كاسل الحضارة والتراث

كاسل الحضارة والتراث

أحجار الجوع ظهرت في أوروبا، هل يبدأ الجفاف الموعود؟

بقلم – ميرنا محمد

مرشدة سياحية – باحثة فى الآثار المصرية

ما هي هذه الأحجار التي ظهرت بعد جفاف الكثير من الأنهر والبحيرات في أوروبا؟ وأين ظهرت؟

وعلى ماذا تدل أو بماذا تنذر؟ وهل ظهر شيء آخر معها؟

بعد أسابيع من موجة الجفاف الشديد التي شهدتها أوروبا، والتي أدت إلى انخفاض المياه في أنهار القارة وبحيراتها إلى مستويات قياسية

 عادت إلى الأذهان مع عودة ظهور ما يطلق عليها اسم "أحجار الجوع" على طول نهر الراين، وهي صخور في مجرى الأنهار لا يمكن رؤيتها إلا عندما تكون مستويات المياه منخفضة للغاية.

وحجر الجو ع نوع من معلم هيدرولوجي شائع في أوروبا الوسطى. وتعتبر أحجار الجوع بمثابة نصب تذكارية وتحذيرات للمجاعة، وقد أقيمت في ألمانيا وفي المستوطنات العرقية الألمانية في جميع أنحاء أوروبا في القرنين الخامس عشر والتاسع عشر.

تاريخ أقدم نقش عُثر عليه في حوض نهر "إلبه" يعود إلى عام 1616، وهو مكتوب باللغة الألمانية  وهي: "هونجرشتاينه" (التي تُترجم حرفياً إلى "حجارة الجوع").  دمج هذه الحجارة في نهر أثناء فترات الجفاف لتحديد مستوى المياه كتحذير للأجيال القادمة بأنه سيتعين عليهم تحمل المصاعب المرتبطة بالمجاعة إذا هبطت المياء إلى هذا المستوى مرة أخرى. أحد الأمثلة الشهيرة في نهر إلبه في دتشين، جمهورية التشيك، نقشت فيه عبارات (حرفياً "إذا رأيتني، ابكي") كتحذير.

وهناك نقش على أحد الصخور الأخرى يقول: "ستزدهر الحياة مرة أخرى بمجرد اختفاء هذا الحجر". ونقش آخر: "الشخص الذي رآني ذات مرة، بكى. ومن يراني الآن سيبكي". وفي نقش ثالث مكتوب "إذا رأيت هذا الحجر مرة أخرى، فسوف تبكي. هكذا كانت المياه ضحلة في عام 1417".

ولقد واكتشف عالم الآثار الألماني هوجو أوبرماير الدائرة الحجرية في عام 1926، لكن المنطقة غُمرت في عام 1963 في مشروع تنمية ريفية أثناء حكم فرانشيسكو فرانكو. ومنذ ذلك الحين، لم تُشاهد بالكامل سوى 4 مرات فحسب.وتعرف الدائرة الحجرية رسميا باسم "دولمن أوف جوادالبيرل"

وتشير التحذيرات إلى أن الجفاف يؤثر حالياً على نحو 60% من الأراضي الأوروبية، وفقاً لـ"مرصد الجفاف الأوروبي"، في وقت شهدت الأنهار الرئيسة في ألمانيا وإنجلترا وإيطاليا انخفاضاً لافتاً في مستوى مياهها.وفي إسبانيا، التي عانت أسوأ موجة جفاف منذ عقود، 

بالإضافة إلى ما تقدم، انخفض نهر الدانوب، أحد الأنهار الكبيرة الأخرى في أوروبا، إلى أحد أدنى مستوياته منذ ما يقرب من قرن نتيجة للجفاف، ما كشف عن هياكل أكثر من 20 سفينة حربية ألمانية غرقت خلال الحرب العالمية الثانية بالقرب من ميناء براهوفو الصربي.

إلى ذلك، أعلنت إيطاليا حالة الطوارئ في المناطق المحيطة بنهر بو. وفي أواخر يوليو تم اكتشاف قنبلة ترجع للحرب العالمية الثانية تزن 450 كيلوغراماً مغمورة في المياه المنخفضة لأطول نهر في البلاد.

تجدر الإشارة إلى أن ظاهرة الجفاف، أصبحت في السنوات الأخيرة، واحدة من أبرز علامات تغير المناخ في وسط أوروبا.

ووفقاً لدراسة أجراها فريق من علماء الآثار في جمهورية التشيك في عام 2013، يُمكن قراءة السنوات 1417 و1616 و1707 و1746 و1790 و1800 و1811 و1830 و1842 و1868 و1892 و1893 على الحجر.

وفي الأسابيع الأخيرة، اضطرت دول مثل فرنسا وإسبانيا إلى تقييد استهلاك المياه، علماً أن السلطات اضطرت في أجزاء من كلا البلدين، إلى قطع إمدادات المياه في ظل ظروف معينة.

وأعلنت السلطات الفرنسية في 7 أغسطس أن البلاد تواجه أسوأ موجة جفاف منذ بدء التسجيلات في عام 1958. وفي ألمانيا، أدى انخفاض منسوب نهر الراين، الذي يتدفق من جبال الألب السويسرية إلى بحر الشمال، بالفعل إلى إجبار شركات الشحن على الإبحار بكميات مخفضة من البضائع، وفقاً لوكالة رويترز.

وقال مسؤولون  إنه بسبب ضعف تدفق المياه، انخفضت  الطاقة الكهرومائية في الأراضي الأوروبية  بمقدار النصف في الشهرين الماضيين كما تعاني اوروبا بالفعل من آثار الحرب في أوكرانيا على إمدادات الطاقة.

تجربة المتاحف الخاصة بالإمارات

د. عصام فرج

استشاري علوم المتاحف ومواقع التراث العالمي

«من ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل».

"لن نعيش مئات السنين ولكن يمكن أن نبدع شيئاً يستمر لمئات السنين"

"المستقبل سيكون لمن يستطيع تخيله وتصميمه وتنفيذه، المستقبل لا يُنتظر، المستقبل يُمكن تصميمه وبناؤه اليوم"

مقدمة

قمت بزيارة العديد من المتاحف الخاصة في الإمارات سواء زيارات فعلية للمتحف أو زيارات افتراضية، وكذلك قدمنا من خلال فترة عملي السابقة كمدير لآيكو م الإمارات العديد من الفعاليات والندوات والزيارات الافتراضية في متاحف الإمارات بوجه خاص ومتاحف دولية وعربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) وكذلك وسط وجنوب افريقيا وشرق آسيا ومن أبرزها كان الاحتفالية التي استمرت مايقرب من تسع ساعات يومي 18 و19 مايو احتفالاً بيوم المتاحف العالمي2021 وغيرها من الفعاليات فيما بعد خلال العام الحالي 2022 وحتى الآن.

وقد جذبني لأعداد هذا المقال عاملان رئيسان:

أولاهما النشاط المائز والمجهود الملفت شديد الاحترافية من أسرة مجلة كاسل الحضارة ومجتمع المتاحف والتراث فيها

وثانيهما هو ثاني اثنين إذ هما في فؤادي: عشقي للتراث الإنساني بشكل عام وتراثنا العربي على وجه الخصوص.

ومن خلال هذه الزيارات والفاعليات أثار فضولي وشغفي الرؤية والشغف الموحدين لأصحاب ومؤسسي المتاحف الخاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة

وهذا الشغف الموحد تمثل في إبراز الجميع بلا استثناء السبب الأوحد الذي دفعهم لإنشاء متاحفهم والعمل على استثمار أعمارهم وأموالهم ومدخراتهم في مجموعاتهم  ومتاحفهم الخاصة  ألا وهو:

علمنا زايد:

"من ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل»..

مقولة ذكرها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قبل عشرات السنين ليخلدها التاريخ، وتصبح نبراساً يضيء درب الكثيرين في حفظ تاريخ وتراث الأجداد عبر أساليب ووسائل متنوعة، لعلّ من أبرزها المتاحف.

فما من أحد بدأ معي الحديث عن متحفه وشغفه الفطري أحيانا والموروث والمكتسب أحيانا أخرى إلا وقال لي هذه المقولة الذهبية، والتي اعتنقها أنا شخصيا منذ نعومة أظافري

فكنت دوما أقول: " أن التراث هو جذر سدرة المستقبل ورعايتنا للتراث بمثابة الاهتمام بها حتى تثمر لأجيالنا ثماراً بعصير هويتنا وطعم أصالة تاريخنا"

فإن المتاحف هي خازن أسرار الماضي، والقائمين عليها هم حماة التراث

وكانت هي نتاج الرؤية المستقبلية والبصيرة النافذة للشيخ زايد، طيب الله ثراه، والذي كان من أولوياته الاهتمام بتراث وتاريخ الدولة، ولذلك من الطبيعي أن يقوم بإنشاء المتاحف بمختلف أشكالها لأنها الحامي الحقيقي للتراث وأفضل وسيلة لحفظه عبر الزمن.

وذلك الاهتمام الذي بدأ في خمسينيات القرن الماضي، تجسد في حملات للتنقيب عن الآثار مع فريق دنماركي في جزيرة أم النار، حيث رافقهم بنفسه خالد الذكر الشيخ زايد رحمه الله في جولات تنقيبية في أماكن أخرى عديدة بمدينة العين وغيرها، حيث امتلك زايد رؤية بعيدة في هذا المجال عمل على تطبيقها حين تولى الحكم في إمارة أبو ظبي عام 1966، وعمل على إظهار جذور الإنسان الإماراتي الممتدة على هذه الأرض منذ قرون بعيدة.

فقد كانت كلمة الشيخ زايد بمثابة المنهاج والنبراس الذي سار عليه الجميع في جهودهم لحفظ التراث عبر المتاحف وغيرها من الأساليب

وقد كانت زيارته لمتحف اللوفر في فرنسا في سبعينيات القرن الماضي، النواة الحقيقة وحجر الأساس لإنشاء متحف اللوفر أبو ظبي.

ومن حب ووعشق الشيخ زايد واهتمامه بالتراث ، ولفرط محبة شعب الإمارات خصوصا لذلك الرجل القريب من القلب ذو الأصالة البدوية والجذور الممتدة بوصال المحبة لدي كل العرب  انتقل حب التراث والحفاظ عليه لدي كل مواطن بالدولة وأخذوا يتسابقون فيما بينهم في جمع واقتناء الخيرات ليس فقط من الإمارات ولا حتى الخليج إنما أيضاً من العالم العربي والإسلامي وكذلك العالم أجمع.

فأصبحت المتاحف  الخاصة بالإمارات شاهداً على العصر وخزانة لتاريخ البشرية بوجه عام والإمارات على وجه الخصوص.

وقد كان

فقد بلورت الكلمات "الزايدية" نهجاً لدى كل إماراتي في حب ماضيه والاعتزاز به، وربط في قلوبهم المستقبل بالماضي والحاضر

فكانت الانطلاقة  لإنشاء مجموعة من المتاحف الخاصة ، والتي أعتبرها شخصياً ظاهرة تستحق الدراسة بعمق ومزيد من البحث حيث قلما أن تنتشر بهذا الشكل بين شعوب العالم، حرصاً من أبناء زايد على ما تركه الأجداد.

إن المتاحف الخاصة في الإمارات قصة لا تزال تروي فصولها من جيل إلى آخر ولا تزال تسرد وتخط المزيد والمزيد من الفصول في ملحمة ثقافية تحتفي بتراث الأجداد فهي عنوان أصيل لمشروع إحياء التراث يبحث أصحابها في أغوار الحياة، عن كل نادر وثمين.

إن أصحاب هذه المتاحف أصحاب قلوب متعلقة بالتراث والأصالة، بذلوا جهودا كبيرة ليوثقوا كل ما استطاعوا الحصول عليه من مقتنيات ووثائق تجمع في بوتقة ثقافية كلا من التراث المادي واللامادي ليس فقط بالإمارات إنما بالعالم، ومن خلال جهود فردية واستثمار لأعمارهم ومدخراتهم

نماذج لتجارب المتاحف الخاصة بالإمارات:

تجربة سعادة أحمد عبيد المنصوري

لقد تنوعت المتاحف الخاصة بالإمارات من المقتنيات التي تعبر عن ثقافة التسامح الراسخة في قلوب الإماراتيين وتقبلهم للاختلاف وتعايشهم مع الآخر والتي تمثلت بجلاء واحترافية وحيادية مطلقة في مجموعة متاحف سعادة أحمد المنصوري (متحف معبر الحضارات – متحف الأسلحة – ومتحف المخطوطات والكتب القديمة) والذي سوف يتحدث عنهم وعن تجربته في محاضرته الخاصة إنما الشاهد نقول أن هذه المتاحف الثلاث أبرزت الشغف الخاص والأصيل لعشق التراث لدي المنصوري وأظهرت شجاعته في إبراز ثقافة التسامح والتعايش سبيلاً للسلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)  وفي العديد من الحوارات واللقاءات مع مؤسس هذه المتاحف المائزة ظهر لي ثقافته الشاملة وأخلاقه الدمثة والعديد من الصفات التي تعد بالفعل تجسيدا لأخلاقيات المتاحف خاصة وأخلاقيات الحياة النبيلة بوجه عام.

وذلك قد أبرزه المنصوري من خلال رؤيته الفريدة لمتاحفه:

"جمع الشعوب معاً من خلال إبراز العلاقات التاريخية الإيجابية"

وهو يسعى جاهدا من خلال متاحفه والفاعليات الخاصة به لإبراز وتحقيق هذه الرؤية.

وتتجلى مهمته المتحفية من خلال مهمة المتحف التي لخص فيها فلسفاته وخبراته وشغفه بإحلال السلام متخذاً عشقه للتراث سبيلاً لتحقيق ذلك:

"وإذ نؤكد على أهمية القيم العالمية مثل التسامح والاحترام، من خلال إظهار الأدوار الأساسية التي تؤديها هذه القيم في ازدهار البشرية وتقدمها."

والجدير بالذكر أن المتحف يحتوي على النوادر والدرر التي لم أجدها بغيرها من المتاحف الخاصة، حيث أنه يمتلك في ثنايا متاحفه   10آلاف وثيقة تاريخية ومخطوطة ونحو 8 آلاف صورة قديمة و 1500 قطعة فنية ونحو 6000 عملة معدنية تاريخية إضافة إلى العديد من القطع والمقتنيات التي تمثل تمازجاً حضارياً بين الشعوب، وقطع تعود إلى ما قبل الميلاد، وأسلحة قديمة وعملات ومواد فنية قيمة، حيث يؤكد أنه حين يقتني قطعة فهو يهدف من ذلك المساهمة في المحافظة على الإرث الإنساني ومن ثم الاحتفاء بميراث وطنه العريق.

هي تجربة من تجارب إنشاء المتاحف الخاصة بالإمارات إن وقفنا عندها برهة لاستفدنا وتعلمنا منهجيات إنشاء متحف متكامل وفنون الإدارة والقيادة الإبداعية والاستراتيجية بعالم المتاحف والتي ستكون حالة دراسية ضمن دورة القيادة الإبداعية للمتاحف التي نقدمها لمجتمع المتاحف العربي والعالمي باللغة العربية في القريب العاجل

تجربة متحف معالي الدكتور عبيد الكتبي

وينتقل هذا التنوع الفريد للمتاحف الخاصة في الإمارات إلى نوع جديد وفريد من المتاحف التي أطلقت عليها مصطلح "متاحف الإرث الشخصي “ Private Legacy Museums” 

والتي تعبر عن شخصية صاحبها وتاريخه وفلسفته الخاصة بالحياة مثلما في متحف سعادة الدكتور عبيد الكتبي والذي أطلق عليه بفخر منقطع النظير متحف 1185 وهو رقمه العسكري الذي يحمله وساما على صدره  والذي قال عن متحفه:

"تظهر هذه المقتنيات رحلة إنجازات شخصية للفرد نتيجة دعم دولة الإمارات العربية المتحدة واستثمارها في مواطنيها"

ويحدد رؤيته الخاصة في هذا المتحف في كلمات عبرت عن صدق رسالته وفلسفته:

"إلهام الأشخاص لتحقيق النجاحات المستمرة في الحياة المهنية والتعليم و الصحة و نمط الحياة. وتعزيز ثقافة القوة والانضباط والإخلاص للواجب والإيمان."

وأبرز مهمته الحياتية من خلال مهمة متحف 1185 :

"المشاركة بالمعرفة والمعلومات و تحفيز و تشجيع و تثقيف الشباب و الآخرين من خلال الدروس المستفادة في الحياة"

 ولم يكتف بذلك بل عبر وأفصح عن غايته الأصيلة من إنشاء متحف 1185 :

"المقتنيات الشخصية هي أصول ثقافية مذهلة وقادرة على تثقيف العقول. وتظهر مكاسب الفرد على المستوى الشخصي وتعرض هذه المجموعة مقتنيات تعليمية ملهمة ومثيرة للفكر  و عند التفكير في المقتنيات المعروضة لدينا ستجد فيها القصص العريقة التي يرويها كل عنصر وما يمكننا تعلمه منها"

وحينما ذكرت له نبذة عن أخلاقيات العمل المتحفي وأخلاقيات الاقتناء حيث أن معظم هذه القطع قد أهديت له بحكم مناصبه التي تولاه ممثلا لدولة الإمارات قال لي في شغف ودون تردد:

(أنت ومالك لأبيك) قد بينت ذلك في  تقديمي للمتحف :

("تظهر هذه المقتنيات رحلة إنجازات شخصية للفرد نتيجة دعم دولة الإمارات العربية المتحدة واستثمارها في مواطنيها")

في واحدة من التجارب التي تعبر عن انتماء الفرد للأمة واخلاصه الفريد لها.

