كاسل الحضارة والتراث

كاسل الحضارة والتراث

المناضلة أم الأبطال " إياح حتب"

كتبت ­– أسمهان محمد حامد

طالبة بكلية الآداب جامعة دمنهور قسم الأثار المصرية القديمة.

 إياح حتب هي ملكة مصرية قديمة من مدينة طيبة بالأقصر و زوجة ملك عاشت في نهاية الأسرة السابعة عشرة وكانت تسمي ب "الزوجة الملكية العظيمة" أو "أم الملك"  و كانت ابنة الملكة تيتي شيري و سانخت رع أحمس، و ربما كانت أخت و زوجة الملك سقنن رع تا عا الثاني.

 و قد كان لحياة إياح حتب الطويلة تأثيراً ملحوظاً على الأحداث في مصر، خاصة أثناء حروب التحرير ضد الهكسوس و من غير المعروف على وجه الدقة علاقتها بالملك كامس إلا أنه ربما كان شقيق زوجها أو ربما كان ابنها

ومن أبناء الملكة اياح حتب:-

  • الملكة أحمس نفرتاري (زوجة أخيها الملك أحمس الأول).
  • الأمير أحمس سابير.
  • الأمير بينبو.
  • الأميرة أحمس حنوت إم إبت.
  • الأميرة أحمس نبت تا.
  • الأميرة أحمس توميرسي

وكان عبرالعصور يوجد اكثر من ملكة تسمي باسم الملكة إياح حتب ولكن يوجد بينهم إختلافات ومن بين هذه الإختلافات:-

- أواخر القرن التاسع عشر : أعتُقِد أن أياح حتب الأولى زوجة الملك سقنن رع الثاني، و قد اعتبر بعض الخبراء أن تابوتي الدير البحري و ذراع أبو النجا كانا كلاهما لها، كما كان يعتقد أن إياح حتب الثانية زوجة الملك أمنحتب الأول، و أعتقد البعض أن تابوت خبيئة الدير البحري ينتمي إلى الملكة إياح حتب الثانية في هذا السياق.

- أواخر القرن العشرين : في السبعينيات، أٌكتشف أن تابوت الدير البحري يحمل لقب "أم الملك"، و لكن أمنحتب الأول لم ينجب أبناءاً، و في ذلك إشارة إلى كونها ربما أم الملك أحمس الأول. و في عام 1982، اقترح عالم الآثار الأمريكي روبنز أن إياح حتب الأولى هي مالكة التابوت المذهب المعثور عليه في ذراع أبو النجا، و إياح حتب الثانية هي الملكة المذكورة على تابوت دير البحري و إياح حتب الثالثة هي الملكة المذكورة على تمثال الأمير أحمس سابير

- القرن الحادي و العشرون (الحاضر) : بالسير وراء ما رأي عالما الآثار دودسون و هيلتون عام 2004،أن إياح حتب الأولى هي زوجة الملك سقنن رع الثاني و أم الملك أحمس الأول، وإياح حتب الثانية هي الملكة المعروفة من التابوت المذهب الذي وجد في ذراع أبو النجا و ربما كانت زوجة الملك كامس... (و ليس هناك إياح حتب الثالثة)

إياح حتب الأميرة المصرية زوجة الملك «سقنن رع» الذى حمل على عاتقه المهمة الشاقة وهى طرد العدو الذى جثم على صدر الوطن طويلا

عاشت فترة مريرة وصعبة بعدما توفى زوجها الملك فى حربه ضد الهكسوس بعد تمرده على إحتلالهم لنا .. لكنها لم تستسلم وأمسكت بمقاليد الحكم وحافظت على مصر من الإنهيار والتفكك وكانت وصية على ابنها ولى العهد الأمير كامس والقيت به فى ساحة القتال مع جنود جيش مصر حتى جائها جثة هامدة .. تماسكت ولم تسمح لمشاعرها بأن تهزمها .. لم تسمح لنفسها بالسقوط فسقوطها معناه ضياع الفرصة الأخيرة لطرد الهكسوس .. سقوطها هو سقوط دولة وأمة كاملة .. سقوطها معناه ضياع شعب وحضارة عظيمة حضارة ظل أجدادها يبنوها فى 4000 عام قبل عهدها

دربت ابنها الآخر أحمس ليثأر ممن اغتصبوا  بلاده ممن قتلو والده واخيه .. ليلقن بدو الهكسوس درساً لن ينسوه وبالفعل القيت بصغيرها أحمس وهو فى عمر الـ19 الى نيران الحرب وكلها مشاعر متضاربة ما بين الامومة والخوف من مرارة الفقد والهزيمة وما بين الثأر وحلاوة طعم النصر

وقفت فى ساحة القتال ، سيّرت الفرق العسكرية ، اعتنيت بالجنود ، وقامت باداء الشعائر ، جمعت الهاربيّن وأعدت الفاريين وأنّزلت السلام والسكينه على قلوبهم

حتى جائها ولدها بالخبر الذى ينتظره  فؤادها.. انتصر أحمس الأول على أعداء احتلو مصر قرن من الزمان وطرد الهكسوس من طيبة ومن الصعيد كافه وطاردهم حتى الدلتا التى اتخذوها عاصمتهم وحتى خرجو من مصر بل وطاردهم ايضاً خارج حدود مصر فى فلسطين وفتت شملهم هناك حتى استسلموا ولم يظهر الهكسوس بعدها في التاريخ واستعادت العاصمه طيبه سيادتها على جميع أنحاء مصر وأراضيها الخاضعة لها سابقًا من النوبة وكنعان وهي ايضاً حاربت فى ساحه القتال .. جرتها الخيول وحملت البلطه والفأس وحاربت اعداء مصر وحصلت بعد النصر على الفأس الذهبى و وسام الذبابة الذهبية وهو وسام يمنح لمن قدم لبلده خدمات عسكرية جليلة فى مصر القديمة

ووصفها ابنها احمس الاول فى خطاب عظيم على لوحة معبد الكرنك اختصاره (امدحوا امى سيدة البلاد ، سيدة جزر بحر إيجه،رفيعة الشأن ، واضعة الخطة للجماهير ، زوجة الملك ، ام الملك ، اخت الملك ، بنت الملك ، الفاخرة ، الحاذقة ، المهتمة بشئون مصر ، الحامية ، العائشة ، خاضعة العصاة ، لها الحياة الأبدية)

توفى ولدها الصغير الملك احمس الاول فى سن صغيرة فلم يحكم البلاد سوى ثلاثه سنوات عاصرت حكم ملوك عظماء ك امنحوتب الاول وتحتمس الاول .. وتوفيت فى سن ال90 وتركت عالم الاحياء مؤديةً رسالتها

أعيد دفن تابوت الملكة اياح حتب الأولى في خبيئة الدير البحري، و التابوت يظهر الملكة مرتدية شعراً مستعاراً ثلاثي الطبقات، و تم تغطية الجسم بشكل ريشي تصميم، و هو بذلك يشبه التوابيت الخارجية للملكتين أحمس نفرتاري و أحمس ميريت أمون.

