كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 09, 2021 - 82 Views

ترعة شيديا وأهميتها

Rate this item
(0 votes)

لمدينة الإسكندرية الوليدة

بقلم دكتور/ أحمد كامل الأدهم

مدير عام منطقة آثار البحيرة الأسبق

 ترعه شيديا إحدى أهم المجاري المائية التي حفرت بيد مصريه سميت بهذا الاسم نسبه إلى مدينه شيديا على الفرع الكانوبي وكانت بالنسبة لمدينه اسكندريه شريانا للحياة فعليها اعتمدت المدينة على مياه الشرب النقية العذبة التي تأتي لها من هذه الترعة.

ولعل أول من تناول ذكر اسم شيديا هو المؤرخ استرابو (Strabo) عندما تحدث في جغرافيته عن شيديا ومسارها والبلدان والضواحي التي مرت بها قديما.

ولقد أطلق عليها بعض الأسماء الأخرى مثل ترعه الاسكندريه([1]) وكانت تسمى كذلك بالنهر([2]) وخليج الاسكندريه([3]) وخليج الحافر([4]) والخليج الناصري([5]) والاشرافيه([6]) وغيرها.

وهو ما يوضح مدى الأهميه التي نالتها هذه الترعة المهمة

وقد انحصرت الآراء في بداية حفر ترعه شيديا في رأيين :-

الرأي الأول :- يوضح أن ترعة شيديا هذه كانت موجودة قبل مجيء الاسكندر الأكبر و تأسيس مدينه الاسكندريه وقبل أن يطلق عليها اسم ترعه شيديا ومنها :-

ويبدو أن قناة شيديا هذه كانت تمد راقودة المصرية والقرى المجاورة لها بالمياه العذبة زمن الفراعنة كما يفهم مما جاء في "قصة الاسكندر"

- أن هذا الموقع (راقوده) قبل الاسكندر كان تزوده بالمياه العذبة قناة تمتد غربا من الفرع الكانوبي للنيل عند موقع يقال له شيديا أي المعدية([7]).

والرأي الثاني :- يقول أن الترعة هذه حفرت منذ تأسيس مدينه الاسكندريه ولان مدينه الاسكندريه بعيد عن النهر (الفرع الكانوبي) فلقد حفرت ترعة عميقة من شيريو (Chereu) وهكذا بواسطة فرع قصير فقد جعل الفرع الكانوبي سهل المنال للمدينة([8])

وقال المسعودي وقد كان الاسكندر بني الاسكندريه على هذا الخليج من النيل وكان عليها معظم ماء النيل فكان يسقي الاسكندريه وبلاد مريوط([9]).

أن حفر ترعه الاسكندريه قد تم حتما عقب تأسيس المدينة لان وجودها كان يتوقف على ذلك([10]).

وعلى هذا حفرت من شيديا إلى الاسكندريه أول ترعه للاسكندريه منذ إنشائها وذلك عام 331 ق.م([11])

مسار ترعه شيديا :-

وترعه شيديا نالت كثيرا من الاهتمام منذ أن تناول ذكرها استرابو في جغرافيته وسنحاول تبيان مسارها وذلك من خلال ما ورد في كتابات بعض المؤرخين حيث أن أول ذكر لها كان في جغرافيه استرابو وما جاء بها يوضح بداية مسار ترعه شيديا واسمها صراحة بدءا من مدينه الاسكندريه وحتى الفرع الكانوبي مارا باليوسيس (Elusis) (الحضرة حاليا بالاسكندريه) حيث أوضح انه بمجرد الخروج من مدينه الاسكندريه عن طريق الباب الكانوبي فانه يجد على يمينه الترعة التي تتجه نحو كانوب ثم تتفرع الترعة عند بيتراي (حجر النواتيه الحالي) ([12]) إلى فرعين احدهما كانوب والأخر إلى شيديا على الفرع الكانوبي.

يقول استرابون إذا خرج الإنسان عن طريق الباب الكانوبي فانه يجد إلى يمينه الترعة التي تتجه نحو كانوب على حافة البحيرة ويذهب الإنسان مع هذه الترعة إلى شيديا متبعا الفرع الذي يمضي ليصل بالنهر الكبير والي كانوب ولكنه يقابل أولا اليوسيس([13])

ومن خلال تحليل مع أورده استرابو عن قناة شيديا ومسارها فانه يمكن القول أن قناة شيديا تبدأ رحلتها من اسكندريه ماره بالباب الكانوبي ثم تسير إلى الجنوب الشرقي ماره بضاحية اليوسيس ومنها إلى مدينه شيديا على الفرع الكانوبي للنيل وفيها فم الترعة المذكورة حيث تأخذ مياهها منه وزيادة في الإيضاح فان استرابو قد ذكر أن المسافة من شيديا حتى الاسكندريه هي أربعه شوينات أي ما يعادل 28 كيلو مترات وهو ما يقابل حاليا تل اثار (كوم الجيزة والحمام وشريف خلف) ناحية الكريون  مركز كفر الدوار محافظة البحيرة.

