د.عبدالرحيم ريحان Written by  تموز 09, 2019 - 277 Views

كنيسة القيامة بمدينة الآلام "القدس الشريف"

Rate this item
(0 votes)

كنيسة القيامة بمدينة الآلام "القدس الشريف"

       تبحر بنا الباحثة سلفانا جورج عطا الله  باحثة دكتوراه بمعهد الدراسات والبحوث القبطية  كلية الآداب- جامعة الإسكندرية فى مدينة الآلام القدس قلب فلسطين النابض منذ خمسة آلاف وإن عانت تلك المدينة من أهوال الحروب والاحتلال إلا أنها ظلت المدينة الخالدة  على مر العصور وكانت هدفاً ومحوراً للباحثين والعلماء لما لتلك المدينة من أهمية دينية وتاريخية لاحتوائها على الكثير من الآثار والأماكن المقدسة لجميع الأديان السماوية الثلاثة وكانت أورشليم موطئ الديانة المسيحية حيث ولد السيد المسيح على أرضها المقدسة ببيت لحم وشهدت القدس حياة السيد المسيح ورسالته وآلامه وقيامته وصعوده إلى السماء وبعد الاعتراف بالمسيحية فى عهد الامبراطور قسطنطين قامت أمه الملكة هيلانة ببناء كنيسة القيامة بناءاً على طلب من أسقف القدس مكاريوس حوالى عام 335م  والتى ضمت الكثير من المواقع المقدسة لدى المسيحيين فأصبحت قبلة الناظرين من كل انحاء العالم المسيحى حتى يومنا هذا وارتبطت بمسرى النبى صلى الله عليه وسلم فى رحلة الإسراء والمعراج والمسجد الأقصى الأسير

قبر السيد المسيح

وتؤكد الباحثة سلفانا جورج عطا الله فى  ظل الاحتفالات بعيد القيامة المجيد حيث ينظر كل مسيحي العالم بعين الاشتهاء والتمني لزيارة تلك الكنيسة المقدسة ورؤية النور المقدس بأنه يطلق اسم القيامة علي مجموع الكنائس التى شيدت فوق القبر الذى دفن فيه السيد المسيح والجلجثة والمعروف بالجمجة فى اللاتينية وهو موضع الصلب ومغارة الصليب طبقا للتقليد المسيحى

ويذكر المؤرخون أن اكتشاف القبر الذى دفن فيه المسيح لم يكن صدفة كما تذكر لنا بعض المراجع فيذكر يوسابيوس أن الإمبراطور هادريان الوثني أراد أن يحجم من توافد المسيحيون إلى أورشليم لحنينهم لزيارة الأماكن المقدسة المتمثلة فى قبرالسيد المسيح فأقام علي أنقاض الهيكل معبد للإله جوبتير وعمد إلى الجلجثة والقبر فطمرهما تحت تل صناعى أقام عليه هيكلا للإله فينوس وبعمله هذا حفظ تلك الأماكن المقدسة إلى الأبد ويؤكد كل من أوريجانيوس ويوسابيوس وغيرهم أن ظل المسيحيون الأوائل يتوافدون علي القبر ويستدلون بهذا المعبد علي مكانه .

لذا عندما اعترف بالمسيحية فى عهد الإمبراطور قسطنطين لم يكن القبر مخفيا فبعد مجمع نيقية 325م أوفد الإمبراطور أمه هيلانة لبناء كنيسة فوق قبر السيد المسيح وذلك عام 326م  وبالفعل يروي يوسابيوس القيصرى أن الامبراطور أمر أسقف أورشليم  مكاريوس ببناء ثلاث كنائس واحدة فوق القبر والأخرى فوق الجلجثة والثالثة فوق مغارة الصليب ومتابعة الولاة فى الولايات الشرقية للبناء ولما بدأوا في البناء مهدوا الأرض حتي اصبح بموازاة القبر ولم يبق قائما مرتفعا سوى الصليب  ونصب حول القبر في دائرة واسعة عشرون عمودا من الرخام تعلوها الحنايا ويحيط بها جدار مستدير ينعطف فى جهاته الاربعة إلى شرقيتين  واحدة يمنى والأخرى يسرى وبينهما شرقية ثالثة في مقابل المدخل الكبير ويغطى كل ذلك قبة عظيمة  الذى اقترح أسقف أورشليم ان تغطى من الفضة الخالصة وهذا ما عرف بكنيسة القيامة الذى استغرق بناؤها ست سنوات واكملت عام 335م حيث اقيم حفل عظيم لتكريسها حضره أسقف قيصرية يوسابيوس وغيره من الأساقفة والكهنة والشعب.