و مقبرة الملكة إياح حتب الأصلية مجهولة حتى الآن، إلا إذا كانت هذه الملكة تتطابق مع إياح حتب الثانية، غير أن قياسات التابوت التي عثر عليها في ذراع أبو النجا تبين أن حجم جسمها أكبر من أن توضع في تابوت الدير البحري، و قد استخدم هذا الدليل للقول بأن أعح حتب الأولى لا يمكن أن تكون هي نفسها الملكة إياح حتب الثانية

 وإن الملكة إياح حتب الملكة المصرية الأولى والأخيرة التى منحت أهم الأوسمة والنياشين العسكريه قديما وحديثا، فقد حصلت على وسام الذبابة الذهبية التى تمنح للخدمات العسكرية الاستثنائية، وحصلت على الفأس الذهبية، ويشير المؤرخون إلى أنها هى من أدخلت العجلة الحربية التى ساهمت فى الانتصار فى معركة التحرير.. الملك أحمس الذى كان يجل دور أمه فى إحراز النصر ولولاها لما حافظ على عرشه وهو طفل وعلى تماسك الجيش وجمعت الشعب وحافظت على وحدة الوطن فى مرحلة كان من الممكن أن تنهار فيها الدولة.

آمون فى الدقهلية

كتب-  د/ محمود المحمدى عبد الهادى

دكتوراه الارشاد السياحى

يوجد أربع قرى فى ربوع محافظة الدقهلية إرتبطت أسمائها  بإسم المعبود آمون وتلك القرى ترجع إلى عصر الدولة الحديثة وهوعصر إزدهار عبادة المعبود آمون حيث كان يمثل المعبود آمون أهم المعبودات ذات الشأن الكبير فى العقيدة المصرية القديمة .

وازدهرت عبادة المعبود آمون فى الدولة الوسطى حيث كان يمثل جزء من ثلاثى المعبودات فى مدينة طيبة الأقصر حالياً حيث كان يصاحب المعبودات كلا من (زوجته "موت" وإبنه "خونسو" )وتعتبر مدينة الأقصر مركز عبادته فى جنوب مصر.

وتقول الأسطورة المصرية بأن آمون كان يسكن مدينة الأشمونين بمحافظة المنيا حيث كان جزء من المعبودات الثمانية التى كانت تعبد فى مدينة الأشمونين التابعة لمحافظة المنيا حالياً ولكن علا شأنه فى الدولة الوسطى وبزغ نجمه وأصبح المعبود الرئيسى للدولة المصرية بعد إندماجه مع المعبود (رع ) معبود الشمس ومعبود مدينة هليوبولس فأصبح إسمه "آمون رع" وأصبح له المعابد الخاصة به فى أنحاء القطر المصرى.

وفى بداية الدولة الحديثة وبعد إنتهاء إحتلال الهكسوس للوجه البحرى عملت الإدارة المصرية على إخضاع سيطرتها على الوجه البحرى مرة أخرى إدارياً ودينياً فعملت على نشر عبادة المعبود آمون ومحو العبادات الأخرى التى فرضها الهكسوس على أهل الوجه البحرى وخاصة شمال وشرق الدلتا حيث كان يحكم ويستوطن الهكسوس.

فأمرت الإدارة المصرية بإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة تحمل إسم المعبود آمون وأيضا بناء معابد لعبادته لترسيخ عبادة المعبود آمون فى الدلتا فخصصت أراضى وحقول لخدمة تلك المجتمعات العمرانية الجديدة .

وكانت محافظة الدقهلية أو منطقة شمال شرق الدلتا لها النصيب الأكبر حيث تم بناء أربع مجتمعات عمرانية فى تلك المنطقة لنشر عبادة المعبود آمون وهى حاليا ( سلامون – البرامون – تل البلامون- البلامون) وجميهم يقعون حالياً فى نطاق محافظة الدقهلية.

 حملت قرية سلامون والتى تقع على بعد حوإلى 18 كيلو من مدينة المنصورة إسم المعبود آمون حيث أطلق عليها  ( سا آمون ) والتى تعنى باللغة المصرية القديمة ابن المعبود آمون وعلى بعد 11 كيلو شمال قرية سلامون يوجد قرية البرامون وتتبع مركز المنصورة حالياً والتى حملت أيضا لقب المعبود آمون حيث تعنى كلمة البرامون باللغة المصرية القديمة ( بر آمون ) أى بيت المعبود آمون.

وإذا إتجهنا إلى الشرق نجد قرية بلامون والتى تتبع مركز السنبلاوين ويعنى اسمها باللغة المصرية القديمة (با آمون ) اى روح المعبود آمون حيث تعنى كلمة (با) فى اللغة المصرية القديمة الروح فأطلق المصريين القدماء على تلك القرية روح المعبود آمون.

وننتقل إلى الشمال الغربى لمحافظة الدقهلية نجد منطقة تل البلامون التى تقع في الشمال الغربي من مركزشربين ، وتبعد عنها حوالي 8 كم ، أمام قرية أبو جلال التابعة لمركز شربين وذكرت تلك المنطقة حوالى خمس أو ست مرات فى النصوص القديمه حيث ذكرت لأول مره فى عهد الملك تحتمس الثالث كما وردت فى قائمه أقاليم إدفو وكانت البلامون تسمى أيضا (بر-آمون ) وهى أقرب لفظا لاسم البلامون الذى يطلق عليها الآن تل البلامون.

من أسباب السعادة في مصر القديمة: القناعة والرضا

كتب د. حسين دقيل

باحث متخصص فى الآثار اليونانية الرومانية

من أخلاق المصريين القدماء التي التزموا بها، وحثوا غيرهم على التمسك بها؛ ذلك الخلق الفاضل الذي ما التزم به أحدٌ إلا وعاش سعيدا في حياته، مستمتعا بمباهجها. فقد علم المصري القديم أن سعادته الحقيقية ليست بالغني والثراء أو المنصب والجاه، وإنما بالقناعة بما يملك والرضا بما أوتي، ولذا فقد دعوا إلى الاستمساك بهذا الخلق الفاضل وربوا أبناءهم عليها، حتى إن ديننا الحنيف حث على هذا الخلق؛ فقد روى مسلم؛ عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ"

وها هو الحكيم المصري القديم "آمون أم أوبي" يُحث ابنه على الرضا، ويبين له أنه خير من الغني المقرون بالهموم؛ فيقول: خير للمرء قلب راضٍ من غنى مقرون بالهموم، واحذر الهموم لأن الإنسان لا يدري ما سوف يكون في الغد، فالرب دائما بتدبيره المحكم، والإنسان دائما في ظنونه الطائشة، وما يقوله الناسُ شيئا وما يفعله الربُ شيئا آخر.

