الوثيقة على الرغم من أن ريفيّو نفسه قد تدارك خطأه لاحقًا وعرَّف موضوع الوثيقة بأنه "نبؤات وطنية "Prophéties Patriotiques وهو المسمى الأقرب للحقيقة من وجهة نظره. كما أن  (Aegyptologie S.488) Brugsch قد حدد محتوى الوثيقة على أنه "سلسلة من النبؤات المحققة "eine Reihe von erfüllten Prophezeiungen, ويراها ماسبيرو على أنها "فصل من رواية ملحمية ديموطيقية/ Rapsodie demotique"، أما إدوارد ماير فيعرِّفها على أنها "تعليق قاتم جدًا على نبؤات أكثر قتامة""einen sehr dunkel gehaltenen kommentar zu noch dunklern Prohezeiungen" ([58]).

من خلاصة هذه التعريفات ندرك أن ظاهر الوثيقة يحتوي على نبؤات تتصل بأحداث التاريخ المصري، خصوصًا في الفترة المؤرخة بين نهاية العصر الفارسي وحتى عصر بطلميوس الثالث يوإرجيتيس الأول.([59]) ورغم أن ظاهر البردية يوحي بأن النبؤات الواردة فيها ترجع إلى عهد الملك تاخوس (362 – 361 ق.م.) من ملوك الأسرة الثلاثين إلا أن الإشارات الواردة فيها عن زوال حكم الإغريق عن مصر وعودة مصر إلى سيادة المصريين يرجح أنها قد كتبت في ظل الحكم البطلمي في القرن الثالث ق.م.([60])، وأنها تعبر عن أمنيات مصرية بالخلاص من هذا الحكم، وإن اتخذت شكل نبؤات. إن العمود الثاني من هذه البردية (وجه البردية (Vorderseite/ Recto يستعرض ملوك مصر الذين اعتلوا سُدة الحكم في مصر بعد الخلاص من الحكم الفارسي بعد الثورة المصرية الثالثة عام 404 ق.م. وهم حكام الأسر الفرعونية 28 و 29 و 30 (حسب قائمة مانيتون) كلٌ بإسمه على الترتيب: أميرتايوس (الأصغر)، ونفريتيس الأول، وهاكوريس، ونفريتيس الثاني، ونكتانيبو الأول، وتاخوس([61]). (ويرمز إليهم بالأيام الستة الأولى  من الشهر على التوالي). ثم يأتي الحديث (ضمنيًا) عن الحاكم السابع في هذه السلسلة من الملوك المصريين (وأخرهم قبل عودة الحكم الفارسي مجددًا على يد أوخوس الثاني عام 443/ 442 ق.م.) وهو نكتانيبو الثاني الذي تشير إليه الأسطر (5، 11-13) من العمود الثاني بأنه سوف يعتني بشؤون منف وأن القمر سوف يسحر النهر عندما يطوف ذلك الحاكم البلاد بأسرها، وهو ما يفسره كاتب البردية بأن ذلك الحاكم سيغادر مصر وأنه سوف يذهب إلى فينيقيا ثم يعود إلى مصر، وفي الختام يغادر مصر (وهو ما ينطبق على نكتانيبو الثاني كما رأينا عند ديودر الصقلي أعلاه).. وبعد ذلك وفي نفس العمود (الأسطر14-25) يتطرق كاتب الوثيقة بصورة مكثفة إلى الحديث عن هنيس (إهناسيا/ هيراكليوبوليس) ودورها المحوري المنتظر والمأمول في القضاء على الحكم الأجنبي وعودة مصر إلى السيادة المصرية؛ وتختم هذه الفقرة في السطر25 من هذا العمود بالنبؤة الآتية: "إنه رجلٌ من هنيس ذلك الذي سيتولى حكم مصر من بعد الأجانب والإغريق". ويستمر كاتب الوثيقة في الثناء على دور هنيس ومعبودها هارسافيس (في العمود الثالث من وجه الوثيقة) الذي يُعرب فيه كاتب الوثيقة (في الأسطر1-4) عن سعادة وسرور كاهن هارسافيس برحيل اليونانيين عن البلاد وأن يصبح حاكم البلاد في هنيس ويفتح أبواب المعابد ويقدم الأضحيات للآلهة، وتتزين هنيس بأبهى زينتها. ثم يستطرد ليشرح خلفيات الثورة التي انطلقت من هنيس والاستعدادات لها بدءًا من شهر هاتور (نوفمبر) (س7) حتى يتم تتويج الملك المصري بالتاج الذهبي واستقرار حكمه في شهر فامينوث (مارس) (س10) (طبعًا هي تمنيات مصرية في صورة تنبؤات مأمولة في ظل الحكم البطلمي، ربما حين بدأ يضعف في أواخر القرن الثالث ق.م.، ولذلك لم يشر كاتب الوثيقة إلى فترة بعينها باعتبارها نبؤات قديمة).

وفي العمود الرابع من الوثيقة يستطرد كاتب (النبؤة) ليستعرض مرة ثانية الحكام (الملوك) المصريين بعد زوال حكم الفرس (ملوك الأسرات 28، 29، 30) حتى حكم الملك تاخوس (الذي يُستشف منه أن النبؤات بالأحداث المستقبلية قد صيغت في عصره). ثم يرد ذكر سابع هؤلاء الملوك المصريين (سطر 13 وما بعده) (وهو بيت القصيد في هذا السياق) وهو الملك نكتانيبو (الثاني) والذي ستبلغ فترة حكمه 19 عامًا والذي يسير على نفس خُطى والده تاخوس. ثم يتلو حكمه مجئ الفرس وعودتهم لاحتلال مصر، "وحينها سوف تكون بحارنا وجزرنا ملأى بالصرخات والنحيب، وأن بيوت المصريين سوف تخلو من سكانها ليقطنها الفرس الذي سيقلبون الأوضاع إلى تعاسة مزرية" (س س 21-22). وفي العمود الخامس (س س 15-17) يشير كاتب الوثيقة تلميحًا مرة أخرى إلى الفرس فيذكر: "إن قطعان الجبل ينجذبون نحو مصر" وهو ما يعني –حسب تفسير كاتب الوثيقة- إلى أن الغرباء من الشرق والغرب ينجذبون نحو مصر، إنهم الفرس. "إن التماسيح سوف تؤخذ بعيدًا" وهو ما يفسره كاتب الوثيقة في النص بأن الإله سوف يأخذها من جديد إلى مواطنها، وتحديدًا الأجانب، إنهم الفرس.

وفي العمود السادس من تلك الوثيقة نجد إشارات إلى الفساد والسرقة وسوء أوضاع المصريين ربما قبل حكم نكتانيبو الثاني، إذ يرد فيها: "إن الجعبة تؤِّمن السكين، عندما تُرخي حبل الرقص"، إنه يعني بذلك نكتانيبو. وهذا يعني "إن جعبتك ستقطع الحبل عندما يتعلق الأمر بالسرقة في مصر" .... وهكذا نعرف: إنه صوت الآلهة. إن المزارع يبكي وينوح، إن زوجته ..." وهذا يعني: إن المزارع سوف يذهب إلى حقله الذي يبكي فيه على القمح والشعير والخبز، صعبة وشاقة هي حياته، وبعد ذلك فإن قمح الحقول الخاصة بالفرعون ليس كافيًا" (الأسطر 4-9 من العمود السادس).

ثم تشير تشير الأسطر التالية من العمود ذاته (14-18) إلى تغير الأحوال نحو الأفضل في عهد نكتانيبو الثاني حيث يرد فيها:

("إن النهر العظيم (النيل)، وبدايته في إليفانتين –إنها الحياة، الخبازون" ويعني بذلك الفرعون نكتانيبو (الثاني)، ومعنى ذلك "يدع الأجانب يأتون ويفرضون سيادتهم على مصر من بعدك".

عندما ترتفع المياه في عهده يحيا الخبازون. "فلتبتهجوا، لأن بطونكم ستجد ما تأكله"، وهذا يعني أن الشباب في عهدك سيجدون الخبز الذي يقتاتونه ولن يكونوا جائعين في عهدك")

ثم تنتقل النبؤة بعد ذلك إلى جزء مهم يتمثل في مجئ الإغريق لحكم مصر (س س 20-21 من العمود السادس): "وهنالك يوجد الإغريق ممن يأتون إلى مصر ويحكمونها لفترة طويلة، ويعيش الكلاب (كلاب الصيد)، وهذا يعني أن الكلب الأكبر سيجد ما يأكله، إنه يغادر كوم القمامة".

من هذا العرض المسحي لمحتوى هذه الوثيقة التنبؤية الديموطيقية المهمة نلمح بوضوح أن شخصية نكتانيبو الثاني كانت ماثلة بصورة لا تخطئها العين في كل مراحل السرد، والإشارات المباشرة والضمنية إليه لا تنقطع وتُذكِّر بالأحوال من قبله وفي عهده ومن بعده، حين عاد الفرس ومن بعدهم الإغريق الذين (سيحكمون) مصر لفترة طويلة (عمود6، سطر20). إن هذه الإشارة إلى "حكم الإغريق الطويل" لمصر لا تعبر –في تقديري- عن "نبؤات سوف تحدث" بقدر ما تعبر عن رصد لأحداث قد "وقعت فعلًا"، حتى وإن اتخذت صورة النبؤات في معظمها. لذلك فإن (معظم) الوثيقة ربما كان –على الأرجح- تسجيل ورصد في وقت لاحق من العصر البطلمي خلال القرن الثالث ق.م. لأحداث سابقة، حتى وإن اتخذت شكل نبؤات سابقة لأحداث لاحقة. وعليه فإنني اتفق مع رأي ماسبيرو في وصفه لتلك الوثيقة بأنها "فصل من رواية ملحمية". وفي هذا السرد التاريخي الذي يتخذ شكل نبؤات يحاول كاتب الوثيقة تفسيرها يظل نكتانيبو الثاني –كأخر الملوك المصريين في نهاية الأسرة الثلاثين الفرعونية- أيقونة نضالية مصرية تحتذى بها وتسير على نهجها الأجيال اللاحقة من المصريين تحت الحكم البطلمي. ربما كانت النبؤة الوحيدة في هذا السرد هي تلك الإشارة إلى إهناسيا (هنيس/ هيراكليوبوليس) ودورها النضالي المرتقب وإلى ذلك "الرجل من هنيس الذي سيتولى حكم مصر بعد الأجانب والإغريق". كما تشير النبؤة إلى الثورة المصرية على الحكم اليوناني والتي سوف تحدث بين شهر هاتور وفامينوث من عام لم تحدده تلك النبؤة، وأن هذه الثورة سوف تُكلل بالنجاح وتفضي إلى تتويج ملك مصري من هنيس يقتلع الحكم الأجنبي ويسعد به أهل مصر وهارسافيس معبود هنيس. من خلال هذه القرائن يبدو أن هنيس (هيراكليوبوليس) كانت المكان الذي صيغت فيه هذه الوثيقة([62]) ذات النبؤات الافتراضية والحقيقية. أما عن تاريخها (الفعلي) فأتصور أنه في أواخر حكم بطلميوس الثالث يوإرجيتيس (246 – 221 ق.م.) أو خلال حكم بطلميوس الرابع فيلوباتور (221 – 204 ق.م.) حين تجلت سوءات الحكم البطلمي تجاه المصريين وبدأ الوهن يضرب في أوصاله. إن تلك النبؤة الواردة في البردية عن ثورة ضد الحكم المقدوني (البطلمي) وتتويج ملك مصري قد تحققت جزئيًا، لكن ليس في إهناسيا (هنيس)، بل في الإقليم الطيبي الذي استقل عن الحكم البطلمي لمدة عشرين عامًا (206 – 186 ق.م.) وتُوِّج فيه ملكان مصريان قبل أن يتمكن بطلميوس الخامس من استرداده عام 186 ق.م.([63])

