كاسل الحضارة والتراث

كاسل الحضارة والتراث

جوانبٌ من تُراثِ التَكرُور الإِسلَاميّ بمدينةِ القَاهِرة

كتب د. إسماعيل حامد إسماعيل علي

   باحث في تاريخ أفريقيا الوسيط

المقدمة:

صارت مدينةُ القاهرة قبلة الُزوار القادمين إلى أرض مصر من كل بقاع القارة الأفريقية خلال "التاريخ الوسيط" لاسيما بعد أن انتقلت "الخلافة الإسلامية" إليها أيام "دولة المماليك" (648-923هـ). كما ازدادت أهميةُ المدينة، وذاع صيتُها في شتى بلاد العالم الإسلامي، بفضل عدة عوامل منحتها تلك الخُصوصية بين سائر المدن الإسلامية آنذاك، ولعل منها: "رحلة الحج" التي كان يقوم بها الحُجاج الأفارقة إلى الحجاز، وكان عليهم أن يتوقفوا بالقاهرة انتظارًا لـ"موكب الحج" المصري، وكذلك بفضل "الأزهر الشريف" الذي أضحى منارة العلم والعلماء في العالم الإسلامي منذ تأسيسه سنة 359هـ، وكان ذلك في ذات السنة التي بُنيت فيها القاهرة([1]). وكان أهلُ التكرور، ويُقصد بهم في الغالب سكان غرب أفريقيا، من أكثر شعوب الممالك الأفريقية في جنوب الصحراء التي أقبلت على القدوم إلى القاهرة في طلبً للحج، أو طلبًا للعلم، أو لمآرب أخرى، ومن ثم استقرت أعدادٌ كبيرةٌ منهم بالقاهرة، وصار لهم حيٌ حمل اسمهم، وهو "حي التكرور"، أو "بولاق التكرور" الذي صار بعد ذلك: "بولاق الدكرور"، وغير ذلك من مظاهر التُراث التكروري الموجود بالقاهرة، وهو الموضوعُ الرئيس لهذه المقالة التي تُحاول الغوص في "تراث التكرور"، وإماطة اللثام عما تركه هذا الشعب الأفريقي المسلم من تأثيراتٍ جلية لا تُحطئها العين في هذه المدينة الإسلامية العتيقة، وهو ما يُضيف تنوعًا ثقافيًا، وتراثيًا، وكذلك ديموجرافيُا فريدًا بمدينة القاهرة، وهو ما يشهدُ دون مراء لهذه المدينة العظيمة، وأهلها بمقدرة لافتة على احتواء الآخر. وسوف تتناول هذه المقالةُ ذلك الموضوع من خلال المحاور التالية:

أولاً- نُبذة عن بلادُ التكرور.

ثانيًا- حُّي بُولاق التكرور بالقاهرة.

ثالثًا- قدوم عُلماء التكرور إلى القاهرة.

رابعًا- جامع وضريحُ الشيخ التكروري بالقاهرة.

خامسًا- مدرسة التكرور بالقاهرة.

سادسًا- رُواق التكرور بالأزهر الشريف.

أولاً- نُبذةٌ عن بلادِ التَكرور:

يُعتقد أن تسمية "التكرور" في الأصل أطلقتها جماعاتٌ من "صِنهاجة"، وهي قبيلةٌ بربريةٌ استقرت في مناطق شمال أفريقيا، وبلاد المغرب منذ ما قبل الإسلام، ثم هاجرت جماعاتٌ من صنهاجة إلى بلاد "التكرور" بعد استقرار الإسلام في بلاد شمال أفريقيا([2]). وكان اسمُ "التكرور" يُشير بدايةً إلى تجمعاتٍ قروية في إحدى الإمارات الواقعة في أقصى شمال "السودان الغربي"، وغير بعيدٍ عن مَصبِ "نهر السنغال"([3])، وهو ثاني أكبر الأنهارٍ في مناطق غرب أفريقيا بعد "نهر النَيجر"([4]). وتذكر المصادرُ أن أول ملك تكروري اعتنق الإسلام، كان يُدعى: "وارجابي بن رابيس"([5])، وهو يُعتبر في ذات الآن أقدم الملوك في تاريخ بلاد "السودان الغربي" (غرب أفريقيا) الذين أسلموا قبل  قدوم "المُرابطين" (448-541هـ) إلى هذه البلاد، أو ما يُعرف بمرحلة "الغزو المرابطي" لبلاد السودان الغربي([6]). ويذكر المؤرخ القلقشندي (ت: 821هـ)، وغيره من المؤرخين القدامى بلاد غرب أفريقيا باسم: "بلاد التكرور"([7]).

كما يُفرق "القلقشندي" بشكلٍ واضح بين مدلول كل من "مملكة مالي" و"بلاد التكرور"، ومن ثم يُحدد أيضًا موقع هذه البلاد، حيث يذكر "القلقشندي" أن "بلاد التكرور" تقع إلى الشرق من "إقليم كوكو"([8]). وهذا الإقليمُ الأخير من الأقاليم الكبرى في غرب أفريقيا([9]). وعلى أية حال يُكتب اسم "بلاد التكرور" بفتح "التاء" المُثناة فوق، وسُكون "الكاف"، وضم "الراء" المُهملة، وسُكون "الواو"، ثم "راء" مُهملة  في الآخر([10]). ويُرجح الباحثُ أن اسم "بلاد التكرور" كان يُطلق بصفةٍ عامة على كلٍ من "مملكة مالي" (596-874هـ)، و"مملكة صُنغي" (777-1000هـ)، وكذا "بلاد الكانم" أيام "دولة المماليك" (648-923هـ)، وهو الأمرُ الذي يتضحُ بشكلٍ جلي من خلال روايات أكثر مؤرخي عصر المماليك القدامى، وحتى المتأخرين منهم. ومن اللافت قلة استخدام اسم "مالي" أو "صُنغي" على السواء في أكثر المصادر التي تُؤرخُ إلى تلك الحقبة، سواء لدى مؤرخي المماليك المُتقدمين منهم، أو حتى من جانب المُتأخرين منهم([11]). ومن المعلوم أن لفظ "التكرور" يُشير لأحد الأقاليم الموجودة في بلاد غرب أفريقيا، ويوجد موضعه الآن ضمن آراضي دولة "السنغال" بالتحديد، ثم ذاع هذا الاسم (أي التكرور) بعد ذلك بفضل التجار العرب، وصار يُطلق على كل البلاد الواقعة في غرب أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وحتى تلك الموجودة في بلاد البسودان الأوسط (تشاد حاليًا)، مثل "بلاد الكانم".

ومن أبرز المؤرخين الذين ذكروا اسم "التكرور"، سواءً للإشارة إلى مملكتي "مالي"، أو "صنغي"، أو على سبيل الإشارة إلى ملوك وحُكام هذه البلاد، والذي يرد باسم "ملك التكرور"، أو "سُلطان التكرور": "العُمري" (ت: 749هـ)، و"ابن كثير" (ت: 774هـ)، و"القلقشندي" (ت: 821هـ)، و"المقريزي" (ت: 845هـ)، و"الحافظ ابن حجر" (ت: 852هـ)، ويبدو ذلك واضحًا في حديثهم عن السلطان "منسا موسى" (712-738هـ)، وهو صاحب رحلة الحج المشهورة إلى بلاد الحرمين، وهو "سلطان مالي" ذائع الصيت، وهو الذي تذكره أكثر المصادر المملوكية بأنه: "ملك (أو سلطان) التكرور"([12]). وكذلك أورد ذات الاسم "جلال الدين السيوطي" (ت: 911هـ)، وهو يُعتبر من مُتأخري مؤرخي عصر المماليك، لما تحدث عن "سلطان صُنغي" في أيامه، وهو السلطان "أسكيا محمد" (899-935هـ) والذي دعاه باسم: "سلطان التكرور، ولما زار "السيوطي" بلاد السودان الغربي دعاها أيضًا بذات الاسم، حيث يذكر في ترجمته: "وسافرتُ بحمدِ الله تعالى إلى بلاد الشام، والحجاز، واليمن، والهند، والمغرب، والتكرور.."([13]).

وعلى هذا لم يستخدم "السيوطي" لفظ "سلطنة صُنغي"، وهي السلطنة الإسلامية الكبرى المعروفة آنذاك، والتي كانت تسيطر على أكثر البلاد في غرب أفريقيا في ذلك الوقت. كما أن السيوطي ألف بعد ذلك "رسالةً" في العلوم الشرعية رداً على بعض "الأسئلة الفقهية" التي كانت قد جاءته من علماء وفقهاء بلاد غرب أفريقيا، وقد دعا "السيوطي" تلك الرسالة باسم: (فَتح المَطلَب المَبرور، وبَردِ الكَبِد المَحرور فى الجوابِ عن الأسئلةِ الواردةِ من التَكرور)([14])، وهو ما يؤكد ذات الاتجاه الذائع لدى مؤرخي عصر المماليك في استخدام لفظ "التكرور".

بل إن مؤرخي "السودان الغربي" يستخدمون هذه التسمية في مؤلفاتهم، ومن ذلك المؤرخ "ابن الطالب البرتلي" (ت: 1219هـ) في كتابه المعروف باسم: "فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور"([15])، ورغم أن أكثر العلماء والفقهاء من غرب أفريقيا الذين ترجم لهم "البرتلي" كانوا من "مملكة صُنغي". وعلى هذا، فلم يكن اسم "التكرور" ذائعًا في بلاد المشرق الإسلامي فحسب، بل كان معروفًا في بلاد السودان الغربي ذاتها. أما النسبةُ لهذه البلاد، فهي: "التكروري" (أو تكروري). ومما قيل عن هذه البلاد في روايات المصادر، يقول "الحِميري" (ت: حوالي سنة 727هـ) في روايته: "تكرور: مدينةٌ في بلاد السودان بالقُرب من مدينة صنغانة (يُقصد: سلطنة صُنغي)، على النيل (أي: نهر النيجر).."([16]). وتذكر المصادرُ التاريخية من ناحيةٍ أُخرى أن القوافل التجارية كانت تُسافر إلى مدينة "تكرور" عبر دروب "الصحراء الكبرى"  قادمةً من أسواق بلاد المغرب، وكانوا يحملون معهم العديد من البضائع والسلع لهذه البلاد، بينما كانوا يحملون من بلاد "التكرور" التبر (الذهب)([17])، وهو ما يُشير إلى ارتباط هذه البلاد بالذهب أيضًا. بينما يذكر المؤرخ "القلقشندي" (ت: 821هـ) عن مدينة "تكرور"، باعتبارها حاضرة الحكام في هذه البلاد، إذ يقول عن أحد الحكام هناك: "وقاعدته مدينة تكرور..وهي مدينةٌ على النيل (يقصُد: نهر النيجر) على القرب من ضفافه أكبر من مدينة سلا من بلاد المغرب.."([18]).

وتُشير بعضُ المصادر إلى (بلاد التكرور)، وتُحددها بأنها تُمثل "الإقليم الخامس" من أقاليم "مملكة مالي"([19])، وهنا يبدو الغاية من ذلك للتفريق بين كل من لفظي "بلاد التكرور"، و"مملكة مالي"، وكذا دلالة كل منهما، وهو ما يؤكد أن "التكرور" ليست إلا أحد الأقاليم التي تقع ضمن تخوم "مملكة مالي"، ثم أُطلق لفظ الجزء (أي: التكرور) على الكل (أي: مملكة مالي)([20]). ومن المعروف أن عدد الأقاليم في "مملكة مالي" ومن بينها "إقليم التكرور" كان يبلغ 14 إقليمًا، وقيل: إن عددها كان يبلغ 15 إقليمًا([21])، وهذا على غرار اختلاف عدد الولايات أو الأقاليم الإدارية في أي من البلاد من وقت لآخر، وهذا يحدث حتى في أيامنا. وتذكر بعضُ المصادر أن سلاطين مالي كانوا يغضبون إذا ناداهم البعضُ باسم "ملك التكرور"، لأنهم يرون أن ذلك تقليلاً من شأنهم، لأن "التكرور" إقليمٌ من بين الأقاليم في بلادهم"([22]). وعن ذلك يقول العُمري (ت: 749هـ): "عند أهل مصر بملك التكرور، ولو سمع (أي منسا موسى) هذا أنف منه، لأن التكرور إنما هو إقليم من أقاليم مملكته، والأحب إليه أن يُقال: صاحب مالي.. ([23]). ومن أجل التعرف بشيءٍ من الإيجاز على حياة "التكاررة" (أو التكارنة)، وهم سكان بلاد التكرور، وبعض عاداتهم وتقاليدهم، كالطعام والثياب..الخ. فالطعام الذائع لدى أهل "التكرور"، فكان في الغالب: السمك، والذرة، واللبن، وكانت أكثر المواشي التي يُقبلون على تربيتها: الإبل، والماعز([24]). أما لباسُ العامة في هذه البلاد فكان في الغالب "الصوف"، وكان السكان في بلاد التكرور يضعون على رؤوسهم  كرازي الصوف، أما لباس كبار رجال القوم والخاصة منهم: فكان أبرزها "المآزر"، وكذلك الثياب المصنوعة من القطن([25]).

ثانيًا- حّي بُولاق التَكرور بالقاهرة:

شهدت العلاقاتُ بين كلٍ من حكام مصر من جانبٍ، وبلاد التكرور وملوكهم، وكذلك شعوبهم من جانب آخر تطوراً لافتًا إبان "العصر الإسلامي"، ويُعتبر عصرُ سلاطين المماليك (648-923هـ) من أكثر العصور الإسلامية ازدهاراً  في مصر، وكذلك في بلاد الشام، حيث انتقلت "الخلافة العباسية" في ذلك الوقت لمدينة القاهرة  أيام السلطان "الظاهر بيبرس" (658– 676هـ)، وسبب ذلك سقوط بغداد عاصمة الخلافة (العباسية) على أيدي المغول (التتار) سنة 656هـ، ومن ثم صارت القاهرة أيام دولة المماليك الحاضرة الكُبرى للإسلام"([26]). ولعل كلام ابن خلدون (ت: 808هـ) لما وصل القاهرة للمرة الأولى: "فانتقلت إلى القاهرة أول ذي القعدة، فرأيت حضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك.."([27]). كما لعب الأزهر دورًا مهما في تأكيد مكانة القاهرة في ذلك الوقت، حيث صارة منارة العلم والعلماء آنذاك([28]). ومن ثم كان العلماء وطلبة العلم يحرصون على القدوم إلى القاهرة، ومنهم من آثر الاستقرار بها، وكان منهم بالطبع طلاب العلم القادمين من "بلاد التكرور". ومن جانب آخر كان موكب الحج المصري يستقطب أعدادًا كبيرة من شعوب أفريقيا للقدوم إلى القاهرة لمرافقة موكب الحج. ويرى الباحثُ أن "التكاررةُ" (أو التكارنة)، وهم سكان "بلاد التكرور"، كانوا من أكثر الشعوب التي كانت تسكن الممالك الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى حرصًا على الاستقرار بالقاهرة مدة من الزمن، وذلك يبدو جليا من خلال الجاليات التكرورية التي أقامت بالقاهرة. وكانت تلك المدة تختلف حسب كل واحدٍ منهم، والغاية التي جاء من أجلها، فمن هؤلاء "التكاررة" من أتى مرافقاً لـ"موكب الحج" المصري الذي كان يبدأ من القاهرة، ومن ثم يذهب تحت إمرة "أمير الحج" إلى بلاد الحرمين الشريفين([29]). بينما كان البعضُ الآخر من شعب التكرور يأتي للقاهرة من أجل طلب العلم، وليأخذ العلوم الدينية والشرعية على أيدي كبار علماء مصر الذين يصفهم ابنُ خلدون بأنهم كواكب الدنيا([30]).