وفي نفس هذا المعنى يقول حكيم آخر من حكمائهم: خير للإنسان أن يعيش على خبز وماء مع راحة الضمير، من أن يعيش على لحوم وهو منغص البال.

كما يُوصي أحد حكمائهم ابنه بالاقتصاد في المأكل والمشرب؛ فيقول: خسيء من شره جوفه؛ وإنّ قدحا من الماء يروى غلة الظامئ.

في حين يوصي الحكيم "آنى" ابنه "خنسو" قائلا: إذا طعمت ثلاث كعكات وشربت قدحين من الجعة، ولم تقنع معدتك فقاومها، ما دام غيرك يكتفى بالقدر نفسه.

بل وينصحه بالرضا بما أعطاه الرب وعدم الاستيلاء على أملاك الآخرين، فيقول: لا تركن إلى مقتنيات رجل آخر، ولا تقل إن دارا يمتلكها جدي لأمي، فالدار إذا ذهبت في قسمة إلى شركائك قد يكون نصيبك الكرار!

أما الحكيم "كاجمني" فيبين لنا أن عدم القناعة "عار" يجب أن يتجنبه الإنسان؛ وخاصة فيما يخص الطعام والشراب؛ فيقول: لا تكن شرها فمن العار أن يكون الإنسان شرها؛ وإذا جالست قوما فتعفف عن الطعام ولو اشتهيته، فإنها بُرهة قصيرة تقهر النفس فيها.

وحول هذا المعنى أيضا يقول الحكيم "خيتي": كن قنوعا بطعام؛ وإذا كان يكفيك ثلاثة أرغفة وقدحين من الجعة، فإذ لم تكتفِ بطنُك فحاربها.

ويحذر الحكيم "بتاح حتب" ابنه من الجشع فيقول: احذر الجشع فهو مرض لا شفاء منه، لا تطمع إلا فيما هو نصيبك، لا تتجاوز عند القسمة ما يخصك.

أما نصائح "أمون أم أوبى" لابنه "حور" حول القناعة والرضا فرائعة وشاملة؛ فها هو يحثه على ذلك فيقول: لا تندفعن بقلبك وراء الثروة، ولا تُشغل أفكارك في أمور الخارج، ولا تجهدن نفسك في طلب المزيد عندما تكون قد حصلت بالفعل على حاجتك؛ لأن الثروة لو أتت عن طريق السرقة فإنها لا تمكث معك الليل، إذ عند مطلع الفجر لا تكون في بيتك بعد.

ويقول: لا تطمع في متاع إنسان ولا تتطلع جوعا لخبزه، فإن متاع الغير لا خير فيه، لا تطمّعن في متاع شريف، ولا تعطين مقدارا عظيما في غذاء الخبز تبذيرا، وانظر إلى الوعاء الذي أمامك واجعله يكفي حاجتك، ولا تزحزح الحد الفاصل، ولا تُحولّن موقع خط المقياس، ولا تطمعن في زراعة أرض، ولا تقذفن بحدود الأرملة، راقب جيدا من يغتصب الأرض، لأنه يكون ظالما للضعيف، إن أجرانه تخرب، وأمتعته تُنتزع من أيد أطفاله، وأملاكه تعطى للغير.

بل ويدعوه للرضا والقناعة حتى في ملبسه؛ فيقول: اجتنب الكتان الجميل، فما فائدة ثوب من كتان فاخر إذا كان ضلالا أمام الرب، وإذا كانت قشرة من الذهب توضع على سبيكة تظهرها ذهبا خالصا، فإنها في الصباح تنقلب إلى قصدير.

وهكذا يتضح لنا؛ أن المصري القديم عرف معنى السعادة الحقيقية، وسعى نحو التحصل عليها؛ من خلال تمسكه بهذا الخلق الكريم وغيره من الأخلاق الفاضلة.

الأحذية فى مصر القديمة

كتبت – زينب محمد عبد الرحيم

باحثة في الفولكلور والثقافة الشعبية

تظل الحضارة المصرية الخالدة منبع ملئ بالأسرار تُعلن كل يوم عن سر جديد من أسرارها قررت أن تبوح به للعالم كله وذلك فى هيئة إكتشاف أثرى أو إعادة النظر فى الاكتشافات السابقه وذلك بالتعديل أو الأضافة عن طريق أستخدام أحدث الأجهزة التكنولوجية لتكشف لنا أسرار التطور و العبقرية التي تفردت بها الحضارة المصرية القديمة  فالمصرى القديم برع في استخدام الرموز وتحويلها إلى أيقونات لها العديد من المعاني و الدلالات و كل هذه الرموز في الأغلب مستمدة من الطبيعة التي قدسها المصري واستخلص منها رموزه .

ومن ثم استطاع الفنان المصري القديم أن يدمج بين الفن والطبيعة والدين والدليل على ذلك النقوش على جدران المعابد و المقابر وأيضًا البرديات ومن أهمها بردية "آنى" وهى جزء من كتاب الموتى (الخروج فى النهار) وهو بمثابة عمدة الكتب الذي يجمع بين دفتيه العقيدة المصرية القديمة بكل تصوراتها والقيم والتعاليم التي قدسها المصري حتى يفوز بالأبدية و الخلود فى العالم الآخر وبالأضافة إلى التصورات العقائدية .

جسد الفنان المصرى ووثق مظهر الرجال و النساء بداية من شعر الرأس مرورًا بالأزياء و الحُلي وصولًا إلى القدم , حيث إنّ المصري اعتنى بمظهره ومن أهم هذه المظاهر الأحذية فالمصري سباق في صناعة الأحذية وأيضًا فى ارتدائها ولم تكُن أحذية بمفهومنها الحديث ولكن يمكن القول إنها تميل من حيث الشكل إلى الصنادل , فالمصرى القديم أول من صنع وارتدى الحذاء وكان أغلب من  هم على سطح الأرض داخل الكهوف , وذلك منذ  فترات ماقبل الأسرات !!! والدليل المادي على ذلك صلاية الملك نعرمر (مينا) موحد القطريين وهذه الصلاية محفوظه في المُتحف المصري .

