كاسل الحضارة والتراث

كاسل الحضارة والتراث

الأَسّرة المصرية القديمة

بقلم/مي شريف العناني مفتشة آثار الدقهلية_باحثة دكتوراة

لعلنا جميعًا نتساءل عن حياة المصري القديم وأدواته التي كان يستخدمها، ونظرًا لما يتميز به الأثاث المصري القديم من البساطة والجمال وحسن الزخرفة فسوف أتناول هنا عزيزي القارئ في هذا المقال الأَسّرة عند المصري القديم، وأنواعها، وأشكالها.

أُطلق على الأَسّرة في النصوص المصرية القديمة عدة مسميات منها  ATwt، Hta, Hati، Hnkyt بمعنى "سرير".

أستخدم المصري القديم الأَسّرة منذ أقدم العصور، وكانت في البداية عبارة عن أغصان نباتية معقوفة، وكانت قليلة الإرتفاع ذات إطارات مستطيلة الشكل توضع عليها عوارض خشبية، أو سيور من الجلد، أو حبال من ألياف النبات، وشُكلت قوائمها على هيئة أرجل حيوانية.

استخدمت الأَسّرة في الحياة الدنيا كما استخدمت في الحياة الآخرة. ومن أروع الأَسّرة التي عُثر عليها هي أَسّرة الملك توت عنخ آمون، حيث عُثر في مقبرته على سبعة أَسرة منهم ثلاثة أَسّرة جنائزية، وأربعة للحياة اليومية، وذلك في الحجرة الأمامية والحجرة الملحقة بمقبرته. حيث كان الملوك يدفنوا معهم في مقابرهم الأشياء التي كانت تُستخدم أثناء حياتهم، وأخرى جنائزية صُممت لتضمن بعثهم من جديد في العالم الآخر.

وكانت تُشكل أَسّرة الحياة اليومية من الخشب، حيث كانت عبارة عن إطار خشبي يرتكز على أربعة قوائم، وكان يتم ملء فراغ الإطار بخيوط كتانية مجدولة، أو حبال من ألياف نباتية هشة لينة تكفل الراحة أثناء النوم، وأغلب الأَسّرة كانت منخفضة الإرتفاع. ويبلغ عدد الأَسّرة التي اُستخدمت في الحياة اليومية للملك توت عنخ آمون أربعة أَسّرة، ثلاثة منهم مزخرفين ومطلين بالذهب، والرابع من النوع الذي يطوي، وكانت أقدام هذه الأَسّرة منخفضة عن الرأس لتحقيق الراحة أثناء النوم، ولضمان دورة دموية جيدة.

أما الأسرة الجنائزية فشُكلت غالبًا بأشكال حيوانية، وذلك لتجسيد قوة الحيوان فيها، حيث أن هناك علاقة بينها وبين إعادة الحياة، وطبقًا للديانة المصرية القديمة فإن المتوفى عندما يوضع على هذا السرير فيولد كالشمس أو الإله رع في العالم الآخر، بالإضافة إلى إستخدام هذه الأَسّرة لوضع تابوت المتوفي أثناء رحلة الحج لأبيدوس، بالإضافة لإستخدامه أثناء عملية التحنيط. ومن أروع الأَسّرة الجنائزية التي عُثر عليها هي أَسّرة الملك توت عنخ آمون، والتي يبلغ عددها ثلاثة أَسّرة، وشُكلت من الخشب المطلي بالذهب بشكل حيوانات مُقدسة، واستخدمت هذه الأَسّرة أثناء الشعائر الجنائزية حيث يوضع جسد الملك المتوفى على هذه الأَسّرة ليكون تحت حماية الثلاث إلهات وهم محت (أنثى الأسد)، ومحيت ورت (بقرة السماء)، وعموت (تاورت) ، فهذه الأَسّرة تمثل ثلاثة مراحل لعملية البعث، حيث يرفع المتوفى للسماء بواسطة البقرة، وبعث من ولادة جديدة بواسطة فرس النهر من الإلهة تاورت العظيمة التي تحمي النساء والحوامل، وأخيراً سرير بشكل الأسد المرتبط بالبعث. ويلاحظ زخرفة قدم السرير بالجد والتيت وذيول الحيوانات المقدسة. وهذه الأَسّرة الهدف منها هو تحقيق البعث والخلود في العالم الآخر.

مظاهر عيدي الفطر والأضحى بين الطقوس الرسمية والعادات الشعبية في مصر المملوكية

 د/ إيمان صلاح عطاطة

إن عيدي الفطر والأضحى من الأعياد الشرعية عند المسلمين والتي كان لها مظاهر خاصة، تنوعت بين الطقوس الرسمية للسلاطين المماليك وطبقتهم وبين العادات الشعبية لأهل مصر.

احتفل سلاطين المماليك بعيدي الفطر والأضحى المبارك رسميًا من خلال بعض الطقوس والممارسات التي كان لها ترتيب وتنظيم معين يبدأ بأداء صلاة العيد فكان السلطان المملوكي يخرج يوم في أول العيد في موكب ضخم لأداء فريضة صلاة العيد ، فينزل إلى الميدان ويكون نزوله وصعوده من باب خاص من دهليز البلاط السلطاني الذي لا يخرج منه إلا في هذه المناسبات غالبًا ، واختلف مكان صلاة العيد فكان سلاطين المماليك البحرية قد اختاروا ميدان العيد لأداء صلاة العيد حيث مكان متسع يتوفر فيه عنصر الفرجة وإظهار هيئة السلطان المملوكي في موكب العيد وذلك على عكس سلاطين المماليك البرجية الذين اختاروا جامع القلعة لأداء صلاة العيد، وفي الميدان يحضر خطيب المسجد فيخطب ويصلي صلاة العيد وبعد الإنتهاء من سماع الخطبة وصلاة العيد يركب السلطان المملوكي ليعود إلى الإيوان الكبير بالقلعة ويكون ذلك بموكب ضخم فيحيط بالسلطان كبار رجال الدولة والقضاة والأمراء الخاصكية وأمامه الأمراء الطبردارية والمشاعلية ويشق شوارع القاهرة وسط تجمع عوام القاهرة.

وعند الإنتهاء من الصلاة يعود السلطان المملوكي إلى بلاطه ليتقبل التهاني ويُمد سماطًا عظيمًا ويُسمى سماط العيد ويحتوي على كل أنواع الأطعمة الفاخرة والمشروبات، ويكون هذا السماط مكلفًا حيث أنه بلغ في بعض الأحيان أكثر من خمسين ألف دينار، وقد كان للسماط السلطاني ترتيبه ونظامه فيكون مكان السلطان على رأس السماط في حين يجلس الأمراء على يمينه ويساره على قدر مراتبهم في القرب من السلطان المملوكي.

ويتم توزيع الخلع والهدايا لكبار الدولة في آخر مرحلة من مراحل الإحتفال الرسمي بالعيد، حيث يقوم ناظر الدولة المملوكية بإعداد الخلع مسبقًا ، وقد تختلف الخلع باختلاف مراتب الأمراء وموظفي الدولة.

ومن الطقوس التي قام بها بعض السلاطين المماليك بمناسبة عيدي الفطر والأضحى  قيامهم بالإفراج عن بعض المساجين للظهور بمظهر التسامح وإكرامًا لهذه المناسبة الدينية ، كذلك بعض نساء البلاط المملوكي اللاتي حرصن على هذه المناسبة ومنهن خوند تتر الحجازية ابنة السلطان الناصر محمد بن قلاوون فخصصت لعدة من الطواشية كانوا يقومون على خدمة مدرستها المعروفة بإسمها الكثير من الهبات وكان يُصرف لهم كعك عيد الفطر.

أما عن الطقوس الرسمية لعيد الأضحى فقد حرص السلاطين المماليك بعد أداء الصلاة التوجه لذبح الأضاحي وتوزيع اللحوم على الخواص والعوام ، كما حرص بعض الأمراء المماليك على توزيع الهدايا على المقربين منه كالأمير قوصون الساقي الذي أنعم على المقربين منه بألف رأس من الغنم وثلاثمائة رأس من البقر في عيد الأضحى سنة 742ه/1341م .

أما أهل مصر المملوكية من الشعب فكان لهم بعض العادات في عيد الفطر والأضحى والتي لا زالت موجودة ومتبعة في المجتمع المصري حتى يومنا هذا حيث أنها جذوراً ممتدة، منها كان البعض يسهر حتى الساعات الأولى من الصباح في إعداد الملابس الجديدة والبعض الآخر يحتفل بهذه المناسبة بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم ويتوجه الرجال مع طلوع النهار لأداء صلاة العيد في تجمع كبير وهم يهللون ويكبرون حتى يصلوا إلى المسجد.