وقد كان من "التكاررة" من يُؤثر الإقامة بالقاهرة بعد ذلك، ومن ثم لم يعد إلى بلاده مرة أُخرى. وعلى هذا، تكون بمرور الوقت مجتمعٌ غير قليل، أو لنقل "جاليةٌ" مُعتبرةٌ من أهل التكرور بمدينة القاهرة، وزاد اندماج "التكاررة" بأهل مصر لاسيما بالقاهرة التي آثرها أكثر أهل التكرور أكثر من غيرها من مدن مصر. ومن ثم كان منطقيًا أن يترك هؤلاء "التكاررة" تراثًا أفريقيًا إسلاميًا اضحا بمدينة القاهرة، وقد كانت ولاتزال لهؤلاء "التكاررة" جوانبٌ من تُراثهم الأفريقي الأصيل شاهدةً عليهم، وعلى تأثيرهم في المجتمع المصري عبر الحقب الإسلامية المتعاقبة، وحتى يومنا هذا، ومن ثم وجد بالقاهرة حيًا يحمل اسم "التكرور"، ومساجد، وكذا أضرحة لثُلةٍ من أعلام التكاررة الذين استقروا بالقاهرة..الخ. وقد تركز كثيرون من "التكرور" في الغالب فى أحد أحياء القاهرة أكثر من غيره، وقد صار بذلك الحي "جاليةٌ تكرورية" غير قليلة، ولهذا صار هذا الحي بالقاهرة يُعرف بـ"حى التكاررة"، أو "حى التكرور"، وهو ذاتُ الحي الذى أضحى بعدئذ يُعرف باسم: "بولاق التكرور"، أو "بولاق الدكرور"، أو "الدكروري"، وحتى يومنا هذا. ويذكر "المقريزي" (ت: 845هـ) هذا الحي باسم "بولاق التكروري"([31])، وكذلك يذكره غيره من مؤرخي الخطط مثل "على باشا مبارك" (ت: 1893م) الذي يتحدث عن هذه الحي في خُططه المعروفة بذات الاسم([32]). وللتأكيد على ارتباط هذا الحي بالتكرور، تُشير المصادرُ إلى أن اسم هذا الحي (أي: بولاق التكروري) اشتُهر بذلك نسبةً لأحد الشيوخ من "أصول تكرورية"([33]).

وعن حي "التكاررة" بمدينة القاهرة، يقول المقريزي: "ناحية بولاق التكرور، وهذه الناحية من جملة قرى الجيزة، كانت تُعرف بمنية بولاق، ثم عُرفت ببولاق التكرور.."([34]). وتؤكد روايةُ المقريزي، وغيرها من روايات المصادر الأُخرى، انتساب هذا الحي، وتسميته نسبة لأحد "التكاررة" الذين كانوا قد استقروا بالقاهرة، وتحديدًا المنطقة التي عُرفت بعد ذلك بـ"بولاق التكرور"، وكان هذا الشيخ يُدعى باسم: "أبومحمد يوسُف بن عبدالله التكرورى"، وكان  فى الأصل من سكان "بلاد التكرور"، ثم قدم إلى أرض مصر أيام "الدولة الفاطمية" (358-567هـ)، ثم طاب المُقام للشيخ "يوسف التكروري" بمدينة القاهرة، وآثر أن يُقيم بها بعدئذٍ، وألا يعود لبلاد "التكرور" مرةً أُخرى، ثم حملت هذه المنطقة التي استقر بها، هو وغيره من "التكاررة" باسم بلادهم([35]). وسوف نُفيض في الحديث عن حياة الشيخ التكروري بعد ذلك خلال حديثنا عن علماء التكرور ممن أقاموا بالقاهرة، وكذلك في حديثنا عن مسجده، وضريحه. ومن جانبٍ آخر فقد انخرط الكثيرون من أهل "التكرور" بشتى مجالات الحياة في مصر، ويمكن القول بأنهم تمصروا، وأضحوا مصريين بمرور الزمن رغم أصولهم "التكرورية"([36]).  

وكان من أهل "التكرور" من انضم للخدمة في الجيش، ومن أبرز تلك النماذج التكرورية التي تمصرت قلبًا وقالبًا إذا جاز لنا القول، شخص يُدعى باسم: "عنـبر التكـرورى"، وكـان يعيـش أيام عـددٍ من سـلاطين المماليك، مثل: السلطان "جقمـق" (1438-1453م)، والسلطان "الأشـرف قايتباى" (1468-1498م). وترقـى "عنبر التكرورى" حتى صار مقدماً فى الجيش([37]). وبرى الباحثُ أن "عنبر التكروري" كان جيلاً متأخرًا من "التكاررة" الذين استقروا بمصر، أي أن أجداده كانوا قد هاجروا إلى مصر، وعاشوا بها مدةً من الزمن، ثم ولد "عنبر" بعد ذلك بمصر لأسرة تكرورية الأصل، ولانعلم على أية حال إلى الأجيال التكرورية المهاجرة ينتسب. وعلى أية حال تذكر المصادر أنه انضم للجيش المصري، وخدم به، ومن ثم أظهر براعة في خدمته، ثم ترقي في الدرجات العسكرية العليا([38]). ورغم ذلك الامتزاج  بين أهل التكرور والمصريين، إلا أن "التكاررة" احتفظوا في ذات الوقت باسم "التكرورى" تأكيدًا على أصولهم الأفريقية. وعن شخصية "عنبر التكروري"، يقـول "ابن إيـاس" (ت: 930هـ): "وفى شـوال، قـرر عنبر التكرورى فى نيابـة  تقـدمة المماليك، ثـم بقـى من بعـد ذلـك مُقـدم الممالـيك.."([39]).

ثالثًا- قُدوُم عُلماء التكرور إلى القاهرة:

ربطت العديدُ من الوشائج العلمية بين علماء بلاد التكرور والعلماء المصريين، وكان علماءُ "التكرور" يحرصون على التواصل العلمي مع علماء مصر الذين ذاع صيتهم في ربوع العالم الإسلامي إبان حقبة "العصر الوسيط". وتتحدث المصادرُ عن عدد من علماء التكرور الذين نالوا العلم بمصر([40]). كما أن عددًا منهم كان يحرص على التواصل مع كبار العلماء بمصر، فكان علماءُ التكرور يرسلون بما يعنُ لهم من تساؤلات فقهية وشرعية لعلماء مصر حتى يفتوهم في تلك الأمور، وذلك لثقة علماء التكرور بالمصريين. ومن المعروف أن السلطان "أسكيا محمد" (899-935هـ) "ملك التكرور" كان قد أراد من الإمام "السيوطى" (ت: 911هـ)، وكان أشهر علماء مصر في ذلك الوقت، أن ينشر علمه فـى "بلاد التكرور"، لاسيما وأن كتب "السيوطي"، ومصنفاته كانت رائجةً فى بلاده. وكان علماء التكرور يقومون بتدريس كتبه، ومنهم من قام بعمل شروح لكتب "السيوطي". ومن ثم كان من الطبيعي أن يقوم علماء التكرور الكبار بمراسلة الإمام السيوطى، ومن ذلـك قيام الفقيه التكروري "أحمد بابا التنبكتي" بعمل شرح لـ"ألفية السيوطى"، وسماها باسم "المنح الحميدة فى شرح الفريدة"[41].

كما يتحدث المؤرخُ عبدالرحمن السعدي (ت: حوالي سنة 1655م)، صاحب "تاريخ السودان"، عن أحد علماء التكرور واسمه "العاقب بن عبدالله الأنصمني" بأنه أخذ العلم عن الإمام السيوطي[42]. وكان علماء التكرور يبعثون إلى السيوطى بالأسئلة الفقهية وتضم أمورًا شرعية، وكذلك كان بها بعض الفتاوى، وليسألـوا عما شق عليهم من أمور الدين. وقـد صنف السيوطى فى ذلك رسالـة شهيرة، ضمنها أجوبتـه على تساؤلات علماء التكرور، ودعاها باسم: "فَتحُ المَطلَب المَبرور، وبـَرد الكَبد المَحرور، فى الجوابِ عن الأسئلـةِ الـواردةِ من التَكرور"[43]. وفي موضع آخر من كتاب "السيوطي" عن هذه الرسالة الفقهية التي أرسلها لعلماء التكرور، وقد جعلها باسم: "مطلب الجواب بفصل الخطاب"[44]. وكانت تلك الرسالة ردًا من "السيوطي" على أسئلة الفقيه التكروري "شمس الدين بن محمد اللمتوني"[45].

ويُفهم من كلام السيوطي لهذا الفقيه (التكروري) أنه فيما يبدو يعرفه معرفةً شخصية، وهو ما يظهر بشكلٍ واضح من صيغة الكلام بين كليهما، وكذا مقدار الود الذي يحمله له "السيوطي"، ونعوته، ولعل من ذلك قوله له بصفة الحبيب، والأخ، وكذلـك وصفه له بالصلاح، وكذلك تقدير "السيوطي" لعلم الفقيه التكروري، حيث يقول في وصفه: "الشيخ، العالم، الصالح.."[46]. ويرى الباحثُ أن ذلك يُشير فيما يبدو إلى أن العلاقة بين العالمين المصري والتكروري كانت قد زادت ارتباطًا بعد أن زار "السيوطي" بلاد التكرور، وهو ما يذكره "السيوطي" في ترجمته المعروفة التي أوردها في كتابه "حُسن المُحاضرة"([47]). وهو ما يبدو من سياق الحديث في هذه الرسالة الفقهية. وحسب هذه الرسالة، يذكر "السيوطي" أنه كتبها، وبعث بها إلى الفقيه التكروري في شهر شوال، من سنة 898هـ[48]. وفي الغالب كانت تلك الزيارة العلمية فيما يرى الباحثُ بناء على دعوة من السلطان "أسكيا محمد" ملك التكرور لجلال الدين السيوطي، وهو ما شجع الفقيه المصري على القيام بهذه الرحلة العلمية. ومما لاريب فيه أن تلك الزيارة قد زادت من شهرة الإمام "السيوطى"، ورواج كتبه، وعلمه فى "بلاد التكـرور".

ويبدو أنه كـان لهذه الزيارة العلمية التي قام بها "السيوطي" إلى بلاد "التكرور" صدى كبيرًا بين كبـار علماء مصر، فشجعت الكثيرين منهم على الذهاب إلى تلك المملكة الأفريقية النائية خدمة لـدين الله، ولنشر العلوم الدينية والشرعية بين شعوب هذه البلاد المسلمة. ومن جانب آخر حرص كثيرون من علماء التكرور على القدوم لمدينة القاهرة، مدينة العلم في ذلك الوقت، وتعج كتب التاريخالتي دونها مؤرخو بلاد التكرور ذاتها بأسماء كبار العلماء في بلادهم الذين أقاموا بالقاهرة، وجاءوا طلبًا للعلم، وبالطبع كان الكثيرُ منهم يستفيد من رحلة الحج، وانتظار خروج "موكب الحج" من القاهرة للتعلم على ايدي علماء مصر[49]. ومن علماء التكرور الذين زاروا القاهرة الفقيه "أحمد بن عمر أقيت" (ت: 942هـ)، وهو من كبار علماء التكرور، وشغل منصب "قاضي تنبكت" (تمبكتو)، وكذلك "قاضي ولاتن"[50]، وهي من مدن التكرور المعروفة، وينتسبُ هذه الفقيه لـ"أسرة أقيت" العلمية المشهورة، والتي أنجبت أشهر فقهاء وعلماء "تنبكت"[51]. وقد حج الفقيه التكروري سنة 890هـ، وأقام بمدينة القاهرة مدة، ولقي بها الإمام "السيوطي"، والإمام "الأزهري" النحوي المعروف، وغيرهما من كبار العلماء بمصر[52].

وعن قدوم هذا الفقيه التكروري لمدينة القاهرة، يقول السعدي: "شرَّق (أي ذهب لبلاد الشرق) في تسعين وثمانمائة، وحج، ولقي الجلال السيوطي، والشيخ خالد الوقاد (الأزهري) إمام النحو، وغيرهما.."[53]. ويقصد المؤرخ "السعدي" هنا أن الفقيه "أحمد أقيت" كان قد أخذ العلم عن الإمامين المعروفين "السيوطي"، و"الأزهري"، وكذلك عن غيرهما من كبار العلماء بمصر في أيامه. وكان من أبرز علماء التكرور الذين جاءوا لمدينة القاهرة أيضًا، الفقيه: "محمود بن عمر بن محمد أقيت (التنبكتي) (ت: 955هـ)، وهو أخو الفقيه "أحمد بن عمر أقيت" الأصغر[54]. ويُوصف بأنه كان من كبار "قُضاة تنبكت"، وأحد أعلام الفقه في بلاد التكرور[55]. كما أنه لعلو مكانته في بلاد التكرور حمل لقب: أبي البركات، وكذلك "شيخ الإسلام"[56]. وقد زار الفقيه "محمود بن عمر أقيت" القاهرة سنة 915هـ خلال رحلته للحج، والتقى بكبار علماء مصر آنذاك[57]. وكان قدوم هذا الفقيه التكروري للقاهرة في العام 15 من حكم أسكيا محمد (899-935هـ) سلطان صنغي، والمشهور بلقب "سلطان التكرور"[58].

ومن جانبٍ آخر، كان أمرًا منطقيًا أن يستقر عددٌ من علماء التكرور بمدينة القاهرة استقرارًا تامًا بمرور الزمن، وأن يبقوا بها حتى موتهم، وقد نال عددٌ منهم صيتًا كبيرًا. وكان من أبرزهم الشيخ "يوسف التكروري" الذي ذكرنا نتفًا من شأنه آنفا، وهو الذي حمل "حي التكرور" بالقاهرة اسمه حتى يومنا، وكان هذا الشيخ قد ذاعت شهرته، ونال مكانةً دينيةً واسعة بين عوام الناس على الأخص. وكان الشيخ "التكروري" ممن عُرف بين الناس بالتقوى، والصلاح، وهو ما يبدو جليًا في ثنايا الروايات القليلة التي تحدثت عنه. ويعتبر تقي الدين المقريزي، و"علي باشا مبارك" من أكثر المؤرخين الذين تحدثوا عن ترجمته([59]).

وكان الشيخُ "يوسف التكرورى" يعيشُ بمدينة القاهرة في عصر "الدولة الفاطمية" (358-567هـ)، وتحديدًا خلال فترة حكم "العزيز بالله" (نزار) (365-386هـ)، وهو ابن المعز لدين الله الفاطمي (365– 386هـ)([60]). وقد عُرف هذا الشيخ "التكروري" بأنه من أصحاب الكرامات، ومما ورد في المصادر التاريخية عن كراماته، يقول المقريزى: "وكان يُعتقد فيه (أي الشيخ) الخيرُ، وجُربت بركةُ دعائه، وحُكيت عنه كراماتٌ كثيرة.."([61]). كما تروي المصادر التاريخية بعضًا من كرامات الشيخ التكرورى، وبعض تلك الكرامات ارتبط أيضًا بـ"التكاررة" (أو السودانيين) الذين كانوا يعيشون فى "حى التكرور"  فى ذلك الوقت([62]).