وهذه الصلاية عباره عن وجهيين الوجه الأول منها يظهر لنا رمزية هامة جدًا الملك مينا وهو يُصارع أعدائه وخلفه يقف (حامل الصندل الملكي) وهى وظيفة رفيعة الشأن لا يُسمح لأحد العامة أن يُرافق الملك في هذه المناسبة إلا و إن كان في مكانة ورتبة عالية ونرى في هذه الصلاية حامل الصندل الملكي يحمل في يده الصندل و فى اليد الأخرى طست من الماء خاص بتطهير الحذاء وذلك بعد أن ينتهى الملك من الطقس الذي يقوم به حيث من المرجح أن هذا الوجه من الصلايه يُعبر عن احتفال الملك مينا بعيد الحب سد والاحتفال بتجديد ملكه ونجد أيضًا على الوجه الثاني من الصلاية الملك يقف وأمامه الأعداء مهزومين بعد أن انتصر عليهم ,ويسير الملك في موكب النصر متجه إلى معبد مدينة بوتو المقدسة ,ويرتدى التاج الأحمر تاج الدلتا خلفه حامل الصندل الملكي ومعه طست الماء ويصوره الفنان مرة أخرى تأكيدًا على رمزية الحذاء أنه مُخصص للملك , وأيضًا يُجسد وظيفة حامل الصندل لأهميتها .

ومن أشهر الشخصيات التي حملت لقب حامل الصندل الملكي الوزير( وني) الأسرة الخامسة دولة قديمة

حيث كان الرفيق الوحيد للملك ويحمل عدة ألقاب منها : النبيل , حاكم الصعيد , المسؤل عن خزانة الدولة

ونلاحظ أن حامل الصندل أتخد مكانة أسمى من صانع الصندل , حيث أن حرفة صناعة الأحذية وثيقة الارتباط بالمعابد وسنتناول بشئ من التفصيل أين وكيف صُنعت الأحذية فى مصر القديمة وما الأدوات التي استخدمها المصري والذي وثقها أيضٍا الفنان المصري على الجدران .

صناعة الأحذية الجلدية

كان المقر الرئيسي لصناعة الأحذية هو طيبة حيث تُعتبر مركز صناعة الجلود في مصر انذاك وتم تعيين منطقة دير المدينه بالبر الغربي مركزًا لتقطيع الجلود، وكان مصدر الجلود المستخدمة جلد الذبائح من الثيران , العجول , الغزلان, الماعز، وتوضح لنا العديد من النصوص والخطابات الملكية التي عُثر عليها منقوشة على البردي خطاب موجه من الملك سنوسرت الثانى إلى العمال أن يعطون جلد الذبائح إلى صانع الجلود.

ومن هنا ننتقل إلى الحديث عن الحرفي (صانع الأحذية و الصنادل) الجلدية على وجه التحديد.

صانع الأحذية  

الحرفي الذى صنع أحذية الملوك والعامة كان يتمتع بمكانة اجتماعية تكاد تكون متوسطه وليست دونية على الأطلاق إلا في بعض الأوقات التي كانت مصر تمُر فيها بظروف سياسية وأقتصادية صعبة

وكانت صناعة الأحذية والورش جزء لا يتجزء من المعابد حيث تتم هذه الصناعات داخل المعبد وكان في عهد الملك أمنحتب الثانى يقوم بتعيين كهنه مطهرون ومشرفون على مصانع الأحذية فى معبد آمون  ومن أهم النقوش التي تُصور لنا صناعة الأحذيه الجلدية تفصيلًا هى مقبرة رخميرع , حيث كان رخميرع المشرف على الصندل فى معبد آمون .

كيف صُنعت الأحذية الجلدية كما صورتها لنا نقوش مقبرة رخميرع؟

بعد نزع الجلد من الذبيحة يتم أخذ الجلود ليتم عمل دباغه لها عن طريق نقعها ثم قشطها بشفرة حادة

لتنظيف الجلد من الفرو والشعر ,بعد ذلك يتم تقطيع الجلود إلى قطع يتم من خلالها صناعة الصندل

الأدوات المستخدمة :

  • الخرام
  • سكين نصف دائري
  • مشط
  • إبرة
  • قرن لتوسيع الثقوب
  • شفرة معدنية حادة
  • مشط لخز الثقوب
  • حجر أخضر للتنعيم (الصنفره)

وكما ذكرنا أنّ صناعة الأحذية ترتبط بمؤسسات كُبرى مثل المعابد والقصور (ورش عمل معبد آمون)

في الكرنك ,ذلك يدل على المكانة الأقتصادية التي تمُثلها صناعة الأحذية فهذه الصناعة كانت تُمثل قوة أقتصادية تعتمد عليها مصر من حيث تحصيل الضرائب وغيرها من الأمور الإداريه في الدولة فهذه الصناعه لم تقتصر على تصنيع أحذية البلاط الملكي فقط بل كانت تشمل كل طبقات المجتمع من رجال ونساء وأطفال ونجد الكثير من هذه الشواهد فى المتاحف ولكن النقوش لم تجسد إلا الملك الفرعون  الذى يرتدى الصندل الملكي وذلك فى سياقات عديدة .

الملكة نفرتيتى وأبنتها أرتدنَّ الصندل الملكى

من الملفت للانتباه أنه من النادر أن نرى الملكات أو زوجات الملوك يرتدين أحذية مع العلم أن هناك أحذية صُنعت للنساء ولكن الشواهد والنقوش الجدارية نادرًا ما تصور النساء يلبسن أحذيه أو صنادل في أقدامهن , إلا فى حاله أراها قلما نشاهدها وهى الملكه نفرتيتى من الأسرة الثامنة عشر دولة حديثة، صورها الفنان الآتونى دائمًا وهى ترتدى الصندل مثلها مثل إخناتون زوجها وذلك دليل على إنها لم تكن فقط زوجه ملكية بل كانت شريكة في الحكم.

لم يقتصر الأمر على نفرتيتى فقط بل تأتى في تلك الرتبة الملكية ابنتها (عنخ إسن آمون ) زوجة الملك توت عنخ آمون صورت فى العديد من المناظر مع زوجها الملك الشاب توت عنخ آمون وهى ترتدى صندل ملكى ونرى شاهد أثري على ذلك تجسيدها هى والملك توت عنخ آمون على كرسي العرش الخاص بالملك توت عنخ آمون حيث صور الفنان المصري متأثرًا بالفن الآتونى الملك وهو يجلس مسترخي وأمامه زوجته في يدها إناء عطور و بالايد الأخرى تُصلح وضع عقد الرقبة الخاص بالملك وخلفهما قرص الشمس بإشاعته المنتهيه بيد بشريه .وكان من ضمن المجموعات التى وجدت فى مقتنيات توت عنخ آمون أحذية من الجلد.