وكانت نساء الشعب المصري تنشغل ليلة عيد الفطر بعمل الكعك والحلوى وينتشرن في الأسواق لشرائها ولشراء الهدايا للصغار، لذلك فقد ازدهرت بعض الأسواق في موسم عيد الفطر لكثرة ما كان يصنع من أنواع الكعك الذي كان يتم الإعداد من منتصف شهر رمضان حتى إذا حل عيد الفطر امتلأت أسواق مصر بأصنافه المتنوعة، ويعيب الفقيه ابن الحاج على المسلمات والمسلمين شراء الكعك من اليهود.  

كما اعتادت بعض نساء الشعب المصري الخروج إلى القرافة صباح أول أيام عيدي الفطر والأضحى، حيث يمرحون ويغنون ويستمع بعضهن إلى الوعاظ والمحدثين من القصاصين والقراء، كما اعتدن أن يلبسن ويتحلين ويتجملن فيه بغاية الزينة ويذهبن إلى القبور متكشفات ويشير ابن الحاج أنهن خلعن جلباب الحياء عنهن، فيشاهد زائر المقابر أحوالهن على هذه الصفة المذمومة -على حد وصفه-، وكان البعض رجالاً ونساءً يقصد شواطئ النيل ويستأجر القوارب للنزهة والاحتفال، ونتيجة لحدوث بعض المفاسد أصدر السلطان الظاهر برقوق سنة (784ه/1382م) مرسومًا بعدم خروج النساء إلى القرافة أو التنزه في النيل ومن وُجدت قُبض عليها لمنع اختلاطهن بالرجال ، كما يعيب ابن الحاج عليهم التوجه إلى اللهو وترك إحياء ليلة العيد بالقرآن الكريم والابتعاد عن الدين والشرع لمذات الدنيا.

ومن العادات التي ألفها أهل مصر تناول السمك المملح المشقوق في أول أيام عيد الفطر، وتتبادل الأسر المصرية التهنئة بالعيد ويتبادلون الكعك والحلوى مع جيرانهم من مسلمين ومسيحيين.

وفي عيد الأضحى فكان البعض يجهز الأضاحي منذ ليلة العيد ، وجرت عادة بعضهم على عدم ذبح الأضاحي في العيد بالرغم من قدرتهم ، وكانوا يكتفون بشراء اللحوم من الجزارين في الأسواق

وترى الباحثة أنه في مثل هذه المناسبات كان المجتمع المصري يرفه عن أنفسهم، فإن هذا لا يمكن تفسيره في إطار "الشرع" كما يحلو ذلك لبعض المعاصرين من المؤرخين بل على العكس فإن هذه الممارسات كانت تمثل نوعًا من الاحتجاج لضياع حقوقهم الطبيعية في الحياة الكريمة من جراء التمايز الحاد بين الطبقة الحاكمة والسواد الأعظم من الطبقة المحكومة ، بل ونعد هذه المناسبات والتفاعل فيها مظهر من مظاهر الاندماج الاجتماعي بين فئات المجتمع المصري.

 

قائمة المصادر والمراجع

ابن الحاج: المدخل ، مكتبة دار التراث، القاهرة، (د.ت)

القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، ط3، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2010م

المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك، ج3، ج4، تحقيق سعيد عبد الفتاح عاشور، ط3، مطعبة دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2006م

المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية، تحقيق محمد زينهم، مديحة الشرقاوي، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1998م

إيمان صلاح عطاطة: نساء العامة في مصر خلال العصر المملوكي، دار زهراء الشرق، القاهرة، 2020م

إيمان صلاح عطاطة: دور نساء البلاط في مصر في العصر المملوكي "648-923ه/1250-1517م" ، رسالة ماجستير غير منشورة ، كلية الآداب، جامعة طنطا، 2016م

محاسن الوقاد: الطبقات الشعبية في القاهرة المملوكية، سلسلة تاريخ المصريين 152، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999م

"جبانة مير" جبانة عاصمة الاقليم الرابع عشر

بقلم شيماء محمد القاضي

مرشدة سياحية وباحثة آثار

تركت لنا الحضارة المصرية القديمة كل ما هو غالي وثمين، فعلي مر عصورها المختلفة تبقي مصر بحضارتها وروعتها بقيمتها وقامتها بين الأمم والشعوب وخير شاهد علي ذلك نجده في مقابر الأفراد خلال عصر الدولتين القديمة والوسطي بمناظر كثيره جدأ في حالة جيدة من الحفظ تدل علي مدي قوة ونفوذ هؤلاء الحكام في هذه الفترة.

 وتعتبر المقبرة هي المنزل الأبدي للمصري القديم فيها تحفظ مومياؤه ويقدم له القرابين وتتلى له الصلوات،وصورت علي جدران المقابر مناظر للحياة اليومية بأحداث ذات طابع ديني وطابع جنائزي.

تقع جبانة مير علي الضفه الغربية لنهر النيل بمركز القوصية والتي تبعد 65 كم شمال غرب أسيوط، تضم مجموعة من المقابر المنحوته في جسم الجبل وهي مقابر حكام الأقاليم والذين يمثلون حكام الاقليم الرابع عشر واطلق عليه باللغه المصريه القديمه "بحتت جفاي" وكان معبودها الألهه حتحور والتي لقبت بسيدة الغرب وغيرها من الألقاب.

تحتوي جبانة مير علي خمسة عشرة مقبرة،تسع منهم يرجع لعصر الدولة القديمة خاصة الأسرة السادسه ،والست الباقية يرجع لعصر الدولة الوسطي خاصة الاسرة الثانية عشر وقسمهم بلاكمان الي خمس مجموعات .

المجموعة الأولي تضم (ني عنخ ببي كم- ببي عنخ حني كم- اوخ حتب بن ايام-حبي كم)

المجموعة الثانيه (سنبي ابن اوخ حتب- اوخ حتب ابن سنبي- سنبي ابن اوخ حتب- اوخ حتب ابن اوخ حتب ومرسي)

المجموعة الثالثة (اوخ حتب ابن اوخ حتب وحني حر ايب الاوسط)

المجموعة الرابعة (ببي- ببي عنخ حرايب)

المجموعة الخامسة (ميني- ننكاي- بيبي عنخ ثيتو)

* اهم المناظر في مقابرالدولة القديمة

منظر في مقبرة "ني عنخ ببي كم" حيث صور صاحب المقبرة في الناحية الشرقية بحجم كبير واقفًا وهو يشاهد الأعمال المختلفة وصور أمامه القابه في سطرين وصور خلفه زوجته "عنخ اس ان تتي".

ومنظر في مقبرة "ببي عنخ حني كم" صور صاحب المقبرة واقفا بالحجم الكبير يرتدي نقبه طويله وقلادة عريضة وامسك اثنين من ابنائه في يده وهذا منظر يشبه منظر في مقبرة "مرروكا"بسقارة.

يوجد في مقبرة ببي عنخ حني كم ايضًا حجرة السرداب والتي كانت تستخدم في الأصل لوضع تماثيل صاحب المقبرة وتم استغلالها بعد ذلك لتصبح حجرة للدفن ضمت هذه الحجره 365 منظر لببي عنخ حني كم من اسفل ،ومن اعلي منظر المسيرة الجنائزية.

*أهم المناظر في الدولة الوسطي

منظر في مقبرة " ببي عنخ حر ايب " يشغل المنظر الجدار كله يصور ببي عنخ وزوجته جالسين امام مائدة قرابين كبيرة الحجم واسفل المائده موائد صغيره وعليها اوانى حيث صور ببي عنخ يرتدي نقبة قصيرة وقلادة عريضة ويضع باروكه ولحيه ويمد يده اليمني الي المائده وصورت زوجتة ترتدي رداء طويل حابك وقلاده عريضة علي صدرها وتمسك في كلتا يديها زهور اللوتس .

ومنظر في مقبرة "اوخ حتب ابن اوخ حتب وحتي حر ايب"

صور في الصفين الاول والثاني سبعة عشر سيدة في صفين وهن يمسكن في ايديهن زهور اللوتس ويؤدين بعض الرقصات.

رسوم الأفيال الصخرية في صحراء مصر الشرقية

بقلم - محمود توني شعبان كامل

باحث دكتوراه بكلية الأثار- جامعة الفيوم

في إطار الدراسات البحثية التي يجريها الباحث في البحث والكشف عن كنوز وثروات مصرنا الحبيبة, تم الكشف عن بعض النقوش الصخرية بصحراء مصر الشرقية والتي لم يتم نشرها حتى الآن, وقوام هذه النقوش الصخرية بعض رسوم الأفيال المنفذة على واجهات الصخور بطريقة الحز والكشط, حيث نُفذت الخطوط المحددة لشكل الفيل الخارجي بطريقة الحز, في حين استخدم الكشط للمناطق الداخلية للرسم الصخري.

وقد تم العثور على رسوم الأفيال الصخرية في صحراء مصر الشرقية وخاصة في الجزء الجنوبي منها علي امتداد الطريق البري القديم بيرينيكي، ذلك الطريق الذي يربط بين مدن وادي النيل مثل  مدينة قفط ومدينة قوص ومدينة أدفو وأسوان بساحل البحر الأحمر حيث مدينة بيرنيس.