إن التاريخ المرجح أعلاه لصياغة تلك الوثيقة المهمة (النصف الثاني من القرن الثالث ق.م.) يكتسب مصداقيته من محتوى البردية الذي يُبدي نزعة وطنية معلنة وصريحة ضد الحكم الأجنبي عمومًا بما فيه المقدوني([64]). إن محتوى "سيرة حياة الإسكندر" –ذات النزعة المصرية- والمنسوبة إلى كاليسثنيس والمؤرخة ببدايات حكم بطلميوس الأول في مصر تفاخر –كما رأينا- بنسبة أبوة الإسكندر الأكبر إلى أخر الملوك المصريين (نكتانيبو الثاني) وتعتبره امتدادًا له أو لا ترى غضاضة في حكمه لمصر، بل تراه منقذًا من طغيان الفرس وأنه قد ثأر لأبيه منهم وقضى على الإمبراطورية الفارسية. أما في (الحولية الديموطيقية) فتتبدى كراهية المصريين جليةً لحكم المقدونيين (الإغريق) بعدما عانوا من سلبياته، وأنهم استعمار جديد لا يختلف كثيرًا عن الاستعمار والاحتلال الفارسي. إن "شبيجلبرج" يبدي ملاحظة ذكية في تقديمه وتعليقه على تلك الوثيقة (ص5) تتمثل في أن الحكام (المصريين) من أهل البلاد على مدى فترة الاستقلال عن الحكم الفارسي (404 – 342 ق.م.) هم من ورد ذكرهم بالإسم من أميرتايوس حتى نكتانيبو الثاني؛ وأنه تم التنويه إلى سيادة الفرس ثم الإغريق مرات عديدة، ولكن دون ذكر اسم أيٍ من حكامهم. وينوِّه إلى أن ذلك يُشعِر المرء بأن كاتب البردية يرى أن هؤلاء الحكام الأجانب يفتقرون إلى الشرعية، ولذلك لا يريد أن يضفي عليهم شرعية بذكر أسماءهم. ويضيف الناشر في ذات الموضع أن تلك الكراهية للإغريق تتجلى بوضوح في العمود السادس/ سطر21 حين نفهم أن "الكلاب" المشار إليهم في النص مقصود بهم المقدونيون، وأن "الكلب الأكبر" يشير إلى الإسكندر الأكبر، وإن كان يشكك في مدى مصداقية هذا التفسير لما يكتنف هذه العبارات التنبؤية من غموض على وجه العموم. ولكن عالمًا آخر([65]) يرى في هذا التلميح إلى الإسكندر الأكبر في هذا السطر أمرًا إيجابيًا وليس سلبيًا، يراه مدحًا وليس ذمًا. ويستشهد بآراء علماء آخرين في هذا السياق بما يفيد بأن تصوير الإسكندر بالكلب هنا إنما يشير إليه ككلب صيد يتعقب الفرس إلى خارج مصر بعد أن طردهم منها. ويعزز هذا التفسير بأن اللهجة العدائية ضد الفرس تتبدى مُعلَنةً تمامًا على مدى "الحولية"، في حين أن العبارات المتصلة بالإغريق قليلة نسبيًا وتتسم بالغموض! ولكن هذا الرأي والتفسير يصطدم ببساطة مع محتوى السطر الأخير من العمود الثاني الذي يتحدث عن مُخَلِّص مصر من الحكم الأجنبي (س25) قائلًا:

"إنه رجل من هنيس ذلك الذي سيتولى حكم مصر بعد الأجانب والإغريق".

  • "نبؤة صانع الفخار"

ونأتي الآن إلى موضوع شهير في الأدب المصري القديم من الفترة البطلمية والرومانية وهو ما يُعرف ب"نبؤة صانع الفخار". الطريف أن هذا الموضوع قد وصلتنا مقتطفات منه في عدد من الوثائق (اليونانية)[66]! ولكن أطولها وأبرزها وثيقتان مؤرختان بالقرن الثالث الميلادي[67]. ولعل التعليق المستفيض من جانب عالم البردي الشهير C. H. Roberts على إحدى هاتين الوثيقتين ((P.Oxy. 2332 في مقدمة الوثيقة يلقي ضوءًا معقولًا على محتوى تلك الوثيقة من جوانب متعددة[68]. إن الوثيقتين المشار إليهما (بردية راينر وبردية أوكسيرينخوس) متشابهتان إلى حد ما –رغم عدد من أوجه التباين بينهما- ومتكاملتان في المحتوى بسبب الفجوات والأجزاء المفقودة في كل منهما. ويُعزى سبب الاختلافات بين النصين إلى أن الأدب من هذا النوع دائمًا ما كان عُرضةً للإضافة وإعادة الصياغة أو التصويب ليستوفي متطلبات مناسبة بعينها أو ليدعم ويعزز تميز مروج النبؤة. ورغم المحتوى التنبوئي للوثيقتين فإن النبؤة تتضمن مقدمة سردية مهمة بقيت لنا في الشذرة البردية الصغيرة المحفوظة في المكتبة الوطنية النمساوية بفيينا ((G. 29787. إن الإطار العام للنبؤة ينتمي إلى ذلك اللون المعروف من الأدب المصري والمُسمى ب"روايات الملوك  "Konigsnovelleالذي يسرد روايات عن الأحداث البارزة المتباينة (من حملات عسكرية، وإقامة طقوس أو كتابة وتدوين نبؤات كما في حالتنا) وكلها أمور وثيقة الصلة بالملك المصري. وفي موضوع "نبؤة صانع الفخار" نجد صانع فخار κεραμεύς -لم يرد اسمه مطلقًا في الأجزاء المتبقية من النص- يمثل في حضرة الملك لأن الناس كانوا يرون أن سلوكه مختل وزنديق. ولكن طبيعة الفعل الذي جلب عليه هذا الاتهام ضاع ولم يتبين بين فجوات البردية، ولكن كل القرائن والمؤشرات المتبقية من بقايا الوثيقة تؤدي إلى استنتاج أن التهمة القائمة على المحك تشير إلى فعل رمزي من نوع ما مرتبط بفرن (تنور) هذا الفخراني أو إلى القِدور التي عثر عليها هناك. وتمضي الرواية السردية للحدث لتقدم النبؤة على أنها خطاب دفاعي يتولى فيه الفخراني الدفاع عن نفسه في حضرة الملك، وهو ما قد يرجح أن يكون العنوان الأدق للعمل هو "دفاع صانع الفخار" والذي ربما اختتمت به بردية أوكسيرينخوس (خاتمتها مفقودة)، وهو ما وصلنا في بردية راينر (= بردية فيينا الثانية) على النحو الآتي:

Ἀπολογία κεραμέως πρὸς Ἀμενῶπιν τὸν βασιλέα, μεθηρμενευμένη κατὰ τὸ δυνατόν

 "دفاع الفخراني إلى الملك أمينوفيس بعد ترجمته قدر المستطاع". وقد أُضيف إلى هذا السياق عبارة "بخصوص الأحداث المستقبلية في مصر"[69].περὶ τῶν τῇ Αἰγύπτῳ [με]λλόντων"  ". وقد اقتنع الملك بأن الفخراني ليس زنديقًا مُجدِّفًا، وأن ما يفعله ويقوله كان تحت تأثير الإله هيرمييس:

εἰπόντος Ἑρμοῦ ἀποσταλὴς εἶνα[ι εἰς τὴν νῆσον ἔλεγεν αὐτὸς] ὁ κεραμεύς  (P.Vienna 1(=G. 29787) fr.1, 12-13. 

ويرى L. Koenen أنه من الواضح أن "الفخراني" ما هو إلا ستار ملائم ثقافيًا (حضاريًا) للمعبود المصري "خنوم" المبعوث من قِبل "تحوت" الذي يُعرف عند الإغريق بهرميس في هذه الرواية[70]... وغيرها.