تجربة تستحق الوقوف عندها طويلاً لنتعلم منها مباديء التفاني والإخلاص وفطرية استشراف المستقبل.

تجربة السيدة شيخة النعيمي "أم صقر"

إن متحف شيخة النعيمي الملقبة «بأم صقر» في رأس الخيمة يأخذ طابعه الخاص لكونها منذ نحو ثلاثين عاماً وهي تجمع كل ما يؤرخ للوطن ويرسم صورة صادقة عن حياة الأجداد ولها إصدار يحمل عنواناً شفيفاً «حكايات الماضي تلتحم بقلبي» وهو كتاب يتناول تفاصيل كثيرة من الحياة القديمة للآباء والأجداد في حلهم وترحالهم وطريقة بناء بيوتهم ومجالسهم وكل ما يتعلق بهم في كثير من أمور المعيشة، وتشير "أم صقر" إلى أنها أطلقت على متحفها الشخصي «الرواق التراثي لأم صقر» وهو يحتوي على فخاريات نادرة متعددة الأشكال والأغراض يرجع تاريخها إلى نحو 100 عام

تجربة السيدة فاطمة أحمد عبيد المغني

متحف خاص بمنطقة خورفكان توضح فيه تجربتها مع جمع المقتنيات القديمة منذ أن أودعها جدها وهي طفلة بندقيته قبل أن يفارق الحياة بساعات فشكل عظم الأمانة دافعا لديها للاهتمام بكل مقتنيات وآثار الأجداد وصار المتحف لها ملاذها الروحي وبساطها الطائر الذي تعرض عبره التراث الوطني في مختلف المحافل والمهرجانات ولدى مختلف الدول والشعوب.

تجربة ثرية لسعادة عبد الله راشد الكعبي

الذي فتح جزءاً كبيراً من بيته للزوار في العين وتحديداً في منطقة نعمة من أجل الإطلاع على مقتنياته التراثية الغزيرة، مهتم جداً بكل ما يحافظ على تاريخ وهوية الدولة وكل ما من شأنه أن يوثق لمرحلة عمرية معينة، مؤكداً أنه يحرص على التجول في الأسواق وبيوت الأصدقاء والأقارب بحثاً عن أي قطعة تؤرخ للوطن والأحداث التي مر بها في فترات سابقة. ويذكر الكعبي أنه سعيد بتجربته الثرية في مجال جمع المقتنيات، ومن ثم السفر إلى الخارج من أجل البحث عن مقتنيات تخص مرحلة تاريخية من حياة الأجداد لشرائها مبيناً أنه حين يصدر قانون ينظم العلاقة بين المتاحف الخاصة ومؤسسات الدولة المهنية بالتراث والآثار فسيبادر إلى تسجيل ما لديه من مقتنيات نادرة.

تجربة سعادة الدكتورة رفيعة غباش «متحف المرأة - بيت البنات»

إن تجربة هذا المتحف خصوصاً تعد تجربة خاصة لي ولا أبالغ إن قلت إنه ستكون تجربة خاصة كذلك لكل من يزور هذا المتحف شريطة أن تكون الدكتورة رفيعة بنفسها هي التي تشرح وتقود الزيارة. في حالة خاصة من العبور والسفر في الزمن تأخذنا رفيعة غباش في رحلة ماتعة ليس فقط في متحفها إنما في ذاتها التي هي أعتبرها مجمع تاريخ المرأة الإماراتية فلا يكفي أن تزور المتحف وحدك – قطعا ستستمع – إنما في سردها ونبرة صوتها التي تفيض بالصدق وكبرياء المرأة العربية وشموخها وأصالتها ستجد متاعاً اخر، حيث تؤكد أن فكرة المتحف «نمت من إحساسٍ كبر معي وظل يرافقني كلما قمت بزيارة منطقة سوق الذهب، التي ترعرعت ونشأت فيها، تجسد بوضوح في ضرورة إنشاء مشروع يعيد الحياة لهذه المنطقة، حتى جاءت فكرة المتحف»، وأوضحت غباش أن المتحف الذي كان لجهود صديقتها وزيرة الثقافة البحرينية، الشيخة مي آل خليفة، الحثيثة في حفظ التراث، تأثير معنوي كبير في تأسيسه، بني بمبدأ «التجربة والخطأ بمعاونة مجموعة من الأهل والأصدقاء لا على أيدي متخصصين في تأسيس المتاحف». ونوهت بـ«التعاون السخي لأفراد المجتمع الإماراتي، وفي مقدمته مجموعة واسعة من المواطنات اللاتي لم يترددن في تزويد المتحف بمقتنياتهن النفيسة، التي أثرت معروضاته النسائية المنوعة". وفي لقاء خاص معها وجدتني أقول بشغف وصدق بائنين: "هؤلاء النسوة لست أنت من اخترتهن إنما هن اللائي اخترنك ليكونن ركيزة أصيلة لمتحف المرأة"

والمثير للتقدير أن المتحف قد لعب، رغم عمره الزمني القصير، أدوراً كبيرة، لعل أبرزها «التأثير الإيجابي في المنطقة المكتظة بالمحال التي لم يكن يعيرها أصحابها الاهتمام، وتحويل التراث إلى فن راقٍ بصور مختلفة كالتشكيل، هذا إلى جانب تبديد الصورة النمطية غير المحقة عن المرأة الإماراتية وإبراز الإبداع الفكري لها».

وتذكر دكتورة رفيعة أن إقامتها في البحرين على مدار 8 سنوات ومتابعتها لمشروعات الشيخة مي ألهمها لتحقيق الفكرة التي كانت تراودها على مدى سنوات"

تجربة متحف التربة

يعود تاريخ المتحف إلى 19 مايو 2010 عندما أوصى كبير علماء التربة في إكبا الدكتور شبير شاهد بصفته رئيس لجنة التوصيات للمؤتمر الدولي لتصنيف التربة واستصلاح الأراضي المتدهورة في البيئات القاحلة ، الذي عقد في أبو ظبي ، بتأسيسه. من متحف التربة ، الذي وافق عليه المشاركون بالإجماع. وقد تم تنظيم المؤتمر بالاشتراك بين هيئة البيئة - أبوظبي وإكبا تحت رعاية سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ، ممثل الحاكم في المنطقة الغربية بأبوظبي ، ورئيس هيئة البيئة - أبوظبي.

كما وافق مجلس إدارة إكبا على ذلك ، وتم اختيار موقع ، وبدأ العمل فيه.

في عام 2016 ، رعى صندوق أبوظبي للتنمية المتحف من خلال تقديم منحة لتبني التكنولوجيا وتحسين المعروضات الداخلية والخارجية.

تم افتتاح متحف الإمارات للتربة رسمياً في 8 ديسمبر 2016. منذ إطلاقه ، استفاد من المتحف الطلاب والباحثين والمهنيين والعلماء وعلماء البيئة وصناع القرار والسياسات ومخططي استخدام الأراضي في السعي المشترك لتحقيق التنمية الوطنية المستدامة.

خلال مرحلة تصميم المتحف، اهتم المركز بتضمين وحدات تعليمية مختلفة عن التربة تلبي حاجات ومتطلبات شريحة واسعة من الزوار من أطفال المدارس إلى طلاب الجامعات والباحثين والمهنيين وكذلك العلماء وخبراء البيئة والمتعهدين وناهيك عن خبراء تخطيط الأراضي وأصحاب الشأن وصناع السياسات. ويهدف التصميم إلى جعل المتحف مكاناً يزود طالبي المعرفة بالمعلومات المطلوبة عن التربة ويعزز الوعي بقيمتها وأهمية المحافظة عليهاللحصول على خدمات مستدامة وحماية البيئة. علاوة على ذلك، سيتم إدخال تقانات رقمية جديدة ووحدات للتعلم التفاعلي وابتكار عروض داخل المتحف لاستقطاب الزوار بطريقة تعليمية ممتعة. 

ينقسم متحف التربة،الذي يقع في المقر الرئيسي لإكبا في مدينة دبي الأكاديمية، إلى أقسام متعددة يؤدي كل منها غرضاً معيناً ويعرض تنوع المشهد الطبيعي والتربة؛ والتربة والبيئة ؛والتربة وتغير المناخ؛ التربة والتصحر.

 يشتمل موقع العرض الرئيسي على مقدمة حول مكونات وأهمية علم التربة ومبادئه وتاريخه، كما يوضح فيه ألوان التربة وبنيتها وتركيبها، إلى جانب التربة الزراعية، والأسمدة الكيماوية والعضوية،والموارد المعدنية الساحلية، وعلامات الاحتباس الحراري،فضلاً عن كيفية تشكيل التربة والصخور للمعادن والفخار.

ويعرض قسم نماذج التربة أنواع التربة الموجودة في دولة الإمارات العربية المتحدة ويظهر تمثيلاً لطبقات التربة ويقارن بينها داخل صالة مغلقة، كما يوضح في الوقت عينه ملاءمة التربة للزراعة المروية.

يمثل تعدد ألوان التربة في دولة الإمارات الألوان الطبيعية المختلفة للرمال اعتماداً على تركيبتها الفريدة الموضحة في "مطياف ألوان الرمال السبعة" الذي يلغي بدوره تصنيف كل إمارة حسب لون معين. وقد أدى الاكتشاف العالمي لتربة الأنهيدريت للمرة الأولى في دولة الإمارات إلى إدخال تصنيف التربة المحلية في النظام الأمريكي لتصنيف التربة، وكذلك شرح كيفية تشكل المعادن واستقرارها في الظروف الجافة.ويُكرس قسم الصخور والمعادن لتوضيح الخصائص الجيولوجية للصخور والمعادن المكتشفة في المناطق الجبلية من دولة الإمارات.

يوفر قسم محاكاة الكثبان الرملية للزوار الاستمتاع بتجربة حركة الرمال من خلال حركات متموجة في الصحراء لتشكيل الكثبان. أما وحدة محاكاة ترشيح المياه فتمثل عرضاً توضيحياً فريداً آخر، حيث تبين للزوار مفهوم الترشيح السريع للمياه في التربة الرملية وبالتالي الحاجة إلى تطوير خصائص التربة لتحقيق استخدام أكثر كفاءة للمياه والمغذيات.

يقدم معرض الأدوات الأساسية لاختبار التربة معرفة عملية حول الأدوات والمعدات الأساسية لاختبار التربة (اليدوية منها والرقمية) المستخدمة في اختبار التربة في مواقعها الطبيعية بما في ذلك  الحفر اللولبي والتقطيع وأخذ العينات والاختبار وغيرها.   

كما يشتمل المتحف على نظام الكتروني لمعلومات التربة في دولة الإمارات العربية المتحدة وعروض فيديو ومكتبة متخصصة في علم التربة تحوي كتباَ وخرائط مصورة متعددة ومؤلفات حول التربة في مجلس التعاون لدول الخليج العربية (البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات). وبالإضافة إلى ذلك تتوافر معلومات مفصلة تتضمن خرائط وملخصات بيانية وبوابة ولوج إلى قاعدة بيانات عن موارد المياه من خلال النظام الالكتروني لمعلومات التربة.

نظام معلومات التربة في دولة الإمارات العربية المتحدة هو تطبيق إلكتروني آمن متصل بالشبكة ومرتبط بنظام المعلومات الجغرافية، يسمح للمستخدمين بتخزين واسترجاع وعرض المعلومات المتعلقة بالتربة والبيانات المرتبطة بها من خلال واجهة عرض سهلة الاستخدام. 

تجربة نادرة ومثمرة ليس فقط للإمارات إنما للبشرية جمعاً

تجربة السيد مطر المسافري

استشهاد شقيقه الأصغر «راشد» نقطة فاصلة في تحويل هواية المواطن مطر محمد المسافري، قريته التراثية الشعبية في منطقة سهيلة برأس الخيمة إلى متحف لتوثيق انتصارات عاصفة الحزم ودور القيادة الرشيدة وأبناء القوات المسلحة البواسل الذين وهبوا أرواحهم للوقوف بجانب الشعب اليمني الشقيق.

وجد المسافري في معركة عاصفة الحزم ميداناً جديداً لخدمة وطنه بعد تقاعده من القوات المسلحة، وترصيع قريته التراثية التي بدأ جمع مقتنياتها منذ 40 عاماً، من خلال التوثيق اليومي لمعركة الشرف والدفاع عن المنطقة العربية داخل المجلدات التي ملأت أركان القرية ليخصص بعدها جناحين داخل منزل العائلة يستعرض خلالهما الزي العسكري لشقيقة الشهيد وعلم الدولة الذي توشح جثمانه الطاهر به خلال تشييع جنازته وملابسه العسكرية داخل خزانة خاصة لتنضم إلى الزي العسكري الخاص بالشهيد عبيد الشامسي.

ضيق المساحة داخل مسكن العائلة بقرية المسافري تمثل أبرز التحديات للمواطن مطر المسافري في استكمال مشروع التوثيق، مؤكداً أنه لا يمانع من تسليم كامل مقتنيات المتحف والخاصة بعاصفة الحزم لأية جهة تتولى تقديمها بشكل أفضل، بعدما بلغت أكثر من 500 برواز و20 مجلداً من الحجم الكبير، لتفتخر العائلة بتلك الجهود الوطنية كأحد الأوسمة التي تزين المنزل.

تحديات كثيرة تواجه المسافري خلال توثيق وجمع المقتنيات التي تتخطى آلاف القطع التراثية والتاريخية ودفع مقابلها مبالغ مالية طائلة إلى أن تكدست داخل خيمة القرية التراثية، حيث تدفعه هوايته إلى البحث اليومي عن المقتنيات التي يعرضها التجار والمهتمون بالتراث الإماراتي.

ومن المتاحف الخاصة التي تستحق الدعم والمساندة والتأييد متحف الدكتور أحمد الخوري حتى لا تضيع ثروة الأوطان ونخسر مجهود أعمارهم هباءًا منثورا.

فعلينا أن نعمل جاهدين لتحقيق العديد من التوصيات اللازمة لاستمرار هذه المتاحف ومن أهمها:

 صدور قانون المتاحف والذي يشمل في مظلته المتاحف الحكومية والخاصة سواءًا بسواء وهو تشريع يضمن تأهيل كافة المتاحف للمستوى العالمي المطلوب فلن نترك أحداً دون دعم لازم وهذا واجبنا.

  • صدور قانون حفظ وصيانة الآثار والمقتنيات التراثية هو في حد ذاته تشريع يسهل على الجميع عملية تسجيل الموروث الشعبي الذي بدوره يحفظ للأجيال ميراثهم الحضاري والتاريخي.
  • استمرار ودعم البحث العلمي للوقوف على أهمية وأصالة كل قطعة من مقتنيات أصحاب المتاحف الخاصة.
  • إصدارات توعوية للتعريف بالمتاحف الخاصة ودورها الفعال في حفظ تاريخ البشرية.
  • بذل مزيد من الجهد على الصعيد التوعوي لتغيير فكر وثقافة الناس حول العمل المتحفي، خاصة أن البعض مازال ينظر للمتاحف على أنها مستودعات للقطع الأثرية، وأن زيارتها لا يضيف له أو لأبنائه شيئاً
  • تعريف الزوار بماضي وتاريخ الدولة والمنطقة من خلال البرامج التفاعلية والورش التي يجب إعدادها وتنفيذها لرواد هذه المتاحف، والمعارض التي يتوجب إقامتها سواء افتراضياً أو على أرض الواقع في المدارس والجامعات والأماكن العامة، وعلى هامش المؤتمرات والفعاليات التي تستضيفها الدولة والمؤسسات.
  • استغلال التقنيات الحديثة داخل المتاحف مثل المرشد الإلكتروني متعدد اللغات، الذي من خلاله يستطيع الزائر التعرف إلى أجزاء المتحف وتاريخه، إضافة إلى ما يحتويه من مقتنيات وتقنيات الواقع المعزز
  • خروج القائمون على المتاحف للناس في أماكن تواجدهم، وإقامة معارض صغيرة تجذب الزوار وتدفعهم إلى جعل المتحف جزءاً من برنامج الترفيه .
  • أنشطة متحفية خارج جدران المتحف لجذب الزوار
  • دعم المتاحف الخاصة لإنشاء المواقع الإلكترونية، والبرامج التي يتفاعل معها الزائر والتي يمكن له من خلال الإنترنت التعرف إلى نشأة وتاريخ المتحف والأنشطة التي يقدمها وهو في مكانه .
  • التواصل مع الجهات الإدارية المختلفة لوضع نظام إداري وقانوني لترخيص وتسجيل المتاحف الخاصة حماية لها ولأصحابها وللمقتنيات ودعم جهود إنشاء جمعية أهلية لأصحاب المتاحف الخاصة ووضع نظام أساسي يضمن عملها بشكل يخدم قضية التراث في الدولة
  • استخدام علم وتقنيات "القصص" Storytelling" لسرد المعلومات الخاصة بالمتحف ومقتنياته والذي سيكون موضوع المقال القادم إن شاء الله

مسجد الطباخ

بقلم :طه رجب عبد العزيز 

عضو مبادرة حراس التراث والحضارة ومنسق المبادرة بمحافظة بني سويف

 بمجرد خروجك من محطة مترو محمد نجيب في محافظة القاهرة نري مسجداً صغيراً رائعاً  ربما لا يعرفه الكثير هو مسجد الطباخ.