وبالبحث والتحري والربط بين تلك الرسوم الصخرية للأفيال وما ذكرته المصادر والوثائق القديمة تبين لنا أن طريق بيرينيكي قد شهد رواج تجاري كبير في القرن الثالث قبل الميلاد، ومن هذه الأنشطة تجارة الأفيال الإفريقية القادمة من أثيوبيا Ethiopia لصالح البطالمة في الإسكندرية، حيث كانت الأفيال تستخدم في العصر الهلنستي بوجه عام في الحروب البرية, كما ذكرت المصادر التاريخية استخدام البطالمة للأفيال في معركة رفح عام 217 ق. م, حيث استخدم بطليموس الرابع حوالي 73 فيلا إفريقيا في هذه المعركة، وقد نصت إحدى الوثائق التي وردت في خطاب مُؤرخ بعام 224 ق.م كتبه أحد المصريين في بيرينيكي( برنيس) إلى أُناس يعيشون في محطة تقع إلى الجنوب من بيرينيكي, يخبرهم بأن رحلة قد أُنفذت إلى الجنوب لإحضار أفيال جديدة, ويُطمئنهم بأن هذه الأفيال سوف تصل إلى بيرينيكي, وهي في طريقها إليهم مع إمدادات الحبوب.

وقد أضاف الدكتور محمود سيف الدين أحمد جمعة أستاذ الأثار المصرية المساعد بكلية الأثار جامعة القاهرة أن إحضار الفيلة كان يتم عن طريق إرسال بعثات للصيد، حيث تُجمع من منطقة القرن الإفريقي وتُرسل من ميناء أنشأ خصيصا لهذا الغرض في العصر البطلمي إلى برنيس في مراكب مخصصة لنقل الفيلة، وقد ترك رؤساء هذه البعثات كتابات صخرية في أماكن متعددة على امتداد هذا الطريق وفي مدينة إدفو نفسها، ومن الجدير بالذكر العثور على جزء من ناب فيل في برنيس. وتشهد الصحراء الشرقية منذ فترة ليست بالقصيرة أعمال مسح وحفائر أثرية سواء على طول طرقها أو في المحطات التي تمر عليها.

وهنا تأتي أهمية الوثائق والمصادر التاريخية الكلاسيكية في المساعدة في عمليات تأريخ بعض الرسوم الصخرية الغير مؤرخة والتي لا تحمل أية نقوش أو كتابات تساعد على معرفة الفترة الزمنية التي نُفذت بها، كما ساعدت تلك الوثائق والمصادر في الربط بين الشكل والمضمون لتلك الرسوم الصخرية والتعرف علي ماهية تلك الرسوم ومضامينها ودلائلها، فقد دلت رسوم الأفيال علي أن المواقع التي وجدنا بها تلك الرسوم تمثل استراحات أو محطات كانت تتوقف فيها تجارة الافيال للمبيت أو الاستراحة أثناء السير، فقد كانت القوافل قديما تقطع طريق فقط- بيرينيكي في 20 يوم، وهذا يتطلب بالأحرى إجراء أعمال المسح الأثري لتلك المواقع للكشف عن الشواهد الأثرية الباقية كأحواض سقي الماء أو الآبار.... إلخ، لأن عمليات الرسوم الصخرية وتنفيذها كانت تنفذ على الصخر أثناء فترات التوقف وليس أثناء  السير، هذا إلي جانب أن هذه الرسوم الصخرية قد قدمت لنا لمحة هامة وموثقة عن شكل الأفيال الافريقية في ذلك الوقت( القرن الثالث قبل الميلاد)، كما ساعدت تلك الرسوم في الكشف عن تلك الطرق القديمة وتعينها ورسم ملامحها ومساراتها من خلال تتبع تلك الرسوم لمعرفة الوديان التي كانت تمر بها تلك الأفيال في طريقها البري من برنيس علي ساحل البحر الأحمر وصولا إلى وادي النيل.

لمحات من التناول القانوني والفني للاثار المنقولة طبقا لقانون حماية الاثار

بقلم دكتور / محمد عطية محمد هواش

مدرس بقسم الترميم – كلية الآثار – جامعة القاهرة

باحث دكتوراه في القانون الدولي الخاص

الاثار المنقولة طبقا للمواد 6 , 3 من قانون حماية الاثار تعتبر من قبيل المال العام والتي تخضع لانواع الحماية المكفولة للمال العام مثل عدم جواز الحجز عليها او التصرف فيها او تملكها بالتقادم اضافة الي الحماية المكفولة بقانون حماية الاثار 117 لسنة 1983 .

وأوضحت المادة 28 من القانون 117 لسنة 1983 نوعي الاثار المنقولة  التي يتوجب علي المجلس الاعلي للاثار حفظها وجاء نص المادة كالتالي

 " تحفظ الاثار المنقولة وما تتطلب الاعتبارات الموضوعية نقله من الاثار المعمارية . وتوضع في متاحف المجلس ومخازنه ويتولي المجلس تنظيم العرض فيها وادارتها بالاساليب العلمية . وصيانة محتوياتها ومباشرة وسائل الحماية والامن الضرورية لها . واقامة معارض داخلية مؤقته تتبعه. وللمجلس ان يعهد للجامعات المصرية بتنظيم وادارة المتاحف الكائنة بها وبكلياتها . مع ضمان تسجيلها وتامينها . وتعتبر متاحف ومخازن الاثار في كل هذه الاحوال من املاك الدولة "

وباستقراء النص السابق يتضح ما يلي : ان الاثار المنقولة هي المرادف للاثار المتحفية وايضا يعتبر من الاثار المنقولة والمتحفية تلك العناصر التي يتم انتزاعها من الاثار العقارية ,  الاثار المنقولة من اهم استخداماتها الثقافية العرض في المتاحف بشتي انواعها  ويشرف علي العرض المتحفي وينظمه المجلس الاعلي للاثار وتتضمن المادة ايضا مسؤولية المجلس عن صيانة وترميم الاثار المنقولة في المتاحف التابعة له او في غيرها مثل اصحاب الحيازة او المنقولات في المباني الاثرية . واكد علي ذلك صدر المادة 30 من القانون والتي اوضحت مسؤولية المجلس عن اعمال الصيانة والترميم لجميع الاثار وهنا يثار نوع من المسؤولية ان اي اضرار او تلفيات تصيب الاثار وخاصة المنقولة منها تصبح مسؤولية المجلس الاعلي للاثار .

ويتضح من المادة 30 ايضا ان هناك جهات اخري غير المجلس مسؤولة عن ترميم وصيانة الاثار العقارية والمنقولة وهذه الفئات شملها عجز المادة والتي كان نصه " ويجوز لرئيس مجلس الادارة بعد موافقة اللجنة الدائمة المختصه ان يرخص للهيئات والبعثات العلمية المتخصصة بأداء عمليات الترميم والصيانة تحت اشراف المجلس كما يجوز الترخيص كتابة بها للافراد المتخصصين .

وتحويل اجزاء من الاثر العقاري الي ما يعتبر من قبيل المنقول امر جائز كما سبق الاشارة اليه لكن في حالة الضرورة اما في حالة حدوث ذلك دون اذن من المجلس يعتبر جنحة تكون عقوبتها طبقا للمادة 43 الحبس مدة لاتقل عن سنة ولا تزيد عن خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن عشرة الاف جنيه ولا تزيد علي مائة الف جنيه.

وهنا يجب التاكيد علي ان الاجزاء المنتزعه التي تحولت الي مقتنيات متحفية وصارت طبيعتها منقولة لا تتم الا بمعرفة المجلس دون غيره والا اعتبر ذلك جريمة تستوجب العقاب  .

ومن مهام المجلس بشأن التعامل علي الاثار المنقولة الامور التالية

  • الحصر
  • التصوير   
  • الرسم
  • التسجيل
  • تجميع البيانات المتعلقة بالاثر

حيث جاء نص المادة 45 كالتالي

يتولي المجلس من خلال القطاعات والادارات التابعة له . حصر جميع الاثار الثابته والمنقولة وتصويرها ورسمها وتسجيلها وتجميع البيانات المتعلقة بها في السجلات المعدة لهذا الغرض ومن خلال قاعدة بيانات علي الحاسب الالي في جميع المواقع والمناطق الاثرية والمتاحف .