نكبة كنيسة القيامة

وتشير الباحثة سلفانا جورج عطا الله إلى التعرف على شكل تلك الكنيسة ذا الطراز البيزنطى كما كانت بعصر قسطنطين من خلال تصويرها على قطعة فسيفساء موجودة اليوم فى كنيسة سانتا بودنزيانا فى روما ربما ترجع الى القرن الرابع الميلادى أو الخامس الميلادى وكذلك قطعة فسيفساء أخرى صورت الكنيسة عليها بمأدبا بشرقي الأردن كما صورت على قطعة من العاج فى متحف ميلانو وكانت كنيسة القيامة تقف فى وسط بهو فخم محاط بالأعمدة وكان قطرها حوالى 73قدما وارتفاعها 68 قدما  وربما كان الهدف من تقارب القطر والطول لتكونا على قدم المساواة  والجدران مقسمة كالمعتاد إلي الطابق الأرضي والثلاث حنيات والطابق العلوى

وظلت كنيسة القيامة التى شيدها قسطنطين على الطراز البيزنطى قائمة  حوالى ثلاثمائة عام حتى عام 614م عندما قام الفرس بتخريبها مع باقي كنائس فلسطين ونهب كنوزها وهدم أعمدتها وأسروا بطريركها حينئذ والكثير من المسيحيين واقتادوهم إلي بابل وكانت تلك من أعظم النكبات التى حلت بكنيسة القيامة فى التاريخ

إعمار الكنيسة

توضح الباحثة سلفانا جورج عطا الله أنه  قام فى تلك الفترة مودستس رئيس دير ثيؤدسيوس بمساعدة بطريرك الإسكندرية البابا يوحنا بمحاولة إعمار الكنيسة وجمع التبرعات لإعادة بناء ما تم تخريبه  ولكن ما تم إعماره لم يكن مثل سابقه من الناحية المعمارية أو التماثل في البناء وحاول مودستس إضفاء مسحة من الجمال على البناء بما تبقي من أثار البناء البيزنطى واستغرق البناء حوالى اثنتى عشر عاما وانتهى على الأرجح عام 629م وقد اشار Robert willisv  فى كتابه " The Architectural history of the church of the Holy Sepulchre at Jerusalem¨                      

أنه قد طرأ تغيير كبير بالفعل على مبنى كنيسة القيامة وكان ذلك لنقص المال ولتغيير أشكال وترتيب الكنائس عند إعادة بناؤها مرة آخرى بالإضافة للإضافات التى تراكمت على المكان المقدس من خلال التقاليد المتزايدة حول تلك البقعة ولهذا نجد اختلاف تام بين وصف يوسابيوس القيصرى لكنيسة القيامة عن الوصف فى تلك الحقبة وأفضل من وصف الكنائس فى تلك الفترة هو أدمونسيوس وبرناديوس وأركلفيوس

4 كنائس

وتؤكد الباحثة سلفانا جورج عطا الله على اتفاق  معظم المؤرخين أن هناك أربع كنائس تم بناؤها فى تلك الفترة تربطهم ببعض الأسوار واحدة فى الشرق وهى كنيسة جبل الجلجثة وأخرى في مكان الصليب المقدس وهى المعروفة باسم بازيليكا قسطنطين وفى الجنوب واحدة  تدعى كنيسة القديسة مريم والأخيرة فى الغرب بالوسط كنيسة قبر المسيح وبين تلك الكنائس الآربعة ممرات بلا أسقف وتألقت الجدران بالذهب وأرضية الكنائس كانت مزينة برخام ثمين ويحيط بالقبر من الجانب الشرقي 12 عمود على حسب اركلفوس وربما كانت تلك الأعمدة مقسمة على أربع مجموعات مزدوجة من الأعمدة المربعة التى ربما كان بكل جانب يحتوي على 12 عمود ليحملوا الجدار حيث أنه فى الوقت الحالى الثلاث حنيات الغربية على نفس أساس القديم.