ومما حكي عن الشيخ التكروري، وكراماته بالقاهرة: أن إمرأةً خرجت من مدينة مصر (أي: القاهرة) تريدُ البحر (لعله يقصد: نهر النيل) فأخذ السودانُ (وهم أهل التكرور) ابنها، وساروا به فى مركب، وفتحوا القُلع فجرت السفينة، عندها تعلقت المرأة بالشيخ "يوسف التكروري"، وأخذت تستغيثُ به، فخرج لها الشيخُ من مكانه حتى وقف على شاطىء نهر النيل، ثم دعا الله سبحانه وتعالى، فسكنت الريحُ، ووقفت السفينةُ عن السير، فنادى الشيخ من فى المركب يطلب منهم الصبى، فدفعوه إليه، ثم ناول الشيخُ الطفل لأمه([63]).

سكن جماعة أخرى من علماء التكرور في بعض المدن والأقاليم المصرية الأخرى، ولم تكن إقامتهم حكراً على مدينة القاهرة، وبولاق التكروري وحدهما، حيث  تتحدث بعض المصادر التاريخية عن شيوخ آخرين من "التكاررة" الذين عاشوا بمصر، ولعل منهم الشيخ: "فاتح بن عثمان التكروري"، وهو الذي يلقب بـ"الأسمر"، وذلك إشارة إلى أنه كان من أصل تكروري، وأنه جاء من مدينة مراكش بالمغرب الأقصى، ثم استقر به الحال في "دمياطبعد ذلك([64]).

رابعًا- جامعُ وضريحُ الشيخ التكروري بالقاهرة:

 لما مات الشيخُ "يوسف التكروري" بمدينة القاهرة، أقام له الناسُ مسجدًا يُعـرف باسـمه فى ذات الموضع الذى كان قد دُفـن فيه هذا الشـيخ، وذلك عرفانًا منهم بمكانته الدينية، والروحية، ومن ثم أُطلق عليه اسم: "جامع التكرورى"([65])، وبفضل وجود هذا المسجد، وكذلك الضريح الذي دُفن به "الشيخ التكروري"، أطلق الناس على المنطقة الموجود بها كليهما اسم "بولاق التكروري". وعن هذا المسجد يقول المقريزي: "هذا الجامعُ في ناحية بولاق التكروري.."([66]).

ومن المعلوم أنه لما مات "الشيخ التكروري" بُنى على قبره قُبـة، وعمل بجانبـه جامع، جدده، ووسـعه الأمير "محسن الشهابى" مُقـدم المماليك، وولى تقدمة المماليك عوضًا عن الطـواشى عنبر السحرتى، أول صفر سنة 743هـ([67]). ثـم إن نهر النيل مال على ناحية "بـولاق" فيما بعـد سنة 790هـ، وأخـذ منها قطـعة عظيمة كانت كلها مساكـن، فخاف أهل "حي التكروري" أن يتهدم ضريـح الشيخ التكروري، وكذلك الجامع الذي يحمل اسمه، نظرًا لقربهما من مجرى مياه النهر، فنقل الناس الضريح والجامع لداخل حي التكروري([68])، ويذكر على مبارك أن الجامع والضريح اللذان يحملان اسم الشيخ التكروري كانا باقيين حتى أيامه، والمعروف أنه توفي آواخر القرن 19م (في سنة 1893م)([69]). وكان قد قام بتجـديد جامـع الشيخ "التكرورى" السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون، وكانت تـوجد قبة فى حديقة الحريم بسراى "بولاق التكرور" للأمير ابن الأمير طوسون باشا. وعلى أية حال فإنه ممالاريب فيه أن  التكـاررة الذين استقروا بالقاهرة بمرور الزمن اختلطوا، واندمجوا فى حياة المصريين، حتـى يمكن القول بأنهم تمصروا تماما([70]). ويرى الباحثُ بدوره أن أعداداً من أهل التكرور آثروا البقاء، والاستقرار في "حي التكرور" بسبب وجود مسجد وضريح الشيخ يوسف التكروري.

خامسًا- مدرسة التكرور بالقاهرة:

يُرجح أن جماعات من شعب "التكرور" استقرت بمدينة القاهرة منذ وقتٍ بعيد، وقبل حوالي قرنين من زمان السلطان "منسا موسى" (712-738هـ) ذاته، حيث كانت تعيشُ جاليةٌ تكرورية كبيرة فى القاهرة منذ أيام "الدولة الفاطمية" (358-567هـ)، ومرورًا بحقبة "العصر الأيـوبي" (567-648هـ). وفي الغالب كان أكثرهم من طلاب العلم التكاررة، ولهذا أقام أهل التكرور، وكانوا أكثرهم فيما يقال من حكام بلاد الكانم (في تشاد)([71])، مدرسة لهم خاصة في منتصف القرن 7هـ/13م([72]). وكانت هذه "المدرسة التكرورية" تُعرف باسم: "مدرسة ابن رشيق"، وقد كانت الغاية العلمية من إقامتها، بجانب جمع طلاب بلاد "التكرور" معًا، وكذلك تدريس الفقه المالكى لهم، وهو المذهب الذى انتشر فى مصر، وكذلك في بلاد التكرور، وقد طُلب من واحد من كبار العلماء بمصر فى ذلـك الوقت، واسمه "ابن رشيق" حتى يقوم بالتدريس في مدرسة التكرور للطلاب التكاررة الموجودين بمدينة القاهرة([73]).

وعن تأسيس هذه المدرسة، يقول المقريزي: "هذه المدرسة للمالكية، وهي بخط "حمام الريش" من مدينة القاهرة، كان الكانم من طوائف التكرور لما وصلوا إلى مصر في سنة بضع وأربعين وستمائة قاصدين الحج دفعوا للقاضي "علم الدين ابن رشيق" مالًا بناها به، ودرس بها، فعُرفت به, وصار لها في "بلاد التكرور" سُمعةً عظيمةً، وكانوا يبعثون إليها في غالب السنين المال.." ([74]). ويعتقد الباحثُ أن العالم "ابن رشيق" كان يدعو كبار علماء مصر ليقوموا بالتدريس فى "مدرسة التكرور"، فلم يكن التدريس فيها مقتصراً عليه وحده.

سادسًا- رُواق التَكرور بالأزهر الشريف:

عَرفت مدينةُ القاهرة نظام "الحلقات الدراسية"، أو ما يعرف بـ"الأروقة" الدراسية فيما بعد، منذ حوالي القرن الأول الهجري، ومع الفتح العربي لأرض مصر سنة 21ه/641م([75]). وقد تعددت الجالياتُ القادمة من الممالك الأفريقية جنوب الصحراء عامة إلى القاهـرة، ولاسيما أولئك القادمين من "بلاد التكرور" بصفةٍ خاصة. وقد لعب "الأزهرُ الشربف" دورًا مهمًا فى جذب الكثيرين منهم، لما له من مكانة علمية ودينية كبرى بين المسلمين. وأخذت الأعدادُ الوافدة من الممالك الأفريقية تزداد لطلب العلم في الأزهر الشريف، ومن ثم صارت هناك حاجةٌ ملحةٌ لأن يكون لكل جالية أفريقية كانت قد استقرت بالقاهرة "رواقٌ" بالأزهر الشريف، وقد ارتبط هذا الرواق بأهل تلك الجالية من العلماء، وطلبة العلم. وكلمة "الرواق" يُقصد بها لغةً أنها: "المسافة بين كل عمودين من أعمدة المسجد"، وجمعها: "الأروقة"([76]). وعلى أية حال، فإنه من المعلوم أن أول درس ألقي بـ"الأزهر الشريف يرجع إلى سنة 365هـ، ثم أقيمت دار لسكن الفقهاء والعلماء بجوار الجامع الأزهر، وقد وضعت لهم الرواتب لنفقاتهم([77]). أما عن البداية الأولى لـ"أروقة الأزهر" تقول الدكتورة "سعاد ماهر": "وكان الأزهرُ منذ بدأت الدراسة فيه مفتوح الباب لكل مسلم، يقصده الطلابُ من مشارق الأرض ومغاربها..يتلقون العلم، وتجري عليهم الأرزاق، وتقيم كلُ جماعة منهم في مكانٍ خاص بها، وهذا هو نظام الأروقة الشهير الذي بدأ بالأزهر منذ العصر الفاطمي.."([78]). ويرى البعض أن البدايات الأولى لـ"نظام الأروقة" ترجع إلى أيام "العصر الفاطمي" (358-567هـ)، وتحديدًا إبان حُكم الخليفة الفاطمي "الحافظ لدين الله"([79]). بينما يؤكد آخرون أن نظام "الأروقة" تم العمل به بشكلٍ واضح أيام "دولة المماليك" (648-923هـ)، وقد استمر نظام الأروقة أيام الحكم التركي، وكذلك خلال حكم أسرة محمد علي (1805-1952م)، وإلى سنة 1954م، حيث صدر قرارٌ بإقامة "مدينة البعوث الإسلامية" ليُقيم فيها طلاب الأزهر الأفارقة، وغيرهم بدلاً من نظام الأروقة التقليدي، لاسيما مع كثرة وفود الطلاب الأجانب إلى مصر، سواء الأفارقة منهم، أو غيرهم من الجنسيات الأخرى([80]).

 وكانت "جالية التكـرور" من أهم الجاليات الأفريقية التى كان لها رواق خاص بها بالأزهـر الشريف، وكان يُعرف بـ"رواق التكـرور"، أو "رواق التكارنة" (أو التكاررة). وكان "شيخ الرواق" يجب أن يكون من "بلاد التكرور"، وكان يجد "رواق التكرور" في طرف المقصورة الجديدة فوق الإيوان، شمال الداخل من "باب الصعايدة". و"رواق التكرور" كان عبارة عن مبنى أرضي مقام على محل فسيح، وكان يقع أعلاه جزء من "رواق الشوام".

وقد بلغت "الجراية" المقدمة إلى طلاب التكرور المقيمين داخل هذا الرواق، في بعض الأحيان" 33 رغيفًا، وكانت هذه الجراية تقدم لهم كل يومين، وكان طلبة التكرور يتقاضون راتبًا لمساعدتهم على المعيشة وطلب العلم غُرة كل شهر هجري([81]). ويُشير البعضُ إلى أن "رواق التكاررة" كان مخصصًا لكل من: طلاب التكرور، وكذلك الطلاب القادمين من إقليم "واداي"، وكذلك طلاب دارفور، وسنار([82]).

ولعل في ذلك خلطٌ واضح، لأن طلاب سنار كان لهم رواق خاص بهم، وكان يحمل اسم "رواق سنار"، وكذلك كان طلاب واداي، وهو من أقاليم تشاد، ومن ثم فمن الراجح أنهم كانوا ضمن "رواق الكانم والبرنو". وعلى أية حال فقد استفاد أهل التكرور إبان قدومهم مع موكب الحج القادم بالإقامة بالقاهرة  انتظاراً  لخـروج موكب الحج، ولهذا كانوا يذهبون لأروقة الأزهر للدراسة، وطلب على أيدي علمائه الكبار، وذوى المكانة، والشهرة الواسعة. ومن جانب آخر تذكر بعض المصادر أن عدد طلاب الأروقة بالأزهر الشريف  في القرن التاسع الهجري كان قد بلغ حوالي 750 طالب من الأفارقة، والمغاربة، وكذلك طلاب العجم، والمصريين([83]).

الخاتمة:

وبعد هذه الرحلة التاريخية عبر "التراث التكروري" الإسلامي بمدينة القاهرة، يمكن أن نخلُص ببعض الاستنتاجات المُهمة:

  • أكدت هذه الدراسةُ أن "الأزهر الشريف"، و"موكب الحج" كانت من أهم الأسباب التي حفزت العديد من سكان "بلاد التكرور" على القدوم إلى مدينة القاهرة خلال العصور الإسلامية، إما لمرافقة "موكب الحج" المصري، وأداء مناسك الحج، وإما بهدف الدراسة والتعلم في الجامع الأزهر على أيدي كبار علماء مصر، ومن المعروف أن الأزهر الشريف كان قد نال مكانةً دينيةً، وعلميةً مُهمة في ربوع العالم الإسلامي.
  • أدى استقرار العديد من الجاليات التكرورية بمدينة القاهرة إلى بروز أنماطٍ عدة من تراث شعب التكرور بالقاهرة، وهو تراثٌ مُتنوع ما بين شخصيات من "أصول تكرورية" استقرت بالقاهرة، ومن ثم فإنهم تمصروا، أي صاروا مصريين قلبًا وقالبًا، ومع ذلك ظلوا يحتفظون بنسبهم إلى بلاد التكرور. هكذا كان للتكاررة تراثٌ مُهم بمدينة القاهرة، يشهد على العلاقات التي جمعت بين المصريين وشعب التكرور خلال حقبة العصر الإسلامي، ولايزال أثر تراث التكرور قائمًا حتى هذا اليوم.
  • أشارت الدراسةُ إلى ارتباط "حي التكرور" الحالي بالقاهرة بالجاليات التكرورية التي أقامت بهذه المدينة، وكان من أبرز هؤلاء "التكاررة" الشيخ يوسف التكروري الذي عاش إبان العصر الفاطمي (358-567هـ)، وقد اشتهر هذا الشيخ التكروري الأصل بالصلاح والتقوى، وكذلك الكرامات، ولما مات دُفن بذات المنطقة عاش بها، ثم أقاموا له مسجدًا يحمل اسمه، ومن ثم أُطلق اسمه على كل المنطقة التي كان يقطُن بها، وهو الحي المعروف باسم "حي التكرور"، أو "بولاق التكرور"، وهو حي "بولاق الدكرور" حاليًا.
  • وكان من أبرز نماذج "التراث التكروري" بمدينة القاهرة، وجود مدرسة تكرورية كانت مخصصة للطلاب التكاررة القادمين في طلب العلم بمدينة القاهرة، وقد عرفت أيضًا باسم "مدرسة ابن رشيق"، وهي ترجع لأيام "العصر الأيوبي" (567-648هـ).
  • وكان "رواق التكرور" أحد الأروقة المشهورة بـ"الأزهر الشريف"، وهو من أبرز جوانب "التراث التكروري" بمدينة القاهرة. وكان يسكن بهذا "الرواق" طلاب التكرور، وكان الحكام بمصر يوفرون الدعم المادي والمعنوي للطلاب التكاررة، ولغيرهم بالطبع من الطلاب الأفارقة بالقاهرة حتى ينالوا العلم الديني، والشرعي، ومن ثم كانوا يعودون لبلادهم لينشروا ذلك العلم الذي تعلموه بمصر.