وتعتبر جميع الاثار مسجلة اذا كانت مقيدة بالسجلات المخصصة لذلك او مدرجة بقواعد البيانات عند العمل بالقانون

وبتحري اجراءات تسجيل الاثر المنقول

تتبع الاجراءات التالية عند تسجيل اي منقول في عداد الاثار طبقا للمادة26 من القانون

  1. تثبت اثرية القطعة المنقولة المكتشفة او المضبوطة او المستردة او التي عثر عليها مصادفة او نتيجة الحفر خلسة , من خلال تقارير علمية تعدها اللجان الاثرية بالمجلس او البعثات العلمية التي اكتشفتها , وتتضمن وصفا اثريا للقطعه والحقبة الزمنية والتاريخية التي ترجع اليها وفقا للمادتين 1, 2 من القانون
  2. يتم تصوير القطعة من جميع الاتجاهات
  3. تسجل القطعة في سجلات قيد الاثار المعدة لهذا الغرض وذلك بعد العرض علي اللجنة الدائمة المختصه واعتماد مجلس الادارة
  4. تشمل بيانات التسجيل مكان وتاريخ اكتشاف او ضبط او استرداد القطعة او العثور عليها والوصف والمادة المصنوع منها والرسوم والنقوش التي عليها , وصورها الفوتوغرافية , ومقاساتها وابعادها ووزنها اذا كانت معدنا نفيسا

ويتضح من المادة السابقة مصادر القطع الاثرية  المنقولة التي يرجي تسجيلها وهي

  • الاثار المنقولة المكتشفة في الحفائر
  • الاثار المضبوطة نتاج جرائم تقع علي الاثار طبقا للباب الثالث من القانون ( احراز) حيث تعاد الي المجلس الاعلي للاثار بعد الحكم في القضية وهنا لا يفوتنا ان ننوه ان تلك المقتنيات اثناء نظر الدعوي وقبل الحكم لاتكون في حوزة النيابة العامة بل يتولي المجلس حفظها خاصة اذا كانت تتطلب ظروف حفظ معينة .وبعد الحكم اما تعود للحائز او يتم مصادرتها لحساب المجلس .
  • الاثار المستردة من الخارج والتي كان خروجها غير مشروع اي خرجت بعد اتفاقية اليونسكو 1972
  • المقتنيات التي عثر عليها مصادفة اثناء اي نوع من الاعمال التي تجري علي الاراضي مثل اعمال البناء او المرافق
  • المقتنيات نتاج الحفر خلسة في حالة ضبطها .

ويتضح هنا تعدد مصادر المقتنيات الاثرية ومن الملاحظات القيمة ان غالب تلك المصادر هي متحصلات مخالفات ربما تصل الي جرائم وهذه الملاحظة تخص الاثار المنقولة عن الاثار العقارية حيث ان تناول الاثار المنقولة سهل بعكس الاثار العقارية وهو مايجعلها عرضة لان تكون محلا للافعال المجرمة قانونا مقارنة بالمباني الاثرية .

أسوان مدينة و اسم له تاريخ

بقلم / جمال احمد حسن

تحتفل محافظة أسوان بعيدها القومي فى الخامس عشر من شهر يناير كل عام ، و تتزامن هذه الذكرى مع الاحتفال بإنهاء العمل فى أكبر مشروع هندسى فى القرن العشرين ، مشروع "السدالعالى"الذى تم إفتتاحه فى 15 يناير عام 1971 جنوب أسوان .

و نستعرض فى هذه السطور أهم المعلومات عن أسوان ، وسبب تسميتها بهذا الإسم  و أشهر المعالم الاثرية و السياحية بها  

تقع محافظة أسوان  فى أقصى جنوب بلدنا الحبيب مصر ، على الضفة الشرقية للنيل عند منطقة الشلال الاول ، و تبعد عن القاهرة بحوالى 899 كم .و يحدها شمالا محافظة الاقصر ،  و شرقا محافظة البحر الأحمر ، و غربا محافظة الوادى الجديد ، و جنوبا دولة السودان ، و يبلغ عدد سكانها حوالى 1،5مليون نسمة .

  و تعد أسوان البوابة الجنوبية لمصر ، حيث انها تمثل آخر محافظات مصر جنوبا ، فهى بمثابة البوابة الى قلب القارة الافريقية ، وحلقة الوصل بين مصر و السودان .                               

تضم  محافظة أسوان عدة مدن هامة هى : مدينة ادفو شمالا ،  نصر النوبة  ، دراو ، كوم امبو ، و مدينة اسوان نفسها عاصمة المحافظة ، و مدينة ابوسمبل جنوبا ، كما تضم أيضا قرى التهجير النوبية .

 ( تسمية أسوان ) :                                                                                                                   

 عرفت أسوان فى اللغة المصرية القديمة باسم " سونو " التى تعنى السوق ، حيث كانت سوقا و مركزا تجاريا للقوافل بين مصر و بلاد النوبة ، وقد حرف الاغريق التسمية الى" سين " ،  ثم اطلق عليها الاقباط اسم " سوان " ، و عندما جاء العرب فى القرن السادس الميلادى اضافوا حرف الالف الى أول الاسم لتسهيل نطق الإسم فأصبحت تنطق " أسوان " .

 

و تعتبر أسوان من اجمل مشاتى مصر ، بل و العالم كله ، حيث تتمتع بالمناخ الجاف المعتدل ، و الشمس الدافئة ، والطقس الشتوى الرائع ، و الهدوء ، و الطبيعة الساحرة .

  اهم المعالم الاثرية و السياحية بأسوان

معبد ادفو ،  معبد كوم امبو ،  معابد جزيرة فيلة ، المسلة الناقصة ،  مقابر النبلاء المنحوتة فى صخور الجبل غرب اسوان ،  أثار جزيرة إلفنتين - عاصمة اسوان  فى مصر القديمة -  جزيرة سهيل حيث لوحة المجاعة ، و آثار النوبة التى تم إنقاذها بواسطة هيئة اليونسكو من الغرق تحت مياه بحيرة ناصر و لعل أهمها : معبدى ابو سمبل للملك رمسيس الثانى جنوب أسوان بحوالى 280 كم ، و المنحوتان نحتا كاملا فى صخر الجبل  ، بالإضافة إلى معبد كلابشة ، معبد بيت الوالى ، معبد جرف حسين ، مقصورة قرطاسى ، معبد وادى السبوع ، معبد الدكة ، ومعبد المحرقة ، معبد عمدا،  و معبد الدر .                                                                           و من المتاحف الهامة بأسوان : متحف النوبة ، متحف جزيرة إلفنتين ، و متحف النيل .                                                                                  

و من الآثار الاسلامية : المقابر الفاطمية القبلية ، جبانة العنانى البحرية ، و مآذن بلال ..  و من الآثار القبطية : دير الأنبا هدرا المعروف بإسم  دير الانبا سمعان .                                                                                                                        

و كذلك من اهم المزارات و المعالم السياحية بأسوان  :

السد العالى ، بحيرة ناصر ، وخزان أسوان ، جزيرة النباتات ( الحديقة النباتية ) ، و محمية سالوجا و غزال .

"دور المتاحف الاثنوغرافية في الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي" دراسة حالة مُتحف النوبة

بقلم - هدى سلامه عبد الحميد عبود

 باحثة ماجستير بكلية الآثار- جامعة الفيوم

    يُعد التراث الثقافى غير المادى( غير الملموس) وهو ما يتمثل في  جميع الموارد الثقافية والمعارف والإبتكارات وممارسات المجتمعات ويتكون أيضاً من عادات الناس وتقاليدهم، مايعبرون عنه من آراء وأفكار ومشاعر يتناقلونها جيلاً بعد جيل، جزءً من الذاكرة الشعبية والوطنية والإنسانية ينبغى للمعنيين فى كل بلد الاهتمام به وتوثيقه وحمايته من الضياع والنسيان,لاسيما أنه تراث روحى أومعنوى يؤدى إهماله أو التهاون فى حفظه إلى جعله كذارت تنثرها ريح الزمن حتى تختفى, وبذلك ينسى تدريجيا وقد يجئ زمن لا يذكر عنه شيئا كأنه لم يكن يوما ويفقد بذلك خصوصيته وهويته التراثيه نظراً لغياب شرط التناقل جيل بعد جيل.

     لقد شهدت مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين إرهاصة نوعية تمثلت في إنشاء مايعُرف بالمتاحف الاثنوغرافيه وهي المتاحف التي تتطرق الى الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي مثل العادات والتقاليد،الحرف التقليدية وغيرها،ويُعتبرمُتحف النوبة في أسوان  نموذج أفضل للمتاحف الاثنوغرافية في مصر والوطن العربي؛ حيث يضم مجموعات متنوعة من المقتنيات التي تُعطي صورة متكاملة عن الحياة النوبية في سياق الحضارة المصرية عبرالعصور المختلفة، ويستعرض المُتحف أهم العادات والتقاليد واللغة النوبية، وتحاول هذه الدراسة عرض الدور الهام التي تلعبه المتاحف الاثنوغرافية في الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي وذلك من خلال دراسة تطبيقية على مُتحف النوبة في اسوان. حيث تبتغي الدراسة مناقشة كيفية تقديم التراث النوبي والحياة النوبية من خلال عملية العرض المتحفي في مُتحف النوبة.