زينت بزخارف وألوان غاية فى الروعة والجمال وأيضًا الاتقان فعلى سبيل المثال يوجد صندل من الجلد له تصميم وتشكيل جمالي مميز حيث قام الفنان المصري بعمل لوحة فنية مستوحاة من الطبيعة على صندل الملك ,نجد مقدمة الصندل ساق بردى ويحيطها أزهار اللوتس المتفتحة ويوجد جانبي زهرة اللوتس التي فى المنتصف بطتان حيث جسد الفنان مشهد البحيرة و الطبيعة المحيطة بها على صندل الملك وذلك بالإضافة إلى الألوان المستخدمة والتى لازالت على حالتها منذ الآف السنين.

الصندل الملكي أداة لسحق الأعداء

(فليشاهدوا قواك, فليجددوا من عظمتك ,هل تستطيع أن تحطم ؟ هل تستطيع أن تدحر أعدائك الذكور والأناث؟ هل تستطيع أن تضعهم أسفل نعليك ؟) (أحد نصوص التوابيت دولة حديثة) .

لدينا من مقتنايات توت عنخ آمون نموذج من الأحذية يرمز إلى القوه وسحق الأعداء حيث رُسم الاعداء على قدم الصندل دليل على سحق الملك لهم وإن مكان أعداء مصر أسفل قدميه، وهناك جدارية رُسم عليها نعل الصندل وفي الأسفل صور الفنان المصرى الآسرى الأعداء مقيدين أسفل النعل وفى ذلك رمزية قوية على الأنتصار وقهر الأعداء.

ويأتى فى فترة  ربما تكون متأخرة الأحذية المصنوعة من الألياف النباتيه ولكن لم تمدنا النقوش والجداريات على أى توثيق لصناعتها رغم أنها صُنعت بمهارة وحرفية عالية وكانت تُصنع من ألياف البردى وسعف النخيل بالإضافة إلى بعض الأخشاب التي ضُغطت لتُعطى الصندل متانة وصلابة.

ارتدى كبار الكهنة الصنادل وذلك أثناء طقس فتح الفم وذلك بعد تطهيره بالماء المقدس، فنجد أن الحذاء عند المصري القديم لم يكُن شكل من أشكال الزينة أو مجرد حذاء يؤدي وظيفة في الاستعمال اليومي فقط بل تعدى ذلك ليصل إلى درجة أعلى فكان له رمزية اجتماعية طبقية ورمزية أقتصادية ورمزية دينيه وأيضًا رمزية سياسية تجلت في مقتنايات وأحذية الملك الشاب توت عنخ آمون .

مظاهر الإبداع في الطب الشعبي

كتبت – زينب محمد عبد الرحيم

باحثة في الفولكلور والثقافة الشعبية

أنَّ مظاهر وممارسات العلاج بواسطة الطب الشعبي هي أحد موضوعات التراث الإنساني عميق الجذور والذي يجمع بين المعارف والمعتقدات وأيضًا العادات الشعبية الأصيلة والتى تحويها ثقافتُنا الشعبية ,وهذه الممارسات العلاجية أكثر مايميزها هو الإبداع والذي يتجسد في المُعالجين الشعبيين ومدى براعتهم في هذا المجال وأيضًا تأثيرهم على من يلجأ لهم .

وهناك عدة أنواع تندرج تحت الممارسات العلاجية الخاصة بالطب الشعبي مثل العلاج الطبيعي والذي يتمثل في التدليك ,الحجامة والكي ...إلخ ,وهناك ما يُعرف بالطب الشعبي والعلاج بالأعشاب Herbal والذي تُستخدم فيه المواد والنباتات العُشبية بكافة أنواعها والذي يتخصص فيها كبار العطاريين أو من لديهم معارف متوارثة ومتواترة عبر الزمن وما أكثر أستخدامنا للطب العُشبي حتى يومنا هذا ويُعتبر أكثر سلامة على صحة الإنسان من الأدوية الكيميائية ولكن لا يعني ذلك الاعتماد الكُلي دون اللجوء للطبيب.

ولدينا أيضًا الطب الشعبي السحري والذي يُستخدم فيه الرقى والتعاويذ...إلخ والمعالجون الشعبيون لهم دورًا أساسيًا في الحفاظ على الممارسات العلاجية الشعبية واستمرارها ويزداد هذا الدور أهمية عندما يقدمون هذه الخدمة العلاجية بمقابل مادي ويكون الطب الشعبي مصدر رزق لهم وسأذكر بعض الأمثلة التي توضح للقارئ من هم المُعالجون وماهيّ تخصصاتهم في مجال الطب الشعبي .

"الحلاقون المُعالجون

الديهم العديد من الممارسات العلاجية التقليدية مثل الفصد ,والحجامة وإعطاء الحقن ومعالجة الدمامل , ولدينا مثال أخر وهو  "الداية" ونحن جميعًا نعرف أن للداية دور رئيسي في توليد النساء ولكن الأمر اختلف في وقتنا الحاضر بالاعتماد على الطبيبات وأطباء النساء والتوليد , ولكن بالدراسة الميدانية يتضح أن الدايات لازلنَّ يمارسن تلك المهنة ولكن بأسلوب أكثر تطورًا عن العصور السالفة والكثير من النساء يعتمدن بشكل أساسي عليهن أثناء الولادة .

أما عن خُدام الأضرحة والأولياء فقد أبتدعوا لأنفسهم أسلوبًا خاصًا في العلاج هناك شواهد ميدانية تؤكد ذلك  وهو أن ينصح المريض بأن يعطيه في ليلة الجعمة شيئًا من متعلقاته(المريض) كقطعة ملابس مثلا والباقي على خدام الضريح حيث يتولي هو الأمر واضعًا تلك الملابس أعلى مقصورة الضريح حتى صلاة الجمعة وبعدها يسلم الشئ لصاحة ويتلقى الأجر ويطلب من المريض أن يرتدي هذه الملابس "وببركة صاحب المقام يتحقق الشفاء"

هذا الدور العلاجي لبعض خدم الأضرحة لو تأملناه جيدًا سنجده عادة قديمة والكثير سمع عنها وربما لجأ إليها أيضًا وهذا الدور العلاجي ينطوي على دلالات عميقة فهو ليس مجرد وسيلة ينتفع بها هؤلاء وتكون باب رزق جديد لهم وإنما الأمر في حقيقته يتجاوز ذلك ويتعلق بأوضاع المعتقدات الشعبية بوجه عام ومظاهر الاعتقاد في كرامات ومدد الأولياء بوجه خاص .