[1] تذكر المصادرُ أن بناء "الجامع الأزهر" بدأ في سنة 359هـ على يد القائد "جوهر الصقلي"، وانتهى البناء في شهر رمضان سنة 361هـ (المقريزي: المواعظ والاعتبار (خطط المقريزي)، جـ4، مكتبة الآداب، القاهرة، د.ت، ص49). وللمزيد عن تأسيس القاهرة، والأزهر الشريف، السيوطي: حُسن المحاضرة، جـ1، تحقيق: خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م، ص221-222، وانظر سعاد ماهر: مساجد مصر وأؤلياؤها الصالحون، جـ1، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 2009م، ص165 وما بعدها، انظر عبدالعزيز محمد الشناوي: الأزهر جامعًا وجامعة، جـ1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2013م، 21-23.

 [2]يذهب البعضُ إلى أن ديلافوس كان من أوائل من انتبه إلى الأصل الصنهاجي لكلمة "تكرور"، وأورد أنه من المحتمل أنه لم يكن الاسم الأصلي للاقليم في الماضي، بل أطلقه بربر صنهاجة على هذه البلاد، ثم أخذه العرب عنهم. ويقال إن اسم (التكرور) يعني باللغة الصنهاجية: "المكان الذي يتعرض فيه المرء للسرقة"، فهو اسم مشتق من فعل (أكر) الصنهاجي الذي يعني: "يسرق" (وللمزيد عن أصل اسم التكرور، انظر: البرتلي: فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، تحقيق  وتعليق: عبدالودود ولد عبدالله وأحمد جمال ولد الحسن، دار نجيبويه للدراسات  والطباعة والنشر، 2010م، ص12-13). ولايدري الباحث ما العلاقة بين التكرور كبلد من البلدان من جانب، وفعل يسرق من جانب آخر. ويعتقد الباحث أن في تلك التفسير لاسم التكرور تحاملاً من صاحب هذا الرأي، وهو مستشرق فرنسي على أية حال. وللمزيد عن هذا الرأي الغريب في أصل تلك التسمية، انظر رأي ديلافوس المتخصص في تاريخ بلاد التكرور: Delafosse: Haut Senegal-Niger, Maison Neuve et laRose, Paris, 1972,P. 35.

 [3]البرتلي: فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، ص12-13.

[4] يعتقد البعضُ أن اسم "النيجر" مشتقٌ من الكلمة اليونانية اللاتينية "نيجرو" Negro التي تعني: "صاحب البشرة السوداء"، وهي البلاد التي يجري فيها هذا النهر، ومنه اشتق اسم نيجيريا..الخ. وقد أطلقت المصادر الإسلامية على هذا النهر اسم: (نيل السودان)، تشبيها له بـ"نهر النيل". ويذكر العُمري عن نهر النيجر: "فأما نيل السودان فهو آخذ بعد انحداره من الجنوب إلى الشمال خلف المعمور من الشرق حتى يصب في المحيط (أي الأطلنطي) بالغرب.." (العمري: مسالك الأبصار، جـ1، تحقيق: الدكتور عامر النجار،الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2012م، ص121).

[5] البرتلي: المصدر السابق، ص12.

[6] وللمزيد عن "بلاد التكرور"، انظر القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر، بيروت، د.ت، ص26، الحميري: الروض المعطار، تحقيق: الدكتور إحسان عباس، مكتبة لبنان، 1984م، ص134، القلقشندي: صبح الأعشى، جـ5، تحقيق: فوزي محمد أمين، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2005م، ص286. وللمزيد، البرتلي: فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، ص12-13. وانظر كذلك: J. Spencer Trimingham: A History of Islam in West Africa, Glasgo University Publications, London, 1975, P.37.                 

Basil Davidson: The African Past Chronicles from Antiquity to Modern Times, Penguin African Library, Penguin Books, 1964, PP. 82-87.        

  1. D. Fage: A History of West Africa, Cambridge University Press, London, 1969, PP. 18-30.        

[7]القلقشندي: صبح الأعشى، جـ5، ص286.

[8] المصدر السابق، ص286.

[9] وعن مدينة كوكو، يقول الحميري (ت:   ): "مدينة مشهورة الذكر في بلاد السودان، كبيرة على ضفاف نهر من ناحية الشمال فيمر بها، ومنه شرب أهلها، ويجري حتى يجوز كوكو بأيام كثيرة، ثم يغوص في الصحراء في رمال، ودهاس مثل ما يغوص الفرات.." (الحميري: الروض المعطار، ص502.

[10] المصدر السابق، ص286.

[11] القلقشندي: صبح الأعشى، جـ5، ص286، (وأشار المقريزي لطلاب الكانم باسم التكرور، وذلك في اطار حديثه عن مدرسة ابن رشيق بالقاهرة والتي كانت قد شيدت للطلاب القادمين من بلاد التكرور(المقريزي: الخطط، جـ4، ص133، وانظر السيوطي: حسن المحاضرة، جـ1، ص290).

[12] القلقشندي: صبح الأعشى، جـ5، ص286.

[13] السيوطي: حسن المحاضرة، جـ1، ص290.

[14] انظر متن هذه الرسالة، السيوطي: فتح المطلب المبرور وبرد الكبد المحرور في الجواب عن الأسئلة الواردة من التكرور، فصل  من كتاب الحاوي للفتاوي، دار الكتب العلمية، بيروت،  طـ1، 1982م، ص291.

[15] البرتلي: فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، ص12-13

[16] الحميري: الروض المعطار، ص134. ومن المعلوم أن أكثر المصادر الإسلامية التي تؤرخ إلى العصر الوسيط كانت تخلط ما بين نهر النيجر ونهر النيل، وكانت تطلق على الأول (أي نهر النيجر) اسم: النيل، ربما لأنهم كانوا يعتقدون أن أصلهم واحد، وأنهما مرتبطان مع بعضهما البعض.

[17] المصدر السابق، ص134.

[18] القلقشندي: صبح الأعشى: جـ5، ص286.

[19] المصدر السابق، ص286.

[20] وعن هذه الأقاليم، يقول القلقشندي نقلا عن رواية "العُمري": "وذكر في ممالك الأبصار أن هذه المملكة تشتمل على أربعة عشر إقليما، وهي: غانة، وزافون، وترنكا، وتكرور، وسنغانة، وبانبغو، وزرنطبنا، وبيترا، ودمورا، وزاغا، وكابرا، وبراغودي، وكوكو، ومالي، فذكر أربعة من الأقاليم الخمسة المتقدمة الذكر، وأسقط إقليم صوصو، وكأنها قد اضمحلت، زاد باقي ذلك.." (القلقشندي: المصدر السابق، ص286). ومن المؤكد هنا أن المقصود بهذه المملكة التي تضم الأربعة عشر إقليما من أقاليم غرب أفريقيا، هي مملكة مالي والتي كان العمري صاحب تلك الرواية معاصرا لأيام هذه المملكة، لاسيما وأن "سلطنة صنغي" ذاتها كانت قد تأسست بعد سقوط "مملكة مالي" في سنة 777هـ، أي بعد موت العمري (ت: 749هـ) بحوالي 28 سنة.

[21] القلقشندي: المصدر السابق، ص286.

[22] البرتلي: فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، ص12-13.

[23] المصدر السابق، ص12-13.

[24] الحميري: الروض المعطار، ص134.

[25] المصدر السابق، ص134. وقد لعب "موكب الحـج" دورًا مُهمًا فى التقريب بين كل من بلاد التكـرور وشعبها من ناحية، وبين مصر وسلاطينها، وكذلك شعبها من ناحية أخرى، فقد كانت  مصر المعـبر الرئيسى للذهـاب الى أرض الحـرمين، ومن ثـم فكـان لابـد من زيـارة مصر خلال تلك الرحلة لمرافقة "موكب الحج" المصرى الذى كانت مصر ترسله الى بلاد الحجاز، خاصة وأنه كان يجهز بكل الامكانات المطلوبة سواءً من جانب التأمين ضد قطاع الطـرق، والمؤن الكافية للحجيج  فى رحلتهم. ولاريب أن التكارنة (التكرور) الذين يأتـون لمصر فى ذلك الوقت كانوا مُنبهرين بما كانوا يشاهـدونه  فى مصر من ازدهار حضاري لافـت، وما بـلغته من تطـور ومدنية لـم يألفـوه فى أى بلد آخر.

[26] وعن سقوط مدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وما وقع بعدها، يقول السيوطي: "ولما أخذ التتار بغداد، وقتل الخليفة (المستعصم)، وجرى ما جرى، اقامت الدنيا بلا خليفة ثلاث سنين ونصف..فلما كان في رجب من هذه السنة قدم أبوالقاسم أحمد بن أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله، وهو عم الخليفة المستعصم.. وكان معتقلا ببغداد، ثم اطلق..ثم قصد الملك الظاهر (بيبرس) حين بلغه ملكه، فقدم عليه الديار المصرية..وكان دخوله إلى القاهرة في ثاني رجب، فخرج السلطان للقائه..وكان يوما مشهودا..فلما كان يوم الاثنين ثالث عشر رجب، جلس السلطان والخليفة في الإيوان بقلعة الجبل.." (السيوطي: حسن المحاضرة، جت2، ص69-70).

[27] ابن خلدون: التعريف بابن خلدون، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1979م، ص264. بل قا ا خلدون أيضا عن القاهرة:"من لم يرهالم ير عز الإسلام.." (ابن خلدون: التعريف، ص265).

[28] المقريزي: الخطط، جـ4، ص52-54، وللمزيد، انظر السيوطي: حسن المحاضرة، جـ2، ص221.

[29] عبدالرحمن زكي: تاريخ الدولة الإسلامية السودانية، المؤسسة العربية الحديثة، القاهرة، 1961م، ص106-107.

[30] ابن خلدون: التعريف بابن خلدون، ص264.

[31] المقريزي: خطط المقريزي، جـ4، ص133.

[32] على باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ11، ص33. ومن الواضح أن علي باشا مبارك استعان بالعديد مما ورد في رواية المقريزي فيما يخص حي بولاق التكرور، وسبب تسميته بهذا الاسم، وعن ذلك الحي يقول على باشا مبارك: "بولاق التكرور، قرية قريبة من الجيزة، وكانت تعرف بمنية  بولاق، ثم عرفت ببولاق التكرور بسبب أنه كان نزل بها الشيخ أبومحمد يوسف التكرور..".

[33] على باشا مبارك: الخطط التوفيقية،  جـ11، ص33.

[34] المقريزي: خطط المقريزي، جـ4، ص133.

[35] المقريزي: المصدر السابق، ص133. وللمزيد عن الشيخ التكروري، انظر على باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ11، ص33.

[36] ابن إيـاس: بدائـع الــزهور، جـ3، تحقيق: محمد مصطفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1982م، ص321.

[37] ابن إيـاس: بدائـع الــزهور، جـ3، ص321.

[38] المصدر السابق، ص321.

[39] المصدر السابق، ص321. ومن المعروف أن ظاهرة وجود جاليات أفريقية بمصر، واستقرارهم بها يوجد أيضا من خلال الأسماء الأفريقية العديدة التي تحملها مثير من العائلات ذات الأصول الأفريقية بمصر، ولعل منها: الجبرتية التي ينتسب لها المؤرخ المصري المعروف عبدالرحمن الجبرتي الذي عاش ما بين القرنين 18 و19 الميلاديين، وكانت أسرته من إقليم جبرنة، وهو من أقاليم بلاد الزيلع بالقرن الأفريقي. وعلى ذات السياق عائلة السنارية التي تنتسب لأسرة من سنار عاصمة بلاد الفونج الإسلامية التي تأسست أوائل القرن 10هـ/16م في السودان الحالي، أو سودان وادي النيل.

[40] أحمد بابا التنبكتي: نيل الابتهاج بتطريز الديباج، المجلد الأول، تحقيق: الدكتور علي عمر، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2015م، ص147-148، وانظر أيضا عبدالرحمن السعدي: تاريخ السودان، مطبعة بردين، أنجي، 1898م، ص41.

[41] الهادى المبروك الدالى: التاريخ الحضاري لأفريقيا ما وراء الصحراء، طرابلس، طـ1، 2000م، ص191

[42] عبدالرحمن السعدي: تاريخ السودان، ص41.

[43] توجد هذه الرسالة التي تضم فتاوى الإمام السيوطي ضمن كتابه المعروف بـ"الحاوي للفتاوي" (للمزيد عن ذلك انظر السيوطي: فتح المطلب المبرور وبرد الكبد المحرور في الجواب عن الأسئلة الواردة من التكرور، فصل من كتاب الحاوي للفتاوي، دار الكتب العلمية، بيروت، طـ1، 1982م، ص291).

[44] السيوطي: المصدر السابق، ص284.

[45] يقول السيوطي عن هذا العالم التكروري: "من الفقير عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمد...بن همام الخضيري السيوطي الشافعي إلى حبيبه وأخيه في الله الشيخ العالم الصالح شمس الدين محمد بن علي اللمتوني أعزه الله تعالى في الدارين، وأزال عن قلبه كل رين.." (السيوطي: فتح المطلب المبرور، ص291).

[46] السيوطي: فتح المطلب المبرور، ص291. 

[47] السيوطي: حسن المحاضرة، جـ1، ص290.

[48] المصدر السابق، ص284.

[49] أحمد بابا التنبكتي: نيل الابتهاج، المجلد الأول، ص147-148، وانظر السعدي: تاريخ السودان، ص41.

[50] ولاتن: وتعرف أيضا باسم ولاتة، وايولاتن، وهي من المحطات التجارية المهمة في تجارة الصحراء، وهي تبعد عن سجلماسة (جنوب المغرب) حوالي شهرين سفر، أي أنها تبلغ حوالي 2400 كيلومتر بحساب أيامنا (ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، جـ2، ص608).

[51] وللمزيد عن ترجمته، انظر أحمد بابا التنبكتي: نيل الابتهاج بتطريز الديباج، جـ1، ص147-148. وتقع مدينتا تنبكت وولاتن (أو ولاتة) في دولة مالي حاليا.

[52] أحمد بابا التنبكتي: نيل الابتهاج، جـ1، ص148.

[53] السعدي: تاريخ السودان، ص37.

[54] وللمزيد عن ترجمته، انظر أحمد بابا التنبكتي: كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج، جـ2، تحقيق: الدكتور علي عمر، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2004م، ص252.

[55] يقول أحمد بابا التنبكتي عن قدومه للقاهرة: "وحج عام خمسة عشر وتسعمائة فلقي السادة الأجلاء كإبراهيم المقدسي، والشيخ زكرياء، والقلقشندي من أصحاب الحافظ ابن حجر، واللقانيين، وغيرهم.." (أحمد بابا التنبكتي: كفاية المحتاج، جـ1، ص253).

[56] السعدي: تاريخ السودان، ص76.

[57] أحمد بابا التنبكتي: كفاية المحتاج، جـ2، ص252.

[58] السعدي: المصدر السابق، ص76.

[59] علي باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ11، ص33.

[60] يقول المقريزي عن الوقت الذي عاش فيه الشيخ التكروري: "ويقال إنه كان في خلافة العزيز بن المعز، وأن الشريف محمد بن أسعد الجواني جمع له جزء من مناقبه.." (المقريزي: الخطط، جـ4، ص133). وللمزيد، انظر على باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ11، ص33. والعزيز بالله هو أبوالمنصور نزار بن معد (المعز)، ولد سنة 344هـ، وولي حكم مصر سنة 365هـ، وكان أسمر اللون طويلاً، أصهب الشعر، عريض المنكبين، لايؤثر سفك الدماء، وكان حسن الخلق. وقد توفي العزيز بالله في بلبيس سنة 386هـ (وللمزيد، انظر القضاعي (ت: 454هـ): تاريخ القضاعي (عيون المعارف وفنون أخبار الخلائف)، تحقيق: جميل عبدالله محمد، معهد البحوث العلمية واحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، 1995، ص570-571).