هذا عن السياق العام ل"نبؤة صانع الفخار" (الفخراني). والآن نأتي إلى محتوى النبؤة المتكامل من خلال وثيقتي أوكسيرينخوس وراينر (فيينا). على الرغم من أن بداية بردية أوكسيرينخوس مفقودة إلا أن ما تبقى من مقدمتها يبين بجلاء أن مصر كانت تمر بفترة من المعاناة القاسية ارتبطت (اقترنت) بإنشاء المدينة التي تحددها النبؤة تارةً "بالمدينة قيد الإنشاء/  πόλις κτιζομένη ἡ"، إذ تشير إشارة ضمنية إلى الإسكندر الأكبر على أنه سيحكم مصر عندما يدخل المدينة التي تُقام (ويقصد بها الإسكندرية)[71]. ويشار إلى هذه المدينة تارةً أخرى في موضع آخر من نفس الوثيقة ب"مدينة مرتدي الأحزمة  πόλις ζωνοφόρων τῶν ἡ"، حيث يرد في هذا الموضع من النبؤة أن "مدينة مرتدي الأحزمة سوف تصبح مهجورة مثلما حدث مع تنوري"[72]. وقد رأى أحد العلماء أن الإشارة إلى "مرتدي الأحزمة ζωνοφόροι" قد تفصح عن أصل فارسي وتشير إلى جند الملك الفارسي قمبيز حين احتل مصر، وبالتالي يرى أن النص الذي أمامنا هو نص إيراني (فارسي) أعيدت صياغته باليونانية للمصريين المتحدثين باليونانية تحت تأثير الترجمة السبعينية وربما تلك الصياغة في ظل حكم أنطيوخوس الرابع إبيفانيس. ولكن ناشر الوثيقة (C. H. Roberts) P.Oxy. 2332 يدحض هذا الرأي ل Reitzenstein ويشدد على التأثير المصري البارز والمؤكد في الوثيقة بكاملها ويرجح أن تاريخ صياغتها وكتابتها لا يتجاوز منتصف القرن الثالث ق.م. إن هذا المؤثر والعنصر المصري يتبدى جليًا في الوثيقة في الإطار السردي للنص وفي فكرة حلول فترة من المآسي والكوارث العامة تعقبها فترة من الرخاء والازدهار المثالي، كما تتجلى في النص بقوة المشاعر الوطنية المعادية للأجانب[73]. إن استخدام "مرتدي الأحزمة ζωνοφόροι οἱ" في النبؤة مقترن بوضوح –بل ومرادف-  ب"سلالة المرَدة الأشرار  Τυφώνιοι οἱ"*، وكلاهما مستخدم عند المصريين في التعريف بالإغريق، وإن كان الأخير يقدمهم في صورة سلبية للغاية[74]. وهناك وصف ثالث يرد في الوثيقة لتلك المدينة التي أقامها الأجانب الأشرار وهو "المدينة المطلة على البحرἡ παραθαλάσσιος "

 πόλις  وتقدمها النبؤة على أنها "المدينة المطلة على البحر ستصبح مكان تجفيف للصيادين[75].

ἥ τε παραθαλάσσιος π̣ο̣λ̣[ι]ς̣ ψυ̣γμῶν ἁλλιέων ἔσ[τ]αι

إن القسم الأول من بردية أوكسيرينخوس 2332 (العمود الأول/ الأسطر 1-31) –رغم الفجوات العديدة التي تحول دون الوصول إلى فهم شامل لمحتواه –تتبقى منه بعض الكلمات والعبارات الموحية التي يتجلى من خلالها قدر كبير من المعاناة والمآسي الناجمة عن ظروف طبيعية وبشرية اقترنت بإنشاء تلك المدينة (الإسكندرية) وقاطنيها من الإغريق (مرتدي الأحزمة من المردة الأشرار). من هذه العبارات الموحية بهذه المعاني القاسية أن تلك المدينة قد "قولبت الآلهة من جديد في قالبها الخاص:

ἥτεις (the πόλις) τοὺς θεοὺς | [ἐκ και]ν̣οῦς χωνεύσασα ἴδειον π̣λ̣[ά]σ̣μα ἑαυτῇ ποιη- (ll.2-3)

أي أنها صبغت الآلهة بصبغتها اليونانية. وأن (المدينة) قد تسببت في هذه المحنة من خلال المردة الأشرار:

[κακοπ]αθήσασα δ̣ὲ̣ ὑ̈πὸ τῶν Τυ[φ]φωνείων (l.4, note).

وهناك إشارات إلى المعابد ودخلها ἱερῶν πρόσοδοι (س5)، وإلى انتصار مقدس في وقت ما للمردة والأشرار:

θείαν νείκην ἐν τεινεὶ καιρῷ τῶν | [Τυ]φω̣ν̣είων (ll. 8-9).

 وأنه من خلالها (ربما يقصد المدينة على الأرجح) حلت المحنة وعصف الريح بمصر:

… κατά τ̣ε̣ ταύτης ἀνεμόφθορα κατά τὴν Αἴ -|[γυπτο]ν̣ (ll. 11-12).

 كما أن هناك إشارة إلى شُح فيضان النيل وعدم كفايته أو جدواه:

δειὰ τὴν τοῦ Νείλου ἔνδειαν ἡ ἄτοκος (ll. 13).

 وإشارة إلى النواح والألم: Εσ{τ}ται α̣π̣ο̣θρεκυεια λυπηθήσοντα وأن "مصر مبتلاة سنويًا بنوازل وشرور رهيبة ولسوف يحدث كسوف للشمس لأنها غير راغبة في رؤية الشرور التي تحل بمصر":(ll. 16-18)

Αἴγυπτος κακουργήμαηνη δεινοῖς καθ' ἔτος ἐξευρ-|[μα]σ̣[ιν] κ̣α̣ὶ̣ τοῖ[ς κ] ακουργήμασειν ὁ δὲ ἥλειος ἀμαυρωθή-|σ̣[ετα]ι [ο]ὐ θ̣έ̣λ̣[ω]ν̣ [βλέ]π̣ειν τὰ ἐνΑἰγύπτῳ κακα …

 وأن "الأرض ستكون غير راضية بما يهب عليها من محنة الريح العاصفة وسوف يُطالب المزارع بضرائب عن كل (ما لم يغرسه وما غرسه)... وسوف (يتصارع؟) الناس في مصر فيما بينهم نظرًا لشح المحاصيل التي يزرعونها:

ἡ γῆ ού συμ-|φ[ωνήσει.].[…]α̣σειν ἔσται ταῦ<τα> εἰς τὰ αὐτῆς ἀνεμό-|φ<θ>ορα [γεω̣ρ]γ[ὸς ὑπ]ὲ̣ρ̣ ὅσ{σ}ων οὐκ ἔσπειρεν φόρους ἀπαιτη-| …[.] σ̣.[……] ἐχονται ἐν Αἰγύπτῳ πρὸς ἀλλήλους | διὰ̣ τ[ὸ ἐ]ν̣δ[εεῖς] ε̣ἶ̣ναι̣ α̣ὐ̣τῶν τροφῶν ἃ γὰρ γεωργοῦσει … (ll. 19-22).

من هذه الإشارات العديدة في هذا القسم الأول من الوثيقة يتبين بجلاء أن النبؤة تشير بوضوح إلى أوضاع صعبة قاسية ومحن سوف تعاني منها مصر بعد إنشاء المدينة الجديدة (الإسكندرية) وفي ظل حكم اليونانيين وسيادتهم على مصر بعد الإسكندر (أي تحت الحكم البطلمي). ويعقب هذه البداية أو المقدمة البائسة عن الأوضاع والمحن التي (سوف) تحل بمصر –حسب (النبؤة)- التنبؤ بحقبة جديدة مغايرة تمامًا يسود فيها الأمن والرخاء بعد الخلاص من المحتل اليوناني، وهي سمة من سمات هذا اللون من الأدب المصري القديم (أنظر حاشية رقم 73 أعلاه).

يستهل كاتب النبؤة القسم الثاني من البردية (العمود الثاني) بالحديث عن حاكم مصري يسبب (يوقع) الأضرار باليونانيين ويحكم لمدة خمسة وخمسين عامًا، مع إشارة إلى نبؤة حمل بوخيريس[76]. ثم تسرد البردية التنبؤ بتدهور وضع الإغريق في مصر قبل أن تصل إلى مرحلة حكم ذلك الحاكم المصري المشار إليه أعلاه: فتذكر أن "حظوظ ذلك الجنس (الإغريق) سوف تتضاءل وتضمحل وأن البلاد ستعيش حالة اضطراب وعدم استقرار وسوف تطرحهم خلفها":

καὶ τύχη | [ἀ]π̣[ὸ] το[ύτο]υ τοῦ γένους ἀφερηθήσαιτα[ι] καὶ ἐλάττ[ω-] |[θησετα]ι̣ τούτων τὰ ἀ̣δ̣ε̣λ̣φὰ ἢ τε{τ̣ε̣} χώρα ἀκατά[σ]τα -|[τος ἔσται] καταλείψαν<α>  οὔσα αὐτῶν (col. II., ll.34-37).   

ثم تستطرد البردية لتتناول تغيرًا للأوضاع في عبارات تتسم بالغموض فتتحدث عن القشعريرة والموت الزؤام Ψύχυς ἄρα καὶ θάνατος πολὺς وفرار إلى الجنوب (في ريف مصر) ἀνε̣χ̣ ω-|[..]α̣ν ἐν τοῖς ἄνω τόποις وبعد ذلك تأتي الإشارة الأكثر أهمية والنبؤة الأبرز وهي أن "مدينة مرتدي الأحزمة سوف تُهجر بنفس الطريقة التي هُجر بها تنوري" في إشارة إلى الإسكندرية كما أوضحنا أعلاه (حاشية 72). ويشير إلى انقلاب الأوضاع من تحرير للعبيد οἱ δούλων ἐλευθερωθήσονται وفقدان الصبية لحياتهم οἱ κοίρειοι αὐτῶν βίος δεηθήσον<του> καὶ وهلاك الفتيات καὶ οἱ πάρθεναι …. etc. φθαρησονται  ويفصل المرء زوج اخته عنها وتحدث زيجات بالأمهات؛ والتضحية بالأبناء الذكور عنوةً وبالقوة:

καὶ ὁ ἀνὴρ τῆς θυγατρὸς ἀποσπάσει τὸν ἄνδρα καὶ μητρογάμοι ἔσονται καὶ τὰ ἀρσενικὰ παιδ[ί]α β̣ια̣ί̣[ω]ς <κατ> ἰ̣σ̣χὺν θύσονται

وأن مرتدي الأحزمة سوف يدمرون ويسحقون أنفسهم لكونهم مردةً أشرارًا ولسوف تغادر الروح الخيِّرة المدينة قيد الإنشاء وتذهب بعيدًا إلى أم الآلهة منف وسوف تصبح تلك البقاع (الإسكندرية وما حولها/ على الأرجح) مهجورة تمامًا مع نهاية للشرور والمظالم عندما تتساقط الأوراق:

καὶ ἑαυτοὺ<ς> οἱ ζωνοφόρο̣ι̣ | ἀνελουσείοντες καὶ αὐτοὶ Τ̣υφών̣ιοι κατά τε ὁ ἀγαθὸς | δαίμων καταλείψει τὴν κτιζομένην πόλειν καὶ ἀ-| πελεύσεται εἰς τὴν θεοτόκον Μέμφειν καὶ ἐξερημώση-| ται ταῦτα δὲ ἔσται ἐπὶ τέλει τῶν κακῶν ἐπάν φυλλ̣ορ(όη)