المياه المباركة عند السلطان الحنفي

وهناك شاهد ميداني أخر قمتُ برصده يدخُل في إطار العلاج وهو الاعتماد على المياه الموجودة في مسجد الحنفي بالسيدة زينب ويأتي إليه الناس من كل حدبٍ وصوب طلبًا للماء وقصة هذا الماء يإجاز إنه بئر من زمزم حيث يروي شيخ الجامع شفاهيًا قصة متواترة عن هذا البئر فيذكر أن السلطان الحنفي ذهب ليحج وهو عند بئر زمزم أضاع إناء كان يشرب به وعندما عاد في ليلة ما بعد مرور فترة طويلة وجد هذا الإناء في البئر الموجود حاليًا داخل المسجد وهذه هي أقدم الروايات عن البئر ,و هذا المسجد والبئر يتجاوزعمرهم الزمني ال 700 عام  اي أكثر من سبعة قرون من الزمن وهو مُدرج ضمن الأثار المصرية الإسلامية , ولكن الوعي تغير خاصةً فيما يخص الأمراض المستعصية والعلاج فاللعلم والطب اليد الطولى في العلاج بإذن الله تعالى.

العودة للطبيعة

ولا يمكننا أن ننكر إنَّ هناك وعي عام للميل نحو الطبيعة فكل شئ من حولنا أصابه التلوث حتى المياه والهواء وكل ذلك بسبب الغازات السامة من المصانع والسيارات وكثرة استخدام المواد الكيماوية في الزراعة وقد ساعد ذلك على حتمية العودة للطبيعة والأرض من خلال الأعشاب ومواد العطارة ومن وقت لأخر تكتسب الممارسات العلاجية الشعبية مزيد من الدعم حتى نجد إن في فترة انتشار الأمراض والأوبئة وعجز الطب عن تهدأت الناس بوجود علاج أو مصل ,يتجلى الطب الشعبي بإبداعاته لتهدأت الهلع الشعبي وكأنما تقول لنا الطبيعة إنها لاتزال بخير وتحتضن الإنسان رغم كل ممارساته ضد الطبيعة الأم.

الرحلة المقدسة إلى أبيدوس

كتبت – زينب محمد عبد الرحيم

باحثة في الفولكلور والثقافة الشعبية

تُعتبر رحلة  أبيدوس بمثابة الحج عند المصري القديم  وهي رحلة سياحية دينية مُقدسة كان يقوم بها النبلاء و الأشراف الأوزيريون مُتجهين إلى أبيدوس (إبجو) كما أطلق عليها المصريون القدماء أما الأسم الحالي لهذه البلدة فهو العرابة المدفونة بمحافظة سوهاج , حيث يوجد بها ضريح أوزيريس المعروف بأسم الأوزيريون ، وكذلك مقابر و أضرحة ملوك الأسرتين الأولى و الثانية .

و فيها دُفنت رأس أوزيريس و يقوم الزائرين بالطواف حول المعبد (مابين السورين) و هذة الزيارة يقوم بها المصري لكي يبرئ نفسه من الذنوب

ولرحلة الحج أهمية بالغة في العقيدة المصرية القديمة لأنها لم تقتصر على الزيارة الدنيوية فقط ولكنها أمتدت إلى العالم الآخر , العالم الأبدي الذي يفوز بها المؤمنون اللذين لم يخالفوا قوانين الماعت .

فنجد في كتاب الخروج في النهار (كتاب الموتى) الفصل 138 : تعويذة لدخول أبيدوس و الأنضام إلى معيه أوزيريس

(يا أيها الآلهه ساكني أبيدوس ، المجتمعة بالكامل أقبلوا لمقابلتي مُهللين ، و أنظروا إلى أبي أوزيريس و أنا فى سياقه ، أنا المولود منه أنا هذا الحورس سيد الأرض السوداء و الصحراء الحمراء)

و نجد فى فصل 183 : التعبُد إلى أوزيريس و تقديم التحيى له وتقبيل الأرض أمام (أون نفر) و لمس الأرض أمام سيد البلد المقدس.

و يقول الزائر و يردد : لقد أتيت إليك يا أبن نوت أوزيريس الذي يحكم الأبدية أنا من حاشية جحوتي ، أبتهج من كل ما تقوم به , لقد أحضر إليك النسمة الهادئة من أجل وجهك الجميل و رياح الشمال التي خرجت من آتوم هى من أجلك يا سيد البلد المقدس .

هكذا كان يمجد المصري القديم أوزيريس من خلال رحلة أبيدوس المقدسة ويردد هذه الابتهالات في الدنيا و أيضًا في العالم السفلي (بعد الموت و العوده للحياة الأبدية )حسب المعتقد المصرى القديم .

و الجدير بالذكر أن من أهم طقوس زيارة أبيدوس والاحتفال بأوزيريس هى أن يزرع كل مصري شجرة من أجله يأكل من خيرها في العالم الآخر الأبدي .

و تظهر لنا النقوش على جدران المقابر منذ الدولى الوسطى و الحديثة بعض الإشارات عن هذه الرحلة المقدسه كما يظهر في مقبرة حور محب و باشدو نجد منظر لرحلة ذهاب المتوفىَّ مع زوجته إلى الحج الرمزي في مركب جالسين فيما يشبه المقصورة وأمامهما مائدة قرابين و يتقدم مركبهم مركب أخر به عدد من المجدفين و له شراع كبير ثم رحلة العودة في مركب أخر يتقدمه كاهن يقوم بتقديم الماء الطهور من الآنيه و البخور.

و من أهم الطقوس اللازمة للحج التطهير قبل الطواف حول المعبد المقدس

عرف المصري القديم الطهارة في حالات كثيرة و لأسباب عدة منها ما كان سببًا دينيًا و منها ما كان سببًا معنويًا و للمصري القديم طهارتان

الأولى خاصة بالاغتسال و طهارة تتعلق بإزالة الذنوب و ذلك بخلاف النظافة العادية , لأن المصري كان حريص على النظافة البدنية في حياته اليومية .

الأدوات الخاصه بالتطهر :

طست المرمر : من أهم الأدوات خاصة في الأعياد والاحتفالات و كان يأتي بمعنى ( hbt) بمعنى كتاب الشعائر و الطقوس و أرتبط بطقوس التطهير الخاصة بالاحتفالات الدينية.

الأبريق : ولكنه يظهر بشكل متكرر على موائد القرابين

و أستخدم طقس سكب الماء بغرض التطهر الذي كان رمزًا طبيعيًا للحياة وإعادة الحيوية عند المصري القديم .

و الجدير بالذكر إنّ المصريين القدماء قد شيدوا ضريح أوزيريس على عيون مياة جوفية لتمثل المحيط الأزلي اللانهائي للملك الأول أوزيريس .

طهارة الثوب :-

أوضحت النصوص أن (جد) يختص بتطهير الرداءات (الملابس) و كان هناك طقس خاص لتطهير الثياب للكهنة و للملوك وحتى للموتى و الأحياء أيضًا فطهارة الثوب شرطًا أساسيًا لأكتمال عملية التطهير .

طهارة المكان :-

كان المعبد المقدس من الأماكن الطاهرة التي لا يدخلها إلا المطهرين كما إنّ كل شئ داخله طاهر بما فيه تمثال الإله نفسه وأرديته وكذلك أرضية المعبد .