[61] علي باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ11، ص33.

[62] المصدر السابق، ص33. كما تذكر الرواياتُ أيضاً أنه كان بالقاهرة لرجل يعمل بـ"الدباغة" أتاه عفص، فأخذه منه أصحاب السلطان. فأتى الدباغ إلى الشيخ التكرورى، وشكا اليه ما وقع  فيه من ضر، وما فعله  به أصحاب السلطان. ويقال إن الشيخ دعا ربه، فرد الله عليه عفصه بسؤال أصحاب السلطان له فى ذلـك. وقد حكى غير ذلك الكـثير عن كرامات الشيخ (علي مبارك: المصدر السابق، ص133).

[63] المقريزي: الخطط، جـ4، ص133.

[64] على باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ3، ص116.

[65] المقريزي: الخطط، جـ4، ص133.

[66] المصدر السابق، ص133.

[67] علي مبارك: الخطط التوفيقية، جـ11، ص33.

[68] المقريزي: الخطط، جـ4، ص133.

[69] الخطط التوفيقية: جـ11، ص33.

[70] ابن إيـاس: بدائـع  الــزهور، جـ3، ص321. وانظر على مبارك: جـ11، ص33.

[71] المقريزي: الخطط، جـ4، ص133.

[72] بلاد الكانم: هي مملكة أفريقية تأسست فيما يعرف باسم بلاد السودان الأوسط، وهي تقع في دولة تشاد حاليا، وقد قامت تحديدا على ضفاف بحيرة تشاد. ثم انتقل ملوك هذه البلاد إلى منطقة أخرى بجوار بحيرة تشاد، وأقاموا مملكة أخرى باسم: بلاد البرنو (وللمزيد عن بلاد الكانم، انظر القلقشندي: صبح الأعشى، جـ5، ص280-281)، عبدالرحمن زكي: تاريخ الدول الإسلامية السودانية، ص173 وما بعدها وكذلك Lavinia Dobler: Great Rulers of the African Past, Zenith Books, New York, 1965, PP. 95-100.                                                

[73] المقريزي: المصدر السابق، ص195.

[74] المصدر السابق، ص195.

[75] سعاد ماهر: مساجد مصر، جـ1، ص171.

[76] ه. أ. ر. جب وجـ. هـ. كالمرز: الموسوعة الإسلامية الميسرة، جـ1، ترجمة: راشدة البراوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2013م، ص667.

[77] سعاد ماهر: مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، جـ1، ص171.

[78] المرجع السابق، 175.

[79] يذكر المقريزي أن الأزهر منذ بنائه الأول كانت مقسما لأروقة، كما ذكر أيضا: "سأل الوزير يعقوب (بن كلس)..الخليفة العزيز بالله في صلة رزق جماعة من الفقهاء، فأطلق لهم كل ما يكفي كل واحد منهم..وأمر بشراء دار وبنائها فبنيت بجانب الجامع الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع وتحلقوا فيه بعد الصلاة (المقريزي: الخطط، جـ1، ص49)، ولعل تلك أو فكرة ترتبط بحلقات الفقهاء، أو ما يعرف بالأروقة فيما بعد. كما ذكر المقريزي أنه تم تجديده أيام الحافظ لدين الله الفاطمي، وأنشأ مقصورة باسم فاطمة الزهراء بجوار الباب الغربي الذي يقع في مقدم الجامع الأزهر بداخل رواقات المسجد (المقريزي: الخطط، جـ4، ص52، وانظر السيوطي: حسن المحاضرة، جـ2، ص221). ولعله فهم من هذه الرواية وجود الأروقة أو الرواقات بالفعل، لكن دون أن يعطي المقريزي مزيدا من التفاصيل في هذا الشأن. (انظر عبدالعزيز الشناوي: الأزهر، جـ1، ص227).

[80] عبدالعزيز الشناوي: الأزهر، جـ1، ص226. ويحدد البعض عدد أروقة الأزهر للطلاب الوافدين لمصر بحوالي 15 رواقا، وهم: رواق الشوام، رواق المغاربة، رواق الأتراك، رواق الحرمين، رواق اليمن، رواق البرنية (البرناوية، بلاد البرنو)، رواق الجبرتية (الحبشة والصومال واريتريا)، رواق البرابرة (موريتانيا وما جاورها)، رواق السليمانية (الأفغان)، رواق الجاوة (ماليزيا وأندونيسيا)، رواق التكاررة أو الدكارنة (التكرور)، رواق دكارنة صليح (تشاد)، رواق الأكراد، رواق البغدادية (العراق والبحرين)، رواق الهنود، رواق السنارية (سنار)، رواق الصين (الشناوي: الأزهر، جـ1، ص234-240). 

[81] عبدالعزيز الشناوي: الأزهر، جـ1، ص238.

[82] هـ. جب: الموسوعة الإسلامية الميسرة، جـ1، ص68.

[83] سعاد ماهر: مساجد مصر، جـ1، ص175.

خمسة أمثلة توضح أن إنسان نياندرتال لم يكن مجرد "رجل قرد" الجزء الأول

كتب د. ياسر الليثي

الباحث الباليوأنثروبولوجي

تم وصفها بأنها مخلوقات فجة وغبية ، و تم وصفهم برجال الكهوف البدائيين والرجال القرود ، و أنهم أقرب إلى الغوريلا من البشر المعاصرين ومع ذلك  تؤكد الابحاث الحديثة بأنهم كانوا في الواقع نوعا من أنواع البشر الأذكياء جدا والبارعين جدا ولم يكونوا الرجال القردة كما يدعي البعض,  لذا فمن غير الإنصاف لهم استخدام كلمة نياندرتال اليوم كإهانة أو تحقير من شأنهم.

 يقول مدير متحف التاريخ الطبيعي البريطاني ، و هو المتحف  الذي يحتوي علي منطقة مخصصة لعرض مقتنيات خاصة لإنسان ما قبل التاريخ, أن إنسان نياندرتال انقرض قبل 40.000 سنة , واعترف مدير المتحف ان نياندرتال يعتبر شكل مميز من اشكال الإنسان ، وقد تم التقليل من شأن إنسان النياندرتال لعقود ومع ذلك ، أظهرت التحقيقات المختلفة في السنوات الأخيرة صورة أكثر تعقيدًا بكثير لأبناء عمومتنا البعيدين , و فيما يلي خمسة أمثلة حديثة للاكتشافات التي أظهرت لماذا كانت هذه الأنواع المنقرضة أكثر تقدمًا مما كان يعتقد في الأصل

1 - اختلط أسلافنا معهم

كان هناك إعتقاد في القرنين التاسع عشر والعشرين أن إنسان نياندرتال كان نوعًا مختلفًا جدًا وأدنى من الإنسان العاقل ، ولكن في الاونة الأخيرة ظهرت الكثير من الابحاث التي اظهرت  ان  النياندرتاليون والبشر لم يعيشوا معًا فقط في أوراسيا ، ولكنهم أيضًا تزاوجوا و تشاركوا النسل معًا و كانت  الثمرة البشرية من هذا التزاوج بين نوعين مختلفين من الانواع البشرية إنسان دينيسوفا الغامض.  

وفقًا للتحليل الجيني لأحافير النياندرتال ، تزاوج الإنسان العاقل مرارًا وتكرارًا مع إنسان نياندرتال على مدى عشرات الآلاف من السنين ونتيجة لذلك ، يوجد حاليًا أشخاص لديهم ما يصل إلى 2 ٪ من الحمض النووي النياندرتالي , في حين أنه من غير الواضح لماذا ، بعد البقاء على قيد الحياة لمدة 350,000 سنة ، اختفى النياندرتال ، فمن المؤكد حسب الدراسات الحديثة أنه ليس بسبب زيادة القدرة الإدراكية للهوموسابيينس كما قيل لعقود,  فهناك العديد من النظريات الحديثة  أن النياندرتال لم يستطع التكاثر بسرعة كافية ، وأن الإنسان الحديث أخذ الموارد الطبيعية منه وأصابه بالعدوي  بأمراض جديدة عليه, هناك أيضًا الكثير من النظريات تشير إلى تغير المناخ كعامل مؤثر في اختفائه

السبب الذي ربما ساهم في انقراض النياندرتال ونجاة الإنسان العاقل الامر الذي خلق نوع من المنافسة الشرسة التي كانت أساسية في اختفاء إنسان نياندرتال من على وجه الأرض في تجربة نشرت العام الماضي في المجلة العلمية (وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم)  أعاد مجموعة من الباحثين في تلك التجربة  بناء مناخ وسط أوروبا ما قبل التاريخ من خلال تحليل الصواعد من كهفين في رومانيا , واكتشفوا أن المنطقة عانت من فترتين من درجات الحرارة شديدة البرودة في الوقت الذي انخفض فيه عدد سكان النياندرتال ثم اختفوا في هذا العصر الجليدي ،  في حين كان بإمكان الهوموسابيينس البقاء على قيد الحياة بشكل أفضل بفضل النظام الغذائي الأكثر تنوعًا ، والذي شمل نسبة أعلى من النباتات والأسماك مقارنة بغذاء النياندرتال ، الذين كانوا أكثر اعتمادًا على لحوم الثدييات الكبيرة التي ماتت نتيجة للطقس.

وفقًا لريك بوتس الخبير في الأصول البشرية في متحف سميثسونيان  الوطني للتاريخ الطبيعي في الولايات المتحدة ، ربما لم يكن جنسنا أكثر دهاءً من النياندرتال , و أضاف " لقد نجونا ببساطة"

2  - كان يمكنهم الصيد وقتل الحيوانات عن بعد

وفقًا لدراسة أجرتها كلية لندن الجامعية هذا الشهر الماضي ، ابتكر النياندرتال أسلحة متقدمة بما يكفي لتكون قادرة على الصيد و القتل عن بعد.

للتوصل إلى هذا الاستنتاج ، أجرى الباحثون تجربة باستخدام رمح خشبي تم أكتشافة في حفره في شونينجن بألمانيا في التسعينات ويقدر عمرة بحوالي 300000 سنة , اختبر الفريق العلمي أداء هذه الأسلحة من خلال إنشاء نسخ طبق الأصل ، و تم أستخدام مجموعة من رياضيي الرمح في تلك التجربة لضرب هدف من عده المسافات , و كانت النتيجة هي أنه يمكن أن تصل الرماح بدقة إلى هدف يصل إلى 20 مترًا بسهولة,  وقالت الباحثة الرئيسية في التجربة ، أنيميكي ميلكز ، لبي بي سي إن هذا الاكتشاف يثبت مرة أخرى مدى ذكاء إنسان نياندرتال.

يتبع في المقالة القادمة فأنتظرونا

تاج محل بأجرا بالهند

كتبت – شيماء رمضان

باحثة ماجستير فى الآثار الإسلامية

الموقع : الجزء الجنوبى الشرقى من مدينة اجرا فى منطقة مليئة بالاشجار والمروج الخضراء على الضفة الغربية من نهر جمنا .

المنشئ وتاريخ الانشاء : امر بانشاء تاج محل الامبراطورالمغولى شاه جهان سنة 1037-1086 هجريا تخليدا لذكرى زوجته المحبوبة ارجمندبانو المعروفة بممتازمحل والتى توفيت عام 1040 هجريا فى مدينة برهان بور ثم نقلت بعد ستة اشهر ودفنت فى قبرها الحالى .

    وبدأ العمل فى البناء عام 1041 هجريا وقيل ان العمل قد استغرق 22 عاما وقد رمزوا لذلك بعمل قباب صغيرة فوق الابواب مميزين السنين التى استغرقها العمل بالمقبرة بقباب بيضاء عددها 17 قبة وتوابعها بخمس قباب حمراء .

الوصف المعمارى :

الحديقة

    يتقدم هذا الضريح حديقة تؤدى اليها بوابة ضخمة فى الجهة الجنوبية ويوجد خارج هذه البوابة من الجانبيين بيوت العمال الذين اشتركوا فى بناء الضريح ,وهذه الحديقة عبارة عن مساحة مربعة يقسمها محوران متعامدان من قنوات المياه والممرات يتقاطعان عند بركة مربعة وتحيط بها وتتعامد عليها مجموعة من البرك  الصغيرة والكبيرة التى تتنشر بها فوارات يفصل فيما بين هذه البرك ممرات مبلطة بالرخام الابيض .

    وتحتوى هذه الحقيقة على بيتين للنقرخانة (المعروفة فى مصر بالطبلخانة) احدهما فى الجهة الشرقية والاخرى فى الجهة الغربية وهى المستخدمة حاليا كمتحف يعرف بمتحف تاج محل .

التربة

    اما التربة فتقع بالجهة الشمالية من الحديقة على محور البوابة الرئيسية وقد اقيمت فوق دكة مربعة ويوجد بأركان هذه الدكة اربع مئاذن بواقع مئذنة بكل ركن وتتكون كل مئذنة من قاعدة مثمنة ثم ثلاث طوابق اسطوانية مخروطية يفصل بين كل منها شرفة رخامية بارزة محمولة على كوابيل وتتنهى كل مئذنة بالشاذروان (الجواسق حسب المصطلح المصرى) .

الواجهات

    اما واجهة الدكة فقد تشكلت من سلسلة من الدخلات المتجاورة المعقودة بعقود ثلاثية مفصصة

هذا ويتوسط سطح الدكة التربة وهى عبارة عن مساحة مربعة الا انها تحولت الى مثمن غير منتظم عن طريق شطف زوايا المربع وهو الامر الذى نتج عنه اربعة اضلاع قصيرة بالاركان واربعة اضلاع طويلة فيما بينها , ولهذه التربة اربع واجهات متماثلة تماما اذ يغلب عليها التقسيم الثلاثى فكل منها واجهة عبارة عن ثلاثة اقسام اوسطها واوسعها واهمها اذ تشغله دخلة عميقة معقودة بالعقد المدبب الفارسى ويتوسط صدرها من اسفل فتحة باب الدخول ويغلق عليها حجاب من خشب الخرط ومن اعلى فتحة نافذة معقودة بذات العقد ويغلق عليها ايضا حجاب من خشب الخرط ويشغل جانبى هذه النافذة واعلاها حطات مقرنصة ومتجاورة ومتصاعدة تشكل فى النهاية هيئة طاقية الدخلة .

وهذه الواجهات الاربعة تتفق فيما بينها من حيث التصميم العام والتفاصيل المعمارية والفنية الا انها تختلف عنها من حيث مضمون النقوش الكتابية المنفذة بها سواء حول عقد الدخلة الوسطى او حول فتحة باب الدخول بصدر كل دخلة .

فتحات الابواب

تؤدى فتحة كل باب الى دركاة بصدرها باب يتوصل منه الى القبة المركزية التى تعلو القبة ويوجد على جانبى الدركاة بابان بواقع باب بكل جانب يفضى الى دهليز يتوصل منه الى احدى الحجرات الاربع بزوايا المبنى كذلك يتوصل الى هذه الحجرات الاربع من خلال فتحات الابواب بصدر الدخلتين الجانيتين بكل واجهة من الواجهات الاربع وهذه الدخلات تشبه الدخلة الوسطى ولكن بمقياس اصغر على مستويين اذ يعلو كل دخلة دخلة ثانية مماثلة .