جاء ذلك فى بحثى حول دور المتاحف الاثنوغرافية في  الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي تطبيقا على متحف النوبة، الذى قدمته ضمن  فعاليات المؤتمر الدولى الأول في مجال التراث اللامادى والذى عقد بمركز الآثار بالمعهد الثقافى الايطالى بالقاهرة بالشراكة مع مؤسسة مصر المستقبل في الفترة من 5-7 يوليو 2022، وهو أول المؤتمرات الدولية العلمية المتخصصة في التراث غير المادي المصري والوطن العربي، بالتعاون مع عدة مؤسسات وهيئات متخصصة في الحفاظ على التراث الثقافي ومن بينها مؤسسة مصر المستقبل للتنمية والابتكار والمعهد الثقافي الإيطالي بالقاهرة.

 تضمن البحث المشارك بالمؤتمر إطلاله حول دور المتاحف الاثنوغرافية في الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي تطبيقا على متحف النوبة وتطرق إلى دور المتحف في الحفاظ التراث الانساني بنوعية  وتحدث عن   التراث الثقافي غير المادي المتمثل في العادات والتقاليد وافكار الناس والطقوس والاحتفالات  وأهمية حماية هذا النوع من التراث الغير ملموس (الروحي) والحفاظ علية من الاندثار ، مستشهدة بمتحف النوبة في محافظة اسوان، وكيف استخدم متحف النوبة افضل أساليب العرض المتحفي في تقديم التراث النوبي واهم سمات الحياة النوبية وكيفية الحفاظ عليها ،حيث قدم المتحف مظاهر الحياة في المجتمع النوبي واللغة النوبية واهم ممارسات المجتمع النوبي

وقد أشاد المشاركون بفعاليات المؤتمر بأهمية دور المتاحف الاثنوغرافية في الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي تطبيقا على متحف النوبة في اسوان بأعتباره من أهم المتاحف الاثنوغرافية في مصر والوطن العربي،  شارك بفعاليات المؤتمر أكثر من ١٢٠ باحثا في كافة مجالات التراث اللامادي

 

الجلابية في التراث المصري

بقلم د. محمد إبراهيم

أستاذ مساعد – كلية الآداب – جامعة بنى سويف  

يعتبر الزي جزءا لايتجزأ من تراث أي بلد يسكنها الناس والذي يعبر عن الكثير من تاريخ وعادات وتقاليد الشعوب , كما يعكس صورة المجتمع والحياة في كل عصر, ومن المعروف ان تطور الملابس يمر تدريجيا ويستغرق وقتا طويلا ليتحول من البساطة إلي الأكثر تعقيدا مع التأثر بالعصر السابق عليه, علي الجانب الآخر تعكس الملابس الهوية القومية لأهل البلد والمعبرة عن حضارتها وتراثها .

وتعد الجلابية من أكثر أجزاء الملابس التي تحمل تراثا كبيرا في ذاكرة المصريين, فلاتزال هي الزي الشعبي واحيانا الرسمي  لأبناء القري والفلاحين في مصر مع ماتحمله من تأثيرات حضارية تمتد لعصور كثيرة مرت علي مصر .

والجلابية أو الجلباب من أسماء الملابس التي ذكرت في القرآن الكريم , قال تعالي :

( ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدني أن يعرفن فلايؤذين)وهو حث مباشر للنساء – في ذلك الوقت – لطريقة ارتداء الحرائر من النساء للجلابية.أما عن وصف الجلابية فهي عبارة عن قطعة قماش كبيرة تصل إلي 3 أو4 امتار تفصل علي مقاس الجسم وتكون واسعة معظم الوقت, لستر الجسد من العنق حتي القدمين , فتعطي راحة للجسم في الحركة قياما وجلوسا .

وتعد الجلابية موروثا مصريا من التراث المصري القديم ( الفرعوني )مع تاثيرات عربية عرفها المصريين من الحضارات اللاحقة خاصة التراث العربي والإسلامي, وفي هذا الصدد لبعض المؤرخين آراء وتفسيرات كثيرة , لكن المؤكد أن الجلابية المصرية تختلف في تصميمها وشكلها عن الجلابية العربية والهندية والسودانية والمغربية , إذ ان لكل بيئة وكل شعب طابع خاص ميزه عن غيره في ارتداء أنواع واشكال الملبس .فبعض الشعوب عرفت عندها الجلابية بأسماء اخري كا الدشداشة والكندورة والجلابة المغربية  كذلك استخدم بعض الشعوب عدة منسوجات لصنعها تتناسب مع المسوي الحضاري والمستوي المادي لهم , كذلك توعت الوان الجلابية لتعكس ذوق وثقافة كل شعب بل كل فئة من فئات المجتمع نفسه, فجلابية الفلاح وجلابية عالم الدين وجلابية العامل وجلابية العمدة وغيرهم وغيرهم تختلف عن غيرها شكلا وخامة  . 

أرتبطت الجلابية دائما بالفلاحين في المجتمع الريفي لما تتيحه لهم من سهولة الحركة والعمل في الأرض , وكانت دائما تتميز جلابية الغيط بأن لونها ازرق لتتحمل الأوساخ والمياة , وهي بذلك تعد زي عمل رسمي لهم يستطيعون من خلالها تشمير أكمامها أو رفعها وربط منتصفها بشال أو حبل , كما كانت وسيلة من وسائل حمل بعض الأشياء في حجرها الواسع من غلة أوثمار وزروع. علي أن الأمر لم يقف عند ذلك فقد اتخذ البعض منها نوعا لحضور المناسبات المهمة والاحتفالات, وبطبيعة الحال اختلف شكلها عن جلابية العمل في تصميمها وخامات نسيجها وزخرفتها الخارجية , فكان هذا النوع يصنع من الصوف أو الكشمير أو الحرير مع تطريز فتحة العنق وأطراف الأكمام بقطان من نسيج آخر ولون آخر, مع عمل جيوب جانبية وجيب علي جانب الصدر واحيانا جيب داخلي , وتتميز الجلابية البلدي المصرية عن غيرها من الجلاليب الآخري ( الإفرنجية ) بأن فتحة العنق دائرية أي بدون ياقة عالية تحيط بالعنق,كذلك اتساع محيطها من اسفل لتتيح حرية الحركة والجلوس وتسمح للجسد أن يدخل إليه أكبر قدر من الهواء, علي الجانب الآخر تميزت الجلابية – البلدي – باتساع أكمامها الذي يصل في بعض الأحيان إلي 27 او 35 سم وهي بذلك عكس الجلابية السعودية التي تتميز بوجود اساور للكم تزرر .

لم يقتصر ارتداء الجلابية علي فئة الفلاحين بل امتد إلي كل طبقات المجتمع المصري منذ القدم  وحتي الان , فلبسها أفراد عاديون ولبسها حكام وزعماء وفنانين وأدباء منهم:

( جمال عبد الناصر – أنور السادات –أحمد فؤاد نجم – شكوكو- عبد الحليم حافظ – محمد عبد المطلب –  والفنان محمد رضا وغيرهم وغيرهم ).

ارتبطت الجلابية في التراث الشعبي ببعض السلوكيات والمصطلحات الشعبية لأبناء المجتمع المصري , فاالبعض يعبر عن سرعة الجري او الهروب بـ ( أخد ديل الجلابية في سنانة وقال يافكيك !!! كما وصفها البعض بانها ( تكييف الغلابة )كما كان نزع الجلابية وقلعها إشارة واستعداد من الشخص للدخول في عراك أو خناقة , كذلك كان بعض الفرانين والخبازين عندما يتشاحن مع صاحب الفرن يقوم بارتداء الجلابية لمغادرة العمل, فيحلف عليه المعلم بخلع الجلابية وماتحتها !!! للعودة للعمل مرة أخري,كذلك تعمد مبيض النحاس أن يشمر جلبابه وربط منتصفه بحبل ليتيح له حرية الحركة  اثناء عمله بقدميه في تبيض النحاس ,  كذلك كثيرا مايطلق علي الشخص الذي انهي عمله او احيل الي المعاش بأنه ( لبس الجلابية ) كناية عن التفرغ والراحة ,علي الجانب الاخر تفننت – عن عمد – بعض الفلاحات في الكشف عن أنوثتها بتشمير الجلابية ورفع أسفلها لإظهار ساقيها أثناء ملء جرار وزلع الماء من الترع أو أثناء تزغيط بعض الطيور( البط أو الوز) داخل المنزل, كذلك لجأ البعض إلي إمساك طرف الجلابية او احد جوانبها أثناء السير بحمل او مشال علي الراس , فرغم أن الجلابية النسائية الأصل فيها تغطية الجسد, إلا أن بعضهن كان يستخدمنها ببراعة في إظهار تفاصيل الجسد خاصة عند السير امام الرجال أو أثناء الرقص أمامهم.