زى الحج إلى الأماكن المقدسة

كما أوضحت النقوش والمناظر رحلات الحج للزائر وزوجته على متن قارب متجه إلى أبيدوس فنجدهم في هيئة وقورة يلفان رداء طويل أبيض اللون يُشبه العباءة يحيط بالجسد كله بحيث لا يظهر منه إلا اليدين ويصل هذا الثوب إلى القدمين في أغلب الأحيان , ونجد هذا المنظر في مقبرة باشدو هو وزوجته يركبان مركبًا في طريقه إلى أماكن مقدسة ويرتديان الملابس البيضاء متجهان إلى أبيدوس لأداء الحج المقدس . هكذا كانت رحلة أبيدوس بمثابة الحج  المقدس عند المصري القديم ويعتبر احتفالًاته و طقوسه وأدواته وملابسه الخاصة , وذلك بخلاف الذبائح التي كان يُقدمها المصري القديم في هذه الزيارة المقدسة هكذا كانت عقيدة المصري القديم و ديانته تلك الديانة المصرية التي لم تتعارض مع أفكار الديانات السماوية كالمسيحية والاسلام ، ومن هذه الأفكار الراقية الايمان بالله الواحد حسبما ورد فى النصوص الدينية التي تذكُر " إننى أنا الإله الأوحد خلقتُ الأرباب بمنطوق فمي وخلقت البشر من دموع عيني " و هكذا ظلت العقيدة المصرية باقية ومتوارثة حتى عصرنا الحالي ولم تتعارض أبدًا مع الديانات السماوية .

المصادر – المراجع:-

  • حضارة المصريين القدماء تأليف : د. رمضان عبده
  • ميراث الحضارة تأليف : د. جلال أبو بكر
  • الملابس و الأزياء تأليف : د. عبد الحليم نور الدين

        فى مصر القديمة

  • طقسة سكب الماء تأليف : حنان محمد
  • التطهر و أوضاع التعبد فى مصر القديمة     تأليف : سامى رزق بشاى

يوميات كورونا والمجهول الحلقة الثانية

كتب الاستاذ الدكتور / محمد احمد إبراهيم

أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة بني سويف ورئيس قسم التاريخ

كورونا والمصريين والحظر المنزلي

في تلاحق سريع وصل فيرس كورونا إلي الأراضي المصرية بعد ان اعلنت الدولة وجود حالات مرضية وحالات وفاة، وعلي الفور استخدم المصريين سلاحهم الفتاك في مواجهةالأزمات أبدالدهر،وهو السخرية اللاذعة المصحوبة بعبقرية الإسقاطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للتعبير عن موقفهم،خاصة بعد ان لجات الدولة في التصدي لهذاالمرض لفرض حظر إقامة للمصريين في المنازل للحد من انتشار المرض،وللاسف كشفت إجراءات الدولة في التعامل مع هذا المرض ومع المصريين عن ظاهرة العناد المجتمعي عند المصريين إما حبا في الحياة او رفضا لأي نوع من القيود، فضلا عن أرتفاع وتضخم الشعور التاريخي بأن المصري من سلالة الفراعين العظماء التي لايؤثر فيهاهذاالمرض كما يؤثر في السلالات الأخري في أوروباالتي توصف دائما عند المصري بانها (خرعة – مايصة )

أبدع المصريون في مواجهة الحظر الحكومي للإقامة في المنازل وتقييد الحركة بشتي أنواع التعبير، خاصة وان هذا الحظر فرض علي الجميع التعامل المباشر وجها لوجه مع أفراد الأسرة من زوجات وابناء وأخوات وامهات، فخرجت النكات من الأزواج والزوجات نتيجة الممارسات اليومية داخل المنازل مع توقف الدراسة والعمل بعدان ظهرنمط جديد من الحياة التلاحمية بين الجميع وجها لوجة،فاستدعي المصري الميراث القديم لشخصية الرجل والمرأة، وتبادل الأدواربينهما، في محاولة لجلد الذات بروح كوميدية عالية الجودة تعلن بوضوح حقيقة المشاعر بين جميع الأطراف، ضاربين بعرض الحائط لتعليمات الدولة لتجنب انتشار المرض الغامض ، الذي اصاب الجميع بالدهشة وعدم الوعي بعد ان لمس الظروف الحياتية والممارسات اليومية للفرد والمجتمع ، واضعا الجميع في مواجهة لم تكن في الحسبان.

وما ان طال الحظر والمكوث في المنزل حتي تفنن مجتمع المنزل المحاصرمن الخارج(الدولة) والداخل(الأسرة) في محاولة للخروج من الملل وقلة الحركة أن أبتكر أنواع من الأطعمة التي تشغل الوقت وتسري عن الجميع ( بسكويت العشر دقائق ) سريع التحضير،فضلا عن استيعاض البعض لملذاته ومتعته المحروم منها خارج المنزل إلي داخل المنزل( شرب الشيشة)،فقد اصبح حال المصريين ليس مواجهة المرض بقدر مواجهة الحظر وقلة الحركة والحرمان من الملذات، في تعبير صارخ عن الروح المصرية المنطلقة دائما الرافضة للسكون أوللقيود، علي الجانب الأخر انفجرت طاقة الأبداع العلمي او شبه العلمي عند البعض في اختراع وصفات أطعمة تقاوم هذاالمرض(الليمون + اليانسون+ الشلولو) من جانب خبراء التغذية ومدعي العلم، يتبعها -أيضا - موجة من السخرية المجتمعية المطعمة باستجلاب التراث المصري من السينما والمسرح والفيديوهات،فاصبح الهم الشاغل للمصري هو النقد والتقريظ للحالة المرضية في الداخل والخارج، كذلك ظهرت علي ألسنة المصريين بعض المصطلحات المنتشرة في هذه الأزمة كالجائحة ومتواليات الأرقام والهبد( التهويل والمبالغة)لتصبح كلمات مضافة إلي القاموس اليومي للفرد المصري .