 التخطيط الداخلى للتربة

عبارة عن مساحة مثمنة تتوسط ارضيتها مقصورة رخامية تعلو حجرة الدفن التى تضم بارضيتها تابوتين احدهما لممتاز محل والاخر لشاه جهان وتشغل هذه المساحة على ثمانية ابواب اربعة منها هى ابواب الدخول من الواجهات الاربع والاربع الاخرى تؤدى لحجرات الاربع بزوايا البناء وتتصل هذه الحجرات بأبواب الدخول من جهة وبالقبة المركزية من جهة اخرى بشبكة من الممرات او الدهاليز النتماثلة تتحول لجسور بالطابق العلوى .

    ويوجد سلمان للصعود لاعلى وذلك فى الدهاليزين المتفرعين من بابى الدخول بالدخلتين الجانبيتين بالواجهة الرئيسة بواقع سلم بكل جانب

ويعلو المساحة الوسطى قبة ضخمة مرتفعة تتبع طراز القباب البصلية السائد فى العمارة الاسلامية بالهند وهى قبة ملساء من الرخام الابيض المصقول ولكنها تتنهى عند الصنجة المفتاحية للقبة بحلية زخرفية مضلعة اشبه بالكأس المقلوب الذى يرتفع فوق القباب والشاذروانات فى العمارة الهندية وهذه القبة لا نراها من الداخل حيث يوجد فراغ كبير بينها وبين القبة التى نراها من الداخل اى انه تتنى الى طراز القباب المزدوجة وقد انتظمت حول هذه القبة المركزية 4 ساذروانات كبيرة متماثلة تعلو الحجرات الاربع بزوايا البناء .

الزخارف :

   يزدان تاج محل بالعديد من النقوش الزخرفية والكتابية المتنوعة فمنها الزخارف النباتية والهندسية المحفورة فى الرخام او زخارف مفرغة سواء كانت بالارضيات والوزرات وفتحات الابواب وحول الدخلات وكوشات العقود والمقصورة والتابوتيين ومن بين هذه الزخارف الاوراق النباتية والزهور والورود والمزهريات والمعينات ودوائر ونجوم واشكال دالية والشرافات والبخاريات والمقرنصات بالاضافة للنقوش الكتابية وغالبيتها ايات قرأنية بالاضافة لتوقيع الخطاط (ابو القاسم الشيرازى بن عبد الحق الملقب بأمانت خان) على تابوتى تاج محل وشاه جهان .

الفول بتاع الفراعنة

كتب/ دكتور محمود المحمدى عبدالهادى

دكتوراه الإرشاد السياحى

إن خلص الفول أنا مش مسؤول واللى ياكل الفول يمشى عرض وطول ،عبارات نسمعها يومياً وترتبط فى ذكرتنا ببائع الفول الذى يتجول بشكل يومى شوارع مصرنا الحبيبة  أمام منازلنا فى المناطق الشعبية وخاصة خلال فترة شهر رمضان الكريم لكى يبيع لنا الفول  لنتناوله فى وجبات السحور فعلى رأى جدتى فكانت تقول ( إتسحروا فول فهو مسمار البطن والعقول ) وكانت الجملة بتعدى عابرة أمامى وعندما كبرت فبدأت أفكر فيما كانت تقوله لى جدتى عن الفول وربطه مع الأمثال الشعبية عن الفول فوجدت أن  المصريون يحبون الفول ويقدرونه فأخذت بالبحث عن اصل الفول فى الحضارة المصرية القديمة وعلاقته بالشعب المصرى البسيط .

واتضح لى أن المصريين القدماء عرفوا الفول منذ الأسرة الأولى حيث عثر عليه فى مقابرهم فكانوا يقومون بوضعه بجوار المتوفى ضمن الأطعمة التى سوف يتناولها فى الحياة الأخرى كما كانوا يعتقدون ،ووجد الفول فى مقابر الأسرة الثانية عشر وأيضا فى مقابر مدينة طيبة (الأقصرحالياً) وعثر أيضا على بذور الفول فى مقابر سقارة بالجيزة وكوم أوشيم بمحافظة الفيوم ،وبعضه معروض الآن بالمتحف الزراعى.

ويظهر الفول فى مناظر جدران المقابر وذلك بمقبرة الوزير (رخميرع) وزير الملك تحتمس الثالث حيث يجسد المنظر عمليه تسليم محصول الفول الى المعابد لكى يتم تخزينه .

وورد ذكر الفول فى البرديات الطبيبة باسم (اوريت)  و ( اور) و( اورى) و ( فور ) ولعل اسمعه العالى مشتق من كلمة (فور) بعد ان تحول حرف (الرا) الى حرف (لام) لكى يصبح اسمه فول وهو الإسم المدرج والمعروف به الآن.

و يعد الفول المدمس هو طعام مصرى شعبى لدى المصريين ويعرف فى العالم كله باسم الفول المدمس المصرى ، وإذا تأملنا صناعة الفول ، نشاهد أنه يوضع في قدور بها ماء ، ثم توضع هذه القدرة في رماد الفرن ، وتظل به مدة إلى أن ينضج، ثم يؤكل مدمساً، ويعرف المكان الذى يطهى به الفول بالعامية باسم ( المستوقد ) حيث يتم وضع القدرة ويتم تغطيتها بالوقود مثل خشب الاشجار والحطب والرماد حيث يتم عملية التدميس.

وكلمة المدمس تشير إلى الطريقة التي ينضج بها الفول ، وهی دفنه في الوقود والرماد ، فالفول المدمس ، معناه الفول ( المدفون ) وكلمة ( مدمس ) ليست كلمة عربية فإن أصل كلمة المدمس هى (دمس) والتى تعنى في اللغة القبطية فعل ( تمس ) أو ( ثمس ) أو (تامس) ، بلهجاتها الصعيدية والبحيرية والفيومية ، واللغة القبطية ذات لهجات كأية لغة أخرى ، وجدير بالملاحظة أن (السين) بقيت في الكلمة بجميع لهجاتها ، بينما انقلب الحرف الأول منها وهو ( الثاء ) في اللهجة البحيرية ،و إلى ( تاء ) في اللهجة الصعيدية  ولازلت تستخدم فى جنوب مصر تلك الكلمة ، وهو ما نلاحظه في لغة العامة حتى اليوم ، فيقولون مثلا (كرات ) بدلا من ( كراث )لما بين الحرفين من علاقة صوتية .

ثم أن هذه الكلمة القبطية ( تمس ) بضم التاء بمعنی ( يدفن ) ذات أصل مصری . فهي بالمصرية القديمة - سماتا ، أي ( يتحد بالارض ) أى تعبيرا عن الدفن .

وفى النهاية أدركت حب المصريين للفول وعرفت انه كان أحد أهم المصادر التى إعتمد عليها المصريين القدماء فى غذائهم وأنه كان من أحد الأطعمة التى اعتمد عليها المصريين فى فترات شح الطعام واستخدمه المصريين كطعام رئيسى خلال فترات الاحتلال التى مرت بها. 

تماثيل أوشابتي.

كتبت- أسمهان محمد حامد

طالبة بكلية الآداب جامعه دمنهور قسم الآثار المصرية القديمة.

تماثيل الاوشابتي كان الغرض منها هو خدمة المتوفى في العالم الآخر. وقد ظهرت لأول مرة في الدولة الوسطى؛ حيث كانت تُزوَّد المقبرة بواحد أو اثنين منها، وذلك للقيام بالأعمال المختلفة نيابة عن المتوفى. وكانت تلك التماثيل تأخذ شكل المومياء، وكانت تُصنع من خامات مختلفة كالأحجار، والبرونز، والخشب، والفخار، والشمع، والقاشاني الأزرق أو الأخضر، وكان الأخير هو الأكثر شيوعا

جاءت فكرتها من الخدم ومناظر الخدمة اليومية فى مصر القديمة التى كانت تصور فى مقابر الدولة القديمة والتى كانت تمثل مختلف الأعمال والحرف التى يؤديها الخدم ضمن نقوش المقبرة والتى كان يحصل عليها المتوفى بطريقة سحرية ، ومن الواضح انهم وجدوا أن المتوفى من المحتمل ألا يستفيد بالخدمة فاستبدلوها بفكره التماثيل الرمزية والتى كانت تمثلهم وهم يقومون بخدمة المتوفى فى العالم الأخر فيستطيع بذلك المتوفى أن يستمتع بحياته فى الحياة الأخرى كما تعودوا عليها فى حياتهم الدنيا.

وكانوا يمثلون في هيئة رؤوس بالحجم الطبيعي من الحجر الجيري الملون  وظلت توضع في قبور الموتى ولكن اتخذت بمرور الوقت شكل الجسم بالكامل ولكن في هيئة تماثيل صغيرة .

لذلك صورت هذه التماثيل أحيانا وعلى ظهرها مقطف من الخوص وفأس .

 كما تدل نصوص من كتاب الموتى المسجلة على التماثيل هذا الدور. وقد بدأو في الدولة الوسطى بوضع تمثال واحد ثم وصلت إلى 403 في عهد المملكة المصرية الحديثة (1470- 1070 قبل الميلاد) .

 لا تشمل فقط تمثالا واحداُ لصاحب المقبرة بل تماثيل تشبهه تكفي أيام السنة بكاملها وتحتوي أيضا على تماثيل الكتبة والرؤساء والمشرفين (أوزير). اما في العصور المتأخرة فقد عثر على صناديق خشبية بها أعداد كبيرة وصلت إلى نحو 700 أوشبتي . وأجمل النماذج التي عثر عليها مجموعات توت عنخ آمون التي تشير إلى الاعتقاد بأن الأوشبتى كان يشمل الملوك وباقى الرعية كجزء من الإعتقاد في عدالة أوزوريس الذي يكلف الملك بالعمل في الحقول مثل رعيته.

ولقد ميزها المصريون القدماء بأسماء مختلفة:- الأقدم يكون شابتى وكذلك فى الجمع  شابتيو واتضح شوابتى،وأخيرآ اتضح لقب أوشابتى. وشاع إستخدام هذا الاسم فى عصر الدولة الحديثة، بمعنى مجيب وذلك لمواءمة وظيفتها فى الإجابة على النداء بدلاً من المتوفى.

وقد استخدم بالأخص فى العصر المتأخر، وفى الترجمة بمعنى "المجيبين" أو "الأشكال " أو "التماثيل المجيبة".

تتضح فى هذه الترجمة أن تماثيل الأوشابتى عليها نص مكتوب بأنها ستقوم بأية أعمال توكل إليها وسترد بالإيجاب.

والمعنى الأصلي لكلمة أوشابتى لا نعرفه على وجه الدقة،وربما يرتبط باسم شجرة البرسيا والتى عرفت بالمصرية القديمة بكلمة Ushabti""

وبالنسبة لرأي بعض العلماء أن تسمية شابتي أو شوابتي أشتقت فيما يبدو من كلمة تعني قطعة "الخشب".

ولكننا نرى في النصوص الهيروغليفية أنه ليس هناك أى علاقة بين هذه التماثيل وهذه الشجرة، كما أن شوابتي هذه لم تخصص بأى مخصص للشجرة أو جزء منها بل كان مخصصها الرجل الجالس واضعاً يده قرب فمه إشارة إلى التحدث أى الإجابة

وفى الحقيقة أننا نرى أن أفضل هذه الكلمات الثلاث هو لفظ شاوبتي.

ويرى بعض العلماء أن المصرى القديم ربما حدث له بعض التشويش وذلك بسبب تغيير الاسم من عصر إلى عصر وكانت هناك أربعة أشكال أساسية :

  • كان أولها وأكثرها شيوعا هى كلمة شابتي وكذلك فى الجمع  شابتيو
  • ويعتقد بعض العلماء أنها مشتقة من كلمة Shwab"" والتى تعني عود.
  • أما كلمة شوابتي Shawabti فربما مشتقة من كلمة تعني خشب شجر البرسيا
  • وخلال عصر الانتقال الثاني وأيضاً فى نهاية عصر الدولة الحديثة ظهرت كلمة أوشابتي أو المجيب أو المجاوب.

-أماكن وجود هذه التماثيل في المقبرة:-

كانت توضع بجوار المومياء أحياناً توضع عند رأس المتوفى ،وأحياناً أخرى توجد عند قدمه ،وأحياناً توجد داخل تجويفين يمين ويسار جدران حجره الدفن ،أو داخل صندوقين او نموذجين من التوابيت الخشبية لحمايتها،او مبعثرة فى ارضيتها او داخل إناء فخارى .

-منذ بدايه عصر الاسره ال18نشأت اشكال اوشابتي جديده.ومن اشكالها:-

1- الأوشابتى المزدوج

2- الأوشابتى الراقد على سرير المومياء، تأخذ شكل المومياء وتتقاطع يدها على الصدر، وتمسك بيديها أدوات مختلفة تعبر عن وظيفتها فى العالم الاخر

3- الأوشابتى الذى يطحن القمح

4- وبالمثل أوشابتى بدون رأس تتضح به صيغ نصوص جديدة على التماثيل، كما يتضح فى تمثال أوشابتى مصنوع من الحجر لقن آمون، لكنها لم توضع فى المقبرة وإنما وضعت فى المعبد لكى يقوم الأوشابتى بالعمل فى الأماكن المقدسة.

5- أوشابتى بشعر مستعار طويل ويزين الصدر قلادة وخلف الكتف سلة أو فأس مثل: أوشابتى تا – مكت، وآمون مس، ورع مسسو

وكانت تماثيل الأوشابتى فى البداية (عصر الأسرة11 ) لاتحمل

أية كتابات ولم تذكر إسم المتوفى.

وفى عصر الأسرة الثانية عشر أصبحت تحمل الكتابات كـ "صيغة القربان".

ولأول مرة عند الإنتقال من عصر الأسرة 11 إلى عصر الأسرة 12 تتضح النصوص المكتوبة على الأشكال، ومحفوظة بأشكال مختصرة واستمرت حتى العصر البطلمى.

وذكرت هذه التماثيل في الفصل السادس كتاب الموتي....

”ياأيها الأوشابتى، لتقومى بالأعمال الخاصة بالمتوفى نيابة عنه فى العالم الآخر فى مملكة الموتى، ولإنجاز الأعمال، ومايطلب منه من أعمال فى الحقل وفى حقول الإيارو ورى الحقول ووضع السماد على الرمال لتخصيب الأراضى فى الشرق والغرب وتقول أنا أريد أن أفعله، أنا سأفعل ماتقول سأقوم بكل مايطلب من أعمال من صاحب المقبرة فى العالم الآخر“.

وطبقا للتعويذة السادسة في كتاب الموتى، كان يطلب منهم القيام بأعمال إجبارية في الحياة الآخرة، نيابة عن المتوفى.