وبرغم بساطة بنائه وصِغر مساحه المسجد إلا أنه يحمل من ورائه تاريخا طويلا غاية في الأهمية.

 ويعد مسجد الطباخ واحد من أقدم المساجد المملوكية ويقع فى شارع الصنافيرى بعابدين وعرف الشارع بهذا الاسم نسبة لوجود ضريح الشيخ إسماعيل الصنافيرى وكان الشارع يعرف قبل دفن الشيخ باسم شارع باب اللوق.

ويقول المقريزى" إن جامع الطباخ مسجد قديم أنشأه الأمير جمال الدين آقوش وجدده الحاج على الطباخ، وكان الأمير جمال الدين آقوش يتولى نيابة الكرك فى عهد السلطان الناصر محمد، وكان السلطان يثق به ويطمئن إليه ولذلك فإنه عندما فكر فى ترك السلطنة لبيبرس جاشنكير لم يجد غير الكرك للاعتكاف بها ومن هناك أرسل خطاب تخليه عن كرسى السلطنة.

وقام الأمير جمال الدين آقوش ببناء مجموعة من العمائر منها مستشفى بحى الصاغة، وجامع فى ميدان اللوق الذى عرف فيما بعد بجامع الطباخ، من ماله الخاص.

ونتيجة لسوء العلاقة بين السلطان محمد بن قلاون وبين الأمير جمال الدين آقوش فى آخر أيامه، وذلك نتيجة للوشايات والوقيعة التى كان يدس بها حساده مما جعل السلطان يأمر بزجه فى سجن الإسكندرية حيث توفى عام 736 هـ.

ولما تهدم مسجد الأمير آقوش جدد بناءه الحاج علي الطباخ الذي كان يعمل طباخاً لدي قصر السلطان محمد بن قلاون وقد نشأ علي الطباخ بمصر وخدم الملك الناصر محمد مدة عزلة عن السلطنه في مدينه الكرك فلما قدم الي مصر جعله خوان سلار "أي المشرف علي مائدة السلطان "وسلمة المطبخ السلطاني .

ويقص علينا المقريزى في كتابة الخطط والاثار قصة تبين مقدار ما كان يحصل عليه الطباخ من الاتعاب العينية وكيف يتصرف فيها ويفعل بها فيقول "اتفق له في عرس ابن بكتمر الساقي علي ابنة الأمير تنكز نائب الشام ؛إن السلطان الملك الناصر استدعاه آخر النهار الذي كان يعمل فيه في العرس المذكور وقال له "يا حاج علي اعمل لي الساعه أونا من طعام الفلاحين وهو خروف رميس يكون ملهوجا ،فولي الحاج علي ووجهه معبس فصاح به السلطان ويلك مالك معبس الوجه فقال :كيف ما أعبس وقد حرمتني الساعة عشرين ألف درهم نقرة "أي فضة جيدة" فسأله السلطان :كيف حرمتك؛ قال:قد تجمع عندي رءوس غنم وبقر وأكارع وكروش وأعضاء وسقط دجاج وأوز وغير ذلك مما سرقتة من العرس وأريد أن أقعد أبيعه وقد قلت لي أطبخ وقبل أن أفرغ من الطبيخ يتلف الجميع فتبسم السلطان وقال له :رح أطبخ وضمان الذي ذكر علي ،وأمر بإحضار والي القاهرة ووالي مصر فلما حضرا ألزمهما بطلب أرباب الزفر إلى القلعة وتفرقة ما ناب الطباخ من العرس عليهم واستخراج ثمنه"ويستمر المقريزى في سرد تفاصيل القصه حتي ينتهي الي الثمن الذي بيع به ما أخذه الطباخ من العرس "فيقول فللحال حضر المذكورون وبيع عليهم ذلك بمبلغ ثلاثة وعشرين الف درهم نقرة"ويعقب المقريزي علي ذلك فيقول "وهذا عرس واحد من ألوف الاعراس مع الذي كان له من المعاليم والجرايات ومنافع المطبخ"

اما عن راتبه في قصر السلطان فيذكر ابن إياس فيقول "يقال ان الحاج علي الطباخ كان يتحصل له من المطبخ السلطاني في كل يوم علي الدوام والاستمرار مبلغ "خمسمائة درهم نقرة"

واستمر علي الطباخ في خدمة أولاد الناصر محمد بعد وفاته فخدم المنصور أبا بكر والملك الأشرف والملك الناصر احمد والملك الصالح اسماعيل أما الملك الكامل شعبان فقد نقم عليه وعلي ولده احمد لكثرة الوشاية بهما فصادر أملاكه في سنة٧٤٦ هجريا وأخذ منه مالا كثيراً وهنا يقول المقريزي ومما وجد له خمس وعشرون داراً مشرفة علي النيل وغيره فغرقت حواشي "اي حاشية " الملك الكامل أملاكه فأخذت ام السلطان ملكه الذي كان علي البحر "أي النيل " وكانت داراً عظيمة جداً واخذت انقاض داره الي بالمحمودية بالقاهرة  واقيم بدلا منه طباخ اخر  بالمطبخ السلطاني وضرب ابنه أحمد .

وقد جاء في المقريزي أن علي الطباخ جدد جامع آقوش إذ لم يكن له وقف فقام بمصالحة من مالة ثم أوقف عليه أوقافا كثيرة صودرت مع باقي أملاكة

ويضيف علي مبارك في وصف الجامع القديم فيقول "وبه منبر وخطبة وله منارة وشعائر مقامة الي الغايه من جهة الديوان "أي ديوان الاوقاف"

والجامع الموجود حاليا بشارع الصنافيري أقيم مكان الجامع القديم فقد أزالت وزارة الأوقاف الجامع القديم سنه ١٣٥٠هجريا وانشأت مكانه مسجداً جديداً

وتم بناء المسجد بالطوب الأحمر وله باب رئيسي واحد يفتح على ميدان "محمد فريد"

ويتكون المسجد الحالي من شكل غير منتظم الاضلاع يتوسطه اربع دعائم كبيرة ويقوم عليها سقف خشبي منقوش بالزخارف النباتيه الجميلة ويعلو الدعائم الاربع رقبه مثمنة بها ثماني نوافذ يعلوها قبة ضحلة .

واضلاع المسجد المتعددة تحتوي علي فتحات مملوءة بالزجاج المعشق وهذه الفتحات تكون كل ثلاث منها نافذة قنديلية الشكل  وبالمسجد منبر خشبي جميل مصنوع بطريقه الحشوات المجمعة ومطعم بالصدف والعاج وبة دكة المبلغ وأخري للقارئ من الخشب الخرط الجميل .

المراجع والمصادر :

-المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار – الخطط المقريزية-الجزء الرابع .

-أولياء الله الصالحون -سعاد ماهر-الجزء الثالث .

 

رموز و أساطيرالنثرو أبناء الشمس

بقلم: الميقاتي/أحمد شوقي

قلنا في المقال السابق أن الإنسان رصد حدث الخلق فوجده يحدث بطريقة التناسل ، لذلك أدرك أن قصة الخلق من الإله إلى البشر تم تصوير تفاصيل الخلق فيها عن طريق التناسل أيضا كما في أسطورة أوزير و إيست و منهم بالتدريج وصلنا إلى البشر.

و كانت الحلقة الواصلة بين الإله الخالق و خلقه من البشر هي قصة الخلق المصرية أو ما نعرفه بأساطير الخلق و أبطالها من النثرو

و السؤال هنا ، من هم أبطال تلك الحلقة الواصلة بين الإله و البشر ؟

 من هم هؤلاء النثرو؟

الإجابة على هذا السؤال تستلزم منا في البداية معرفة فلسفة الفاعل و السبب و الفعل و النتيجة في خلق الله لخلقه ، فالله يصدر أمر الخلق و يسبب السبب لذلك ثم يحدث حدث الخلق تلقائيا فتكون النتيجة خلقا في الكون ، كيف ذلك ؟

دائما و أبدا الله هو الفاعل لكل شئ و لذلك فهو سبحانه الخالق لكل شئ و من الخالق يظهر السبب و القدرة على فعل الخلق التي ما ان يتم تفعيلها حتى يحدث حدث الخلق مباشرة ، إن ذلك الأمر مثله مثل تجربة التصنيع ، عندما يتم تصنيع أي شئ نجد امامنا أربع عناصر ، الصانع الذي يعطي الاذن و الإشارة لبدء التصنيع فتبدأ الماكينات بالعمل فيخرج المنتج للنور

الفاعل هو الصانع و السبب هو الماكينات القادرة على التصنيع و الفعل هو تفاعل مكونات التصنيع داخل الماكينة مع بعضها وفق برنامج التصنيع الذي برمجت عليه الماكينة و النتيجة هي المنتج المطلوب تصنيعه ، كذلك في الخلق ، الله هو الخالق ، روح الله هي النثرو هي قدرة الله على الخلق ، الكون و الطبيعة هم أدوات و عملية التصنيع ، و أخيرا البشر هم نتيجة ذلك الخلق

لذلك نجد في قصة الخلق المصرية أن الإله لم يخلق البشر مباشرة و لكنه سبحانه خلق النثرو الذين هم بدورهم انتجوا البشر من تفاعلاتهم مع بعضهم البعض ، ذلك التفاعل الذي نسميه التناسل

تلك هي فلسفة الخلق ، أما كيف عرف المصري ذلك فتلك لها قصة نقصها لكم الآن هي استكمال لقصة ذلك الإنسان الأول التام الذي عرف من موت أبيه فكرة البعث و الخلود و في هذه المرحلة من وعيه يريد أن ينظر إلى الأمام هذه المرة لا إلى الخلف

دعونا نرى كيف فكر و وعى فكرة النثرو.

يعلم الإنسان الآن أن الجسد هو وعاء النفس التي هي أصل الإنسان والأصل الحقيقي لكل كائن في الدنيا ، وأن هذا الأصل في ذلك العالم الآخر وما نحن إلا أنفس ترتدي رداء الجسد عند الميلاد. فتتجلى فيه وتخلعه عند الموت ثم تبعث منه لترتدي رداءً آخر في العالم الآخر تتجلى فيه مرة أخرى في ذلك العالم الآخر وتورث جسدها السابق عن طريق نطفتها للابن من بعدها.

ولكنه مع كل ذلك يشعر شعورًا يكاد يكون يقينًا أن أباه ما زال معه في مكان ما في الأرض.

إنه يرى أباه في مسكنه الذي بناه ، في الطريق الذي مهده ، في البئر الذي حفره ، في كل فعل فعله أبوه على الأرض قبل موته ، إنه يشعر بوجود أبيه من حوله بما يراه من آثاره ، إن الأثر يدل على صاحبه حتى إن غادر صاحب الأثر الحياة ، وأبوه غادر الحياة لكنَّ آثاره موجودة تدل عليه ، إذًا فأبوه لم يترك الأرض بل أصبح فقط يتجلى فيها بأفعاله ، وهذا الأثر هو نفسه عين مفهوم التجلي.

معنى التجلي أن يظهر أثر فعل الفاعل على المفعول عليه دون الحاجة إلى ظهور الفاعل نفسه أمام المفعول عليه ويصبح أثر الفعل عين الدليل على الفاعل نفسه.

كمثال على ذلك أنت ترى نور الشمس في السماء بصرف النظر عن رؤيتك الشمس نفسها ، فالفاعل هنا هو الشمس والفعل هو إنارة الأرض والمفعول عليه هو الإنسان وتجلي فعل الشمس على الإنسان هو أن يرى الدنيا بنور الشمس حتى إن لم يراها هي ، فأصبح نور النهار هو تجلي الشمس في الكون وأثرًا لها تؤثر به على الإنسان ودليلًا على وجودها حتى إن لم تظهر هي ، ومن هنا أصبح نور الشمس هو تجلي الشمس نفسها ودليلًا عليها.

وكما تجلى أبوه بأفعاله في الدنيا فهو كذلك يتجلى في أعظم فعل فعله فيها ، إن أباه يتجلى فيه هو شخصيًّا ، فصفات الأب وحركاته وسكناته وطريقة حديثه وتعبيراته كلها تتجلى في الابن هي الأخرى.

إذًا فالفرع هو تجلي الأصل وصورة منه أو لنقل بمعنى أصح منبثق منه لأن الأب هو الأكبر والأكثر عمرًا والأكثر خلودًا، ذلك لأن كل دورات الحياة متداخلة في بعضها بعضًا وصورة من بعضها بعضًا ، الأحدث منبثق من الأقدم ، والأقدم هو الأكبر والأشمل في دورة حياته التي يحوي ويحصر داخلها دورات الحياة اللاحقة له والمنبثقة منه.

دورة حياة الكائن الحي الابن هي صورة من دورة حياة الكائن الحي الأب و تنبثق منها ودورة حياة الكائنات الحية جميعًا هي صورة من دورة حياة الطبيعة وتنبثق منها ودورة حياة الطبيعة هي صورة من دورة حياة الشمس وتنبثق منها ودورة حياة الشمس هي صورة من دورة حياة السماء وتنبثق منها ولا بدَّ  بذلك أن تكون دورة حياة السماء هي صورة من دورة حياة لكيان أكبر منها وتنبثق منها أيضًا ولكننا لم نكن ندركها ولا نعلمها في هذا التوقيت بل كنا نعلم ونرى تجليها في دورة حياة الشمس ونجوم السماء كما نرى تجلي دورة حياة النفس في أجسادنا الحية على الأرض.

ولأن الإنسان هو صورة متسلسلة من كل شيء حتى نصل إلى الإله الخالق فقد وعى الإنسان أنه صورة من ذلك الإله الخالق نفسه وتجلٍّ من تجلياته في الكون وتجسيد لها فيه وكل ما عليه هو أن يفعِّل تلك التجليات ويصل بها إلى الحد الأقصى لها من التعامل مع النفس والطبيعة والكون حتى يحقق مراده في الخلود.

تلك التجليات سماها القدماء النثرو.

نعم ، فكما تعني كلمة الوجود عند القدماء نون فإن كلمة تجلٍّ إلهي لصفة إلهية في الوجود تعني نثر وتجمع نثرو بمعنى التجليات الإلهية وعلى ذلك فإن الإله الخالق هو نثر نثرو بمعنى تجلي التجليات جميعًا مجتمعة على إطلاقها.

هذا يجعلنا لا نستطيع التحدث عن الإله الخالق ولا أن نرصده إلا من خلال تجلياته التي هي النثرو ، وطبعًا نحن لا نستطيع أن نرى تلك التجليات أو الصفات الإلهية في الوجود ولكننا نستطيع أن نرى نتيجة تفاعل تلك الصفات أو تجلياتها في الكون على هيئة ما يسمى بالقدرة الإلهية أو نثرو الكون ، وطبعًا تلك القدرة الإلهية لها صورها و تجلياتها في الكون هي الأخرى ، فصورتها في السماء حركة أجرام السماء وتسمى نثرو السماء ، وهيئتها في الأرض هي قوى الطبيعة وتسمى نثرو الطبيعة ، وأخيرًا و نتيجة تفاعل كل هؤلاء النثرو أو التجليات الإلهية يظهر في تجسيده على هيئة الكائنات الحية التي يتربع على عرشها الإنسان الذي بث الإله روحه فيه وعدَّله على صفته ، أي جعله على صورته وشاكلته التي تسعى للكمال والاقتداء بخالقها وأصلها.

إذن فالكائن البشري هو نثر متجسد في العالم المادي لكنه غير واعٍ لحقيقة قدرته وتجلي الإله فيه.

كل ذلك حتى نحاول إدراك الإله الخالق فينا بأن ندرك صفة النثرو في الوجود وقدرتها في الكون وصورتها في السماء وقوتها في الطبيعة وتجسيدها في الكائنات و هذا هو سبب ظهور أسطورة الخلق المصرية ، أن نعي مفهوم النثرو و نتواصل معه فنعي مفهوم الخالق و نتواصل معه.

و الآن ، لماذا كلمة نثر ، و لماذا وصفت التجليات الإلهية ، و كيف ربط القدماء تلك الكلمة بمعناها الذي عرفناه؟

أدرك الإنسان من البداية أن الموت والذهاب إلى العالم الآخر يجعل جسد الكائن يفقد ترابطه ويتحلل ويتفتت ويتحول إلى تراب منثور على الأرض ولأن ما يحدث في الأرض هو تجسيد لما يحدث في السماء فقد تصور أن الشمس عندما تموت ليلًا، فإنها تتفتت وتتحول إلى أنوار منثورة في السماء وسمى القدماء تلك الأنوار المنثورة باسم *سباو* بمعنى النجوم.

