د.عبدالرحيم ريحان Written by  نيسان 08, 2019 - 336 Views

دهب واحة الحضارة

Rate this item
(0 votes)

كتب د. عبد الرحيم ريحان

مدينة دهب بسيناء تجمع بين جمال الطبيعة وعمق التاريخ أرشحها مدينة للثقافة والجمال لعام 2019 وتتميز دهب بأنها تستوعب السياحة من كل الشرائح  فهناك المخيمات السياحية والفنادق الفاخرة  ومطاعم للأسماك الطازجة و سيارات تاكسى مكيفة داخل المدينة و معهد للبرديات  يستطيع الزائر أن يتعرف على طريقة صناعة البردى قبل شرائه ومواقع عديدة لبيع المنتجات السينائية بأنواعها المختلفة والمجوهرات والعطور وتجملت المنطقة السياحية بدهب بأنها أصبحت كلها ممشى حجرى جميل ليس على الشاطئ فقط بل المنطقة التى تحوى المحال التجارية وبالطبع منع دخول السيارات ليتجول الزوار فى حرية تامة

المنطقة الأثرية بدهب

وتحتضن المنطقة السياحية آثارًا خالدة  تشمل ميناء دهب البحرى على خليج العقبة الذى استخدمه العرب الأنباط بسيناء منذ نهاية القرن الثانى قبل الميلاد لخدمة التجارة بين الشرق والغرب والمبنى الخاص بالميناء تخطيطه مستطيل له سور خارجى وبوابة محاطة ببرجين دفاعيين من داخل السور ويحوى 23 حجرة بالجزء الشمالى كمكاتب لخدمة حركة تسيير ونقل البضائع من وإلى الميناء والجزء الجنوبى يحوى 24 حجرة هى مخازن البضائع ويتوسط المبنى فنار لإرشاد السفن بالخليج ومحرقة كانت تحرق فيها الأخشاب المستخدمة للفنار وعدد 12 حجرة بالجهة الغربية لمبيت  بعض العاملين بالميناء والبناء اتضح فيه التفاعل بين الإنسان والبيئة من استخدام أحجار مرجانية متوفرة فى المناطق الساحلية المشرفة على البحر الأحمر وهى أحجار أكثر صلابة وأكثر مقاومة لعوامل التعرية والأملاح كما استخدمت مونة من الطفلة البحرية التى تتكون من الرمل والحمرة ومركبات كلسية طينية تتواجد دائماً قرب شاطئ البحر وعثرنا بالميناء على منقولات أهمها جرار تخزين وسبائك نحاسية وعملات

الأنباط

هناك عدة آراء فى سبب تسميتهم بالأنباط فقيل لاستنباطهم ما فى باطن الأرض  وقيل لكثرة النبط عندهم وهو الماء وقيل أن هناك صلة بين اسم نبايوت بن اسماعيل عليه السلام وبين اسم النبط  وقيل لأن أصلهم من قبيلة عربية تسمى نبتو nabato  أو عدة قبائل مندمجة كانت تقيم فى مكان واحد وأثبتت الدراسات الحديثة أن الأنباط مجموعة من القبائل العربية جاءت من جنوب الجزيرة العربية ولم تحدد المكان بدقة  وقد ظهر الأنباط لأول مره فى القرن السادس ق.م  كقبائل بدوية فى الصحراء الواقعة شرق الأردن ثم استمروا كذلك حتى القرن الرابع ق.م رحلاً يعيشون فى خيام ويتكلمون العربية ويكرهون الخمر ولا يهتمون كثيراً بالزراعة وعاشوا فى شمال الجزيرة العربية وجنوب بلاد الشام واتخذوا البتراء عاصمة لهم فى القرن الرابع قبل الميلاد وفى القرن الرابع قبل الميلاد ورّد الأنباط لمصر القار الذى كان يستخدم فى عمليات التحنيط  وفى القرن الثالث قبل الميلاد تركوا حياة الرعى واتبعوا حياة الاستقرار وعملوا فى الزراعة والتجارة وتحول الأنباط من حياة البداوة للحياة الزراعية نتيجة علاقاتهم التجارية التى استلزمت استقرار وعمل مخازن وعمل سفن وبذلك تحولت مجموعة من القبائل إلى مملكة متقدمة فى الزراعة والتجارة والفنون فى الشرق الأدنى وبنهاية القرن الثانى قبل الميلاد أصبح لهم نشاط بحرى وقوة بحرية عظيمة وكان لهم سفن خاصة بهم بالإضافة لاستئجار سفن أخرى  ومن القرن الأول قبل الميلاد أسس الأنباط جيشاً وكان لهم شبكة طرق تتوفر فيها مصادر المياه وبنهاية القرن الأول قبل الميلاد كان لهم إنجازات عظيمة فى مجال البناء – النحت – إنتاج الفخار – استخراج المعادن