حملت الأمثال الشعبية بعض المفردات التي صورت الجلابية ومايصاحبها منها ( إيه جد عليك يامرا غير المجرجر من ورا) وهو تصوير بالغ الأهمية لما ينتاب المرأة الحامل بعد حملها من انتفاخ بطنها إلي الأمام وعلو الجلابية من الأمام وارتخاء ديل الجلابية من الخلف, والمثل يشيرإلي أن هذه الحامل لم يتغير حالها سوي في ظهور هذا الذيل للجلباب , علي الجانب الآخرعبر الغناء عن الجلابية في الكثير من  الأغنيات في الأفلام والمسلسلات , أشهرها ماغنته الفنانة شادية لعمر الجيزاوي ( من بعد طاقية وجلابية .. شرفت يافندي الأفندية ) تعبيرا عن التحول من الزي الشعبي إلي الزي الأفرنجي ,

إن قضية الزي الرسمي وارتباط البيئة والمكانة الاجتماعية بنوع محدد من الزي من القضايا المهمة التي تثار من وقت إلي آخر, خاصة مع اعتبار أن الملبس عنوانا خارجيا لتحديد قيمة أو هوية او ثقافة الشخص في الوقت الحاضر,لكن المثير للدهشة أن الجلابية علي وجه الخصوص صارت زيا رسميا وشعبيا باختلاف المكان , مع طغيان انتشار الملابس الغربية بين الرجال والنساء, لأن الأصل في الملبس دائما وابدا الستر والراحة !!!!!

رحلتى إلى النوبة .... أرض الحضارة والذهب

بقلم أ.د.حمدى أحمد محمود

 أستاذ المناهج وطرق التدرس (الجغرافيا) ، كلية التربية - جامعة حلوان

يهتم هذا الكتاب بالأرض والإنسان فى بلاد النوبة متخذة البُعد الزمني بداية من نشأة النوبة الجغرافية حتى عام 2016 مروراً بالتقسيم الجغرافي للنوبة ثم تهجير أهالى النوبة ، ومتخذة البعد الإنساني سيكولوجياً واجتماعياً ، وهو ما يميزها عن باقى الدراسات التى اجتهد فيها باحثون كثيرون نوبيون وغير نوبيون لاكتشاف منابع المعرفة وتصحيح الصورة الذهنية للنوبة والمعلومات المغلوطة عنها، بُناءاً على معلومات موثقة وحيادية من مصادرها المعنية المدرجة بقائمة المصادر ، وذلك من أجل التعرف على هذا الجزء العزيز من مصر والغنى ثقافياً وإنسانياً وتاريخياً ، وتُعرج الدراسة على كل جوانب النوبة فى مصر ، بداية بالجانب التاريخي ثم الجغرافي مروراً بالديمغرافية والسيكولوجية لأبناء النوبة ، والاقتصاد النوبى ، والحياة الثقافية ، والتكوينات الاجتماعية ، وبالإضافة إلى مكانة النوبة فى الثقافة المحلية والدولية .

والمدخل التاريخي للكتاب يتناول عدة قضايا ويوضح  العديد من المعلومات عن النوبة بداية بالنشأة التاريخية لبلاد النوبة مع عرضها المفصل وتحليلها استناداً إلي العديد من المؤرخين والدراسات التاريخية ، مع توضيح الفترات التاريخية التي عاصرها النوبيين القدامي الذين حكموا مصر من خلال الأسرة الخامسة والعشرون ونسلهم حتى الآن المتواجدون فى أسوان ، خاصة أن فترة ممالك النوبة القديمة ، وعصر التبشير ثم الفتح العربي لمصر والعصر الفاطمي والمملوكى حتى نهاية عصر الممالك النوبية ، وهو السير التاريخي الواضح والغير مختلف عليه من الكثير من الباحثين والدارسين للتاريخ الأفريقي عامة والنوبي خاصة ، ولم يغفل المؤلف اجتهادات الكثير من الباحثين بقضية أصل النوبيين ، على اختلافاتهم في الرؤيا والنتائج حيث توصل بعض إلى إلحاق بعض الباحثين أصل النوبيين بالمصريين القدماء .

ويأتى الكتاب فى أربع فصول ، أما عن الفصل الأول فهو بعنوان : النوبة قبل بناء السد العالى ، أما عن الفصل الثانى فجاء بعنوان : النوبة بعد بناء السد العالى ، ثم الفصل الثالث وجاء تحت عنوان : رحلتى إلى النوبة ، ثم الفصل الرابع والأخير والذى بعنوان : النوبة والأنشطة الفنية محلياً ودولياً .

وقد حظيت الدراسات النوبية بقدر من الاهتمام ، سواء فى مصر أو الدول العربية الأخرى ، وفى الدول الغربية أيضاً ، حيث تناولت فيها الكثير من الجوانب الحضارية والفكرية بالدراسة والتحليل .

إلا أن دور البحث العلمى فى الكشف عن هذا التراث الإنسانى والحفاظ عليه أكثر أهمية ، وتزايدت أهمية تلك الدراسات وخاصة بعد بناء السد العالى وتهجير أهل النوبة من أراضيهم القديمة إلى المنطقة الواقعة خلف السد العالى .

وجاء فى تقديم الكتاب بقلم أ.د. صلاح الدين عرفة محمود ، أستاذ المناهج وطرق التدريس (جغرافيا) ، كلية التربية / جامعة حلوان ، فى 15 / 9 / 2016م .

حينما عرض علىّ الدكتور / حمدى أحمد محمود ، الأستاذ المساعد للمناهج وطرق التدريس بكلية التربية / جامعة حلوان ، أخُطَ مقدمة لكتابه الماتع المُمتع : " رحلتى إلى النوبة أرض الحضارة والذهب " ، تخّوفت لسببين : الأول أننى لم يسبق لى خوض التجربة من قبل ومن أنا حتى أُقدم كتاباً علمياً رصيناً وسط الفطاحل الذين صناعتهم تقديم الكُتب العلمية . السبب الثانى أنى لم يسبق أن قَدّم أحد لى كتاباً من  كتبى وكنت أتمنى ذلك .

فالدكتور / حمدى أحمد محمود ، هو واحد من طلابى الذين أفخر بهم على الدوام فهو إنسان متميز خُلقاً وعلماً وبحثاً ودأباً ، ولعل ما يشدنى إليه هو طموحاته العالية فهو حريص دوماً على

الإرتقاء بمعاييره .

والكتاب الذى بين أيدينا يتناول جزء من أرض الوطن الغالى مصر ، إنها أرض النوبة تلك الأرض الواقعة من جنوب الشلال الأول للنيل " بأسوان " وحتى منطقة دنقلة بعد الشلال الرابع .

وأتذكر فى هذه اللحظة محاضرة لأستاذنا أ.د.محمد عبد الغنى سعودى ، حينما كان يُدرس لنا جغرافيا مصر فى السنة الرابعة من شعبة الجغرافيا بكلية التربية ، جامعة عين شمس ، وذكر لنا " أن من يتحكم فى أطراف مصر يتحكم فى الجسد " .

والنوبة منفذ يؤدى إلى قلب أفريقيا القارة العذراء وقد كانت حضارات ما قبل الأسرات الفرعونية تتألق ساطعة من أرض النوبة .

وإذا كانت كلمة " نوبة " تستخدم كمصطلح حضارى ينطبق على منطقة وادى النيل يتكلم سكانها مجموعة من اللغات النوبية وإن اختلف العلماء فى أصل إسم " النوبة " كما اختلفوا فى تاريخ ونشأة لغات سكانها . والأصل القديم للكلمة مشتقة من لفظ " نوب " ومعناها باللغة المصرية القديمة  " الذهب " أى أنها بلاد الذهب ذاك المعدن النفيس ، مما دفع العديد من الهجرات والرحلات التجارية والغزوات التى تعرضت لها بلاد النوبة منذ فجر التاريخ .

وتمتد النوبة فى الجزء السفلى – النوبة المصرية – 320 كيلو متر جنوب أسوان على جانبى النيل وحتى الشلال الثانى عندى وادى حلفا .

أما الجزء الأعلى من النوبة فيقع فى أرض السودان ونتيجة لبناء خزان أسوان ومراحل تعليته وبناء السد العالى ، فقد تكونت بحيرة عظيمة تسمى " بحيرة ناصر " فوق منطقة النوبة القديمة مما أدى إلى الدعوات المتعاقبة من هيئات اليونسكو وما يماثلها من منظمات دولية لإنقاذ معابد وآثار النوبة كمعبد أبو سمبل وجزيرة فيلة .

ويتكون سكان النوبة من ثلاث قبائل كبرى هم " العرب ، الكنوز والفاديجدا " .

أما العرب فيقطنون وسط منطقة النوبة ويتحدثون العربية وهم يوزعون بين قري ووادى العرب وتعد القبائل العربية فى النوبة من بنى ربيعة وجهينة والعقيلات من جزيرة العرب ونجد . وقد اختلطوا بالنوبيين ونشروا الإسلام وبعض الملامح المميزى لقيم الإسلام والعرب .