لذلك تصور القدماء أن الشمس هي مجموع أنوار النجوم في السماء وهي مجموع تجلياتهم باجتماع أنوار جميع النجوم فيها و هو نفس المفهوم الذي ذكرناه قبلا بأن الإله هو مجموع تجلياته و قدراته سبحانه في الوجود ، لذلك كانت الشمس على الدوام رمزا للتجلي الالهي التام و ليست للإله ذاته و أصبح كل نجم دليلًا على تجلي أو أكثر من تجليات الإله في السماء بعدما تناثرت التجليات فيها ليلًا نتيجة غروب الشمس أو موتها وتفتت جسمها حسب فهمهم ، وكل دورة حياة لكل نجم هي صورة وجزء من دورة حياة الشمس الكبرى الواحدة ومرحلة من مراحلها في المساء.

وتجسيد صورة هذا التجلي الذي يعبر عنه كل نجم أو مجموعة نجمية أصبح اسمه عند القدماء نثرًا، ومؤنثها نثرت وجمعها نثرو، ولذلك وصفت النجوم بأنها النثرو في السماء أي صور تجليات الإله فيها.

على ذلك نستطيع تعريف القول إن التعريف الحقيقي لكلمة النثرو الحقيقي هو أنهم التجسيد والتصور البشري لأشكال ومواقع كل نجم أو مجموعة نجمية في السماء لها دورة زمن واحدة مفردة أو مشتركة، والتي تشكل في مجموعها الهيئة العامة الكاملة للسماء ليلًا في غياب الشمس وبذلك تصبح تلك الهيئة العامة ذاتها هي التجلي الكامل للشمس ليلًا، أي التجلي الكامل للإله ليلًا، وبذلك يصبح الإله حاضرًا بكامل تجلياته صباحًا ومساءً، وفي كل وقت ولحظة، ولا يغيب ولا يموت ولا يفنى.

أي أن تصبح السماء صباحًا ومساءً هي صورة تجلي الإله الخالد دائمًا وأبدًا بلا موت أو فناء.

و يمكننا تعريف النثرو أيضا على إنهم التجسيد و التصور البشري لقوى الطبيعة على الارض و التي بسببها خلقت اجساد الكائنات كما بنثرو السماء خلقت انفس الكائنات فيها و بإتحاد انفس السماء و اجساد الارض ننتج الحياة

تماما كما ذكرنا في أسطورة السينت عندنا اتحدت النثرت نوت نثرت السماء بالنثر جب نثر الارض و أنجبا الطبيعة على الارض

نجد أيضا لذلك الترابط بين التجلي الكامل للشمس وصورته من التجليات المتناثرة في النجوم أثرًا في وعي القدماء نابعًا من بداية ملاحظة مفهوم الموت والتجلي، وهو أن صفات الأب وأفعاله تتجلى في أبنائه من بعده، بحيث يصبح كل ابن صاحب صفة من صفات الأب أو فعل من أفعاله، وكأنه أصبح صورة ممتدة من الأب في ذلك الفعل أو تلك الصفة فقط، وأصبح هو تجسيدًا لذلك الفعل أو تلك الصفة بالتحديد، وتتوزع صفات الأب وأفعاله على أبنائه، ويتميز كل ابن بصفته الخاصة في دورة حياته، بحيث يكون مجموع صفات الأبناء وأفعالهم هو تجلي كامل صفات الأب بعد موته امتداده فيهم، وهذا ما جعل الإنسان يؤمن بأنه عند الموت يترك كل شيء في الدنيا خلفه ولا يعود ينفعه في العالم الآخر إلا عمله في الدنيا هو الوحيد المستمر فيها، وسبب خلوده على الأرض.

كما نشأ من ذلك التقسيم والتوزيع للصفات والأفعال مفهوم الميراث وتوزيعه على الأبناء، فإذا كانت صفاته هو شخصيًا موزعة بينهم فلا يستأثر ابن واحد بكامل ميراث أبيه، وعلى ذلك فكلما حافظ الابن على ميراثه من أبيه سواء كان صفة أم فعلًا دام تجلي الأب في الأرض، وهو ذاته تطبيق مبدأ كله فاني إلا العمل يبقى.

كذلك عندما نرى كيف جسد القدماء كلمة نثر وضعوا لها صورة و علامة الراية المتحركة، إن الراية ما هي إلا قطعة قماش معلقة على قائم و طالما لا يوجد هواء نجد القطعة مدلاه على القائم و إذا تحرك الهواء وحركت قطعة القماش و سميناها هنا راية

 

 

هذه الراية هي دليل في حد ذاتها على وجود الهواء و على حركته أي ان الراية هي تجلى وجود الهواء الذي هو أنفاس الحياة و تجلي فكرة الحركة ذاتها التي هي سبب ظهور الحياة من الأساس.

ذلك يعني ان رمز الراية المتحركة يعني التعبير عن تلك القدرة الخفية التي بحركتها تدب الحياة إلى الكون و هو نفسه المعنى الحقيقي لكلمة نثر

ويجب أن ننتبه هنا جيدًا إلى أننا في الحضارة المصرية لا نتحدث عن خلود الفرد البشري على الأرض بأن يصبح حيًّا بلا موت على الإطلاق، ولكننا نتحدث عن خلود من أنواع أخرى مثل خلود نفس ووعي الإنسان بعد خروجه من الأرض أو موته فيها بمعنى أصح بحيث يصبح الموت الأرضي هو موت جسد لا موت نفس و وعي، وخلود الإنسان هو خلود النفس والوعي، وأيضًا نتحدث هنا عن خلود الجنس البشري على الأرض ما دامت الأرض صالحة للحياة، لأن خلود الأرض من خلود البشر وخلود البشر من خلود الإنسان الفرد، ولذلك لا بدَّ من الحفاظ على طبيعة الأرض قدر الإمكان والحفاظ على حياة الجنس البشري كامل ومحاولة الحفاظ على البشر نفسهم كأفراد أطول مدة ممكنة، وهو ما يلزمنا بدراسة الطاقة الحيوية للأرض والجنس البشري والإنسان الفرد، ومعرفة محطات تقلباتها التي هي ذاتها محطات دورات الحياة.

أو ما يسمى حاليا بالاستدامة

الميلاد، التجلي، الموت، البعث، والنجوم هي علاماتنا في الحياة على معرفة ودراسة تلك علوم الاستدامة ومواقيتها ومحطاتها طبيعيًّا وحضاريًّا وإنسانيًّا سيجعلنا نصل إلى الخلود.

إلى الإله.

لاحقا سوف ننطلق من هنا إلى معرفة كيف ظهر النثر حور أول الخلق على الارض من نتاج تزاوج الروح الإلهية و الطبيعة الحاوية لها لينتج الإنسان الأول فيما نعرفه بإسم مشهور جدا في العقائد الدينية الحالية.

أسطورة الثالوث

و في هذا مقال آخر

تحريرا في يوم/

الخميس 19/02/01/6264 كمتية

الموافق 15/09/2022 ميلادية

الميقاتي

أحمدشوقي

تنويه : الملكية الفكرية والمسئولية القانونية تعود لكاتب المقال

مع الدكتورة سحر السيد عبد العزيز سالم

سيرة ومسيرة وذكريات عن والدها الدكتور السيد عبد العزيز سالم

                 بقلم/أبو الحسن الجمال- كاتب ومؤرخ مصري 

   عرفت الدكتورة سحر السيد عبد العزيز سالم، أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية في كلية الآداب جامعة الإسكندرية قبل أكثر من عشرين عاما، وذلك من خلال كتبها التي كنت أحرص شرائها من معرض القاهرة الدولي للكتاب كل عام، إضافة إلى أنني اقتنيت كتب والدها، الذي أعجبت به منذ بدأت رحلتي مع القراءة، وكذلكأعمال أعلام مؤرخي جامعة الإسكندرية في كل التخصصات، واتصلت بها منذ عشر سنوات لأخذ منها بعض التفاصيل عن حياة والدها الأستاذ الدكتور السيد عبد العزيز سالم، ذلك الرائد الكبير الذي تخطت شهرته الآفاق، وهو من الشهرة بمكان، ثم رأيتها أول مرة وجه لوجه في مؤتمر الحضارة الإسلامية الذي عقد بمكتبة الإسكندرية في منتصف نوفمبر سنة 2016، يومها رحبت بي أيما ترحيب، وأهدتني مؤلفاتها ومؤلفات والدها، وقصت لي طرفاً من حياتها وحياة الوالد، والتقيتها أيضاً عدة مرات خلال زيارتي المتعددة لمدينة الإسكندرية وآخرها في الندوة التي أقيمت على هامش مؤتمر الإسكندرية الدولي للكتاب في بداية يوليو الماضي بمناسبة صدور كتابها الجديد "تغريدات تاريخية من العصر الإسلامي"، وقررت أن أجرى معها هذا الحوار الذي تأجل لسنوات، وفيها فتحت لنا الدكتورة سحر صندوق الذكريات وانسالت في سردها كالشلال الهادر، فتحدثت عن نشأتها وعن أسرتها وعن والدها البروفسير السيد عبد العزيز سالم، وعن الدوافع التي جعلتها تلتحق بمجال التاريخ الإسلامي لتكمل رسالة الوالد، وعن ذكرياتها مع أساتذتها في مصر والعالم، ومنجزها في الدراسات التاريخية، وعن حبها الشديد لمصر الذي ملك عليها نفسها، وعن كتابها الأخير التغريدات، وختمنا هذا الحوار بالحديث عن مدرسة التاريخ في جامعة الإسكندرية..

*حديثنا عن النشأة وكيف كان لها الأثر في حياتك العلمية فيما بعد؟

- ولدت في مدينة الإسكندرية  29-10-1961، وكما تعلم أننيالابنة الوحيدة للدكتور السيد عبد العزيز سالم، وأسرة الدي كانت تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، ينتمي والدي إلى الدرجة الوسطى، والده كان موظفاً حكومياً في وزارة المالية، وأصل العائلة من أبو كبير بمديرية الشرقية، وقد انتقل الجد الأعلى لوالدي إلى تلا بمديرية المنوفية، كان جدي لأبي له شغف بالطرق الصوفية، ولم يكن فرداً صوفياً عادياً، وإنما كان شيخ طريقة، وقد أخذ والدي عليه العهد وهو في الرابعة عشر من عمره وأن يستكمل المسيرة من بعده، وقد توفي جدي ووالدي كان في البعثة، ولما عاد لم يستكمل المسيرة وانشغل بالبحث العلمي، وقد كان هذا يحز في والدي، ويشعر بالذنب تجاهه، ويقول: "أنا لم أنفذ وصية الوالد، ولم أكمل المسيرة في الطرق الصوفية من بعده". وقد أثرت النزعة الصوفية في والدي كثيراً.. وقد تأثرت به نوعاً ما.. وذلك في البعد عن الصراعات، وحب المناصب وحب المال، ولا نسعى إلى المناصب إلا إذا سعت إلينا، ونأتي في سن معين، ونميل إلى العزلة.. ونحن كأسرة نأتي في سن معينة ونميل إلى العزلة، وبعد زواج جدي انتقل إلى الإسكندرية،  وقد تأثرت بجدي رغم أنني لم أره، وكان والدي نتاج هذه البيئة التي أثرت فيه كثيراً..

   أما بالنسبة لأسرة والدتي، فهي كانت من الطبقة المتوسطةأيضاً ولكن العليا منها، وتنحدر من أسرة أرستقراطية هي أسرة "الملا"، وهي أسرة قدمت مع الوالي محمد علي باشا في بدايات حكمه لمصر عام 1805، وكلمة الملا محرفة من الكلمة العربية "مولاي"، وتطلق على الشيوخ وكذلك على الزهاد والصوفية، وكانوا على شيء من الثروة والجاه، وجدتي لأمي كانت متعلمة، وكذلك أخوالي تعلموا على نفقاتهم وحصلوا على أعلى الدرجات العلمية من أمريكا، وخالتي الأكبر سنا من والدتي مباشرة كانت زميلة لوالدي في تخصص الآثار الإسلامية، وحصلت على الماجستير بإشراف الدكتور محمد عبد العزيز مرزوق، أما والدتي فدرست الفلسفة وحصلت على الماجستير بإشراف الدكتورزكي نجيب محمود، ورغم مكانة أسرتي لوالدتي إلا أن نزعة الزهد والتصوف كانت سائدة لديهم.

سنوات في لبنان:

    وتوصل الدكتورة سحر سرد ذكرياتها : في عام 1961 انتقل والدي للعمل في لبنان كمؤسس لقسم التاريخ في جامعة بيروت العربية، وكانت والدتي لا تزال في مدينة الإسكندرية، وكانت في شهور حملها الأخيرة، وبعد أيام جئت إلى الدنيا، وأمضينا في الإسكندرية ثلاثين يوماً، ثم التحقنا به في بيروت.

    إذن كانت نشأتي في لبنان وهذه نقطة مهمة جداً.. فلبنان بلد معروف بأنه ملتقى الثقافات، ويجمع بين ثقافة الشرق والغرب، والحقيقة أن والدي لم يبخل عليّ في التعليم، وكانت هناك في بيروت مدارس مجانية كثيرة، وكان معظم الأساتذة المصريين يلحقون أولادهم بها، ولكنه رفض وألحقني بمدرسة خاصة تحمل هذا الفكر وهذه الفلسفة بالصورة التي أرادها والدي، ولما كبرت أحببتها وأردت أيضاً أن أكون عليها بملء إرادتي، هذا الاتجاه يعجبني جداً، وأنا مقتنعة به، مدرسة كانت تجمع بين الأصالة والمعاصرة.. كان فيها مدرسون أجانب.. كنت أدرس اللغات الإنجليزية والفرنسية على أيدي أساتذة من هذه الجنسيات.. وكانت تدرس لي الحساب مدرسة صارت إعلامية كبيرة فيما بعد هي الأستاذة سعاد القاروط العشي، وفي نفس الوقت كان يدرس لنا القرأن شيخاً جميلاً .. لأن والدي أراد أن أجمع بين الثقافة العصرية والثقافة الدينية، هذا مكنني أن أتكلم العربية بطلاقة من قرآتي للقرآن الكريم.. وأيامي في لبنان جميلة، وقد أثرت في شخصيتي تاثيراً كبيراً.

الدكتور السيد سالم مستشاراً ثقافيا في إسبانيا:

    وبعد مرحلة لبنان تولى والدي منصب مستشار مصر الثقافي ومدير المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد، ومكث هناك ثلاث سنوات، ومكثنا معه فترة وتعلمت اللغة الإسبانية والتحقت بمدرسة الألسن، وأخذت كورسات مضغوطة ومكثفة، والتقيت بكل زوجات الدبلوماسيين في هذه السن المبكرة حيث كنت أبلغ من العمر ستة عشر عاماً. وقد أثّر هذا في شخصيتي في الملبس والمظهر والمأكل وتعلمت فن (الأتكيت)، وقد ساهم كل هذا وذاك في صقل شخصيتي.. كان الوالد يصطحبني معه إلى الحفلات وإلى بيت السفراء والوزراء المفوضين، وتعلمت كثيراً من هذا الجو الدبلوماسي، وتشربت سلوكه وطقوسه. وهناك أحضر لي أبي مدرسة خصوصية لتعليم اللغة الإسبانية، وكانت فنانة رسامة، واشترط عليها أن تأخذني معها إلى زيارة المتاحف والمعارض الفنية، وتعلمت منها الرسم.. وقد أنفق والدي أموالاً طائلة في تربيتي، وقد صاحبته في زيارة دول أوروبا كلها وإلى المغرب، وكان يقول: "ليس من الأهمية بمكان أن أترك لك أموالاً.. المهم أترك لك ثقافة). وفي مكتبة المعهد المصري كانت المكتبة رهن أمري، وتولاني بالرعاية الدكتور أسعد شريف أستاذ اللغة الإسبانية، والملحق الثقافي بالسفارة، وفي هذه السن كنت أطلع على كتب الفكر العالمي في التاريخ والفلسفة والأدب، مثل كتاب "العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو، وفي هذه الفترة ظهرت نتيجة الثانوية العامة، وأخبروني أنني حصلت على تقدير 94% وفي المركز الثاني على مستوى الجمهورية في الشعبة الأدبية.

*هل عاشت سحر سالم في جلباب أبيها الدكتور سالم؟

- العبارة مطاطة جداً.. ما المقصود بجلباب الأب؟.. أن يكون الابن عالة على أبيه، ولا شخصية له.. وأن يكون مجرد ابن لهذه الشخصية العظيمة، ويسير في الركاب، ومن الممكن أن يأتى باسم الأب إلى الحضيض.. هل هذا المقصود أم المقصود بجلباب الأب ستر الأب؟. أن يعيش الابن في ستر أبيه، يخاف على اسمه العظيم، وعلى القيم والأخلاق.. طبعاً يشرف أي ابن أن يعيش في جلباب أبيه، وإذا كان من هذا المنطلق- طبعاً أن أعيش في جلباب أبي.. لأن اسم أبي يشرف بلاد وبلاد وجواز مرور لأي إنسان.. لست أنا فقط ولكن تلامذته أيضاً.