علاقتهم بسيناء

كان هناك طريق للأنباط من أيلة (مدينة العقبة الآن) على رأس خليج العقبة إلى ميناء دهب ومنها يتوغل لداخل سيناء وكان هذا ضمن شبكة طرق للأنباط بين المحيط الهندى والبحر المتوسط ، فكانت بضاعة الهند تأتى إلى اليمن عن طريق عدن وكان أهل اليمن ينقلونها مع محاصيلهم إلى الحجاز وكان الأنباط ينقلونها من الحجاز إلى البتراء  ومن هناك تتفرع إلى مصر بطريق البتراء وإلى فلسطين بطريق بئر سبع وإلى شمال سوريا بطريق دمشق وطريق الأنباط بسيناء من البتراء يخترق صحراء النقب إلى غزة أو العريش و هناك طريق آخر من أيلة على رأس خليج العقبة إلى ميناء دهب ومنها يتوغل لداخل سيناء براً إلى وادى فيران ماراً بجبل موسى ومن وادى فيران إلى وادى المكتّب (سمى كذلك لكثرة الكتابات به نبطية ويونانية ) - سرابيت الخادم - وادى النصب - وادى غرندل  رأس سدر - عيون موسى إلى ميناء القلزم (السويس) ثم براً حتى نهر النيل ومنه للإسكندرية ومنها لأوربا

وللأنباط مقابرعديدة بسيناء معظمها فى وادى فيران ودهب وهى مقابر محفورة فى منحدرات الجبال علاوة على مئات النقوش فى معظم أودية سيناء من شمالها لجنوبها  ومنازل ومقابر للأنباط بوادى فيران والفرضة البحرية المكتشفة بمدينة دهب ومركز تجارى ومعبد بقصرويت بشمال سيناء ومخازن للبضائع بجزيرة فرعون بطابا ونظم مائية لاستغلال مياه الأمطار .

تلاقى الأديان

عثرنا بميناء دهب على أوانى الحجاج الذى كان يستخدمها الحجاج المسيحيون وهم فى طريقهم للقدس عبر سيناء فى الطريق الشهير وهو طريق الحج المسيحى بسيناء الذى يتضمن داخله طريق العائلة المقدسة حيث أعيد استخدام ميناء دهب فى الفترة البيزنطية من القرن الرابع إلى السادس الميلادى وكان يركب الحاج المسيحى مع الحاج المسلم نفس السفينة من ميناء القلزم (السويس) إلى ميناء الطور حين تحول طريق الحاج الإسلامى بسيناء من الطريق البرى إلى الطريق البحرى منذ عام 1885م ومن ميناء الطور يتجه الحاج المسلم والمسيحى لزيارة الأماكن المقدسة بمنطقة الجبل المقدس (دير سانت كاترين حالياً) وترك الحجاج المسلمون كتاباتهم على محراب الجامع الفاطمى داخل الدير ثم يعود الحاج المسلم ليأخذ طريقه من ميناء الطور إلى ميناء جدة ويتجه الحاج المسيحى من دير سانت كاترين إلى القدس

ميناء دهب وأهل سيناء

ويطلق على المنطقة الأثرية تل المشربة حيث كانت الجمال تأتى لتشرب من البحر عند هذه المنطقة ولم يعرف أحد سر هذا حتى اكتشف أهل سيناء وجود ماء عذب على الشاطئ نفسه تشرب منه الجمال فسميت المنطقة تل المشربة

وهكذا تتناغم أشكال السياحة بدهب من سياحة ثقافية وسياحة شواطئ ذهبية الرمال تنعكس عليها  أشعة الشمس فتعطى بريق الذهب لذلك أطلق عليها دهب وسياحة سفارى فى وديان بمناظر طبيعية خلاّبة ومنظر الغروب فى دهب له سحر خاص لا يتكرر إلا فى هذه المدينة هذا بالإضافة لنسمتها الرقيقة صيفاً ودفئها شتاءاً وجمالها كمدينة
تحتضن الخليج وتحتضن زوارها فلا تودعهم إلا وفى قلوبهم وعقولهم ذكراها 


د.عبدالرحيم ريحان

مستشار عام لشئون الحضارة والتراث بمجموعة كاسل جورنال ورئيس اللجنة العلمية التاريخية بمجلة كاسل الحضارة والتراث

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.