وتشدد الوثيقة (النبؤة) مرة أخرى على أن "مدينة مرتدي الأحزمة سوف تصبح مهجورة بنفس الطريقة التي هُجر بها تنور الفخراني، وأن ذلك (من جراء ما أحدثه أهلها (من الإغريق) من فوضى وانعدام للقانون) διὰ τ̣ά̣ς̣ ἀνομείας ἃς ἐποιήσαν-| τοι

وتؤكد على أن (تماثيل الآلهة؟) سوف يؤتى بها ثانية إلى مصر لتعود إليها وأن المدينة الواقعة على ساحل البحر سوف تصبح مكان تجفيف لصائدي الأسماك نظرًا لهجران الروح الخيِّرة لها وذهابها لمنف

καὶ τῆς Αἰγύπτου τα .. […].[.]α̣ ἐκεῖ μετενεχθέντα | πάλειν εἰς τὴν Αἴγυπτον ἐπα[ν]ήξειν {εἰς Αἴγυπτον} ἣ τε| παραθλάσσιος π̣ο̣λ̣[ι]ς̣ ψυγμῶν ἁλιέων ἔσ[τ]αι |διὰ <τὸ> τὸν ἀγαθὸν δαιμόονα <καὶ> μῆφιν <εἰς Μέμφιν> πορεύεσθαι

حتى أن بعض المارين بها (الإسكندرية) ليقولون أنها كانت (ذات يوم) تطعم الجميع ويقطنها الناس من كل جنس:

ὥστε τεινὰς διερχόμενος λέγε̣ι̣ν̣ αὕτη ἦν παντο-| τρόφος εἰς ἥν κατοικεῖ πᾶν γένος ἀνδρῶν[77]

وبعد هذه النبؤة عن تدهور واضمحلال وضع الإسكندرية وتحولها من مدينة كبرى يقطنها أناس من كافة الأمم والأجناس وتقدم الطعام للجميع إلى قرية صغيرة لصيادي الأسماك ينعي المارون بها مجدها الغابر. نصل إلى المرحلة الأخيرة من النبؤات في هذا الصدد. إن العمود الثالث من بردية أوكسيرينخوس (ll. 63-79)  يطلعنا (في شكل نبؤة) على علو شأن مصر وارتفاع منزلتها حين يحكمها أحد أبنائها المخلصين لمدة خمس وخمسين عامًا. هذا الحاكم ينحدر من نسل إله الشمس وهو (الحاكم المُبشر به) مانح الخيرات الذي نُصِّب من قِبل الربة الأعظم (إيزيس):

καὶ τότε ἡ Αἴγυπτος αὐξηθήςεται | ἐπάν ὁ τὰ πεντήκοντα πέντε | ἔτη ἀπο Ἡλίου παραγενόμενος | ἀγαθῶν δοτὴρ καθεσταμέν[ο]ς <ᾗ> ὑ̣π̣ὸ θεᾶς μεγίστης (ll. 63-67).

 لدرجة أن الباقين على قيد الحياة حينئذ سوف يصلون لكي ينهض من ماتوا قبلهم ليتشاركوا معهم في الخيرات بعد أن انتهت الشرور:

ὥστε εὔ-| ξα̣σ̣θαι τοὺς π[ερ]ι̣ό̣ντας καὶ τους προ{σ}τετελευκότας ἀν[α]-|στῆναι ἵνα μετ̣ά̣σ̣χωσι τῶν | ἀγαθῶν ἐπὶ τέ̣λ̣ε̣ι̣ δ̣[ε] κακῶν (ll, 67-71).

وتواصل النبؤة الحديث عن أنه رغم شُح مياه النيل الري للأرض وأن أوراق الشجر (والمحاصيل) سوف تتساقط إلا أن النيل بما تبقى من مياهه يظل يفيض وينساب وأن الشتاء سوف يجري مسرعًا ويغير دورته الخاصة وأن الصيف سوف يتخذ مسارًا خاصًا وسوف تهب رياح مواتية ...هكذا ستكون الأمور:

ξηρὰ ποτισα ….[.] σιλε. Καν̣[] | θ̣α̣ φυλλορήσε [κ̣] ὁ̣ λειφ<θ>εὶς ὕ-| δωρ Νεῖλος πεπληρώμενος ἐλεύ-|σεται καὶ ὁ μετημφιεσμένος χω-|μῶν ιδείῳ δραμεῖται κύκλῳ | καὶ θέρος λήμψαιται ἴδι-| [ο]ν δρόμον ε̣ὔ̣τακτο ἄνεμοι | π[νεύ]σ[ουσιν] ἔσται ταῦτα̣ (ll. 72-79).

  • تعليق على وثائق "نبؤة صانع الفخار"

مما سبق نرى أن محتوى الوثيقة (التي تتخذ شكل نبؤة) تنقسم إلى ثلاثة أقسام على أعمدتها الثلاثة، (1) الحديث عن سوء أحوال مصر الاقتصادية والاجتماعية بل وظواهرها الطبيعية مع نشأة وقيام المدينة الجديدة (الإسكندرية). (2) تدهور وضع الإغريق واضمحلال وتدهور مدينتهم الجديدة وهجران الروح الخيِّرة لها وعودة الآلهة منها إلى منف، ونشوب الصراعات بين أهل وحكام الإسكندرية وتدميرهم لبعضهم البعض، وتدني مستوى المدينة العظيمة إلى قرية فقيرة للصيادين. (3) ارتفاع مصر وعلو شأنها وارتقاء حاكم مصري وطني عرش البلاد لمدة خمس وخمسين عامًا وتوسع مصر ووفرة خيراتها وفيضان نيلها وتحسن ظروفها حتى الطبيعية والمناخية.

من خلال هذا المحتوى لوثيقة "نبؤة صانع الفخار" ندرك بكل وضوح أنها وثيقة مصرية قلبًا وقالبًا -رغم أنها مكتوبة باليونانية- وأن النصوص اليونانية للنبؤة من الواضح أنها تُرجمت عن أصل مصري -أو نقلت بتصرف عن ذلك الأصل على الأقل- وإن وردت الإشارة الصريحة في بردية فيينا G. 19813 أن "دفاع صانع الفخار" κεραμέως ἀπολογία أمام الملك أمينوفيس (بما يحتويه من نبؤات) قد تُرجم قدر الطاقة κατὰ τὸ δυνατόν μεθηρμενευμένη (2. 54-57). إن مفهوم الترجمة إلى اليونانية عن وثيقة ديموطيقية مصرية أمر متفق عليه بصورة نمطية وإن كان من العسير تحديد الفترة الزمنية التي تمت فيها تلك الترجمة[78]. أما عن طبيعة موضوع الوثائق التي تناولت تلك النبؤات فرغم أن G. B. Bazzana (ص207) يفضل أن يعِّرفه بعنوان "دفاع صانع الفخار" استنادًا إلى الاقتباس المشار إليه توًا، إلا أن الأقرب إلى صلب محتوى الوثيقة –كما رأينا أعلاه- يتسق مع العنوان الذي عُرفت به تلك الوثائق على نطاق واسع وهو "نبؤة صانع الفخار"، إن "دفاع صانع الفخار" عن نفسه في اتهامات نُسبت إليه أمام الملك تمثل (المناسبة) التي وردت فيها تلك النبؤات التي تغطي معظم الوثيقة، هذا فضلًا عن المدلول الرمزي لصانع الفخار وهو الإله "خنوم" كما أشرنا أعلاه. كما ينظر بعض العلماء إلى "نبؤة صانع الفخار" على أنها "دعاية تنبؤية" وطنية[79].

أما عن تاريخ تلك النبؤة فعلى الرغم من الزعم أنها نبؤة قديمة ترجع إلى عصر الدولة الحديثة في مصر الفرعونية وموجهة إلى الملك أمينوفيس (أمنحتب/ لا ندري أي أمنحتب من الأربعة؟) من الأسرة الثامنة عشرة (1569 – 1315 ق.م.) إلا أن محتواها والإشارات إلى كثير من الأحداث فيها يشير إلى أن العمودين الأول والثاني من بردية أوكسيرينخوس 2332 ليسا سوى رصد لاحق لأحداث سابقة، وإن اتسم بالغموض والرمز البعيد عن المباشرة ليضفي عليها صفة (النبؤة القديمة التي تخترق حجب الغيب وتنبئ عن أحداث مستقبلية). إن الحديث عن الإسكندرية –دون ذكر اسمها اليوناني بطبيعة الحال- بالإشارة إليها بأوصافٍ تنطبق عليها مثل "مدينة مرتدي الأحزمة" أو "المدينة المطلة على ساحل البحر" يؤكد ويدَّعم هذا الاتجاه. كما أن الأحداث المشار إليها في العمود الثاني من البردية ذاتها عن "تدمير مرتدي الأحزمة من التيفونين (الأشرار) لبعضهم البعض وأحداث العنف والموت والفرار إلى الجنوب وزواج المحارم" يشير بوضوح إلى أحداث القرن الثاني ق.م. –لاسيما الصراع المحتدم على العرش البطلمي بين الأخوين بطلميوس السادس وبطلميوس الثامن على مدى الفترة التي تبدأ من حوالي 170 ق.م. حتى أواخر ذلك القرن، بل وامتد الصراع على العرش حتى بعد وفاة بطلميوس الثامن عام 116 ق.م. واستمر حتى عام 80 ق.م. مما أنهك مملكة البطالمة بصورة كبيرة. ولذلك فإن التأريخ الحقيقي لتلك (النبؤة المصطنعة) ربما كان على الأرجح في فترة ما من النصف الثاني من القرن الثاني ق.م.[80] فضلًا عن ذلك فإن هناك إشارة تاريخية واضحة في نهاية العمود الأول من البردية 2332 (س س30-31): "ولسوف يحتل (مصر) ملك من سوريا سيصبح مكروهًا لكافة البشر":

……. Καθέξει δ]ὲ̣] εκ̣ [Σ]υρ̣ι̣ά̣ς βασιλεὺς ὅς | [ἔσται μεισητὸς πᾶ]σειν ἀνθρώποις

وذلك في إشارة واضحة إلى الملك السليوقي أنطيوخوس الرابع[81] إبيفانيس الذي غزا مصر مرتين عامي 169 و168 ق.م. وحاصر الإسكندرية ولكن طرده منها الرومان طردًا مهينًا.