     كان والدي يرفض أن أكون صورة منه، وكان يقول أن "الصورة تبقى باهتة.. أنا أريدك سحر وكفى، وأول مؤتمر دعيت إليه كان إلى العراق، ذهبت معه، وكان عمري وقتها 27 عاماً، وبعد ذلك جاءتني دعوة أيضاً من وفد تونسي كان ذاهباً إلى العراق، ولم يوجهوا دعوة لوالدي، وقلت له: لن أذهب إلا معك، وأذكر أنه تشاجر معي، وصرخ في قائلاً: "لن أعيش لك العمر كله.. أذهبي وأنا واثق فيك وفي حسن تصرفك.. ويجب أن تتعلمي أن تواجهي الناس بمفردك، وتبقى لك شخصية مستقلة". ذهبت بمفردي هذه المرة ومرات أخرى بعد ذلك.

   وقد أصيب الوالد بالمرض وأنا في سن العشرين، وظل يعالج وذهب إلى لندن. وأذكر أنه كان في خصام مع أستاذ في قسم آخر بالكلية، وذات يوم كنا عائدين -أنا ووالدي- إلى البيت، وقابلنا هذا الأستاذ وتظاهرت بعدم رؤيته تضامناً مع والدي، ولما وصلنا إلى البيت، غضب مني وأعطاني دروس، وقال لي: "أنا في خصام معه. ما لك أنت وهذا الخصام؟.. هذا الأستاذ في عمر والدك.. من الغد تذهبين إليه وتحييه .. أنت شخصية وأنا شخصية".

   طبعاً أنت تعرف أن هناك بعض الأساتذة يضعون الأقلام بعد الترقية إلى الأستاذية، وقد حصلت على الأستاذية عام 1998، وبعد حوالي ربع قرن أخرجت كماً من الأبحاث جُمعت في كتب أخرها كتاب "تغريدات تاريخية"..

حضرتك تعرف أن كل من يزور مصر من أساتذة التاريخ من الشام والعراق والسعودية ودول الخليج والمغرب والجزائر يأتون خصيصاً إلى قسم التاريخ بآداب الإسكندرية للسؤال عن دكتورة سحر سالم، ولي تلاميذ كثر من هذه البلاد.

*الدوافع التي جعلتك تلجين مجال التاريخ الإسلامي وتاريخ المغرب والأندلس على وجه الخصوص؟

- كنت متفوقة طوال سنوات الدراسة في كل المراحل التعليمية، كنت أحصل على الدرجات النهائية في الرياضيات وفي العلوم، وأيضاً في التاريخ والجغرافيا، وعمري ما تصورت أن التحق بقسم التاريخ أو الشعبة الأدبية على الإطلاق، وكنت أريد التحاق بالقسم العلمي بعد السنة الأولى، ولكن كانت هناك رغبة دفينة لدى والدي أن أتخصص في نفس تخصصه، وكان يشجعني على المطالعة في مكتبته العظيمة التي نهبت بعد ثورة يناير سنة 2011، كان يريد مني أن أستفيد من علمه ومن مكتبته، واستخدم معي الترغيب والتشجيع، وأخذني معه في صيف عام 1976 في رحلة اعدتها كلية الآداب إلى إسبانيا لمدة أسبوعين، وكان معنا الدكتور مصطفى العبادي، وعميد الكلية الدكتور أحمد أبوزيد، والدكتور محمد زكي العشماوي نائب رئيس الجامعة، والدكتور سيد مصطفى غازي أستاذ الأدب الأندلسي، وكانت هناك فرصة للطواف في كل أرجاء إسبانيا، وخصوصاً الجنوب الأندلسي الذي يوجد به الآثار الإسلامية وكان والدي يقوم بالشرح لأنه متخصص، فقام بشرح كل أثر وتاريخ بنائه والعصر الذي ينتمي إليه. وكان الشرح ساحراً، وقد عمل لي غسيل مخ، مع روعة الطبيعة وروعة الآثار، مسجد قرطبة، ومئذنة إشبيلية "الخيرالدا". فأنا من تلقاء نفسي قلت "أنا أريد ان أدرس هذه الأماكن وهذه البلاد والمدن (وهذا ما كان يريده الوالد)، وظهر السرور على وجهه وقال: "يعني عندما ترجعين تحولين إلى قسم أدبي"، فقلت له: نعم. وعندما رجعت حوّلت إلى الشعبة الأدبية، وسط معارضة شديدة من والدتي التي كانت تعرف أنني أريد الالتحاق بكلية السياسة والاقتصاد أو كلية الفنون الجميلة أو كلية الإعلام، وكانت والدتي تريد أن التحق بالجامعة الأمريكية، وأيدتها خالتي التي كانت تعيش في حي الزمالك بالقاهرة، وعرضت علينا أن تستضيفني خلال سنوات الدراسة في مدينة القاهرة.

وأكملت في القسم الأدبي وحصلت على شهادة الثانوية العامة، ثم التحقت بكلية الآداب جامعة الإسكندرية في قسم التاريخ، وفي السنة الأولى أحببت التاريخ القديم، لأنني أحب مصر وتاريخها التليد، وطبعاً أمضيت سنوات عديدة خارج مصر في لبنان وإسبانيا، وهذا أثار في الشجن والحب نحو بلادي، وكانوا في لبنان لا ينادونني باسمي، ولكن باسم "المصرية".. أنا كينونتي وشخصيتي هي مصر.. وحصلت على الليسانس الممتازة وكان الذي يحصل على تقدير امتياز أو جيد جداً في الفرقة الأولى والثانية يعفونه من السنة التمهيدية، وفي الفرقة الثالثة والرابعة بدأت أدرس مواد التمهيدي إلى جانب مقرر الدراسة، وهذا النظام تم إلغائه فيما بعد، واخترت التاريخ الإسلامي لأكمل مسيرة الوالد .. باختصار حبي لوالدي الذي ليس له حدود هو السبب الرئيس في دخولي مجال التاريخ.

*حدثيني عن الأستاذ القدوة في حياتك؟

- الأستاذ القدوة في حياتي هو الأستاذ الدكتور السيد عبد العزيز سالم.. والدي قلمه نزيه، وكانت له آراء كلفته الكثير، لأنه في كتابه "تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس" عارض آراء كبار المؤرخين الذين سبقوه، وهذا سبّب له الكثير من المشكلات، وقد كتبت عن والدي أكثر من بحث آخرها بحثي في كتابي "تغريدات تاريخية من العصر الإسلامي"، ومن معايير الفكر الإنساني أن يكون ذو صبغة إنسانية، وكتابات والدي كانت ذا صبغة إنسانية دائمة منها أنه كان يعضد المظلوم، وكثيراً ما تتردد المقولة الشهيرة "التاريخ يكتبه المنتصرون"، على عكس من ذلك كتب والدي تاريخ المنهزمين، وكان يزيح الغبار عن الشخصيات التاريخية التي تعرضت للنسيان، وقف والدي كثيراً عند الفتح الإسلامي للأندلس وكان للبربر دور كبير في فعاليات هذا الفتح، ثم أن العرب جنوا الثمار كلها وتركوا للبربر الفتات، وهذا أدى إلى  ثورة البربر بعد ذلك.. هو ناصر البربر في كتاباته، وهذا كان ضد أفكار سبقته من المؤرخين، لذا ناصبوه العداء.

   وهناك شخصية الأمين والتي دونت في المصادر بعد مقتله، وبالتالي لم تأخذ حقها من الإنصاف الواجب، هو تحدث عنها بكل إنصاف .. وغيرها من الموضوعات.

   والدي ذو قلم عادل، نزيه، إنساني،  يسعى إلى القيم الإنسانية.. رجل لم يسعى إلى المناصب .. والمناصب هي التي سعت إليه، وكان لا يحب المناصب الإدارية، لأنها تعطله عن عمله.. الأستاذ القدوة بكل فخر هو أبي..

و   هذا لا يمنع أنني تعلمت من آخرين، أذكر منهم الأستاذ الدكتور جوزيف نسيم يوسف؛ هذا الرجل كان صديقاً لوالدي، وتعهدني أيضاً بالرعاية العلمية، وكان يحضر لي المراجع العلمية باللغات الأجنبية الفرنسية والإنجليزية في تخصصه أوربا في العصور الوسطى، وكنت في الصف الأول وكان يعلمني كيف أستفيد منها.. علمني منهج البحث التاريخي، وكان والدي في هذا التوقيت مازال يعمل مستشاراً ثقافيا في إسبانيا، وكان الدكتور جوزيف يتولاني بالرعاية العلمية، وكان أستاذاً من طراز رفيع..

  وأذكر أيضاً الدكتور سيدة إسماعيل كاشف، وقد رقتني في مرحلة أستاذ مساعد وأعطتني في أبحاثي ما بين ممتاز وجيد جداً، وكان من الصعب أن تقتنع  بشيء وتعجب به، لا تجامل أحداً، هذه السيدة التقيت بها في مؤتمرات عديدة، وكانت تتصف بصفات الاعتداد بالنفس والإباء والكبرياء والشموخ والارستقراطية.. تعلمت منها الوقار والهيبة وكانت شديدة الأناقة، وتهتم بمظهرها جيداً، وعندما التقيتها أول مرة كانت قد تجاوزت السبعين من العمر، ولكنها كانت جميلة وتهتم بمظهرها ولكنها.. (كانت ذا حرمة موفورة) بتعبير المقريزي وابن تغري بردي، عندما وصفا شجرة الدر.. أي أنها كانت بينها وبين الآخرين مسافات.. انبهرت بصفات الدكتورة سيدة الإنسانية إلى جانب العلمية.

   تعلمت كثيراً من الدكتور فتحي أبو عيانة، أستاذ الجغرافية، وعميد كلية الآداب الأسبق، ونائب رئيس جامعة الإسكندرية الأسبق، ورئيس جامعة بيروت العربية الأسبق، كان والدي ينصحني قائلاً: تعلمي من الدكتور فتحي أبو عيانة بقدر الإمكان، وتعلمي منه المرونة والدبلوماسية.. علمني الدكتور فتحي أن أبقى على شعرة بيني وبين الآخرين.. لا أطلق الأبواب مطلقاً..

   وعلى سبيل الحياة العادية كانت والدتي قدوة لي .. هي سيدة عظيمة .. وقفت خلف والدي بكل ما تمتلكه من قوة، وكان والدي يقرأ عليها كتاباته قبل نشرها ويأخذ رأيها، حيث أنها كانت سيدة متعلمة وذكية وصاحبة مباديء وكانت دائما تردد هذه المقولات: "المباديء لا تتجزأ"، و"الفضيلة اختيار"، و"الجوهر أهم من المظهر".

   وأيضاً أم والدي وهي من عائلة شومان من سمنود، والتي رحل عنها زوجها وهي في أواخر الثلاثينيات من العمر، وكانت ذات جمال لا نظير له، مثل جمال الأميرات، وكانت تشبه الأميرة فوزية، ورغم هذا انكفأت على ذاتها وآثرت تربية أولادها العشرة، وقامت بتربيتهم أحسن تربية، ويكفي أنها أهديت العالم والإنسانية الأستاذ الدكتور السيد عبد العزيز سالم.

    بالنسبة لإسبانيا هناك شخصيات كثيرة قابلتها هناك، أثناء عمل والدي، وبعدها زرتها لوحدي أكثر من مرة في منح من المركز الإسباني بالإسكندرية، أو عندما ذهبت لبعثة داخلية أثناء عملي في رسالة الدكتوراه، أو حضور مؤتمرات .. وفي رئاسة الدكتور جمال عبد الكريم لمعهد الدراسات الإسلامية دعيت لإلقاء محاضرة في المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد، وحضرتها الكاتبة الصحفية إقبال بركة، كما ألقيت سلسلة محاضرات عن المرأة في الإسلام في جامعة مدريد المستقلة على مدار عشرة أيام، والتقيت بالدكتورة (ماريا خيسيوس بيجيرا) التي كانت أستاذة للعديد من المبتعثين العرب بعد ذلك من أمثال الدكتور حسام العبادي، وهذه السيدة من أعظم السيدات اللائي أنصفن الحضارة الإسلامية، وقد كرست حياتها للعلم، ودعتني لمنزلها والتقيت والدتها، وأصبحنا أكثر من صديقات، وقد خرجنا سوياً في رحلات داخل إسبانيا..

* ذكرياتك مع الأساتذة في مصر والدول العربية وإسبانيا؟

- هم كثير، وكما ذكرت سابقاً أن أول مؤتمر دعيت إليه كان في العراق، وكان صاحب الدعوة الدكتور مصطفى عبد القادر النجار، رئيس اتحاد المؤرخين العرب، وكان الاتحاد مقره في العراق في هذا التوقيت، وكان الرئيس الراحل صدام حسين ينفق بسخاء على الاتحاد في سبيل خدمة التاريخ، فكان يعقد المؤتمرات الدولية على مستوى العراق وخارج العراق بالاشتراك مع منظمات دولية مثل اليونسكو، وكنت وقتها حديثة الحصول على الدكتوراه عام 1987، وحصلت على عضوية الاتحاد وكان والدي عضواً به، وفي هذا المؤتمر التقيت العديد من أعلام المؤرخين في مصر والدول العربية. وحضر المؤتمر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وبعد أن صافح الجميع وأخذ مكانه على المنصة، هرولت إليه، وقام من مكانه وصافحني بحرارة وكنت حديث المؤتمر (المؤرخة الشابة التي صافحت الرئيس)، وكان حاضراً أيضاً الرئيس ياسر عرفات، والشاعرة سعاد الصباح، و الدكتورة ميمونة الصباح، والدكتورة نجاح القابسي وكانت أستاذة كبيرة في ليبيا وزوجها كان وزيراً، وفي هذا المؤتمر التقيت بالمؤرخ المغربي إبراهيم القادري بوتشيش وقد صار من أعظم مؤرخي المغرب والأندلس فيما بعد- وهو يكبرني ببضعة أعوام.. وحصل على الدكتوراه في هذا التوقيت..

  ومن الذين أتاحوا لي الفرص الدكتور عبد الجليل التميمي الذي أقام من حر ماله مركز الدراسات الموريسكية في تونس، وقد دعاني إلى موتمر عام 1991 عن المورسيكيين، وكانت فرصة عمري أن التقيت بكبار العلماء في هذا المجال من أمثال: المستشرق الفرنسي (لوي كاردياك)، وهو متخصص في الدراسات المورسيكية، وبدأت أكتب عن المورسكيين وهو علم قائم بذاته، وقد أتاح لي الدكتور التميمي الفرصة في كتابة بحث في الكتاب التذكاري عن (لوي كاردياك)، وقد عرفني بأساتذة كبار أمثال: الدكتور مصطفى زبيس، والدكتورة الدولاتي.

وفي المغرب التي زرتها أكثر من خمس مرات شاركت في مؤتمرات عدة، منها مؤتمر عقد في جامعة الملك محمد الخامس بالرباط، وفيه قدمت أول أبحاثي عن الزواج المختلط في الأندلس، وطبع على نفقة الجامعة، وكان المؤتمر فاتحة خير، فقد انهالت عليّ الدعوات بعد ذلك، ومن الشخصيات التي التقيتها هناك البروفسير الكبير محمد بن شريفة، وزوجته الأستاذة الدكتورة عصمت دندش، وهي مصرية من محافظة المنوفية، ودعوني إلى قصرهم المنيف وهو على الطراز الأندلسي، واحتفوا بي أيما احتفاء، وقد دعوني مرة أخرى وأهدوني مجموعة من الكتب والأبحاث.

*صدر لك مؤخرا كتاب بعنوان "تغريدات من التاريخ الإسلامي" .. ما الهدف من استخدام العنوان على أبحاث مطولة وليست بوستات موجزة؟

- التغريدة بلهجة وسائل التواصل الاجتماعي هي الجملة القصيرة التي تؤدي المعنى المطلوب، وأنا أحببت أن أتماشى مع العصر، لأن المؤرخ لن يقف جامداً إزاء تحديات العصر، ولا يتوقف عند مرحلة معينة ولابد أن نطور أنفسنا ونتأقلم مع العصر.. في كتابي الأخير المعنون "تغريدات تاريخية من العصر الإسلامي" قدمت فيه 13 بحثاً، بدأت الكتابة فيهم منذ أواخر عام 2012، بعد أن صدر كتابي "صفحات تاريخية"، وأضفت إليهم ثلاثة أبحاث كانوا قد نشروا خارج مصر، حتى يسهل تقديمهم إلى الباحثين..