ويقول بروكبيوس (Procopius) ولان مدينه الاسكندريه ليست على النهر مباشره فانه قد تم شق قناة من شيريو (Chereu) إليها لتغذيتها بالمياه النقية وان المسافة من شيريو إلى الاسكندريه تعادل 20,000 رومانيا (Milles) أي مايعادل 2959.35 كيلو مترا لان الألفي الروماني يعادل 1479.5 مترا([14]).

ويتفق بروكوبيوس مع استرابون على وجود ترعة شيديا والتي ربطت الاسكندريه بالفرع الكانوبي وطولها حوالي 29.59 كيلومترات.

ويقول المقريزي أن طول ترعة شيديا حوالي ثمانيه آلاف قصبه حاكميه وذلك في قوله " ...فجاء قياس الحفر من فم بحر النيل ناحية شتيار (شيديا) ثمانية آلاف قصبة حاكميه ومن شتيار (شيديا) إلى الاسكندريه مثلها([15]).

ويقول الفلكي أن حفر ترعه الاسكندريه قد تم حتما عند تأسيس المدينة لان وجودها كان يتوقف على ذلك وكانت هذه الترعة قديما تسمى بالنهر وكانت تستمد مياهها من الفرع الكانوبي للنيل وتصب في ميناء اينوست (Einost) كما هو الحال الآن وتكون الترعة انحناءة عند خروجها من المدينة القديمة وتتجه جنوب اليوسيس محاذيه تقريبا للأسوار المحيط بالاسكندريه القديمة وعند اليوسيس (الحضرة حاليا) تكون الترعة انحناءة ماره حول جزء من هذه الضاحية ثم تمضي نحو المرتفعات الواقعة جنوب شرقي نيكوبوليس وهناك يوجد فرعان "الفرع الرئيسي" الذي يكون انحناءة تقترب من زاوية قائمه ثم يتجه إلى الجنوب الشرقي نحو إطلال كريون والفرع الآخر يواصل اتجاهه إلى سفح السلسلة الصغيرة من الجبال ويذهب إلي كانوب وكان الفرع الرئيسي يسمى في الماضي بترعه شيديا (Shedia) وهو نفس خط سير أجزاء من ترعه المحمودية حاليا وهكذا لا يستطيع الإنسان أن يشك في أن جزءا كبير من ترعه المحمودية الحالية تشغل نفس المكان القديم لترعة شيديا ابتداء من القرية وحتى الاسكندريه([16]).

وإضافة لما سبق فان هذه القناة كانت تسير في الخط التقريبي لترعه المحمودية وتستدير شمالا بمحازاة بحيرة مريوط شرق مدخلها مباشره ثم تواصل سيرها حول رأس المدخل وتجري نحو الغرب ثم جنوبا فغربا عبر حي راكوتيس (Rhakotis) وفي النهاية تصب ماءها في الميناء الغربي (Western Harbour) والقسم الثالث من الكريون إلى الاسكندريه ويشعل ترعة شيديا القديمة برمته التي استعيض عنها بترعه المحمودية الحالية عدا الكيلو متر الأول بعد الكريون  والمسافة من حديقة النزهة والكيلو 71 وهنا مجري الترعة القديم([17]).

لذا فانه من الممكن أن نستنتج أن ترعة شيديا وكما ورد في كتابات المؤرخين من استرابون وحتى المحدثين منهم قد بدأت من شيديا الواقعة على الفرع الكانوبي قديما (ومكانها الحالي تل اثار كوم الجيزة والحمام وشريف خلف) مركز كفر الدوار ثم تواصل سيرها إلى الغرب من شيديا فتتجه شمالا حتى تمر جنوبا بضاحية اليوسيس (الحضرة حاليا بالاسكندريه) محاذية للأسوار المحيطة بالاسكندريه حتى تصل إلى حي راكوتيس تستدير حول سفح ينهض فوقه عمود السواري حاليا ماره بخليج مريوط حيث تصب في ميناء اينوستوس (Einost)

وخط سير هذه الترعة وهو نفس خط سير ترعه المحمودية الحالية عدا بعض الاختلافات البسيطة مثل كيلو متر الأول بعد الكريون  والمسافة من حديقة النزهة حتى الكيلو 71 وباقي مسار ترعة شيديا القديمة تشغله ترعه المحمودية الحالية خاصة في المسافة من قرية الكريون  مركز كفر الدوار وحتى الجزء الباقي منها بالاسكندريه.