أما كنيسة الجلجثة فكانت اكبرهما مساحة وكانت مقسمة إلي ثلاث أروقة وكانت مغارة الصخرة تحت مكان الصليب وبطبيعة الحال أصبح الحنية الحالية لكنيسة أدم وغيرها مكان حفظ الكثير من القطع الأثر

العهدة العمرية

     وتتابع الباحثة سلفانا جورج عطا الله أن  كنيسة القيامة بعد دخول المسلمين أورشليم عام 637م حظيت بالرعاية حيث قام الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه بالإبقاء على مبانى الكنيسة وإعطاء الحرية للمسيحيين وروى المؤرخ الشهير سعيد بن بطريق انه لم يرد أن يصلي في صحن كنيسة القيامة حتى لا يطمع فيها أحد من المسلمين من بعده  واكتفى بالصلاة على الدرجة التي على باب كنيسة قسطنطين  وقد أعطى البطريرك صك العهد المعروف بالعهدة العمرية وأصبحت القيامة بعد استيلاء الصليبين على القدس عام 1099م في حماية اللاتين لمدة 88عاما حتى اطلق اللاتين على أنفسهم حماة القبر المقددس.

وصف الكنيسة

 وتصف الباحثة سلفانا جورج عطا الله قباب الكنيسة موضحة أن من أجمل القباب بالكنائس قبة كنيسة القيامة لما فيها من إبداع معمارى وفني ويشير الأب يسطس الأورشليمى في كتابه " مدينة الفداء" أن هناك قبتين قبة  في الغرب فوق قبر السيد المسيح  وهى الأكبر خالية من الرسوم وتقسم القبة بثلاث مستويات يحدد كل مستوي إفريز دائري ويعلو الإفريز الأول مجموعة من النوافذ المستطيلة ذات عقد نصف دائرى ثم الإفريز الثانى تعلوه نفس شكل النوافذ ذات العقود النصف دائرية ولكنها مصمته ويؤطرها الإفريز الثالث وتعلوها نوافذ صغيرة أيضا ونجد فى منتصف القبة من أعلى شكل الشمس التى تنشر أشعتها الذهبية أما القبة الثانية الموجودة فى الشرق  وهى الأصغروتغطى الكنيسة  المعروفة نصف الدنيا وهي ذهبية اللون وتحتوى فى منتصفها علي رسم للسيد المسيح داخل دائرتين باللونين الأحمر والأزرق ويحمل المسيح بيده اليمنى الكتاب المقدس ويشير بيده الأخرى بالبركة  ثم يحيط بالسيد المسيح التلاميذ والسيدة العذراء والملائكة وراعى الفنان الدقة وروعة الألوان

أما عن واجهة الكنيسة فقد تقدمها برج الأجراس الصليبية وقد تهدم الجزء العلوى منه فى القرن السادس عشر واستبدل بغطاء من القرميد فى القرن السابع عشر كما استبدلت الأجراس الصليبية بأجراس أخرى وتميزت كنيسة القيامة بالكثير من الفسيفساء ذات الموضوعات المختلفة التى امتزجت فيها التاثيرات الفنية البيزنطية واليونانية والسريانية لتخرج وكأنها صورة حية للأحداث كذلك توجد الكثير من التماثيل للسيدة العذراء والقناديل الأثرية

د.عبدالرحيم ريحان

مستشار عام لشئون الحضارة والتراث بمجموعة كاسل جورنال ورئيس اللجنة العلمية التاريخية بمجلة كاسل الحضارة والتراث

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.