أما القسم (العمود) الثالث من بردية أوكسيرينخوس والذي يتنبأ بظهور ملك مصري وطني مخلص من نسل إله الشمس وتنصِّبه إيزيس على عرش مصر ليحكم خمسة وخمسين عامًا تتوسع فيها مصر وتنهال عليها الخيرات والطيبات وتتحسن ظروفها الطبيعية والمناخية، ففي تقديري أنه هو الجزء الذي ينطبق عليه وصف (النبؤة) أو بالأحرى "التفكير المُفعَم بالأماني "wishful thinking لرفع روح المصريين المعنوية للإستمرار في تحدي ومقاومة الحكم البطلمي المتدهور على مدى القرن الثاني ق.م. وشحذ عزائمهم من خلال هذا الأمل في الخلاص من الحكم الأجنبي .. إنها تلك الدعاية الوطنية الإيجابية في صورة نبؤة[82]. معنى ذلك أن هذه النسخة اليونانية من (نبؤة) صانع الفخار تمثل خليطًا من التاريخ والأساطير والخيال التنبوئي الجامح وتتضمن عناصر مصرية في الأساس جنبًا إلى جنب مع أخرى يونانية وربما كذلك يهودية وفارسية[83]. أما بالنسبة لجزئية ترجمة نص تنبوئي مصري إلى اليونانية فيرى Roberts أن ذلك ربما كان مفهومًا خلال القرن الرابع ق.م. لمصلحة مجتمع إغريق منف حين كانت تجمع المصريين والإغريق مصلحة وقضية مشتركة ضد العدو الفارسي، أما تلك الترجمة –أو إعادة الكتابة- باليونانية لنص مصري في أواخر القرن الرابع أو أوائل الثالث ق.م. (بُعيد إنشاء الإسكندرية) فربما كان قاطرةً للتعبير عن الكراهية والغيرة تجاه الطبقة اليونانية الحاكمة وقلعتها الحصينة في الإسكندرية ليس فقط من جانب المصريين (لأن النبؤة لو كانت للمصريين فقط لكُتبت بالديموطيقية) بل كذلك من جانب طبقة "البيض الفقراء" من الإغريق والمصريين المتأغرقين ممن لا ينتمون إلى المدن اليونانية (في مصر) أو الجاليات اليونانية. ويرى الناشر ارتباطًا بذلك الأمر أن هذا الموقف يلائمه تاريخيًا أواخر القرن الثالث ق.م. وليس بداياته، وأن العبارات المعادية للإغريق ربما أضيفت لاحقًا. ولكن المشكلة لديه في أن الهجوم على الإسكندرية في النبؤة يلائمه ويتطلب تاريخًا أقدم من أواخر القرن الثالث ق.م. على اعتبار أن النبؤة تتحدث عن "المدينة قيد الإنشاء ἡ κτιζομένη πόλις والتي ربما أثارت –على الأرجح- مشاعر العداء ضدها في أوساط الجالية اليونانية في منف[84]. لكن هذا التفسير من جانب Roberts يتعارض مع نقطتين موضوعيتين في هذا الصدد (1) الأولى أن الجو العام للنص (لا سيما في العمود الثاني من الوثيقة) يُرجح القرن الثاني ق.م. بأحداثه وتداعياته وصراعاته في الإسكندرية ومصر كما أوضحنا أعلاه. (2) وثانيها أن استخدام اسم المفعول في حالة المضارع لوصف الإسكندرية κτιζομένη أي "قيد الإنشاء حاليًا" يتعارض مع مفهوم "النبؤة" التي تُشير إلى أحداث مستقبلية وكان ينبغي أن يكون في حالة المستقبل κτισθησόμενη لتتوافق –حسب السياق العام- مع نبؤة الفخراني للملك أمينوفيس. وفضلًا عن ذلك فإن الإسكندرية ظلت مكروهة من المصريين على مدى العصرين البطلمي والروماني لأنها سحبت البساط من تحت أقدام عواصمهم الوطنية وأهمها منف التي ستذهب إليها "الروح الخيِّرة" وتهجر الإسكندرية بعد اضمحلالها وتدهورها حسب النبؤة.

ويحاول فريزر الإجابة عن سؤال لا يجد له إجابة شافية تمامًا ويتمثل هذا التساؤل في الدافع الذي قد يدفع يونانيًا في الإسكندرية في أوائل القرن الثالث ق.م. –حتى وإن كان تعليمه متواضعًا جدًا- إلى الرغبة في قراءة "حلم نكتانيبو" أو "نبؤة صانع الفخار". ويرى أن النتيجة التي يمكن الوصول إليها في هذا الصدد أن تلك الترجمات كانت نتيجة للتأثير والنفوذ المصري لأن السكان المصريين (أهل البلاد) كانوا على إلمام ودراية باللغة اليونانية بصورة طيبة آنذاك وكانوا يفضلون قراءة رواياتهم باليونانية. ويرى فريرز أن هذه الروايات المصرية المُترجمة أو المُصاغة باليونانية قد تُرجمت في حالات عديدة بمبادرة من مصريين وكانت نواياها معادية أو شبه معادية للإغريق وأنها مستوحاة من تقاليد وتطلعات قومية[85]. ويمكن أن يؤيد ذلك التصور أن عددًا غير قليل من المصريين تعلموا اليونانية كمصدر لكسب العيش من خلال كتابة المذكرات والعقود والشكاوي والأوراق الرسمية لمن يجهلون اليونانية (اللغة الرسمية لمصر في العصرين البطلمي والروماني) من المصريين، وربما ساهم عدد من هؤلاء الكتبة المحترفين في ترجمة النصوص الأدبية المصرية من هذه النوعية إلى اليونانية[86].

أما عن المدى الزمني لتحقق نبؤة ظهور ملك مصري صالح مخلص يقيم ميزان العدل في البلاد ويصلح أحوالها المتدهورة ويأتي على يديه الرخاء والأمن فإنه لم يتحدد في الوثيقة (أو مجموعة الوثائق المعنية)، ولذلك فإنه أقرب إلى الأمنيات المفتوحة غير المحددة بزمان. إن "نبؤة صانع الفخار" يبدو أنها تشير بوضوح إلى مواقف تاريخية عديدة في إطار مركب من نسخ أو طبعات أو تنقيحات مختلفة[87] قابلة للتعديل والإضافة في صور أدبية متواضعة وظلت متداولة ويتم اجترارها على مدى زمني طويل -كلما دعت الحاجة– وهو أمر ينطبق على تلك الكتابات الأدبية من "أدب المقاومة المصري" على مدى فترات الحكم البطلمي[88].

النقطة الأخيرة فيما يتعلق "بنبؤة صانع الفخار" أن الوثيقتين الأساسيتين اللتان عرضتا النبؤة (P. Rainer, Vienna: G. 19813 + P.Oxy. 2332) يؤرخان بالقرن الثالث الميلادي في أواخره، أي بعد ثلاثة قرون من بداية الحكم الروماني. وهذا الأمر يثير التساؤل: ما جدوى اجترار مثل هذه النبؤة -التي تتمحور خلفيتها وأحداثها وإشاراتها المبطنة حول العصر البطلمي –في فترة متأخرة من الحكم الروماني لمصر؟ وأين جوهر النبؤة عن ظهور ملك مصري قوي يستعيد قوة مصر ورخائها، ولماذا لم تتحقق طيلة هذه الفترة التي تزيد عن خمسة قرون؟ يبدو أن دائرة الحدود الزمنية للنبؤات المصرية لا متناهية وغير محددة، وليس هناك في نص النبؤة ما يشير بقوة إلى تتابع وتوالي زمن العناء والشدة وزمن الخلاص وأن ذلك سوف يتكرر ثانيةً بنفس صورته في التاريخ المستقبلي في قادم الأيام. بل أن الطريقة التي وَصف بها زمن الخلاص ربما انطوت على انطباعات أو نبرة تدفع بها إلى ما وراء حدود الزمن المتعارف عليه. هذا الأمر يتجلى بوضوح أكبر بالتأكيد في "نبؤة الحَمَل" التي يمتد زمن البعث والإحياء فيها تسعمائة عام في المستقبل، وهوعدٌّ رمزي يدفع البعث والإحياء مسافات وأزمنة بعيدة عن الزمن الراهن لإطلاق النبؤة ليس فقط من منظور كمّي وإنما غالبًا كذلك بمنظور نوعي وكيفي .. إنها فترة زمنية (مدى زمني) مجردة[89].

من هذا المنظور فإن هذه المادة المصرية الأصل –سواء كانت باليونانية أو بالديموطيقية- ظلت متداولة لفترات زمنية طويلة بعد زمن صياغتها في القرنين الثالث والثاني ق.م. إلى أواخر القرن الثالث الميلادي (وربما بعده) كما رأينا في بعض من نسخ "نبؤة صانع الفخار" و"السيرة الشعبية للإسكندر" وغيرها. لقد كان الهدف من هذا اللون من الأدب الشعبي المصري هو الحفاظ على الوعي القومي المصري واجترار هذا الأدب في المواقف التي تستدعي ذلك، كما كان من أهدافه زعزعة الثقة عند سكان مصر من الإغريق، ولذلك فإن من المرجح أن إنجاز أيٍ من الهدفين أو كليهما تطلب نشر وتداول هذا القصص في صورة مكتوبة[90]. ويحاول البعض تفسير استمرار هذه النصوص الأدبية المصرية باللغة اليونانية تحت الحكم الروماني (بدلًا من الديموطيقية أو القبطية) بأن السبب في ذلك ربما كانت الأزمات الاقتصادية والسياسية في مصر والإمبراطورية في القرن الثالث الميلادي من استغلال اقتصادي ومعاناة الطبقة الوسطى من المصريين والإغريق في المدن المصرية مثل أوكسيرينخوس، وتغاضي ولا مبالاة معظم أباطرة القرن الثالث الميلادي بأوضاعهم، وأخيرًا وليس آخرًا الفشل المتكرر للرومان في حروبهم في الشرق ونجاحات وهيمنة تدمر وحكامها على زمام الأمور في الشرق لفترة قصيرة. إن مثل هذه التنبؤات الواردة في النصوص المذكورة ربما كانت مُحمَّلة بمشاعر الطبقات الدنيا من السكان المتحدثين باليونانية الذين لم تعد هناك أية روابط مشتركة مع الطبقة العليا من الإغريق، ناهيك عن الحكام الرومان على الرغم من صدور "الدستور الأنطونيني"[91] عام 212م. من جانب الإمبراطور كاراكللا والذي منح المواطنة الرومانية لكل السكان الأحرار في الإمبراطورية.