إضافة إلى ذلك فقد كانت مدينه شيديا وترعتها تمثل البوابة التجارية الأولى لمدينه الاسكندريه من داخل مصر خاصة تلك البضائع الواردة لها من مصر العليا فمن ميناء شيديا كانت تحمل أهم البضائع والمنتجات لها ولقد تمثل ذلك في أن كثيرا من سفن البضائع الكبيرة التي كانت تأتي من مصر العليا حامله القمح كانت تفرغ حمولتها في ميناء شيديا حيث تتولى السفن الصغيرة نقل الشحنة إلى شون نيابوليس ولعل أهميه ترعه شيديا ترجع إلى :-

1- إمداد مدينه الاسكندريه بمياه الشرب العذبة

2- الارتقاء بميناء الاسكندريه

3- إمداد بحيرة مريوط بالمياه العذبة لدرجه أنها أصبحت مالحة بعد امتلاء ترعة شيديا بالرواسب

4-  اضمحلال مدينه الاسكندريه نتيجة لارتفاع الرواسب الطينية في قناة شيديا وعدم اهتمام حكام مصر بتطهيرها خاصة بعد أن تم نقل عاصمة مصر من الاسكندريه

وقد كانت رفاهية العيش التي يعيشها سكان الاسكندريه وكانوب وشيديا وكذلك اليوسيس تظهر من خلال ما ذكره استرابون الذي زار الاسكندريه عام 45 ق.م حيث وصفه لنا كيف كانت مدينه كانوب متنفسا مختارا للعابثين وطالبي الملذات. وقد كان للترعة التي حفرت من شيديا للاسكندريه تشق طريقا بين حدائق غناء تتشابك أغصانها ويعبق الأجواء أريجها وتتناثر في إرجائها قصور ريفيه رائعة وكانت سفنها الشراعية المزودة بالرياشين الفخمة لا تنقطع جيئة وذهابا في الليل والنهار([18]).

ولعل من أهم ما يؤيد ذلك تلك العناصر المعمارية الاثريه التي كشف عنها بموقع مدينه شيديا في الفترة من عام 1982م حتى 2015م من حمامات يونانيه ورومانيه ومعاصر للنبيذ ومنازل ومصانع للفخار وصبغ الملابس وآلاف من القطع الأثرية المستوردة والمحلية وعشرة آلاف قطعه عمله.

وخلاصه القول أن العلاقة بين شيديا والاسكندريه ظلت قائمه بداية من العصر البطلمي وحتى العصر الفاطمي ... وكانت العلاقة بينهما تقوم على المصلحة المشتركة لعبت فيها ترعه شيديا نصيبا كبيرا كما جاء بكتابات المؤرخين بل لعل ازدهار مدينه الاسكندريه أو اضمحلالها وبالتالي شيديا قد لعبت فيها ترعة شيديا دورا كبيرا وكانت هي إحدى العوامل الرئيسية التي ربطت بين الاسكندريه وشيديا وباقي مصر.

[1] - محمود باشا الفلكي ، الإسكندرية القديمة كما اكتشفها المؤلف ، دار النشر بالإسكندرية ، 1967 ص145.

[2] - نفسه

[3] - سعد زغلول عبد الحميد ، تاريخ الاسكندريه وحضارتها منذ أقدم العصور ، 1963 ص241.

[4] - نفسه

[5] - عبد العزيز سالم ، تاريخ الاسكندريه وحضارتها منذ أقدم العصور ، الاسكندريه ، 1963 ، ص306. والخليج الناصري نسبه إلى السلطان الناصر فرج بن برقوق (1411 ميلادية)

[6] - الترعة الاشرافيه نسبه إلى السلطان الاشرف برسباى (1368 ميلادية)

[7] - مصطفى العبادي ، مجتمع الاسكندريه في العصر البطلمي ، مجله كليه الآداب ، ابريل 1973 ، ص24

[8] - Procopius, Locb, p.360.

[9] - المقريزي ، خطط المقريزي ، طبعه بولاق ، 1270 هجريه ، ص319

[10] - الفلكي ، نفس المصدر السابق ، 145

[11] - عمر طوسون ، المصدر السابق ، ص10

[12] - محمد عواد حسين ، الإسكندرية منذ نشأتها إلي الفتح العربي 331ق.م حتي 641م ، 1963م ، ص17

[13] - Strabo., op.cit., p.60.

[14] - الفلكي ، المصدر السابق ، ص149- 150

[15] - Procopius, Locb, p.360.

[16] - الفلكي ، نفس المصدر السابق ، 145-147

[17] - عمر طوسون ، المصدر السابق ، 32-33

[18] - إبراهيم محمد الفحام ، ابوقير ، مطابع دار الكتاب العربي بالقاهرة ، ص32-33

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.