أيضا كان يحدد بالكتابة لكل تمثال وظيفته التي سيؤديا كجزء من اعمال الزراعة (حيث أن اعمال الزراعة تختلف من بذر وحرث وغيره) حتى لا يتشاجروا مع بعضهم ونجد في بعض الاحيان الادوات الرئيسية التي تستخدم في الزراعة (سلة و فأس) منحوتة بشكل صغير مع التماثيل وكان يكتب عليها في عصر الدولة الحديثة تعاويذ (جزء من كتاب الموتى تقريبا) منها فيما معناه اذا طلب منك شيئا فلتجب: " ها أنذا "

ووجد أيضآ فى الفصل السادس فى كتاب الموتى فى عصر الدولة الحديثة. هذا النص يوضح الوظيفة والهدف من تماثيل الأوشابتى والنقوش على أجسام التماثيل مما يوضح أن تماثيل الأوشابتى تعد كنائبة عن المتوفى.

مندس (تل الربع )العاصمة المنسية فى محافظة الدقهلية

كتب د. محمود المحمدى عبد الهادى

دكتوراه الارشاد السياحى

تقع مندس على بعد 17 كم شرق مدينة المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية حيث كانت هذه المدينة منارة للحضارة فى مصر القديمة وربما ترجع إلى عصور ما قبل الاسرات وذلك لما أشار إليه عالم المصريات روفورد الذى كان أقام حفريات بهذه المدينة عام 1980 حيث ذكر أن هذه المدينة ترجع على عصر نقادة الثالثة مما يؤكد أن هذه المدينة هى من أقدم مدن الدلتا.

ووصلت هذه المدينة إلى درجة عالية من الرخاء فى نهاية عصر الدولة القديمة حيث كانت تقع على الفرع المندسيى لنهر النيل وكان  هذا الفرع  يصب فى البحر الابيض المتوسط , ثم أخذت شهرتها تتراجع فترة الدولة الوسطى وفترة إحتلال الهكسوس ، وازدهرت مرة اخرى فترة حكم الاسرة السادسة والعشرين والدليل على ذلك الناووس الضخم الذى إقامه الملك أحمس الثانى.

وتعود مرة أخرى هذه المدينة لكى تكون عاصمة للبلاد فترة حكم الاسرة التاسعة والعشرين والتى كانت لها الفضل فى التخلص من الاحتلال الفارسى على يد ابن مدينة مندس الملك نفرتيس الاول مؤسس الاسرة التاسعة والعشرين ومخلص مصر من الفرس.

ولكن لم تدوم هذه المدينة باقية بعد الاسرة التاسعة والعشرين والاسرة الثلاثين حيث دمرت عام 338 قبل الميلاد على يد (ارتا اكسركيس) ملك الفرس فى ذلك الوقت.

ثم يأتى الملك بطليموس الثانى ليعيد بناء معابد هذه المدينة ويقوم بالاحتفال بتنصيب الكبش معبود مدينة مندس وخلد ذلك باقامة لوحة مندس ويسجل هذه الاحتفالية على اللوحة.

وبعد ذلك تصبح المدينة مركزاً لصناعة الخمور والعطور التى كانت تصدراً مباشرة إلى أثينا وظلت هذه المدينة فى هذا الازدهار إلى أن حدث جفاف لفرع النيل المسمى بالفرع المنديسى وهجرها سكانها عام 200 قبل الميلاد.

وعرفت هذه المدينة فى اللغة المصرية القديمة باسم جدف اى ( بيت الروح ) وعرفت عند الاشوريين باسم (نيتيتى ) وعند اليونانيين باسم (مندس) التى تعنى معبود المدينة وأطلق عليها العرب ( تل ابن سلام) نظرا للصحابى الجليل عبد الله بن سلام والذى دفن فى هذه المنطقة.

والسؤال الذى يطرح نفسه لماذا هذة العاصمة منسية ولا يتم وضعها على خريطة السياحة وهى تقع بالقرب بين مواقع اثارية اخرى مثل موقع قرية غزالة وقرية السمارة ؟

ولاجابة هذا السؤال يجب ان تسرع وزارة الاثار بالانتهاء من اعمال الحفائر الاستكشافية الموجودة بالمنطقة او تحديد منطقة الحفائر وفتح بقية المنطقة للزيارات السياحية فهذه المنطقة مغلقة منذ عدة سنوات، ويجب على محافظة الدقهلية مخاطبة وزارة السياحة لكى تضع هذه العاصمة على خريطة السياحة الداخلية والخارجية ووضعها ضمن برنامج استكشف واستثمر إلى تتبناه الوزارة بالتعاون مع وزارة الاستثمار فيمكن استغلال هذه المنطقة لكى تكون اول متحف مفتوح بمنطقة الدلتا ويمكن عمل رحلات بواسطة البالون الطائر لمشاهدة هذه الاماكن الاثارية بالاضافة إلى المزراع والحقول الخضراء التى تحيط هذه المنطقة.

ولتكن هذه البداية لهذه العاصمة المنسية والتى اذا تم استثمارها سوف تعمل على ايجاد فرص عمل لكثير من ساكنى هذه المنطقة

وفي شهر رمضاننتعرف على حقيقة (حفظ اللسان) عند المصريين القدماء

كتب د. حسين دقيل

الباحث المتخصص فى الآثار اليونانية الرومانية

وفي أيام الخير والبركة التي نحياها، وفي شهر رمضان المعظم الذي نجله، نعيش سويا مع خُلق من أخلاق المصريين القدماء؛ خلق التزموا به وحثوا غيرهم على التحلي به؛ ألا وهو "حفظ اللسان"، فهو الخلق الذي حثّ عليه ديننا الحنيف، كما حثت عليه الشرائع السماوية السمحة، فاستقامة اللسان وحفظه من خصال الإيمان، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه. (مسند الإمام أحمد، رقم 13048).

وها هو حكيمهم "آنى" يحذر من انفلات اللسان ويدعو إلى مراقبته؛ فيقول: لا تُكثر الكلام وكن حذرا حين تتكلم؛ لأن اللسان يسبب للناس النكبات، لا تكن من يحبون الخوض في الحديث عن الناس، ولا تتكلمن كثيرا ولا تكن ثرثارا، كن صامتا لتكن سعيدا، لا تدخلن بيت غيرك، ولا تُمعنن في النظر إلى الشيء المُنتقد في بيته إذ أمكن لعينيك أن تراه، والزم الصمت ولا تتحدثن عنه لآخر في الخارج.

أما الحكيم "بتاح حتب" فيدعو ابنه إلى الاستماع ويحثه عليه فيقول: إن الاستماع مفيد للابن الذي يُصغى، وأجمل بالابن أن يصغى عندما يتحدث إليه والده، والرجل العاقل يُعرَف بعلمه وعقله ولسانه، فشفتاه تصيبان القول عندما يتكلم، وعيناه تبصران عندما ينظر. 

أما الفلاح الفصيح فيقول في شكواه التي قدمها للملك: اجعل لسانك يتجه إلى الحق، ولا تضل، إن لسان الرجل قد يكون سبب تلفه.

ومن أقوالهم في ذلك أيضا؛ حديث أحدهم: لقد حافظتُ على نظافة فمي بعد إيذاء من آذاني، وأن انتباهي ويقظتي تُحول أعدائي إلى أصدقائي، إني أحكم فمي.

وقول آخر: لا تقترب الذم واحذر الزلل حين الحديث، واحرص أن تظل كالحارث.

في حين يدعو ثالث إلى التحلي بالصمت في "المعابد" لأن علو الصوت يُغضب الرب؛ فيقول: لا يُحب الرب أن يتقدم المرء نحوه بعنف، تجنب أن يعلو صوتك في بيته، لأن الرب يحب الصمت.

أما أجمل ما قيل في الحث على حفظ اللسان؛ فهو ما بينه لنا الحكيم "آمون أم أوبى" حين قال لابنه: اغرس طيبتك في جوف الناس حتى يحبك كل الناس، احفظ لسانك سليما من الألفاظ الشائنة؛ حتى تكون مفضلا عند الآخرين، ومحترما في شيخوختك وتوارى في كفنك، ولا تفضح إنسانا ائتمنك سره، واجعل الحسن منه على لسانك، أما القبح فاخفه في بطنك، ولا تخالطن الرجل الأحمق، ولا تقترب منه تحادثه، واحفظ لسانك سليما عندما تجيب على رئيسك، ولا تذمه واحذر الاندفاع في الإجابة، فالإنسان يبنى ويهدم بلسانه.

كما ينصحه بكلمات ما أحوجنا إليها اليوم، فهي كلمات تُوزن بماء الذهب، حين يقول: لا تفض بسرك لإنسان، ولا تذع أقوالك لآخرين، ولا تصاحبن إنسانا يكشف عما في قلبه، فالرجل الذي يحتفظ بأخباره في قرارة نفسه خير من الذي يفشيها فيصيبه الضرر، ولا تجعل كلامك يُذاع في الخارج حتى لا يتألم قلبك، فالإنسان يبنى ويهدم بلسانه.

تكنولوجيا النسيج و معرفة طبيعة الالياف النباتية في عصور إنسان نياندرتال

كتب د. ياسر الليثي

الباحث الأنثروبولوجي

اكتشف فريق دولي من الباحثين ما يبدو أنه أقدم دليل على تكنولوجيا النسيج المسجلة حتى الآن في عصور ما قبل التاريخ في موقع أبري دو مار في جنوب فرنسا.

الكشف عبارة عن سلسلة حبلية صغيرة متشابكة منذ أكثر من 50000 سنة بواسطة النياندرتال ، المجموعة البشرية المنقرضة التي عاشت بعد ذلك في أوراسيا, وبحسب  الدراسة المنشورة في مجلة "التقارير العلمية" فإن الحبل دليل جديد على أن القدرات المعرفية وقدرات هؤلاء البشر كانت مماثلة لتلك التي لدى الإنسان الحديث.

تم العثور علي بقايا الحبل في إحدي المغارات في فرنسا حيث كان يستخدمه إنسان نياندرتال يرجح أنها تعود إلى حوالي خمسين ألف سنة مضت، مما يجعلنا أمام اكتشاف يقول الباحثون إنه مذهل لأن هذا الحبل يشبه كثيرا الحبال التي نستعملها اليوم.

وحسب ما جاء في الدراسة  تم العثور على بقايا هذا الحبل بمغارة "ماراس" بمنطقة "أرداش" التي تقع شمال شرق مدينة مونبلييه الفرنسية على عمق ثلاثة أمتار تحت ركام جيولوجي يقول الباحثون إنه يعود إلى ما بين 42 و52 ألف سنة خلت.

تفاصيل بقايا الحبل الذي يظهر أليافًا ملتوية ، تمت ملاحظتها باستخدام الفحص المجهري الإلكتروني و أظهر التحليل المجهري لبقايا الخيط أنه كان يوجد ثلاث حزم من الألياف المتشابكة ، مترابطة عن قصد بطول 6.2 ملم وعرض 0.5 يجب أن يكون من قام بصنعها  إنسان نياندرتال بالضرورة – حيث كان يوجد في تلك المنطقة  مجموعة مكونة من 25 أو 30 فردًا تركوا أدلة أخرى على ثقافتهم و التي إنتهت منذ وصول الرجل الحديث تشريحيًا إلى جنوب شرق فرنسا بعد بضعة آلاف من السنين

كشف أيضا التحليل الطيفي أن الخيوط كانت مصنوعة من السليلوز ، ربما  أتوا به من أشجار الصنوبر المحيطة , و للحصول على هذه الألياف ، كان يجب إزالة اللحاء الخارجي للشجرة لكشط اللحاء الداخلي و كان من الأفضل القيام بذلك في الربيع أو أوائل الصيف وغالبًا ما كان يتم غمر اللحاء الداخلي في الماء لفترة قبل أن تتحلل اليافه المعقدة إلى ألياف فردية, في هذه المرحلة  يمكن أن يتحول اللحاء إلى حبال أو أوتار.

ويعتقد الباحثون أن لجوء إنسان نياندرتال إلى استعمال ألياف لحاء أشجار الصنوبر ينبئ عن معرفته الجيدة بعالم الأشجار وتركيباتها وما يمكن أن يستفاد منها لصنع أدوات أو وسائل الامر الذي يصيبنا بالدهشة

لم نتمكن من تحديد كيفية استخدام إنسان نياندرتال لهذا الحبل بالضبط، ليس بالضرورة أن يكون جزءا من وسيلة كان يستخدمها، إذ ربما كان جزءا من لباسه أو مرقده أو غير ذلك، لكن الأهم أن الحبل هو أول شيء يعود لهذا الإنسان تم اكتشافه، بعيدا عن المواد التي لا تتحلل كالأحجار والعظام

 و لكن  كان لبروس هاردي ، العالم المشارك في الدراسة وأستاذ الأنثروبولوجيا في كلية كينيون بالولايات المتحدة الأمريكية  رأي أخر حيث يري أنه تم ربط  هذا الحبل بأداة حجرية رقيقة بطول 60 مم , و يتكهن أن السلك يمكن أن يعلق النصل بمقبض أو  إنه كان جزءًا من شبكة أو حقيبة تحتوي عليه. كان من الممكن أيضًا استخدام تلك الخيوط لصنع حبل أقوى, كل تلك الفرضيات كانت محتملة

حقيبة لحمل الأشياء

يعتقد الباحثون أن هذا الاكتشاف يسلط الضوء على القدرات المعرفية غير المتوقعة من جانب النياندرتال و حيث تعتقد ماري هيلين مونسيل ، من المركز الوطني للبحث العلمي أن هؤلاء البشر تمكنوا من الحفاظ على نهج غير معروف سابقًا لعالم النبات.

 وتقول: ربما كانوا يعرفون خصائص أجزاء مختلفة من الشجرة ، لاختيار أفضل الألياف , وتضيف أنه ربما كان لديهم أيضًا مفاهيم رياضية  لحساب الألياف وربطها وعمل شيء أقوى ، ربما حقيبة لحمل أشياء ثقيلة.

بالنسبة إلى هاردي ، تعد "تقنية الأوتار والألياف بشكل عام ، مثالًا على الاستخدام اللامتناهي للوسائط المحدودة". كما هو الحال في اللغة "لا يمكن أن يكون لدينا جملة بدون كلمات ، أو كلمات بدون أصوات تنقل المعنى" ، يتطلب الحبل عدة سلاسل ، وسلسلة من مجموعة من الألياف. يقول: إن المهارات المعرفية لصنع الحبل تشبه إلى حد كبير مهارات اللغة.

تلك البقايا من الحبل النياندرتالي هو المثال الأول في العالم على تكنولوجيا النسيج في عصور ما قبل التاريخ.

ألم أقُل لكَ يا مولاي: أنَّ كُل شيء بالمِرانِ يأتي؟!

 

كتبت - آلاء أحمد بَكير- آثاريَّة بوزارة السياحة والآثار.

      ماجستير الآثار- جامعة حلوان.

    يُحكى أنه كان هناك ملك يُدعى "بِهرام ﮔور" بن يزدجرد وهو ملك فارسيّ حَكَمَ بلاد فارس (وهي إيران حاليًا) حوالي ثمانية عشرة عامًا وفي روايةٍ أخرى ثلاثة وعشرين عامًا وذلك وِفقًا لما ذكره الطبريّ. وحيث أنه كان عادلًا وشجاعًا فصار محبوبًا من رعيته فسردوا له قصص تُبَيِّن مكانته في نفوسهم وتُعَبِّر عن فروسيته وقدراته في الصيد والقنص.