أما قبائل الفاديجدا فيتحدثون اللغة النوبية القديمة ويعيشون فى المنطقة الجنوبية ولهم لهجة خاصة يقال لها الفديجة " تنطق ولا تكتب " .

أما قبائل الكنوز فيعيشون فى المنطقة الشمالية ويتحدثون اللهجة الكنزية .

ويقدم لنا الدكتور / حمدى أحمد حامد ، الرحالة المعاصر رحلة فى أرض النوبة تاريخياً وجغرافياً فيتناول فى الفصل الأول : النوبة قبل بناء السد العالى والفصل الثانى : النوبة بعد بناء السد العالى أما الفصل الثالث فهو ليصف لنا رحلته إلى بلاد النوبة بداية من الإعداد للرحلة إلى الوصول إلى المكان فى ثلاث ليالٍ ممتعة ماتعة وجاء الفصل الرابع يتحدث عن النوبة والأنشطة الفنية محلياً وعالمياً ، وذيّل الكتاب بالقرار الجمهورى رقم 444 بشأن النوبة مع مجموعة رائعة من المراجع العربية والإنجليزية .

والكتاب رحلة فكرية وجغرافية وتاريخية فى جزء غالِ وعزيز من أرض مصر يوجه نظر القائمين على السياحة فى مصر للإهتمام بالتسويق السياحى لتلك المناطق . ويوجه نظر علماء التاريخ والإنثروبولوجيا للبحث فى سوسيولوجيا المعرفة النوبية والعادات والتقاليد .

تحية للفتى الرائع وكتابه الرائع ومزيد من الإنجاز ودعوة إلى رفاقه المترجلين ليمتطوا صهوة جيادهم فى الإنتاج المعرفى والبحث والتنقيب والإثراء والإبداع .

والكتاب زاخر بالأفكار والتوجهات التى تدعونا إلى مراجعة (براديم) الاستمراية الراهنة فى مسيرة مناهجنا التعليمية والسعى لتطويرها تطويراً واعياً يستند إلى مقتضيات رؤية الوطن ويبعث الحضارة من جديد . والإسهام فى بناء مجتمع يسعى لتأسيس بناء ديمقراطى يحقق فيه المصرى " أياً كان على أرض الوطن " رسالته وتفاعله الإيجابى . تحية للباحث وتحية للقارىء .

تحليل ميثاق حماية وإدارة التراث الأثري لوزان (1990)

 

بقلم دكتور / محمد عطية محمد هواش

مدرس بقسم الترميم – كلية الآثار – جامعة القاهرة

باحث دكتوراه في القانون الدولي الخاص

  عناصر المقال

  • مقدمة
  • الاطار التعريفي ومسؤولية حفظ التراث وتوفير الدعم المالي له
  • الجوانب الفنية لحفظ وادارة التراث

مقدمة  

تقوم حماية التراث الأثري على التعاون الفعال بين المهنيين من   التخصصات العديدة . ويتطلب أيضًا تعاون السلطات الحكومية والباحثين الأكاديميين ، وبالتالي يكون المتسع الكبير لمشاركة القطاع العام والخاص وعامة الناس  لذلك يضع هذا الميثاق المبادئ المتعلقة بـ الجوانب المختلفة لإدارة التراث الأثري. وتشمل هذه الجوانب السلطات العامة والمشرعين ، والمبادئ المتعلقة بالأداء المهني لعمليات الجرد ، المسح ، التنقيب ، التوثيق ، البحث ، الصيانة  وادارة المعلومات   ، العرض علي  الجمهور والوصول إلى التراث واستخدامه ، وتأهيل المهنيين المشاركين في حماية التراث الأثري.

تم استلهام الميثاق من نجاح ميثاق البندقية كمصدر توجيهي   لسياسات وممارسات الحكومات   والعلماء والمهنيين. في مجال الحفاظ علي التراث, و يعكس الميثاق المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية ذات الصلاحية العالمية. لهذا السبب لا يأخذ في الاعتبار المشاكل والإمكانيات المحددة للمناطق أو الدول. ولذلك ينبغي استكمال الميثاق على المستويين الإقليمي والوطني بواسطة مزيد من المبادئ والمبادئ التوجيهية لتلبيةهذه الاحتياجات

الاطار التعريفي ومسؤولية حفظ التراث وتوفير الدعم المالي له

المادة 1

"التراث الأثري" هو ذلك الجزء من التراث المادي الذي يعبر عن قيمه اثرية . وهو يضم جميع بقايا الإنسان من أماكن مهجورة كانت في السابق تحمل  كل مظاهر النشاط البشري وايضا الاطلال والبقايا من جميع الأنواع(بما في ذلك المواقع تحت الارضية  وتحت الماء) اضافة الي كافة المقتنيات الثقافية غير الثابته المرتبطة بها.

  وتبلورت فكرة المورد الثقافي في المادة الثانية واعتباره موردا غير متجدد والذي افرز التزاما بإنمائة وحفظة حيث نصت المادة 2 علي " يعتبر التراث الاثري من الموارد الثقافية غير المتجددة وبالتالي يجب تطويره للحد من التلفيات التي من الممكن تصيب المواقع الاثرية .

سياسات حماية التراث يجب ان تتصف بالتكامل  حيث تشمل الاراضي المحيطة بالموقع  والبيئة الثقافية المحيطة بالموقع  وسياسات التعليم في محيط الموقع  وكافة سياسات الحماية السابقة يجب ان تظل تحت المراجعة المستمرة  حتي يتم تحديثها . واي تدخلات علاجية للمواقع الاثرية يجب ان تكون احد عناصر خطة حماية المواقع الاثرية والتي تتكامل مع العناصر الاخري علي المستوي الدولي والاقليمي والمحلي

مشاركة العامة ( المستفيدين ) يجب ان تمثل جزء من مشاركات الحفاظ للمواقع التراثية خاصة في حالة وجود الشعوب الاصيلة . وهذه المشاركات يجب ان تكون مبنية علي المعرفة اللازمة التي تساعد متخذ القرار  حتي تتكامل العناصر المؤدية لفكرة الحفاظ . "

ويظهر جليا ان المادة السابقة رسمت حدورد ادارة مواقع التراث في النقاط التالية

  • الادارة الجيدة تشمل المبني بالاضافة الي محيطه
  • الادارة الجيدة تشمل البيئة الثقافية في محيط الاثر والتي ستكون مؤثرة بشكل كبير في عملية اعادة التأهيل والتوظيف
  • من مفردات البيئة الثقافية التعليم والذي سيكون سفيرا جيدا للتعريف بالتراث وابراز اهميتة
  • التدخلات العلاجية بالصيانة والترميم من اهم مفردات الادارة الجيدة لانها المعنية بالحفاظ علي مادة الاثر
  • مشاركة عموم الناس في المحيط الاثري هي غاية هامة لمشاريع ادراة التراث والتي تضمن استمرار فكرة الحفاظ والتنمية

وتناولت المادة 3 فكرة الالتزام الاخلاقي بالحفاظ علي التراث وتوفير الاعتمادات المالية لذلك بما جاء نصه كالتالي " يجب اعتبار حماية التراث الأثري التزامًا أخلاقيًا على جميع البشر. وإنها أيضًا مسؤولية عامة جماعية. يجب أن يكون هذا الالتزام المعترف به من خلال التشريعات ذات الصلة وتوفير الأموال الكافية لدعم البرامج اللازمة للإدارة الفعالة للتراث. والتراث الأثري مشترك بين جميع المجتمعات البشرية ، وبالتالي يجب أن يكون واجب كل دولة في ضمان توفر الأموال الكافية لحمايتها. ويجب أن توفر التشريعات الحماية للتراث الأثري المناسب لاحتياجات وتاريخ وتقاليد كل بلد ومنطقة ، مما يوفر الحماية في الموقع. واحتياجات البحث العلمي. و يجب أن يستند التشريع إلى مفهوم التراث الأثري باعتباره تراثًا لـ البشرية جمعاء ومجموعات الشعوب ، ولا تقتصر على أي فرد أو أمة. و يجب أن تحظر التشريعات التدمير ( الازالة) أو التغيير من خلال تغيير أي من الموقع الأثري أو ما يحيط به دون موافقة سلطة الآثار ذات الصلة .

يجب أن تتطلب التشريعات من حيث المبدأ إجراء فحص وتوثيق أثري كامل في الحالات التي يؤذن فيها بإزالة التراث الأثري.  وأن ينص على الصيانة والإدارة المناسبة والمحافظة على التراث الأثري. يجب أن تكون العقوبات القانونية المناسبة المنصوص عليها فيما يتعلق بانتهاكات تشريعات التراث الأثري

إذا كان التشريع يوفر الحماية فقط لتلك العناصر من التراث الأثري التي تم تسجيلها في جرد قانوني   ، يجب توفير مخصص مالي لـلحماية المؤقتة للمواقع والآثار غير المحمية أو المكتشفة حديثًا حتى يمكن إجراء التسجيل الأثري.