الخاتمة

والخلاصة بعد كل ما تقدم أن المصريين قد صُدموا –على الأرجح- بهزيمة وفرار أخر ملوكهم الوطنيين نكتانيبو الثاني (360 – 343/ 342 ق.م.) على يد الفرس رغم إنجازاته المدنية والعمرانية والحربية الكبيرة السابقة، ولكنه هزم نتيجة لظروف خارجة عن إرادته تتمثل في الخيانات التي تعرض لها من جانب جنده المرتزقة الإغريق وكذلك المرتزقة في الجيش الفارسي وحاكم مدينة صيدا. لذلك احتفظ المصريون لأخر ملوكهم بذكرى ناصعة لا تشوبها شائبة واتخذوا منه أيقونة نضالية لا تنمحي من ذاكرتهم في نضاله ضد الفرس القساة المتجبرين. من هذا المنطلق ابتهج المصريون بانتصار الإسكندر الأكبر على الإمبراطورية الفارسية وإسقاطها في نهاية المطاف عام 330 ق.م. لقد استقبل المصريون الإسكندر استقبال الفاتحين المحررين لهم من طغيان الفرس لا استقبال الغزاة، وشاركهم الإسكندر مشاعرهم المُرحبة باحتفالات كبرى في منف وأبدى توقيره وتبجيله لآلهتهم وعقائدهم عكس الفرس. من هنا اعتبر المصريون الإسكندر امتدادًا لحكامهم المصريين وأنه قد ثأر لهم من طغيان وغطرسة الفرس. وتطور هذا الشعور لديهم في صورة مزدوجة تتمثل في اعتزازهم بأخر ملوكهم الوطنيين نكتانيبو الثاني وامتنانهم للإسكندر الأكبر الذي خلّصهم نهائيًا من حكم الفرس وثأر لأخر ملوكهم الذي أطاحت به الخيانة. من هذه التوليفة جمح الخيال المصري ليجعل من الإسكندر الأكبر إبنًا لنكتانيبو الثاني –رغم عدم منطقية ذلك في السياق التاريخي- وذلك من خلال اختراع رواية عن فرار نكتانيبو الثاني إلى مقدونيا بعد هزيمته من الفرس في صورة ساحر مصري بارع استطاع أن يغوي أوليمبياس –والدة الإسكندر- وأن يجامعها في غياب زوجها فيليب الثاني في معارك خارج مقدونيا. كل ذلك ورد في "السيرة الشعبية للإسكندر Alexander Romance المنسوبة إلى كالليسثنيس Pseudo – Callisthenes.

ويظل نكتانيبو الثاني متوهجًا ومتقدًا في خيال وذاكرة المصريين ونراه في وثيقة يونانية من وثائق معبد سيرابيوم منف عرفت باسم "حلم نكتانيبو"، وهي وثيقة مفسرةٌ لما جاء في "السيرة الشعبية للإسكندر" عن سبب خذلان آلهة مصر لنكتانيبو –في نهاية المطاف- في حربه ضد الفرس. إن هذا السبب يتمثل في تقصير وإهمال نكتانيبو لمعابد إله الحرب المصري مما أثار حفيظته وجعله ينقلب عليه.

ويستمر نكتانيبو كأيقونة نضالية مصرية في وثيقة ديموطيقية مصرية يُطلق عليها "الحولية الديموطيقية" يوحي ظاهرها بأنها قد كتبت في عهد الملك تاخوس (362 – 361 ق.م.) إلا أن الإشارات الواردة فيها عن زوال حكم الإغريق وعودة مصر إلى السيادة المصرية يرجح أنها كُتبت –على الأرجح- في أواخر القرن الثالث ق.م. ربما بعد معركة رفح عام 217 ق.م. ومن الجدير بالملاحظة في هذه الوثيقة أنها لم تذكر من حكام مصر بالإسم إلا أسماء الملوك المصريين (من الأسرة 28 إلى حكم الملك تاخوس في الأسرة الثلاثين) وورد ذكر نكتانيبو الثاني ضمنيًا في إشارات واضحة الدلالة في عدة مواضع من البردية مع تجاهل تام لأسماء الحكام الأجانب من فرس أو إغريق حتى لا يُضفي عليهم أي شرعية. ومن المُلاحظ كذلك أن سيرة نكتانيبو الثاني –رغم الإشارات العديدة إليه- بدأت تفقد بريقها نسبيًا، بدليل أن الأمل صار معقودًا على بطل من "هنيس/ هيراكليوبوليس" ليحرر مصر من الاحتلال اليوناني الذي جثم على صدرها. هنا تبدلت الصورة وبدأ المصريون يدركون بوضوح أن الإغريق مستعمرون بعد أن زالت الأقنعة الزائفة التي خُدع بها المصريون مع مجيء الإسكندر الأكبر.

وأخيرًا تفاقم إحساس المصريين بوضعهم المزري في ظل الحكم البطلمي الذي بدأ يضعف ويضمحل خلال القرن الثاني ق.م. في ظل الصراعات بين أفراد العائلة الحاكمة البطلمية وتدهور الاقتصاد وزيادة الضرائب حتى وصلت حالة السخط ذروتها وندم المصريون –بأثر رجعي فيما يبدو- على إنشاء تلك المدينة على ساحل البحر (الإسكندرية). وجاء في (النبؤة) أنها سوف تسقط بعد أن تضمحل وتتردى لتصبح قرية للصيادين وتعود منف إلى مجدها القديم بهجرة "الروح الخيِّرة" من الإسكندرية إليها، وأن مصر سوف يحكمها أحد أبنائها المخلصين لمدة خمس وخمسين سنة تتحسن فيها أوضاعها كثيرًا وتتوسع وتزداد خيراتها وتتحسن ظروفها الطبيعية والمناخية- كل ذلك نراه في "نبؤة صانع الفخار".

[1])) في واقع الأمر هناك ملك مصري وطني آخر بعد نكتانيبو الثاني هو خبّاش الذي لم يرد ذكره في المصادر الكلاسيكية، ولكن ورد ذكره في لوحة الساتراب لبطلميوس الأول من عام 311 ق.م. ومن عدد من اللُقى الأثرية التي عُثر عليها بالصدفة في أرجاء مصر. لقد استغل خبّاش فرصة استياء جانب من الصفوة العليا من المصريين من حكم الفرس وقاد ثورة وتمردًا ضد حكم أرتاكسركسيس الثالث والرابع، في مصر العليا على الأرجح. ثم سيطر بعد ذلك على قسم كبير من مصر السفلى، وبذلك امتد حكمه على أجزاء من مصر بين عامي 338 و 336 ق.م. لكن خبّاش لم يُدَّون في قائمة مانيتون السمنودي عن ملوك مصر من الفراعنة، ربما أراد مانيتون أن ينكر عليه شرعية اعتلاء عرش مصر كملك. ويبدو أن السيرة الشعبية للإسكندر المنسوبة بالخطأ إلى كالليسثنيس قد حذت حذو نفس التقليد المصري (عند مانيتون) الذي يجعل الحكم الوطني المصري ينتهي بفرار نكتانيبو الثاني آخر ملوك الأسرة الثلاثين عند مانيتون، أنظر:

  1. Nawotka (2017), The Alexander Romance by Ps.- Callisthenes, A Historical Commentary, Brill, Leiden, p.38; Günter Hölbl (2001), A History of the Ptolemaic Empire, London and New York (Routledge: Translated into English by Tina Saavedra), p. 83; J. M. Cook (1985), The Persian Empire, New York, p. 207.

([2]) B.G. Trigger, B. J. Kemp et alii (1983), Ancient Egypt- A Social History, Cambridge (in Chapter 4: The Late Period, 664-323 B.C., by Alan B. Lloyd) pp.281, 287; G. Hölbl (2001), p.4.   

* كانت فترة حكم نكتانيبو الثاني تتسم بالقوة العسكرية والرخاء والازدهار الاقتصادي في مصر، ويدلل على ذلك المشروعات الإنشائية الضخمة فيما لا يقل عن 52 معبدًا داخل مصر. لقد اقتفى نكتانيبو الثاني في العديد من المجالات أثر ملوك الأسرة السادسة والعشرين في سايس الذين أطاح بهم قمبيز عام 525 ق.م. وبفضل الازدهار الاقتصادي لمصر في عهده تمكن نكتانيبو من حشد جيوش كبيرة تضم –ولا تقتصر على- الآلآف من المرتزقة الإغريق، ومن تبني سياسة خارجية نشطة تقوم على دعم وتأييد خصوم الإمبراطورية الفارسية في فينيقيا وقبرص (كما سنرى في سياق البحث)، ونجح في تحجيم النفوذ الفارسي إلى حد كبير. أنظر:

  1. Nawotka (2017), p.38.

([3]) راجع: محمد السيد عبدالغني (2018)، مصر القديمة من منظور يوناني – بين المفاهيم والممارسات، المبحث العاشر: العلاقات المصرية اليونانية (404 – 343 ق.م.) فترة استقلال مصر عن الفرس، ص ص 95-120، ص ص 108-109.

[4])) راجع المبحث العاشر من المرجع السابق.

([5]) Diodorus Siculus, The Library of History 16.40.3:

Κατὰ δὲ τὴν Ἀσίαν ὁ βασιλεὺς τῶν Περσῶν ἐν μὲν τοῖς ἐπάνω χρόνοις στρατεύσας ἐπ' Αἴγυπτον πολλοῖς πλήθεσι στρατιωτῶν ἀπέτυχε, κατὰ δὲ τοὺς ὑποκειμένους καιροὺς πάλιν ἐπολέμησε τοῖς Αἰγυπτίοις καὶ πράξεις ἀξιολόγους κατεργασάμενος διὰ τῆς ἰδίας ἐνεργείας τὴν Αἴγυπτον ἀνεκτήσατο καὶ Φοινίκην καὶ Κύπρον.

Cf. also 16.44.1; 16.48.1.

([6]) Diodorus Siculus 16.40.4-5:

ἀπετύγχανε διὰ τὴν κακίαν καὶ ἀπειρίαν τῶν ἡγεμόνων. διὸ καὶ καταφρονηθεὶς ὑπὸ τῶν Αἰγυπτίων.