   وفي إحدى القصص التي تُروي عن هذا الملك، أنه في يومٍ من الأيام خرج للصيد مع جارية له تُدعى "أزاده"، وقد أحب أن يتباهى أمامها وأراد أن يُريها مهارته في الصيد فرأى غزالًا فأخبرها أنه يستطيع أن يصطاده بسهمٍ واحدٍ يضرب به قدمه بأذنه! وبالفعل يُذكَر أنه أمر أحد رجاله أن يضرب الغزال بشيءٍ فأصاب أذنه فرفع الغزال قدمه ليحك أذنه فأطلق "بهرام ﮔور" السهم وأصاب قدم الغزال بأذنه. وكان ينتظر انبهار أزاده إلا أن رد فعلها كان علي عكس توقعاته فأخبرته أن: "الأمر يسير وأن كل شيءٍ بالمِران يأتي"! فغضِبَ "بِهرام" عليها ويُذكر في إحدى الروايات لهذه القصة أنه أمر بطردها، وفي روايةٍ أخرى أنه أمر أحد رجاله بقتلها إلا أنه لم يُنَفِّذ الأمر رأفة بها.

   وبعد فترة من الزمن... أتاه خبر امرأة تستطيع حَمْل بقرة وأذهلت الناس بقوتها، فقرر الذهاب إليها ليري ما الأمر فتفاجأ بأنها "أزاده"! فأستوقفها وسألها عن هذا فأخبرته أنها راعت هذه البقرة منذ أن كانت صغيرة وحملتها يومًا بعد يوم، وكلما زاد وزنها زادت معه قوة "أزاده" وعضلاتها فوصل الأمر إلى أنها أصبحت تستطيع حملها بعد أن كَبُرَت. ثم ذكَّرَته بجملتها: "ألم أقل لكَ يا مولاي: أنَّ كُل شيء بالمِرانِ يأتي".

   وجديرٌ بالذِكرِ أن هناك عِدة نُسَخٍ من المخطوطات الإسلامية تشتمل على تصاوير لـ"بِهرام ﮔور" في رحلةِ صيدٍ مع "أزاده"، مثل مخطوط الشاهنامه للفردوسيّ، ومخطوط ديوان مير علي شيرنوائي المؤرخ بعام (931هـ/ 1526م) ومحفوظ بالمكتبة الأهلية بباريس. كما توجد مجموعة من البلاطات الخزفية التي تُنسب إلى العصر الصفويّ محفوظة بمتحف الفن الاسلامي بالقاهرة عليها مناظر تُمَثِّل "بِهرام ﮔور" و"أزاده". بالإضافة إلى سلطانيتين بمجموعة جون شف بنيويورك.

راجع:

الطبريّ، أبو جعفر محمد بن جرير، تـ(310هـ/ 923م)، تاريخ الأمم والملوك، تحقيق: أبو صهيب الكرمي، بيت الأفكار الدولية، الرياض، د.ت.

زكي محمد حسن، التصوير في الإسلام عند الفرس، القاهرة، 1936م.

م.س. ديماند، الفنون الإسلامية، ترجمة: أحمد محمد عيسى، دار المعارف، القاهرة، 1954م.

رعد مطر الطائي، أثر الفنون الأوربية على التصوير الإسلاميّ، دار النشر للجامعات، القاهرة، 2015م،

طاعونُ آواخر القَرن السابعِ الهِجري وأثرهُ في بلادِ المشرقِ الإِسلامي

كتب د. إسماعيل حامد إسماعيل علي

   باحث في التاريخ الإسلامي

ورقة بحثية سألقيها ضمن فعاليات مؤتمر "الأوبئة عبر التاريخ" قسم التاريخ والآثار - جامعة الكويت 20-21 ابريل 2020م،

تُقدم هذه الورقةُ أُنمُوذجًا لصنفٍ من "الطاعون"، والأوبئة التي ألمت بالناسِ في عددٍ من بلاد المشرق الإسلامي آواخر حقبة القرن 7هـ/13م، وأثر ذلك "الطاعون"، وما ترتب عليه من نتائج. وقد بدأ هذا "الطاعون الجائح" منذ سنة 695ه، ودام بضع سنوات بعدئذ. ومن المعلومِ أن هذا "الطاعون"، وما رافقهُ من صُنوف البلاءِ كان من أقسى ما وقع بالمُسلمين من الأوبئةِ والأمراض إبان "العصر الوسيط"، وتُعتبر رُوايةُ "المقريزي" (ت: 845هـ) من أهم المصادر التي تحدثت عنه، وعما أحدثه. وسوف تعرض الدراسةُ لأمر "الطاعونِ"، وأسبابهِ، وما حل بالناس من المكابدة والمعاناة في أيامه، كما تتناول مُعالجة الحُكام لتلك الجائحةِ القاسية، ودور الأثرياء، وأهل البِر في التعاطي معه، وكيف انتهى أمرهُ، وما ترتَب عليه من العواقب.

وتأتي أهميةُ الورقة بسبب قلةِ الدراساتِ التي عالجت هذا الطاعون الذي ضرب عدداً من الشعوب  في بلاد المشرق في ذات الوقت، فأمره من الإشكالياتِ التي لاتزال تحتاجُ مزيداً من الدراسة، والتحليل، إذ جاء الحديثُ عنه عابرًا في جُل الدراساتِ التاريخية، وحتى المصادر ذاتها لم تهتم به، وبقدر ما كابد المسلمون إبان مُصابهم به، وما تركه بالناس من مُعاناةٍ سوى ما ورد في بعض الروايات المحدودة، ولعل أبرزها بعضُ الإشارات التي أوردها "المقريزي". ولنُدرك كم كان مصابُ الناس فادحاً آنذاك، نورد نُتَفاً مما دونه "المقريزي": "ودخلت سنةُ خمسٍ وتسعين (أي سنة: 695هـ) وبالناسِ شدةٌ من الغلاء، وقلةُ الواصل..وهَبت ريحٌ سوداء مُظلمة من نحو بلاد برقة هبوباً عاصفاً..وأعقَبت تلك الريحُ أمراضٌ وحُمياتٌ عمت سائر الناس..وأقحَطت بلادُ القُدس، والساحل، ومدن الشام إلى حلب..وكان ببلاد الكَرَك والشُوبك..وأقحطت مكةُ..وفشت الأمراضُ بالقاهرة، ومصر، وعظُم الموتان".

وهي روايةٌ تُشير لما وقع بالناس في ذلك الوقت، فلم يكن طاعونًا وحسب، بل عم القحط، وزاد الغلاء، وغير ذلك من الخطوب القاسية. ولاريب أننا في مسيسِ الحاجةِ لدراسةِ هذا النوع من الأوبئة في إطار المنهج التاريخي لنأخذ العبرة مما وقع فيها، وكيف عبر المسلمون تلك المحنة، والتأكيد على أنها أمورٌ عارضةٌ في حياتنا، تضربُ الناس أحياناً، ويُعانون وقتها، ومن ثم تذهبُ لحالها، ولكن يجب أن يعقبُها بعضُ التفكير، ومُراجعة النفس، فالابتلاءُ دوماً مرتبطٌ بالمعاصي. وقد أصاب هذا "الطاعون" مصر سنة 695هـ، وهو "العام الثاني" من حكم "العادل كتبغا" أحد سلاطين المماليك (648-923هـ/1250-1517م). وأشارت أكثر المصادر إليه باسم "الوباء"، وذكره بذلك "النويري" (ت: 733هـ) ، و"المقريزي" (ت: 845هـ)، و"ابن تغري بردي" (ت: 874هـ). بينما تذكره بعض المصادر الأخرى باسم "الطاعون"، ومن ذلك رواية "ابن إياس الحنفي" (ت:930هـ)، فيما تذكر روايات أخرى هذا الطاعون باسم "الفناء". وفي رواية أخرى للنويري، يصف الطاعون بأنه "الفناء العظيم"، إشارة لما سببه هذا الطاعون من فناء، وهلاك أعدادٍ هائلة من المصريين في ذلك الوقت.

وتُعتبر رواية المقريزي من أهم ما ورد في المصادر عن هذا الطاعون، وأسبابه، وكيف أصاب المسلمين في ذلك الوقت. حيث يذكر أنه في سنة 695هـ وقع بالناس غلاءٌ شديد، واشتدت الخطوبُ بهم، ورغم ذلك كانوا ينتظرون فرجًا قريبًا من الله، وكانوا يمنون أنفسهم بمجيء موسم الغلال حتى تنضبط أمورهم. وعندما أدرك الناسُ وقت الحصاد، وصاروا أقرب ما يكون من ذلك، وقع بهم هذا البلاءُ العظيم، وعن ذلك يقول المقريزي: "وكان قَربُ أوانها، فعند إدراك الغلال، هبت ريحٌ سوداءٌ مظلمة، من نحو بلاد برقة هبوبًا عاصفًا، وحملت تُرابًا أصفر كسا زروع البلاد، فهافت كلها (أي: ذبلت)، ولم يكن بها إذ ذاك إلا زرعٌ قليل، ففسدت بأجمعها، وعمت تلك الريح والتراب إقليم البحيرة، وإقليم الشرقية، ومرت إلى الصعيد الأعلى، فهاف الزرع، وفسد الصيفي من الزرع، كالأرز، والسمسم، والقلقاس..وتزايدت الأسعار..".

وعلى ذلك فـ"رواية المقريزي" مهمةُ في وصف ما حل بالمصريين آنذاك، وأن الشدة جاءت بما لم يتوقعه الناس. ولم يقتصر الخطب على ذلك، إذ تدهورت أمورهم، وأبدانهم، فأصابتهم الأمراضُ بما لايحتملون، ولهذا يقول المقريزي: "وأعقبت تلك الريح أمراض وحميات عمت سائر الناس..". وهو ما يُشير إلى شدة البلاء الذي وقع بالناس بسبب الطاعون، وأن الأمراض انتشرت بهم، وكان أبرزها ما يرتبط بـ"الحُمى"، وهو المرضُ الذي يرتبط دومًا بـ"الطاعون"، وكذلك "الأوبئة" التي تفتكُ بالناس على اختلافها. ولعل إشارة المصادر التاريخية في هذا الصدد بأن المرض والحميات أصابت سائر الناس، يُبين بوضوح أن الأمراض والحمى كانت قد عمت كثيرين من الناس آنذاك. ثم تكمل رواية المصادرُ تلك الصورة القاتمة، والمأساوية بعد أن وقع هذا البلاء، حيث اختفت من الأسواق المواد التي كان يحتاجها المرضى للتداوي، ومن ثم ارتفعت الأسعارُ ارتفاعات هائلة، وهو ما زاد من معاناة المصريين.

وتذكر بعضُ المصادر أن عُدة من هلك بمصر وحدها بسبب الطاعون والقحط آنذاك حوالي 127 ألف شخص. وهو رقمٌ هائل يُشير لأي مدى بلغ البلاء بالناس في ذلك الوقت العصيب. كما تذكر المصادر أنه لما تزايد الوباءُ بمصر، كان يخرج من كل باب من "أبواب القاهرة" ما يزيد على 700 ميت يوميًا، وكان يتم تغسيل حوالي 150 ميت من الغرباء، وممن كان يُعثر عليهم طُرحاء الأرض. ولما زادت الأمور سوء أكثر من ذلك، لم يكن المصريون يُغسلون الموتى، بل كانوا يُدفنون دون غُسلٍ، ولا كفنٍ، وكان الشخصُ يُدفن في ثوبٍ، ولما يُوضع في حُفرته، كان يُؤخذ ثوبه حتى يُكفن فيه آخر حتى كان الناس في ذلك الوقت يُكفنون عدة أموت بثيابٍ واحد. وتذكر المصادر أنه بلغ عدد من يموت في مصر آنذاك بسبب القحط والوباء قرابة 3 آلاف شخص كل يوم.

أحوالُ المُسلمين في بلادَ المشرق وقت الطاعون:

لم تقف هذه المحنةُ عند المصريين وحدهم في ذلك الوقت، وإن كانت مصر هي الأكثر تضررًا من هذا الطاعون، بل أصاب الجفافُ والقحطُ، وكذلك الأمراض الكثير من بلاد المشرق الإسلامي. وعن ذلك يقول المقريزي: "وقحطت بلاد الشرق، وعدمت دوابهم، وهلكت مراعيهم، وأمسك المطر عنهم..". وعلى هذا عم البلاءُ بالكثير من البلاد، ولكن على اختلاف حدة البلاء، وشدته، وتنوعه. فقد ضرب القحطُ فلسطين، وكذلك انتقل إلى باقي بلاد الشام على ساحل البحر المتوسط، ومن ثم امتد البلاء للمدن الأُخرى بالشام حتى حلب، ودمشق.

ثم زادت الأسعارُ في هذه البلاد، فأضحى سعر غرارة القمح حوالي 220 درهمًا، وصار سعر الشعير حوالي 110 درهمًا، وصار سعر رطل اللحم لنحو 10 دراهم، والفاكهة أربعة أمثال ذلك. كما بلغت الشدة بلادًا أُخرى، حيث ظهرت أعراضُها في الكرك، والشوبك بالأردن حتى أن الوُلاة حملوا ما كانوا قد وضعوه في مخازنهم الخاصة من أجل الحروب، والطوارىء، ثم حملوا كل ذلك إلى سكان الأمصار التي وقع بها البلاء. وعن ذلك يقول المقريزي: "واشتد الأمرُ على أهل دمشق، ونابلس، وبعلبك، والبقاع، وغيرها، وكانت أيامٌ في غاية الشدة من الغلاء، وكثرة الأمراض، والموت، وعُموم الظُلم..".

ثم انتشر البلاءُ في ذلك الوقت بـ"جزيرة العرب"، "فأقحطت مكة"، وارتفعت بها الأسعار، واضطر أهلها أن يُغادروا أرضهم، "حتى لم يبق بها إلا قلةٌ من الناس"، بل وأخذ الناس ينزحون من باقي مدن وقرى الحجاز. وهي إشارة واضحة أن الأمر لم يكن لمجرد وقوع القحط والجفاف، بل لوقوع الأمراض بالسكان أيضًا. ولم يكن أهلُ اليمن بعيدين عن هذه المحنة الشديدة، فأصابهم "القحط" و"الطاعون" في آنٍ واحد، وفرت أعدادٌ كبيرةٌ منهم إلى ساحل البحر الأحمر، وعن ذلك يقول المقريزي: "وعدم القوتُ ببلاد اليمن، واشتد الوباءُ، فباعوا أولادهم في شراء القوت..". وهو ما يعني أن الناس من شدة المعاناة بسبب الوباء والقحط الشديد إلى الحد أنهم يبيعون أبناءهم من أجل الحصول على الطعام والأقوات. كما تذكر المصادر أنه لما هرب سكانُ اليمن ومكة من أرضهم، ذهبوا إلى الساحل، وتلاقوا هناك، وضاقت بهم البلاد، مما زاد من أعداد الهالكين منهم. وعلى أية حال ضرب الوباء والقحط بلاد الشرق كلها، وتكاد لم تسلم بلدٌ من البلدان هناك من تلك الشدة، إذ لم يكن البلاء مرتبطًا ببلدٍ واحد، وعن ذلك تذكر المصادر: "وقحطت بلادُ الشرق، وعدُمت دوابُهم، وهلكت مراعيُهم، وأمسك المطرُ عنهم..".

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.