   بعض هذه الأبحاث قصير يقع في خمسة عشر صفحة، والبعض الأخر في حدود 120 صفحة، وهذه الأبحاث الكبيرة تعتبر تغريدات أيضاً للموضوع الذي تناولته.. فلما أتناول مدينتين تحملان اسم "شومان"، وأنا أرجح أن اسم أسرة جدتي لأبي من أحدى هذه المدينتين. ولما أتناول بحثاً في 120 صفحة عن مدينة "برصا" وبعض المؤرخين يزعم أنها العاصمة الأولى للدولة العثمانية، وأنا أثبت بالدليل أنها خامس عاصمة، وهناك بعض الآراء تقول أنها ثالث عاصمة. وتناولت التاريخ السياسي والحضاري والأثري لهذه المدينة إلى عصر السلطان سليم الأول، هذه تعتبر تغريدات.

  ومن خلال قراءة ثلاثة عشر بحثاً هناك رسائل معينة أريد أن أوصلها للقاريء لكي يستشفها من خلال قراءتها وكل قاريء وفهمه وإدراكه.

    وهناك بحث بعنوان "من جديد حول السلطان المملوكي المؤيد شيخ المحمودي" وقد حافظ على كيان الدولة المملوكية من الضياع.. وأثبت في هذا البحث أن دولة المماليك الأولى والثانية قامت على الفصل بين السلطات، فقد تم أحياء الخلافة العباسية في عهد السلطان بيبرس البندقداري، الذي عمل على الفصل بين السلطان، فجعل السلطة السياسية والعسكرية في يد السلطان المملوكي، والسلطة الشرعية والدينية في يد الخليفة العباسي، ولم يعد الخليفة يحكم بالتفويض الألهي، وكانت هذه خطوة على طريق الدولة الحديثة؛ لأن الدولة المدنية هي التي تقوم على أساس الفصل بين السلطات، ومصر المملوكية هي أول من بذرت بذرة الدولة المدنية الحديثة قبل أن تعرف في أوروبا بقرون.

 وقيمة مصر في أبحاث كثيرة بالكتاب، فكل قضاة وشيوخ الدولة العثمانية في البدايات تعلموا في الأزهر الشريف على يد علماء كبار من أمثال: ابن حجر العسقلاني، والعيني، والسيوطي، وكان هؤلاء يفدون على مصر ويتعلمون في الأزهر في رواق الأروام، أيام السلطان برقوق، والسلطان المؤيد شيخ المحمودي، وكان يأخذون الإجازة من علماء مصر ويعودوا إلى بلادهم وقد تولوا المناصب والإفتاء والتدريس ومنهم الكوراني؛ الذي كان معلماً للسلطان محمد الفاتح .. يعني فكر محمد الفاتح قد تشكل على يد أستاذ تعلم في مصر.

    وهناك بحث آخر وهو دراسة على كتيب للدكتور حسين نصار بعنوان "الثورات الشعبية في مصر الإسلامية"، وعملت دراسة نقدية للكتاب، واحتراماً للدكتور نصار لم أذكر رأيي فيه صراحة، وأنا اختلفت معه على ما عرضه من أحداث أطلق عليها ثورات.. أنا عرفت مفهوم الثورة من معاجم علم الاجتماع السياسي مثل "قاموس علم الاجتماع" لمارشل، كما رجعت إلى معاجم عربية، وجميع هذه الكتب عرفت الثورة بأنها التي تحدث تغيير دائم وليس تغير الذي هو وقتي محدود، أما الثورة فهي تغيير جذري في كافة النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مجتمع من المجتمعات. يجب أن تكون أحداث التغيير جذرية، لأن ما نطلق عليها ثورة شعبية يجب أن يشترك فيها كل طوائف الشعب، يعني لمّا الدكتور حسين نصار يخصص فصلاً بعنوان ثورات الخوارج، وفصلاً بعنوان ثورات الأقباط وآخر بعنوان ثورات العلويين.. ولنا أن نسأله هل أحدث هؤلاء تغييرات جذرية في المجتمع، هل أسقط الأقباط الخلافة الأموية وعادت مصر مسيحية، هل نجح العلويون في إسقاط الدولة الأموية أو الدولة العباسية، ولما قامت الدولة الفاطمية لم تكن نتيجة ثورة وإنما عمل عسكري قادم من بلاد المغرب، وناقشت هذا وعرفت مفاهيم الثورة، كما ذكرت أوصاف المؤرخين القدامي أمثال: الكندي والطبري وابن خلدون لهذه الحركات.. لا يوجد أحد من هؤلاء وقد وصف هذه الحركات بأنها ثورة .. كان يقول: "انتفض .. تحرك .. وثب علي .." وهذا يتطابق مع التعريفات الحديثة.

وهناك بحث بعنوان "جوانب من تاريخ الأقلية المسلمة في مدينة أشتورياس"، وكان المتعارف عليه أن نرجع إلى المصادر والمراجع الإسبانية، بينما أنا رجعت إلى المصادر الإنجليزية والأمريكية، وأيقنت أن هناك مدرسة تاريخية إنجليزية في التاريخ الأندلسي من أعمق المدارس. وهناك مدارس أخرى في جامعات بريطانيا، وأمريكا وفرنسا، قد برعت في دراسة تاريخ وحضارة الأندلس بمنتهى العمق.

إذن التغريدات مختلفة في أنواعها ما بين مفاهيم قديمة صححتها المفاهيم الحديثة، مثل مفهوم الثورات، ولابد من ترشيد هذا المصطلح.. وفي قواميس علم الاجتماع أن الثورات محدودة ونادرة في التاريخ.

*الرحلة وأثرها في مشوار الدكتور سحر سالم؟

- من البلاد التي زرتها مع والدي في حياته وعندما انتهيت من الدكتوراه ظللت أدعى إلى المؤتمرات العلمية أو التدريس في الجامعات في السعودية في جدة والمدينة المنورة وفترة قصيرة في جامعة مدريد.. كل هذا احتكاك بمدارس فكرية مختلفة، كيف ينمو الفكر؟. بأن ينتقل ويتلاقح مع أفكار أخرى .. لابد أن يكون المؤرخ متجدداً ومتطوراً ولا يكون التاريخ لديه مجرد حدوتة. ونرى المدارس الفكرية الأخرى كيف تفكر؟ وكيف أن هذا الآخر يتناول تاريخنا وحضارتنا؟.. هل نظرية معادية؟ .. هل يحيك لنا المكائد؟.. هل نظرته معتدلة؟ طبعاً الاتجاهات الفكرية المختلفة لابد أن نتعامل معها كلها ومن الخطأ أن نعتقد أن هذه المدرسة مختلفة معنا فنبتعد عنها.. هذه الأسفار والرحلات جعلتني أفهم الأقوام الأخرين، لأن التاريخ سلسلة متصلة الحلقات.. لا شيء يأتي من فراغ، والحضارة كم متراكم، كل هذا ساهم في تشكيلي فكرياً، وساهم في نظرتي التاريخية التي أصبحت كلية.. والعلماء المسلمون طبقوا هذه المباديء في العصور الوسطى، فجابوا المشرق والمغرب، واستفادوا من حضارات الشعوب ومن هنا تلاقحت الحضارة الإسلامية بالحضارات الأخرى.

* مصر التي في خاطرك إلى مدى ينطبق هذا القول على حياتك العلمية؟

- أنا درست تاريخ الأندلس الذي هو تخصصي الرفيع، كما أنني في نفس الوقت أستاذ للتاريخ الإسلامي العام.. وقد وجدت أن التجربة الإنسانية المصرية أعمق وأعظم تجربة في التاريخ.. التجربة الأندلسية فشلت وفشل الأندلسيون في الحفاظ على بلادهم، وبلاد الأندلس على عظم حضارتها، تناحر أهلها وتقاتلوا وانقسموا وانتهت بعد ثمانمائة عام.. أما المصريون فعلى مدار آلاف السنين قد حافظوا على بلادهم وعلى وحدتهم، وذهبت كل الامبراطوريات والدول التي احتلت مصر واندثرت، وبقيت مصر.. هذه تجربة تحتاج إلى آلاف الدراسات.

   الحقيقة في السنوات العشر الأخيرة بدأت أقول أنني ضيعت جهدي في دراسة الأندلس الذي أندثر وبلدي العظيمة صاحبة التجربة الإنسانية الفريدة التي علمت الإنسانية كلها وهي أم الدنيا، وهي أقدم دولة مؤسسات عرفتها البشرية، وأول دولة كان فيها جيش، وأول دولة موحدة، حتى حضارة العراق لم تتوحد، كانت دويلات، وحضارة اليونان كانت دويلات.. دولة مؤسسات يعني فيها وزارة، ومعابد وكهنة، وشرطة، وقضاء، كل هذا كان متواجداً في مصر التي علمت البشرية كلها .. هي أم الدنيا وهذه العبارة ليست حديثة فقد ذكرها المؤرخون والرحالة القدامى.

كيف أترك هذا التاريخ الضارب بجذوره في العظمة والشموخ وأكرس عمري كله لدراسة تجربة فاشلة.

*مدرسة التاريخ في جامعة الإسكندرية؟

هذا السؤال يحتاج الإجابة عليه إلى كتب، وقد أعدت جامعة الإسكندرية مؤخراً كتاباً بمناسبة عيدها الماسي وخصصت لقسم التاريخ فصلا كبيراً. وتميزت مدرسة التاريخ في جامعة الإسكندرية بتميزها في تخصص تاريخ المغرب والأندلس، وهي رائدة في هذا المجال. وأنجبت العديد من الأعلام منذ أن أسسها الأستاذ عبد الحميد العبادي مروراً بالدكتور الشيال وأحمد فكري وصولا إلى الدكتور سالم والدكتور مختار العبادي، والدكتور سعد زغلول عبد الحميد، من هذه المدرسة تفرعت مدارس أخرى في الجامعات المصرية والعربية.

المعالم التاريخية فى مكة المكرمة

من خلال زيارتى

بقلم د. أميرة مرسال محمود

من اهم المعالم التاريخيه المهمه فى مك’ المكرمة غار ثور وغار حراء وذلك لانهما نقطه تحول فى حياه البشريه, ولم يرد عن  رسول الله انه امر بزيارته وكذلك الصحابه ,لكن زيارته للتعرف على مدى المشقه التى تحملها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم  وكذلك لاخذ دروس والاستفاده منها.

غار حراء :

غار حراء هو الغار الذي كان يختلي فيه رسول الله محمد، قبل نزول القرآن الكريم عليه , حيث شهد اول نزول للوحى على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم

غار حراء في جبل النور بمكة المكرمة مهبط الوحي, فيه تنزلت أولى الآيات على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم , لتبديل  ظلام النفوس وتهدي البشرية إلى سبل الرشاد, وتخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم. غار حراء من الأماكن البارزة التي يؤمها كثير من الناس , لما يحويه من ذكرى فيض النبوة وانطلاق شعاعها.

يقع غار حراء شرق مكة المكرمة في أعلى" جبل النور" على ارتفاع 634 مترا، هو عباره عن فجوه داخل الجبل ولا يتسع إلا لأربعة أو خمسة أشخاص فقط, ويشرف غار حراء على كل المدينه ويستطيع الواقف بجبل عرفات رؤيه غار حراء.

 يبعد مسافة 4 كم عن المسجد الحرام, يعتبر من الصعب الصعود الى الجبل , حيث  ان انحدار الجبل شديداً من ارتفاع 380 متراً حتى يصل إلى ارتفاع 500 متر، ثم يستمر بانحدار قائم الزاوية تقريباً إلى قمة الجبل في شكل جرف، وتبلغ مساحته 5.25 كم مربع

ولقد سمى بجبل النور لان أول سورة من القرآن الكريم نزلت على رسول الله فيه. القرآن هو  نور، فأُطلقوا عليه اسم جبل النور نسبةً إلى ذلك، وكأنهم بذلك يطلقون عليه اسم جبل القرآن أو جبل الإسلام

ومن خلال زيارتى للغار كانت هناك مشقه وخاصه فى الجزء الى سبق الدرج(تم عمله حديثا للتسهيل على الزوار) لأنه شديد الانحدار.

وسيظل جبل النور راسخا شاهدا على  اعظم مرحله تحول فيها التاريخ البشرى  من الظلمات الى النور

غار ثور

يعتبر غار ثور اول حصن فى الاسلام  تحصن به البنى محمد صلى الله عليه وسلم  وصاحبه ابو بكر الصديق  فى طريقهما الى المدينه المنوره  خلال رحله الهجره , لا يزال غار ثور  شامخا فى اعلى جبل اكحل الشهير بجبل ثور الذى يقع على مسافه  4كم جنوب المسجد الحرام  قريبا من حى الهجره  حاليا

يرتفع الجبل حوالى 760م عن سطح البحر  وهو عباره عن صخره مجوفه من الجرانيت  ارتفاعها متر وربع  تقريبا  ولها فتحتان  احداهما شرقيه  والاخرى غربيه , ولا تمنع مسالك الجبل الوعره  الحجاج والمعتمرين من زيارته ليروا موضع المعجزه الآلهيه  حيث عشش الحمام وباض وحاك العنكبوت خيوطه  فاغلق فتحه الغار  ليبدو مهجورا لم يدخله احد  من زمن بعيد.

على مدار ثلاث ايام كانت قريش تبحث فى المنطقه  بحثا عن النبى محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه حتى قال الصديق قال له (لو ان احدهم  نظر تحت قدميه لابصرنا) فقال له النبى محمد صلى الله عليه وسلم ياابى بكر( ماظنك باثنين الله ثالثهما).

اشرقت الشمس  على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثه ايام وهو فى غار ثور  , واشرق هو بذاته على الدنيا   ينشر الاسلام  فى افاق ارحب ,  من غار ثور  اطل على مكه  ومن قريش  التى ارادت  قتله , فى اسفل الجبل كان عامر ابن فهيره  مولى ابى بكر الصديق  يرعى الغنم لاخفاء اثرهما واثر صعود عبدالله  ابن  ابى بكر الذى كان ياتيهما  بالاخبار

من هذا الغار بزغ فجر الانوار  بعد ثلاث ايام قضاها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم  مع صاحبه ابى بكر الصديق  فى  غار ثور جبل ثور  حيث انطلقت رحله الهجره النبويه

تكاد ارضيه الغار وجناباته  تحدث اخبارها وتروى  كيف اوت سيد الانام  فهنا صلى وهنا نام , ومن ضيق هذاالغار  ولد اتساع  رساله الاسلام  وهنا تجسدت معيه الله ,وحين جاءت ساعه السير  الى المدينه شمالا صباح الاثنين , توجه ركب الهجره جنوبا تمويها وحذرا  واخذا بالاسباب, ومنذ البدايه تكفل الله بالحمايه, قال الله تعالى  (وجعلنا من بين ايديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون)

سار ركب الهجره جنوبا  مكه مرورا ببطحاء  قريش  ثم غربا  جبال البشيمات   باتجاه وادى عرنه, وفى ظهر اليوم الاول  ظهرت للركب صخره على جبل صغير  فكان لها ظل ليستظل بها الرسول وصحابته

كما ورد فى صحيح البخارى  حديث  ان  ابى بكر هو  الذى كان بروى الرسول صلى الله عليه وسلم  ,حيث عند الظهيره  رفعت لنا صخره  كل ما اقتربو منها وجدوها  ترتفع , حيث صعدوا لها .

ثلاث ليال شهدت  اعظم صداقه عرفتها التاريخ البشرى  وانتهت الليالى الا ان المكان  بقى  رمزا على تللك الصداقه.

أخطاء تاريخية يجب أن تُصحح.

بقلم/ بسنت محمد بكر

العالم أجمع الآن ومصر بخاصة بصدد الاحتفال بمرور 200 عام علي تأسيس علم المصريات في خلال هذا الشهر الجاري، ٢٠٠ سنة على فك رموز اللغة المصرية وتأسيس علم المصريات القديمة و٢٢٣ سنة على إكتشاف حجر رشيد و١٠٠ سنة على إكتشاف مقبرة الفرعون الذهبي توت عنخ آمون، وبعد اكتشاف حجر رشيد  تمت محاولة ترجمته في عدة مرات وبعد نجاح تلك المحاولات علي يد عالم المصريات الفرنسي " چان فرانسوا شامبيلون" قد حُلّت معضلة معرفة اللغة المصرية القديمة ومعرفة تاريخ بلد عريق، وتأسيس علم ما زال يُبهر العالم باكتشافات جديدة وحضارة عريقة تُثبت دائمًا أن مصر جاءت أولًا ثم جاء التاريخ.

ولم يكن اكتشاف حجر رشيد مُلهم للمصريين فقط لمعرفة حضارتهم وتاريخهم بل كان مُلهم ودافع للعالم أجمع أن يقوم بالتطوير وإقامة حضارة، وأولهم فرنسا نفسها التي جاء نابليون منها إلي مصر ومعه أكثر من 168 عالم للبحث في تاريخ مصر ومعرفة كيف قامت هذه الحضارة وانتهت محاولاته بقدرة شامبليون علي فك رموز حجر رشيد وتأسيس علم المصريات.