تشكل مشاريع التنمية أحد أكبر التهديدات المادية للآثار

   وواجب القائمين علي تلك المشاريع  التأكد من أن دراسات التأثير علي التراث الأثري تم القيام بها قبل تنفيذ مخططات التنمية ، لذلك يجب أن يتناولها التشريع المناسب ، مع اشتراط تضمين تكاليف هذه الدراسات في تكاليف المشروع. ينبغي أيضا أن تنشأ في التشريع أنه اثناء مشاريع التنمية يجب تصميم المخططات بطريقة تقلل من تأثيرها على التراث الأثري.

والمادة سابقة الذكر اشارت الي نقطة غاية في الاهمية وهي مشاريع التنمية وتاثيرها السلبي علي التراث واعتبرتها اكبر التهديدات للتراث وافادت بان التناول القانوني لهذه الحالات يجب ان ينص علي تضمين اي تكاليف حفظ وحماية التراث علي ميزانية مشاريع التنمية وان تكون مخططات هذه المشاريع بطريقة تقلل من التاثير السلبي علي التراث 

الجوانب الفنية لحفظ وادارة التراث

  • المسح الاثري

المادة 4.

يجب أن تستند حماية التراث الأثري إلى حد كبير الي عمليات المسح. ولذلك فإن المسح العام للموارد الأثرية أداة عمل أساسية في تطوير استراتيجيات حماية الآثار وبالتالي يجب أن يكون المسح الأثري التزاماً أساسياً في الحماية وإدارة التراث الأثري. في الوقت نفسه ، تشكل قوائم الجرد قواعد بيانات الدراسة العلمية و لذلك ينبغي تجميع قوائم الجرد بمثابة عملية مستمرة

  ويترتب على ذلك أن قوائم الجرد يجب أن تشتمل على معلومات على مستويات مختلفة من

الأهمية   ، لأن المعرفة السطحية يمكن أن تشكل فقط نقطة البداية لـلتدابير الوقائية.

  • الفحص

المادة 5.

تستند المعرفة الأثرية بشكل أساسي على البحث العلمي في

التراث الأثري. ويشمل هذا   الفحص مجموعة كاملة من الأساليب غير المتللفة

  من خلال أخذ العينات إلى التنقيب الكامل. ويجب أن يكون المبدأ الغالب هو جمع المعلومات الأثرية بحيث لا يدمر أي دليل أثري ومن التقنيات غير المتلفة  المسح الجوي والمسح الأرضي ، وأخذ العينات ، كلما أمكن ذلك  كما يشير التنقيب دائمًا إلى ضرورة إجراء مجموعة مختارة من الاختبارات بحيث  لا ينبغي اتخاذ قرار الحفر إلا بعد دراسة شاملة. يجب إجراء أعمال الحفر في المواقع والمعالم المهددة بالتنمية ، او في حالة تغيير استخدام الأراضي أو النهب أو التدهور والتلف الطبيعي الطبيعي.

في حالات استثنائية ، قد يتم حفر المواقع غير المهددة لتوضيح مشاكل البحث أو لتفسيرها بشكل أكثر فعالية بغرض عرضها على الجمهور و يجب أن يكون التنقيب جزئيًا  

يجب رفع تقرير علمي عن ما تم في الحفريات ويجب إدراج اللقي  في قائمة الجرد ذات الصلة خلال فترة زمنية معقولة بعد انتهاء الحفريات.

يجب إجراء الحفريات وفقًا للمبادئ المنصوص عليها في عام 1956 توصيات اليونسكو بشأن المبادئ الدولية المنطبقة على الآثار والحفريات وفقا للمعايير المهنية الدولية والوطنية المتفق عليها.

  • الصيانة والحفظ

 المادة 6.

 يجب أن يكون الهدف العام لإدارة التراث الأثري هو الحفاظ علي المعالم والمواقع في داخل حدود الموقع العام ، بما في ذلك الحفظ السليم على المدى الطويل ( الصيانة الوقائية )  وحفظ   السجلات  ذات الصلة وما إلى ذلك. أي نقل لعناصر التراث إلى مواقع جديدة يمثل انتهاكًا لمبدأ الحفاظ على التراث في سياقه الأصلي. و يؤكد المبدأ على الحاجة إلى الصيانة والحفظ والإدارة المناسبة.

كذلك يؤكد مبدأ أنه لا ينبغي الكشف عن التراث الأثري عن طريق التنقيب اذا تُركت مكشوفة بعد الحفر حيث ان  توفير الصيانة والإدارة المناسبة للموقع بعد الحفر لا يمكن ضمانه بهذه.الطريقة

ينبغي   الالتزام والمشاركة على الصعيد المحلي في برامج الحفاظ على التراث الأثري. هذا المبدأ بشكل خاص مهم عند التعامل مع تراث الشعوب الأصلية أو المجموعات الثقافية المحلية. في   بعض الحالات قد يكون من المناسب تكليف واعطاء المسؤولية عن الحماية و إدارة المواقع والمعالم الأثرية للشعوب الأصلية.

بسبب محدودية الموارد المتاحة ، يجب أن تكون الصيانة العلاجية  أجريت على أساس انتقائي. لذلك ينبغي تطبيقه على مختلف المواقع والآثار ، بناءً على تقييم علمي لأهميتها  ، ولا تقتصر على الاثار الأكثر شهرة وجاذبية من الناحية البصرية  . ينبغي تطبيق المبادئ ذات الصلة لتوصيات اليونسكو لعام 1956 فيما يتعلق بذلك للمحافظة على التراث الأثري والمحافظة عليه.

  • العرض والمعلومات وإعادة البناء

المادة 7

. يعد عرض التراث الأثري على الجمهور طريقة أساسية لفهم أصول وتطور المجتمعات الحديثة, في نفس الوقت هو أهم وسيلة لفهم الحاجة إلي حماية التراث.

يجب اعتبار العرض والمعلومات المرفقه للتعريف بالاثر  بمثابة تفسير وقراءة للاثر  ، وبالتالي يجب مراجعتها بشكل متكرر. ويجب أن تأخذ في الاعتبار الرؤي متعددة الأوجه لفهم الماضي.

وتؤدي عمليات إعادة البناء وظيفتين مهمتين: البحث التجريبي والتفسير. ومع ذلك ، يجب أن يتم تنفيذها بحذر شديد ، وذلك لتجنب طمس أي من الأدلة الأثرية الباقية ، ويجب أن يأخذوا في الاعتبار حماية جميع الأدلة لانها في النهاية تحقق  اصالة الاثر وتتم عمليات اعادة البناء حيثما كان ذلك ممكنا ومناسبا ، إعادة البناء لا ينبغي بناؤها مباشرة على البقايا الأثرية ، ويجب تمييزها بسهولة.

  • المؤهلات المهنية

المادة 8

  المعايير الأكاديمية العالية في العديد من التخصصات المختلفة ضرورية في إدارة التراث الأثري. وتدريب عدد كاف من المهنيين المؤهلين , لذلك يجب أن تكون مجالات الخبرة ذات الصلة هدفًا مهمًا لـ السياسات التعليمية في كل بلد. الحاجة إلى تطوير الخبرة   تتطلب تعاونا دوليا مستمرا.  

يجب أن يأخذ التدريب الأثري الأكاديمي في الاعتبار التحول في سياسات الحفظ من التنقيب إلى الحفظ في الموقع. يجب أن نأخذ في الحسبان حقيقة أن دراسة تاريخ الشعوب الأصلية لا تقل أهمية في الحفاظ على التراث الأثري وفهمه عن تدخلات الصيانة العلاجية حيث ان حماية التراث الأثري هي عملية ديناميكية مستمرة التطوير. لذلك يجب توفير الوقت للمهنيين العاملين في هذا المجال لتمكينهم من تحديث معارفهم. ويجب أن تكون برامج التدريب بعد التخرج وضعت   بشكل خاص لخدمة حماية وإدارة التراث الاثري   .

  • التعاون الدولي

المادة 9.

التراث الأثري هو التراث المشترك للبشرية جمعاء. والتعاون الدولي   للتطوير والحفاظ على التراث هو ضرورة ملحة . وبالتالي تكون الحاجة ملحة لإنشاء آليات دولية لتبادل المعلومات والخبرة بين المهنيين الذين يتعاملون مع إدارة التراث الأثري.

حيث يتطلب تنظيم المؤتمرات والندوات وورش العمل وما إلى ذلك على المستوى العالمي وكذلك الإقليمي  ،  و يجب على ICOMOS ، من خلال مجموعاتها المتخصصة ، تعزيز هذا الجانب   في مجال إدارة التراث الأثري حيث يتم تطويرها تحت رعاية ICOMOS.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.