([7]) Diodorus 16.42.2:

Τέννης δ' ὁτῆς Σιδῶνος βασιλεὺς προσελάβετο παρ' Αἰγυπτίων στρατιώτας μισθοφόρους Ἕλληνας τετρακισχιλίους, ὧν ἦν στρατηγὸς Μέντωρ ὁ Ῥόδιος. μετὰ δὲ τούτων καὶ τῶν πολιτικῶν στρατιωτῶν τοῖς προειρημένοις σατράπαις συμβαλὼν ἐνίκησεν καὶ τοὺς πολεμίους ἐξέβαλεν ἐκ τῆς Φοινίκης.

([8]) Diodorus 16.45.1:

ὁ δὲ Τέννης κοινωσάμενος τὴν προδοσίαν Μέντορι  τῷ στρατηγῷ τῶν ἐξ Αἰγύπτου μισθοφόρων τοῦτον μὲν ἀπέλιπε τηροῦντα μέρος τῆς πόλεως καὶ συνεργοῦντα τοῖς περὶ τὴν προδοσίαν ἐγχειρουμένοις

([9]) Diodorus 16.45.2-6.

([10]) Diodorus 16.47.1:

τῇ δ' ὑστεραίᾳ τοῦ βασιλέως εἰς τρία μέρη τὴν Ἑλληνικὴν δύναμιν μερίσαντος ἑκάστη μερὶς εἶχε στρατηγὸν Ἕλληνα καὶ τούτῳ παρακαθεσταμένον ἡγεμόνα ἄνδρα Πέρσην, προκεκριμένον ἐπ' ἀρετῇ τε καὶ εὐνοίᾳ.  

([11]) Ibid. 16.47.5:

αὐτὸς δὲ τὴν λοιπὴν δύναμιν ἔχων ἐφήδρευε τοῖς ὅλοις πράγμασι.  

([12]) Diodorus 16.47.5:

….. ὁ μὲν τῶν Αἰγυπτίων βασιλεὺς Νεκτανεβὼς οὔτε τὸ πλῆθος τῶν πολεμίων οὔτε τὴν ὅλην διάταξιν τῶν Περσῶν κατεπλάγη, καίπερ πολὺ λειπόμενος τοῦ πλήθους.

47.7:

 ἔχων δὲ καὶ τὰς ἄλλας παρασκευὰς πάσας πρὸς τὸν πόλεμον ἱκανὰς διὰ τὴν ἰδίαν ἀβουλίαν ταχὺ τοῖς ὅλοις ἔπταισεν.   

([13]) Ibid. 16.48.2:

ἐσχηκὼς γὰρ τοὺς τότε στρατηγοὺς ἐπιφανεῖς ἄνδρας καὶ διαφέροντας ἀρετῇ τε καὶ ἀγχινοίᾳ στρατηγικῇ, Διόφαντον τὸν Ἀθηναῖον καὶ Λάμιον τὸν Σπαρτιάτην, διὰ τούτων ἅπαντα κατώρθωσε·

([14]) راجع الحاشية رقم (2) أعلاه: المبحث العاشر.

([15]) Diodorus 16.48.4-7.

([16]) Ibid. 16.49.2-3:

ἐπὶ δέ τινας ἡμέρας συνεχοῦς γινομένης τῆς τειχομαχίας τὸ μὲν πρῶτον οἱ κατὰ τὸ Πηλούσιον

Ἕλληνες ἐρρωμένως ἠμύνοντο τοὺς πολιορκοῦντας· ὡς δ' ἐπύθοντο τὴν τοῦ βασιλέως ἀναχώρησιν εἰς Μέμφιν καταπλαγέντες περὶ διαλύσεων ἐπρεσβεύοντο. τοῦ δὲ Λακράτους δόντος αὐτοῖς διὰ τῶν ὅρκων πίστεις ὅτι παραδόντων αὐτῶν τὸ Πηλούσιον ἀποκομισθήσονται πάντες εἰς τὴν Ἑλλάδα μεθ' ὧν ἂν ἐξενέγκωσι, παρέδωκαν τὸ φρούριον.

([17]) Ibid. 16.49.7-50.7.

([18]) Ibid. 16.51.1:

 ἐν δὲ τῇ Μέμφει διατρίβων ὁ βασιλεὺς Νεκτανεβὼς καὶ θεωρῶν τὴν τῶν πόλεων <ἐπὶ τὴν προδοσίαν> ὁρμὴν οὐκ ἐτόλμησεν ὑποστῆναι τοὺς ὑπὲρ τῆς ἡγεμονίας κινδύνους. ἀπογνοὺς οὖν τὴν βασιλείαν καὶ τὰ πλεῖστα τῶν χρημάτων ἀναλαβὼν ἔφυγεν εἰς τὴν Αἰθιοπίαν.

([19]) Ibid. 16.51.2:

Ἀρταξέρξης δὲ παραλαβὼν πᾶσαν τὴν Αἴγυπτον καὶ τῶν ἀξιολογωτάτων πόλεων τὰ τείχη περιελὼν τὰ μὲν ἱερὰ συλήσας ἤθροισεν ἀργύρου τε καὶ χρυσοῦ πλῆθος, ἀπήνεγκε δὲ καὶ τὰς ἐκ τῶν ἀρχαίων ἱερῶν ἀναγραφάς, ἃς ὕστερον Βαγώας πολλῶν χρημάτων ἀπελύτρωσε τοῖς ἱερεῦσι τῶν Αἰγυπτίων.

([20]) Plutarchs Moralia, De Iside et Osiride 355C (=11); 363 C (= 31).

([21]) Diodorus Siculus 17.49.2:

οἱ γὰρ Αἰγύπτιοι τῶν Περσῶν ἠσεβηκότων εἰς τὰ ἱερὰ καὶ βιαίως ἀρχόντων ἄσμενοι προσεδέξαντο τοὺς Μακεδόνας.

([22]) Quintus Curtius 4.7.1:

Aegyptii olim Persarum opibus intense quippe avare et superbe imperitatum sibi esse credebant ad spem adventus eius erexerant animos.

([23]) Arrian 3.1.4:

ἧκεν ἐς Μέμφιν· καὶ θύει ἐκεῖ τοῖς τε ἄλλοις θεοῖς καὶ τῷ Ἄπιδι καὶ ἀγῶνα ἐποίησε γυμνικόν τε καὶ μουσικόν· ἧκον δὲ αὐτῷ οἱ ἀμφὶ ταῦτα τεχνῖται ἐκ τῆς Ἑλλάδος οἱ δοκιμώτατοι.

([24]) Ibid. 3.5.2.

([25]) P. M. Fraser (1972), Ptolemaic Alexandria, Oxford, vol.1, p.677; S. Hornblower and A. Spawforth (1996) (eds.), The Oxford Classical Dicthionary (3rd ed.), s.v. Pseudo- Callisthenes.

([26]) S. Hornblower and A. Spawforth (1996), loc. cit.

([27]) P. M. Fraser (1972), loc. cit., see also A. Tallet- Bonvalot (1994), Peseudo- Callisthenes. Le Roman dʼAlexandre. Vie dʼAlexandre de Macédoine, traduction et édition, Paris.

([28]) W. Kroll (1926), Historia Alexandri Magni, I. 1; (with the English translation of the Greek version by E. H. Haighr 1955):

Οἱ σοφώτατοι Αἰγύπτιοι, θεῶν ἀπόγονοι, γῆς μέτρα καταλαβόμενοι, θαλάσσης κύματα ἡμερωσάμενοι, ποταμὸν Νεῖλον διαμετρησάμενοι, οὐρανοῦ ἀστροθεσίαν διαψηφισάμενοι, παραδεδώκασι τῇ οἰκουμένῃ ἐπικράτειαν † ἀλκὴν λόγου, εὕρεσιν μαγικῆς δυνάμεως. φασὶ γὰρ τὸν Νεκτανεβώ, τὸν τελευταῖον τῆς Αἰγύπτου βασιλέα, μεθ' ὃν ἡ Αἴγυπτος ἐξέπεσε τῆς τοιαύτης τιμῆς, τῇ μαγικῇ δυνάμει πάντων περιγενέσθαι. τὰ γὰρ κοσμικὰ στοιχεῖα λόγῳ πάντα αὑτῷ ὑπετάσσετο·  

([29]) Ibid. I. 1-3:

3: διὸ καὶ στοχάσας τὸν τῶν Αἰγυπτίων βασιλέα ὑπὸ τῶν μακάρων ἤδη προδοσίαν ἐσχηκέναι ξυρησάμενος τὴν κεφαλὴν καὶ τὸν πώγωνα πρὸς τὸ ἀλλομορφῆσαι, ἐγκολπωσάμενος χρυσὸν ὅσον ἠδύνατο βαστάξαι, ἔφυγε τὴν Αἴγυπτον διὰ τοῦ Πηλουσίου. πολλὰ δὲ περινοστήσας ἔθνη εἰς Πέλλην τῆς Μακεδονίας παρεγένετο.

([30]) Ibid. I.3:

….. χρησμοδοτεῖ αὐτοῖς οὕτως· ‘Αἴγυπτον ὁ φυγὼν κραταιὸς ἄλκιμος πρέσβυς βασιλεὺς δυνάστης ἥξει μετὰ χρόνον νέος, τὸ γηραλέον ἀποβαλὼν τύπων εἶδος, κόσμον κυκλεύσας, ἐπὶ τὸ Αἰγύπτου πεδίον, ἐχθρῶν ὑποταγὴν διδοὺς ἡμῖν.

([31]) Ibid. I.4.

([32]) Ibid. I.5.  

([33]) Ibid. I.6.  

([34]) Ibid. I.7.   

([35]) A. M. Wolohojian (1969), Pseudo – Callisthenes, The Romance of Alexander the Great. Translated from the Armenian version with an Introduction by A. M. Wolohojian, New York.

([36]) Ibid. I.7-12.   

([37]) Ibid. I.13.   

([38]) Ibid. I. 14.

([39]) K. Nawotka (2017), pp. 46, 49.

([40]) P. M. Fraser (1972), I. pp. 677-78.

([41]) Ibid.

([42]) K. Nawotka (2017), Introduction, pp.25-26.

ولمزيد من التفاصيل عن هذه النقطة، أنظر:

  1. Jasnow (April, 1997), "The Greek Alexander Romance and Demotic Egyptian Literature", in the Journal of Near Eastern Studies, vol. 56, no. 2, pp.95-103.

([43]) Ibid.; P. M. Fraser (1972), I. pp.680-81.