 وبهذه المناسبة دعنا نتعرف بعض المعلومات الخاطئة التي يتم تداولها ولا تليق بأن تظل علي عنق تاريخ مصر دون تصحيح

في البداية عزيزي القاريء حجر رشيد كُتب بخطين ولغة واحدة ، نعم خطي اللغة المصرية القديمة الهيروغليفي والديموطيقي، واللغة اليونانية القديمة ، وكانت الأخيرة السبب في إنجاح محاولات شامبليون لفك رموز اللغة المصرية القديمة؛ لأنه قارن اليونانية بخطوط اللغة المصرية وترجمهما عن طريق معرفته الجيدة باليونانية القديمة؛ حيث وجد الحجر مقسم ثلاث اقسام فاستنبط أن كل قسم ماهو إلا نفسه الذي قبله لكن باختلاف الخط أو اللغة .

والآن أبرر لك قولي خط وليس لغة؛ اللغة المصرية القديمة بخطوطها الأربعة ( الهيروغليفية ، الهيراطيقية، والديموطيقية، والقبطية) هذه الأربعة يطلق عليهم اللغة المصرية القديمة، وليس كل منهم لغة، التي يمكن اصطلاحها كلغة هي القبطية وذلك لأن معظم حروفها لاتينية، لا تحتوي سوي 6 أحرف من المصرية القديمة.

خطأ شائع آخر وهو تسمية المصريين القدماء بالفراعنة ..

فرعون اسم وليس لقب؛ حيث يقول الله عزَّ وجل في كتابه الكريم " إنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَچُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئينَ" هامان كان وزير فرعون وفي اللغة العربية لا يصح ذكر اسم مع لقب أي أن فرعون اسم وليس لقب، وفي الرواية عندما جاء السحرة ليجعلوا فرعون ينتصر علي سيدنا موسي، قال تعالي " وچَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إنَّا لَنَا لَأَجْرًا إنْ كُنَّا نَحْنُ الغَالِبِينَ" ، السحرة أتوا لشخص معين لا يصح ذكر لقبه وليس اسمه ، وغيرها من الآيات في ذكر قصة فرعون وسيدنا موسي تثبت أنه اسم وليس لقب وأن اللفظة الأصح مصريين قدماء وليست فراعنة .

إثارة الجدل حول وجود طائرات هيلوكوبتر ومركبات فضائية ودبابات عند المصريين القدماء وعلاقته بنقوش هذا المعبد.

علي إحدي نهايات الأعمدة في هذا المعبد وجدت رموز هيروغليفية غريبة وكأنها تشبه في شكلها المركبات الفضائية والطائرات؛ مما دعا كثير من السائحين والزوار سواء الأجانب والعرب أن يقولوا أن المصريين القدماء عرفوا هذا النوع من المركبات .

ولكن الحقيقة كانت عكس ذلك؛ حيث أن التفسير الصحيح لها هو تداخل بعض الرموز مع بعضها البعض نتيجة أنه كان هناك نص من عهد الملك سيتي الأول، وأثناء إكمال رمسيس الثاني للمعبد قام بوضع طبقة من الجص علي هذا النص ثم كتب نص الآخر، وبمرور الزمن سقطت طبقة الجص فتداخل النصان برموزهما مع بعضهما البعض وظهرت للعيان بهذا الشكل الذي جعل من يراه يفكر في ذلك.

وتم وضع لافتة في صالة الزوار توضح هذا الخطأ وتوضح ترجمة نصين الهيروغلية والتي جاءت كالتالي “ضارب الأقواس التسعة” نص عهد الملك سيتي الأول، “الذي يحمي مصر وهازم البلاد الأجنبية” ترجمة نص الملك رمسيس الثاني.

وبهذا يكون تم حسم الجدل حول هذا الموضوع وتصحيح الفكر.

اوفي النهاية دعني أخبرك أن مصر دائما رائدة وكادت أن تحكم العالم أجمع بما فيه روما علي يد كليوباترا ولكن لم يشأ القدر بأن يتم ذلك ؛ حيث اتحدت كليوباترا مع انطونيوس ضد اوكتافيوس وقتل أنطونيوس وبدأت حروب ومشاحنات لم تسمح بذلك أن يتم.

ولم تكن مصر مصدر للحضارة والتاريخ والعلوم للعالم فقط بل كانت من صدرت لأوروبا النظافة نعم النظافة، وهذا ما ستتعرف علي كل تفاصيله بالمقال القادم

الأدب المصري القديم حكاية الأساطير

بقلم – ميرنا محمد
مرشدة سياحية – باحثة فى الآثار المصرية

الأدب المصري القديم مزيجٌ ممتع بين التوثيق، والمحاكاة،
والتجسيد على جدران المقابر والمعابد والمسلاّت والأعمدة؛ قد تجد الكثير من الحكايا والأساطير والمُدوّنات الدينية بل والفلسفية؛ سيرٌ ذاتية وتأريخات؛ شعرٌ وترانيم؛ أبداع، يُضفي من الحِسّ والذوقِ والفن إلى مادية المُحتوى فيصيرُ خلقًا آخر يمتدُ عبَقُه دون أن يُطمَس حتى لو بعد لآلاف السنين
لقد جاء فى وصية الحكيم سنب حتب لإبنه : " أعد نفسك لتكون كاتبا وحامل قلم المعرفة .. إنها أشرف مهنة وأجدر وظيفة تليق بك وترفع شأنك وتقربك إلى الإله .. وما ستكتبه سيعيش فى قلوب الناس ووجدانهم فتعلم كيف تحرك القلم بأصابعك وكيف تحرك عقلك ..لايخط قلمك إلا الحكمة والمعرفة وما ينفع الناس ".
أن مكانة الكاتب المصرى القديم وما حظى به من مركز ممتاز فى المجتمع حيث كانت مهنة الكتابة من المهن المرموقة والتى تصل بعض مراتبها الى درجة التقديس وعن طريق الكتابة والتدوين حفظ لنا الأجداد تاريخ حضارتهم .

أن الأدب المصري القديم كان مسايرا للأحداث الداخلية والخارجية كما أنه كان يعرف بأدب السيرة الذاتية وهو ما نجده مسطرا على مقابر الملوك والقاده ويشتمل على لمحات من تاريخ حياتهم وأعمالهم وغزواتهم ليتذكرها أولادهم ومن سيأتى بعدهم من الأجيال التالية
مثل أيضا النصوص المُدونة على الأهرامات، "متون الأهرام"التي تشمل نصوصاً جنائزية بالخط الهيروغليفي على جدران الممرات الداخلية وغرف الدفن، داخل أهرام ملوك وملكات، بمنطقة سقارة والتي كانت تتضمن سردًا أدبيًا عن فترة حكم الملك ورحلة نجاحه حتى الممات؛ حدثت تلك الطفرات التطورية خلال عهد المملكة القديمة على الرغم أن هذه النماذج لا تُعد أدبٌ بالشكل الدارج؛ إلا أنه قد تم تصنيفهم كذلك في الدراسات المصرية نظرًا لتميز تلك الكتابات بسماتٍ أدبيةٍ مصقولة خاصةً ابتداءً من عصر المملكة الوسطي
كما أدت السير الذاتية وقوائم الفضائل إلى ظهور النصوص التدوينية للأهرامات لكلٍ من الأسرتين الخامسة والسادسة والتي كانت مُخصصة للسلالة الملكية وتتضمن قصة حياة الملك؛ فضائله؛ ورحلته الحياتية حتى ما بعد الموت؛ وهي محاولة لتوثيق الحياة الدنيوية للمتوفي إلى جانب رحلته للخلود إلى أرض الآلهة، وخلال قيامهم بذلك قاموا بتدوين المعتقدات الدينية البدائية. لقد تم التعرف على أساطير بدء الخلق عند القدماء المصريين –مثل أسطورة الإله آتوم بتجسيده واقفًا على قمة هضبة بدائية وسط ينابيع مائية عشوائية منهمكًا في عملية الخلق من العدم- من خلال النصوص المدوَّنة في الأهرامات. كما تضمنت تلك التدوينات إشارةً لقصة "أوزوريس" ومقتله على يد أخيه "سِت"، وبعثه من الموت على يد زوجته
«إيزيس» ورعايتها لابنهم «حورس» في مستنقعات الدلتا.

ومن أنماط الأدب المصري ما يمكننا أن نطلق عليه أدب الحكمة وهو أقدم الآداب فى العالم التى ترسى قواعد السلوك والقيم الخلقية التى يجب أن يتحلى الإنسان بها ولعل أشهر من كتب فى هذا النوع من الأدب هو الحكيم بتاح حتب الوزير المسن فيما كتبه لإبنه من تعاليم يوصيه فيها بعدم إساءة إستخدام الكلمه والإبتعاد عن التكبر بسبب المعرفه .
ولعل أكثر أنماط الأدب المصري القديم شهرة هو أدب الشكوى وهو ما سطره فلاح يدعى " خون أبنو" وهو ما عرف فيما بعد بالفلاح الفصيح الذى أصبح رمزا للبساطة ومعرفة كامل الحقوق والمطالبة بها كاملة غير منقوصة بأسلوب أدبى بليغ تسوده البساطة المتناهية .

ولقد ظهرت بداية تلك النماذج الأدبية منذ عصر الأسرات الأولى والتي كانت تتمثل في كتابة السيرة الذاتية على مقبرة المتوفي على الرغم من أنه قد لا يتم تصنيفهم كـ نماذج أدبية؛ إلا أنهم كانوا أول النماذج الفعلية للنمط الكتابي التدويني المصري. إن قائمة القرابين هي قائمة متطلبات –والتي كانت تعرف لدى المصريين بمباركة الملك كانت تُدوَّن على المقبرة وتتضمن الطعام والشراب والمستلزمات الأخرى التي قد يحتاجها المتوفي. كما كانت تُدوَّن السيرة الذاتية للمتوفي بعد موته وكانت تُكتب بضمير المتكلم وكأن المتوفي هو الذي يتحدث.
دُوِّنت تلك النصوص باللغة الهيروغليفية التي تتضمن (فونوجرامات) رموز صوتية؛ و(لوجوجرامات) رموز كتابية؛ و(إديوجرامات) رموز تعبيرية تجسد المعنى.
وكانت الكتابة الهيروغليفية شاقة ومُضنية لذلك ظهر نوعٌ آخر من الكتابة إلى جانب الهيروغليفية وهو الكتابة الهيراطيقية؛ والتي كانت أسرع في الكتابة وأسهل في الاستخدام. كانت الكتابة الهيراطيقية مشتقة ومعتمدة على أُسس الكتابة الهيروغليفية إلا أنها كانت أقل رسمية وإحكام
حيث كانت الهيروغليفية تستخدم في التدوين على جدران المعالم الأثرية مثل المعابد والمسلات والأعمدة؛ بينما استخدمت النصوص الهيراطيقية في الكتابة على مخطوطات البردي والأوعية الخزفية. وعلى الرغم أن استخدام الكتابة الهيراطيقية ثم الديموطيقية ويليها القبطية أصبحت أكثر رواجا بين طبقة المثقفين والأدباء؛ إلا أنه استمر استخدام الكتابة الهيروغليفية للتدوينات الخاصة بالمعالم الأثرية اضمحلت بالتدريج مع بداية عهد المسيحية في مصر.
ولقد تطورت تلك المُدوَّنات الخاصة بالوفيات بظهور نوعٍ من التدوين المُصوَّغ يُعرف بـ «كتالوج الفضائل» والذي ساعد على ظهوره «تطور مهارة القدرة على تجسيد التجارب الحياتية المُجرَّدة المتفاوتة من خلال الصيغ التدوينية الثابتة» في انعكاس المستوى الأخلاقي للمجتمع .وفي الوقت نفسه تحديد مدى التزام المتوفي بتلك المعايير الأخلاقية.
بعض تلك السير الذاتية وقوائم الفضائل تُكتب باختصار وتُنقَش على بعض الأبواب التمويهية أو حول أعتاب المداخل؛ بينما تُكتب بعض السير الذاتية الأخرى بشيء من الإسهاب على ألواحٍ متراصة مثل التدوينة الذاتية الشهيرة لـ ويني كانت تُدوَّن السير الذاتية نثرًا؛ بينما قوائم الفضائل شعرًا. ومن أبرز الأمثلة على ذلك النقوش التدوينية الخاصة بـ (نيفر سيشم رع) والذي يُدعى (شيشي) المنحدر من الأسرة السادسة من الممكلة القديمة:
«لقد أتيتُ من مدينتي
لقد انحدرتُ من سلالتي
لقد حققت الخاصة بـ (نيفر سيشم رع) والذي يُدعى (شيشي) المنحدر من الأسرة السادسة من الممكلة القديمة:
«لقد أتيتُ من مدينتي
لقد انحدرتُ من سلالتي
لقد حققتُ العدالةَ اتقاءً للإله
لقد ابتغيتُ مرضاتَه
أقررتُ الحقيقةَ؛ وأحققتُ الحقَّ
لقد شهدتُ بـ إنصافٍ؛ وأكررُ بـ إنصاف
لقد أحسنتُ استغلالَ التوقيتاتِ المناسبة
حتى يتسنى لي التواجدُ بما أرتضيهِ لنفسي بين الناس
كنتُ إذ حكمتُ بين اثنينِ، أحكمُ بما يرتضياه
أنقذتُ الضعيفَ من الجائرِ بكلِّ ما أوتيتُ من قوة
لقد وهبتُ الطعامَ للجائعِ، والكِساءَ للمُشَرَد
لقد ساعدتُ التائهَ للعودةِ لديارِه
وقمتُ بدفنِ من لا ابن له يقومُ بذلك
صنعتُ قاربًا لمن يحتاجُ وسيلةَ نجاة
لقد وقّرتُ أبي، وراضيتُ أمي
وربيتُ إخوتي
هذا ما يجب أن يكون عليه كل من يُدعى شيشي»
كما جاء في تعاليم لـ (كاجمني)
«إن الشخصَ الخلوقَ ينجح
ليكُن الأكثر عرضةً للثناء هو الأكثر تواضعًا
يُفسَح المجال دائمًا لقليل الثرثرة
ودائمًا ما يتسعُ له المكان
لا تُكثر الثرثرة!..
وعندما تكون وسط الجموع
تجنب ما تشتهي من الطعام،
قد لا يستغرقُ كبحُ جماحِ شهيَّتِك سوى لحظة
فـ إن النَّهمَ صفةٌ وضيعةٌ مثيرةٌ للاستنكار.
كوبٌ من الماءِ يروي الظمأ،
وجرعةٌ من الأعشابِ تقوي القلب

النسيج قديما بين مصر وبعض البلاد المجاورة

بقلم - دميانة عياد مسعود

 باحثة في الدراسات الأثرية

بمجرد ذِكر "نسيج التابستري" يورد في الأذهان نوعان من الأقمشة ألا وهما الكتان والصوف، ويعود ذلك

إلي فكرة دمجهما سويا أثناء عملية النسج لإنتاج هذا النوع وهو أحد أنواع المنسوجات التي كان يتم نسجها منذ العصورالمصرية القديمة.

   لذلك تمثل زراعة الكتان أهمية عظمي لمصر ولبعض البلاد المجاورة لها من بلاد الشرق الأدني لإستخدام أليافه في صناعة المنسوجات، وكذلك تربية الأغنام والماشية لأهميتها في إستخراج ألياف الصوف

وقد إشتهرت مصرفي العصورالقديمة لدي بلاد الشرق الأدني بنسج الأقمشة الكتانية، من خلال إهداءها لملوكهم من قِبَل ملوك مصروذلك نظرا لعلو قيمتها، حتي أنه كان يقتصرإستخدامها في نسج ملابس الملوك والأثرياء وكهنة المعابد.

أما الفقراء فكان لهم نوع آخرمن الكتان يتصف بالملمس الخشن لصناعة ملابسهم، بجانب الملابس الصوف والتي كانت محرمة علي الطبقات العليا، والكهنة علي إعتبارها غير طاهرة ولا تناسب ممارستهم للطقوس الدينية المقدسة بالمعابد.

ويُذكَر أن بذور الكتان كانت تُجلَب إلي مِصر للزراعة إما من الهند أو من بلاد الشام ليصبح النبات الأكثر زراعة في مِصر القديمة، وتعتبر النقوش التي تعلو جدران المقابر المصرية القديمة خير شاهد والتي توثق مناظرتمثل مراحل زراعة نبات الكتان وحصاده وتجهيزه لعملية النسج، ذلك بالإضافة إلي ما عُثِرَ عليه من ملابس وأقمشة في العديد من المقابرالمصرية القديمة والتي تعود إلي 6000 عام ق.م أي إبان العصر الحجري الحديث.

وقد أُنتِجَ الكتان في بعض بلاد ما بين النهرين، وأُستُخدِم أيضا في نسج الملابس للطبقات العليا فقط بسبب تكلفته الباهظة التي تستلزمه عمليات تجهيزالألياف للنسج.