([44]) G. Hölbl (2001), p.78.

([45])  P. M. Fraser (1972), I. pp.681, 85.

([46]) UPZ. I. 81.

([47]) Ibid. col. II., ll.8-10.

([48]) Ibid. col. II., l.17-III. l. 9:

«Ἐλθέ μοι θεὰ θεῶν, κράτος ἔχουσα μέ[[γιτο]]-γιστον καὶ τῶν ἐν τῷ κόσμωι ἄρχουσα καὶ ζώζουσα θεοὺς πάντες Ἴσιν, καὶ εἵλεως | γινομένης  ἐπάκουσόν μοι. Καθότι προσέταξας, |

διατετήρηκα τὴν  χώραν ἀμέμπτως |

III: καὶ ἕως  τοῦ  νῦν  ἐμοῦ  τὴν πᾶσαν | ἐπιμέλειαν πεποιημένου Νεκτον- | αβὼι τοῦ βασιλέως  Σαμαῦτος ὑπὸ  σοῦ | κατασταθὶς  ἐπὶς τῆς ἀρχῆς ἠμέληκεν | τοῦ ἐμοῦ ἱεροῦ καὶ τοῖς ἐμοῖς προσστάγ-|γμασιν ἀντιπέπτωκεν. Ἐκτὸς τοῦ | ἑαυτοῦ  ίεροῦ εμει καὶ τὰ ἐν τῷ ἀδύτωι | ἱμιτέλεστα ἐστειν διὰ  τὴν τοῦ πρωεσ-|τῶτος κακίαν»

([49]) Ibid. col. III., ll. 13-19:

…. καὶ  προσέταξεν κατὰ  σποδὴν ἀποστῖλαι | εἰς Σεβεννῦτον ἐπὶ  τὸν  ἀρχιερῆα καὶ  | τὸν  προφήτην  τοῦ 'Ονούριος. Παραγενο-|μένων δὲ  αὐτῶν εἰς τὴν αὐλὴν [[. . . . ν]]  ἐπυνθάνετο ὁ βασιλεύς, | τίνα  ἐστὶν  τὰ ἐνλίποντα  ἔργα  ἐν τῷ | ἀδύτωι  τῶι καλουμένωι Φέρσωι.

([50]) Ibid. col. IV., ll. 1-2.  

([51]) Ibid. col. IV., ll. 3-11:

Παραγενομένων δ' αὐτῶν κατὰ τὸ προστεταγμέ|νον  ἐπυνθάνετο ὁ βασιλεύς τίς ἐστειν ἐν αὐτοῖς | ἐυφυέστατος, ὅς  δυνήσεται ἐν  τάχει ἐπιτελέ-|σαι τὰ ἐνλίποντα ἔργα  ἐν τῷ ἀδύτωι τῷ | καλουμένῳ Φέρσωι. Τούτων διη | ῥηΟέντων OC Ν ἐξ Ἀφροδίτης πόλεως τοῦ | Ἀφορδιτοπολίτου, οἱ ὤνομα Πετήσιος | πατρὸς δε Ἐργῆος, καταστὰς  ἔφη δύνασθαι τὰ ἔργα πάντα ἐπιτελέσιν ἐν ηλι ἡμέραι.

([52]) Ibid. col. IV., ll. 12-15.

([53]) Ibid. col. I., ll. 1-4:

Πετήσιος | ἱερωγλύφου | πρὸς Νεκτοναβὼι τὸν βασιλέα.

([54]) W. Kroll (1926), I. 2.

([55]) Ibid., 1. 3:

ἀτενίσας δὲ εἰς τὴν λεκάνην εἶδε τοὺς τῶν Αἰγυπτίων θεοὺς τὰ τῶν πολεμίων βαρβάρων πλοιάρια διακυβερνῶντας. διὸ καὶ στοχάσας τὸν τῶν Αἰγυπτίων βασιλέα ὑπὸ τῶν μακάρων ἤδη προδοσίαν ἐσχηκέναι ….

([56]) P. M. Fraser (1972), I., p. 682.

([57]) W. Spiegelberg (1914), Die sogenannte demotische Chronik des Pap. 215 der Bibliothèque Nationale zu Paris nebest den auf der Ruckseite des Papyrus stehenden Texten, Leipzig.  

([58]) W. Spiegelberg (1914), S. 5.

([59]) Ibid., S. 4.

([60]) P. M.  Fraser (1972), I, p. 682; W. Spiegelberg (1914), S. 5.

([61]) W. Spiegelberg (1914), Vordeseite, kol. II, ll. 2-4.

([62]) W. Spiegelberg (1914), S. 5.

([63]) G. Hölbl (2001,the English translation), pp. 153-159.

([64])  Ibid., p. 153.

([65]) R. Jasnow (April 1997), p. 102.

([66]) G. B. Bazzana (2018), "The Oracle of the Potter and the "Apocalyptic Worldview" in Egypt", in (Ephemerides Theologicae Lovanienses 94/ 2) pp. 207-222, 211-213.

([67]) The first is a Rainer papyrus published by Carl Wessely in 1893 and is a part of the Austrian National  Library (collection in Vienna (G. 19813); it was revised in a much improved edition by H. Gerstinger in Wiener Studien (1925), pp. 219ff; then reprinted with one or two additional supplements by R. Reitzenstein in Reitzenstein- Schaeder, Studien zur antiken Synkretism (Studien der Bibliothek Warburg, VII), pp.38ff. the second document is P.Oxy. 22. 2332. See P.Oxy. 2332, introduction, p. 89, note 2.  

([68]) Ibid., introd., pp. 89-94.

([69]) P. Rainer = P. Vienna 2(G. 19813) 2. 54-57 apud G. B. Bazzana (2018), p.214.

([70]) L. Koenen (2002), "Die Apologie der Tӧpfers an Kӧnig Amenopolis oder das Tӧpterorakel in A. Blasius – B. U. Schipper (eds.), Apokalyptik und Ägypten: Eine kritische Analyse der relevanten Texte aus dem griechisch – rӧmischen Ägypten (Orientalia Lovaniensia Analecta), 107, pp. 139-187, pp. 183-184, apud G. B. Bazzana (2018), ibid; cf. also S. Beyerle (2016), "Authority and Propaganda – The Case of the Potter's Oracle", Supplements to the Journal for the Study of Judaism 175/ 1, pp.167-184, p. 177.

([71]) P.Oxy. 2332, Late 3rd century A.D., col. I, ll. 1-2: ….. ἄρξει δὲ τῆς Αἰγύπτου | […]ς εἰς τὴν [κτ]ειζομένην π̣όλιν … etc; see Bazzana, p. 214, note 31.   

([72]) P.Oxy. 2332, col.II, ll. 43-44, 55-56:

 ἐν τοῖς ἄνω τόποις καὶ ζωνοφόρων πόλ̣ι̣ς̣ ἐ̣ρ̣η-|[μ]ωθήσεται ὅν τρόπον τὴν ἐμὴν κάμεινον….  

([73])Ibid., introduction, pp. 91-93.

* تيفون  Tύφῶνفي الأساطير اليونانية هو ابن تارتاروس (رب الجحيم) وجايا (ربة الأرض). وُلد عقب انتصار زيوس على العمالقة Titans. وقد صُوِّر تيفون في صورة وحش له مائة رأس ثعبانية وعيون تقدح الشرر وصوت رهيب هائل. وقد هاجمه زيوس على الفور بالصواعق وألقاه في جحيم تارتاروس. ويصوره بندار وأيسخيلوس على أنه القوة الكامنة تحت البركان وأنه مصدر الرياح العاصفة المدمرة والتي تحول السفن إلى حطام. وهو يماثل المعبود ست الأخ الشرير لأوزيريس عند المصريين.

  1. C. Howatson (1900), The Oxford Companion to Classical Literature, Oxford University press, s.v. Typhoeus or Typhen.

([74]) G. B. Bazzana (2018), p.215.

([75]) P.Oxy. 2332, col.II, l.59.

([76]) Ibid., col.II, ll.32-34; and note on l.34.

ὁ δὲ τὰ πεντήκοντα πέντε ἔτη|{κοντα πέντη ἔτη} ἡμέτερος ὑπάρχων τοῖς Ἕλλησ̣ι̣ |τὰ κακὰ .[.] αχαριν ἡμε<ῖ>ν ὁ ἀμ{μ}νος ….

نبؤة حَمل بوخيريس هي نبؤة ورد ذكرها في بردية ديموطيقية تنبأ فيها الحَمل بغزو مصر من قبل الأشوريين ونقل آلهتها (تماثيل الآلهة) إلى نينوي عاصمة الآشوريين. والبردية الديموطيقية التي تتناول هذا الموضوع مؤرخة بعصر الإمبراطور أغسطس هي: P. Rain. Dem., Soknopaiou Nesos, 4/5 A.D.

أنظر: P. M. Fraser (1972), vol.I, pp. 509, 684.

([77]) كل الفقرات المقتسبة أعلاه هي بقية العمود الثاني من بردية أوكسيرينخوس:

P.Oxy. 2332, col.II, ll. 42-62.  

([78]) G. B. Bazzana (2018), p.213, note 24.

([79]) A. B. Loloyd (1982), "Nationalist Propaganda in Ptolemaic Egypt", Historia 31, pp.33-55; L. Koenen (2002); S. Beyerle (2016).

([80]) S. Beyerle (2016), pp.174-175; G. B. Bazzana (2018), pp.213, 215 (note 37).

([81])  S. Beyerle (2016), p. 169, n.7.

([82]) P. M. Fraser (1972), vol.I, pp.71, 210, 509, 681, 683-84.

([83]) C. H. Roberts, P.Oxy. 2332, introd., p.93.  

([84]) Ibid. and note 3 of the same page.

([85]) P. M. Fraser (1972), vol.I, pp.71, 210, 509, 681, 82.

([86]) رندة ماهر عبدالوهاب، "ظاهرة الكتابة باليونانية نيابةً عن الآخرين في مصر في العصرين البطلمي والروماني"- رسالة ماجستير غير منشورة- كلية الآداب- جامعة الإسكندرية، فبراير 2019.

([87]) S. Beyerie (2016), p.173.

([88]) P. M. Fraser (1972), vol.I, p.681.

([89]) G. B. Bazzana (2018), p. 217.

([90]) P. M. Fraser (1972), loc. cit.

([91]) C. H. Roberts, P.Oxy. 2332, introd., p. 94.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.