   وفي الهند كان للكتان وضع خاص، مما دعا شعراءها كتابة الأشعار له حبا فيه، حتي وصفه أحد

الشعراء "بضوء القمر الخريفي"، وقد عُرِفَ الكتان في الهند منذ العصر الفيدي حوالي (1500- 1100 ق.م)، وفي هذه الفترة ظهر بوضوح تخليد الكتان من خلال العادات التي كانت منتشرة بين عامة الشعب والتي تتمثل في لف المولود الجديد بملابس كتانية، بجانب تلاوة التراتيل الفيدية المخصصة أثناء عملية الغزل، لذلك أُعتُبِرَت عملية النسج والملابس المزينة مصدرا محتملا للطاقة الإيجابية، مما دفع الشباب في دراستهم لإرتداء الملابس الكتانية لِتَمدُهم بتلك الطاقة.

أما عن ألياف الصوف فهي تعتبر مادة رئيسية من المواد الخام التي تدخل في صناعة النسيج، ولأن هذه الألياف ذات مصدر حيواني لذا أقتصر إستخدامها علي نسج ملابس الطبقة الفقيرة من عامة الشعب، وعمل الناسج علي دمج الصوف مع الكتان لخلق الزخارف النسجية الملونة مثل التي نسجت في الزي العسكري في العصر الروماني منذ عام (30ق.م)، ثم أرتفعت أهمية أستخدام الصوف في عصر البطالمة منذ أن بدء حكمهم لمصرفي عام (332ق.م) حيث زاد إقبالهم علي إرتداء المنسوجات الصوفية عن غيرها.

   وبحلول العصر البيزنطي وفي فترة أنتشار المسيحية أصبح الصوف واسع الإنتشار في إستخدامه خاصة في مناطق إنتاجه كالفيوم وبعض بلاد مصر العليا، ويعزي ذلك لسهولة صباغته عن ألياف الكتان، حيث تتميز المنسوجات القبطية والتي تُعرَف "بالتابستري" بنسجها بشكل عام بألياف الكتان مع تداخل ألياف الصوف لتكوين أشكال وزخارف ملونة متنوعة سواء كانت زخارف نباتية أو هندسية أو غيره من الأشكال التي كانت منتشرة في تلك الفترة.

وأستخدم الصوف أيضا بشكل شائع في مناطق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأدني بداية من (2000 عام ق.م).

 وكان من المواد المفضلة لدي بلاد الرافدين حيث أنه عُرِفَ منذ حوالي (5000عام ق.م) واستخدامه في صناعة الملابس، بجانب استخدام شعر الماعزوالجلود، مما أدي إلي حرص أهل تلك البلاد علي تربية الحيوانات وبشكل خاص الخراف والماعز المتعددة الأنواع، مما ساعد علي تعدد أنواع الصوف وأصبح منه الممتاز والخشن، وقد تم تصنيفه إلي ثلاثة درجات، وحسب النصوص المسمارية في عصر "أور" ذُكِرَ أنه يوجد خمسة أنواع من الصوف تتراوح ما بين الملكي- والخامس الإعتيادي.

المراجع

1-تكنولوجيا صناعة المنسوجات الأثرية- خاماتها عبر العصور، حربي عز الدين حسين النجار.

2-النسيج في بلاد الرافدين في ضوء النصوص المسمارية المنشورة والمشاهد الفنية، عباس زويدان ؛ أحمد عزيز سلمان.

3-“A History of linen and How it is made”, TAILOR ON TEN.

4-History of linen in Indian subcontinent, Ritu Pandy.

5-TEXTILES, ICONOGRAPHY OF COPTIC, THE COPTIC

أسطورة السينت – حكاية الزمان

رموز و أساطير

بقلم: الميقاتي/أحمد شوقي

اليوم هو يوم خاص و له مناسبة خاصة بالمصريين فقط دون غيرهم من الشعوب و هي مناسبة رأس السنة للعام 1739 قبطية ، أو مسيحية بمعنى أصح ، و هي مناسبة من الأهمية للاحتفال بها لأنها كانت يوما ما خط الدفاع الأخير للتقويم المصري/الكمتي الحقيقي من الاندثار أمام الهجمات المتتالية عليه سواء من الشرق الفارسي او من الغرب الروماني و بدون أي مبالغة من أمام الداخل المسيحي نفسه ، و من هذه الاحتفالية خرجت في العصر الحديث شعلة بعث التقويم المصري الحقيقي مرة أخرى و الذي وجدنا بعد البحث و الدراسة إنه يختلف عن السنة القبطية/المسيحية الحالية في ميقات بداية السنة و عمر التقويم و الهدف منه و تعبيره عن حدثه الخاص و أسماء شهوره.

و لكي نبدأ معرفتنا بحقيقة ما حدث و كيف تطورت السنة المصرية/الكمتية عبر العصور دعونا نبدأ من حيث نبدأ دائما ، من أسطورة السنة الكمتية أو كما نعرفها بإسمها الحقيقي

*أسطورة السينت

قلنا سابقا أن كل شئ في حضارتنا تم تسجيله على هيئة قصص و أساطير حتى يستوعبها العامة و البشر عموما و بها تنتقل الحقيقة و تحفظ عبر العصور ، و أسطورة السينت هي الأسطورة الحافظة لأصل ابتكار فكرة التقويم الكمتي أول و أقدم و أدق تقويم على مستوى العالم.

و أسطورة السينت تحكي عن لعبة لعبها النثر چحوتي سيد الحكمة مع النثر خونسو سيد القمر و دورات الزمان ، هذه اللعبة التي هي أصل لعبة الشطرنج الحديثة و التي تعتمد على فكرة دورات الحياة و الزمن فعليا كما أن كل من النثر چحوتي و النثر خونسو يعبران القمر و الزمن فعليا إلا ان الأول يعبر عن خطوات الكائنات على مجرى الزمن و رصد الحركة عليه و الثاني يعبر عن مجرى الزمن ذاته و محطاته ، لذلك كان إختبار مبتكر الأسطورة موفقا جدا عند اختيار كل منهما في دوره بالأسطورة.

و نبدأ سرد أسطورة السينت و نقول أنه في بداية الزمان و بعد أن جاء النثر أتوم رع إلى الوجود من بحر الفوضى نون انبثق عنه إثنان من النثرو هما النثر شو و النثرت تفنوت اللذان تزاوجا و انجبا النثر جب و النثرت تفنوت.

أصبحت نوت نثرت السماء و أصبح جب نثر الارض ، و شاء النثر الاكبر أتوم رع ألا يتزاوجا كي لا يحدث لهما مثلما حدث للنثرو شو و تفنوت عندما تزوجا و وقعا في بحر الفوضى نون و لم يعثر عليهم أحد إلا النثر تحوت و بعد فداء النثر أتوم رع لهما بعينه النارية واچت.

لذلك بقي جب و نوت أبناء شو و تفنوت منفصلين عن بعض يفصلهما ابيهما شو و تحيطهما امهما تفنوت و لم يجتمعا معا و لم يحدث بينهما أي تزاوج أو تفاعل حيوي ، فكيف تكون الحياة هكذا إذن؟

لأن مشيئة الإله نافذة على الجميع حتى على أتوم رع جد كل المخلوقات فقد أصدر الإله بكلمته چحوتي قراره إلى السماء إن تعانق الارض ليلا حين يختفي أتوم رع من صفحتها و ذلك في كل يوم حتى تتم السنة دورتها فلا يخرج للحياة شئ في تلك المدة من دورة الزمن.

لكن ذلك لم يكن كافيا لتلاقي جب و نوت و تبكي النثرت نوت لعدم إنجابها نسلا كما فعلت امها تفنوت و رأي چحوتي حزنها فقرر أن يلعب لعبة مع الزمن يتحداه فيها و في المقابل يأخذ منه 1/72 من زمن سنته لصالح جب و نوت.

و قد كان و لعب النثر چحوتي مع الزمن و فاز عليه و حصل على رهانه فكانت تلك الايام الخمسة التي تعادل 1/72 من السنة متمة للزمن و أصبحت تلك الايام أيام تلاقي السماء و الارض و أيام تحقيق أمر الإله في استمرار الحياة ، فكان لكل يوم خلقه الذي خلق فيه النثرو المسئولة عن الطبيعة و الحياة على الارض

فجاء لجب و نوت خمسة أبناء هم أوزير و إيست و سوتخ و نبتحوت و حور الاكبر

هذا ما حكته لنا الأسطورة ، فما هي الحقيقة إذن ؟

الحقيقة في حدث من أحداث الحياة على الأرض فعليا هو حدث فلكي مناخي يؤثر على الحياة فعليا على المدى القصير و الطويل ، نعرف هذا الحدث دائما بإسم معروف لنا.

*التقويم

هذا الحدث الفلكي المناخي المؤثر علينا دائما يرتبط بميقات بداية السنة الكمتية و التي كانت مرتبطة بكل من فيضان النيل و مواقيت الزراعة في كمت/مصر حيث وجد المصري القديم روحه في حياة فيضان النيل و حياته في دورة الزراعة حرفته الأولى الذي هو أكثر الشعوب خبرة فيها ، لذلك كان رصد مواقيت الفيضان و الزراعة أهم أعمال المصري القديم ، و لما كان رصد الزمن دائما مرتبطا بالسماء فقد ربط دورتي الفيضان و الزراعة في البداية بدورة السنة الشمسية ، لكنه وجد عائقين أمامه حالا دون التحكم في هاتين الدورتين.

أولهم أن السنة الشمسية كانت تتأخر في ميقات بدايتها خمسة أيام بعد كل عام يقدر ب 360 يوم هم أيام النجوم الستة و الثلاثين المحددين للزمن الاصغر عند القدماء المقدر ب 10 آيام لكل نجم و ذلك الزمن الاصغر سماه القدماء باكت *و هي نفس الصفة التي نستخدمها حتى يومنا هذا فنقول باكتة شئ يعني عدد 10 وحدات من هذا الشئ ، و كذلك تطورت في الإنجليزية إلى كلمة package  بمعنى مجموعة من عشر وحدات أيضا في البداية ثم تم تعميمها على كافة الكميات*

و وجد المصري القديم أن دورة الزراعة تحتاج إلى 120 يوم او 12 باكت للزرع و مثلهم للانبات و مثلهم للحصاد بإجمالي 36 باكت او مجموعة نجمية تساوي دورة زراعية و شمسية و دورة صعود و هبوط فيضان النهر.

لكن مع الوقت وجد المصري القديم أن ميعاد الفيضان و معه مواعيد الزراعة تتأخر 5 أيام كل عام و معها وجد أن مجموعات النجوم الباكتات تتأخر هي الأخرى بهذا القدر فأضاف تلك الخمسة أيام سنويا إلى السنة الشمسية لتصبح 365 يوما بدلا من 360 عام

لاحظوا أن 5 أيام تعادل فعليا 1/72 من 360 يوم و هي نفس النسبة التي لعب عليها النثر چحوتي أمام الزمن و كسبها لحسابه و إضافتها للسنة و هذا الذي نقوله دائما عندما نؤكد على أن الاساطير المصرية عندما نفهمها بالحق نستطيع معرفة حقائق لم تخطر على قلب بشر

و عند رصد النجم الذي يبدأ عنده الفيضان دائما وجد القدماء أن الفيضان يبدأ دائما مع الشروق الاحتراقي لنجم الشعرى و الذي أصبح إيذانا ببداية دورة السنة الشمسية و الزراعية الحقيقي أو رأس السنة المصرية/الكمتية.

*فقدان الهوية

ثاني العوائق إنه مع الوقت بدأ القدماء يفقدون علومهم خصوصا مع بداية احتلال الفرس لبلادنا سنة 525 ق.م. و الذين حاولوا لأول مرة في تاريخنا محو هويتنا الكمتية و استبدالها بهويتهم الفارسية الاسيوية ، فما كان من القدماء إلا البدء في تسمية شهور السنة و حسابها حسابا دوريا لا يعاد حسابه بتولي كل ملك جديد حيث أنه قبل ذلك كانت شهور السنة الكمتية بلا أسماء كما كانت ترقم ببداية تتويج الملك فإذا مات و تولي الملك الجديد يعاد الترقيم من البداية

و قد أتخذ الكهنة الوعاب من أسماء الشهور القمرية في البداية أسماء لشهور السنة الكمتية ثم مع الوقت جرى تغييرها و تحريفها ثم انتهى العمل بها مع العصر الروماني و بداية العمل بالتقويم الميلادي الذي هو في الاساس تطوير للسنة الكمتية الأصلية.

مع الوقت جرى اضطهاد المسيحيين الشرقيين و على رأسهم الكنيسة السكندرية فما كان منهم إلا أن حاولوا بعث الهوية المصرية القديمة و التمسك بها في مواجهة الثقافة المسيحية الغربية بهويتها الرومانية و من ضمن محاولاتهم لبعث الهوية هو استرجاع التقويم المصري الحقيقي لكنهم وقعوا في ثلاثة أخطاء.

أولهم إنهم اعتمدوا على حدث أرضي بشري في حساب تعداد سنوات التقويم عندما بدأوه بسنة الشهداء المسيحين الذين استشهدوا جراء بطش الرومان وبذلك فصلوا الحدث الأصلي للسنة عنها و هو ظهور نجم الشعرى و بداية الفيضان و حل محله حدث بشري صرف

ثانيهم أن في ذلك الوقت كانت الهوية الكمتية قد محيت بالفعل على يد المسيحيين انفسهم عندما كانوا متحالفين مع الرومان و كان وقتها الثقافة الطيبية و عقيدتها الامونية و التي كان العيد الرئيسي فيها هو عيد الاوبت في الشهر الثاني من السنة الكمتية الحقيقية فاتخذ المسيحين الميعاد السنوي لهذا العيد كبداية للسنة القبطية الجديدة و الذي يوافق حاليا الثلث الثاني من شهر سبتمبر أو 11 من سبتمبر كما يحتفل به حاليا و بذلك تم تغيير موعد رأس السنة و ترحيله 45 يوما كاملين

ثالثهم إنهم سموا الشهور بأسماء جعلوها توائم العقيدة القديمة رغم إنها تنتمي للعقيدة الجديدة وقتها و بذلك ثبت في وعي المصريين ان هذا التقويم هو التقويم الكمتي الحقيقي و هذا خطأ نقوم بتداركه حاليا ، كما أن الأسماء الحالية و الامثال التي ترتبط بها هي أضافات عربية أساسا على التقويم القبطي/المسيحي هذا و ليس لها أي علاقة من قريب أو بعيد بالهوية المصرية الأصلية و ليس لها جذور داخلها.

و قبل النهاية نزيد لكم أن القدماء مع الوقت و برصدهم المستمر الشروق إلاحتراقي لنجم الشعرى و علاقته بالسنة الشمسية و فصولها و علاقتها بمجموعات السماء النجمية أن السنة تتأخر عن الحسابات الشمسية يوما كاملا كل 72 سنة *لاحظوا نفس نسبة الإضافة التي أضافها النثر چحوتي* لكن لم يتم تعديل هذا الترحيل في ميعاد دخول السنة إلا في العصر الروماني عندما أضافوا يوما كاملا للسنة النجمية لتصبح 366 يوما تعادل 365 يوما شمسيا مع أضافة يوم شمسي كل أربع سنوات و سميت السنة المضاف لها اليوم الزائد بالسنة الكبيسة و هو النظام الذي نسير عليه حاليا في كل السنوات الميلادية و القبطية/المسحية و المصرية/الكمتية

 و أخيرا فنحن لا نبغي بذلك المقال إلغاء الاحتفال بالتقويم المسيحي أو عام الشهداء و لكننا فقط نلقي الضوء على حقيقة التقاويم و محاولة ارجاع كل شئ لأصله و بعث الهوية المصرية الأصلية على حقيقتها دون تغيير أو تحريف لأي سبب

و كملخص للفرق بين التقويم المصري/الكمتي و التقويم القبطي/المسيحي نذكر أن:

السنة الكمتية نرتبط بحدث الفيضان بينما السنة القبطية ترتبط بحدث عام الشهداء

السنة الكمتية عمرها على آخر توثيق رسمي لها 6264 عام بينما السنة القبطية بدأت منذ 1739 عام فقط

السنة الكمتية مرتبطة بالشروق إلاحتراقي لنجم الشعرى في 29 يوليو في العصر الحديث بينما السنة القبطية مرتبطة بموعد عيد الاوبت الطيبي و الذي يوافق 15 من الشهر الثاني من الفصل الأول السنة الكمتية أو 11 سبتمبر في العصر الحديث

السنة الكمتية شهورها ليس لها أسماء في الاصل حتى لو تم تسميتها بأي أسماء حديثة أو قديمة في العصر الحديث لكن السنة القبطية شهورها مرتبطة بأسماء عربية تطورت عن أسماء كمتية قديمة

و في النهاية نهنئ أنفسنا جميعا برأس السنة القبطية/المسيحية كموسم من مواسم أعيادنا التي تنتشر على مدار العام دون أن ننسى ان العيد الرئيسي التقويم المصري الحقيقي هو في 29 يوليو يوم الشروق الاحتراقي لنجم الشعرى.

و كل عام وانتم بخير

تحريرا في يوم/

الأحد 15/02/01/6264 كمتية

الموافق 11/09/2022 ميلادية

الميقاتي

أحمدشوقي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إدارة المجلة تنوه على أن حقوق الملكية الفكرية تعود إلى كاتب المقال

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.