لقد مر المجتمع المصري عبر العصور بالعديد من الأزمات والنكبات، إلا انه في هذه المرة كانت الأزمة اكبر وأطول إذ طالت جميع جوانب المجتمع( اجتماعية – اقتصادية – دينية) بل عطلت روح المصري العاشق إلي الإنطلاق، وهو تعطيل ماكان ليتحمله المصري،الأمرالذي خلق حالة من التمرد يصحبها حالة من اللامبالاة في مواجهة المرض والموت، بدلا من إعلاء روح المسؤلية والتفكير المنظم ومراجعة العادات السيئة واللجوء إلي العلم،للخروج من الأزمة او إيجاد علاج لها، ناهيك عن الإلتزام بالتعليمات لكسر الأزمة او الحد من أنتشارها، لقد أثبت المصريين ان الروح الساخرة لديهم لازالت قائمة كسلاح لايمكن الإستغناء عنه علي مر العصور، وهو مايمكن ان تلمحه - ايضا - في تراث الأمثال الشعبية (ضربوا الأعور علي عينه قال خربانة خربانة – هي موته ولا أكتر– اللي مايموت منين يفوت– حيبقي موت وخراب ديار ) إلي آخره من الأمثال التي عبرت عن روح المصري في وقت الأزمات ، أن المتأمل لانعكاسات الأزمة يدرك أنها حركت البطون قبل أن تحرك العقول .( البقية في الحلقة القادمة  ) .

يوميات كورونا والمجهول الحلقة الأولى

 

كتب الاستاذ الدكتور / محمد احمد إبراهيم

أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة بني سويف ورئيس قسم التاريخ

 نظرية المؤامرة والسخرية من الصين

في محاولة لرصد وتسجيل مايتعرض له العالم من انتشار وباء كورونا علي سطح كوكب الكرة الأرضية،أري ان من واجب المؤرخ ان يقتنص هذه الفرصة للتامل والرصد والتحليل لما يدور للجنس البشري بكل علومه وتقدماته لتسجيل هذه اللحظات أو المحطات وما تفرزه في الواقع الاجتماعي والاقتصادي للإنسان .

ونظرا لكثرة التداعيات وتزاحمها وتلاحقها فسنحاول ان نضع لهذه السلسة من الرصد عنوانا أو إطارا في تتبع هذه الظاهرة دون ترتيب متعمد ، نظرا لخروج هذه اليوميات بشكل عفوي أقرب إلي الفانتازياأو التحليل الإنطباعي الذي – حتما – سيختلف من شخص لأخر

بدأ هذا المرض او الفيرس في الظهور في بلاد الصين في بلدة تسمي ( ووهان) وهي مدينة كبيرة يصل تعداد سكانها إلي 10 مليون نسمة وهي حاضرة مقاطعة هوبي إحدي مقاطعات وسط الصين ومعظم سكانها من قومية هان البوذية ،ثم مالبث ان انتشر في باقي المدن الصينية، ليتابع العالم مظاهره واحداثه علي شاشات التليفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي (الفيسبوك+الواتس أب) مستغربا ومندهشا من تداعياته من سقوط ألآف الموتي، ثم مالبث ان انتشرت العديد من الفيديوهات والافلام التي تصور حياة الصينيين وماياكلونه من حشرات وزراحف وقوارض كانت سببا في هذا المرض، وكعادة المصريين بدأت ظاهرة السخرية اللاذعة والاستنكارالشديد لنوعيات الأطعمة التي كانت سببا في ذلك الفيرس ، رافعين شعار التقذذ والنفور، علي الجانب الآخر باتت روح الشماتة والتشفي تلوح في التعليقات بسبب معاناة بعض المسلمين واضطهادهم من جانب بعض الصينيين ، لتخرج التبريرات بأن ذلك المرض هو انتقام الرب من الكفار أعداء الإسلام، ثم في تطور آخر وبعد خروج المرض إلي دوائر أخري خارج الصين ، اصبحت نظرية المؤامرة هي الأقرب لتعليقات المصريين وغيرهم ، وبدا الكل يدلوا بدلوه في تفسير هذه النظرية، مبررا لها بأنتقام الغرب من الصين لتفوقهم الاقتصادي، وبدأت موجة التحليلات لمناقشة هذه النظرية الجاهزة أبد الدهرتغزو الكثير من العقول .

إن تعامل العالم مع الصين وماتنشره من مرض أصبح الشغل الشاغل في هذه المرحلة مابين الشماتة والفرجة والإستغراب، دون عمل شيئ مفيد للمعالجة أو الإكتشاف الدوائي لهذا المرض طالما هو محصور في بلد محدد، مكتفين بسلاح السخرية والتندر التي برع فيها المصريين، لكن الأمر بعد اسابيع من انتشار المرض وظهور بوادره في دول وبلدان أخري جعل الموقف يتغير من النقيض إلي النقيض، ليفاجأ العالم كما كان يردد ، ان الكرة الأرضية قرية صغيرة، وأن الشرارة البعيدة يمكن ان تشعل حريقا في كل دار، مهما كانت الدار بعيدة، عندئذ بدأ الكل يدخل في صراع متوالية أرقام المرضي والموتي في كل بلد، وفي إيجاد وسيلة للفهم أو العلاج بعد ان دق ناقوس الخطر علي أبواب الجميع، وما أن وصل الضيف كورونا إلي مصر حتي تحولت المواجهة الداخلية له في صور متعدده طبقا للنموذج المصري ( الفهلوي ) الذي برع فيه ليفاجأ المصري بتحقق مثل ( لاتعايرني ولا اعايرك الهم طايلني وطايلك ) علي أرض الواقع، لتعاد الحسابات مرة أخري علي المستوي العام وعلي المستوي الشخصي .

الحياة الاجتماعية والاقتصادية للأنماط التطورية للإنسان في العصر الحجري القديم.

كتب د. ياسر الليثي

 الباحث الباليوأنثروبولوجي

وفق علم الإنسان وتطور الأجناس( الأنثروبولوجيا) ، لم يكن المستوى الاقتصادي والاجتماعي لدى الإنسان القديم في العصر الحجري ثابتًا، فقد حصلت له فروق تطورية شاملة في مختلف مراحله، ففي أوائل العصر الحجري القديم عاش نمط بدائي من البشر، وهو ما سمي "الإنسان الماهر"، هذا النمط البدائي من الإنسان كانت نواة ولادة أشباه البشر في أفريقيا في بداية العصر الجليدي , ففي السنوات الأولى من العصر الحجري القديم ، عاش الإنسان بجانب الحيوانات ، دون استخدام المهارات التي يمتلكها, و لكن مع مرور الوقت ، أصبح التفوق ملموسًا للغاية واضطر إلى البدء في الانفصال عنهم ، لتشكيل نوى بشرية معزولة لا تزال لا تمتلك أي علامة على الحياة الاجتماعية.

 وقد عُثر في إفريقيا على مواقع قليلة لهذا الإنسان، ووجدت فيها أدوات حجرية بسيطة تسمى القواطع، وهي أحد أقدم الأدوات المعروفة، و الثابت في هذه الفترة ، منذ بداية العصر الحجري القديم و حتي جزء كبير من العصر الحجري الحديث ، هو استخدام الحجر لتصنيع جميع الأدوات والسكاكين و التي من خلالها  يتم تمييز الأقسام أو المراحل  الزمنية الأخرى فيما يتعلق بجودة الطلاء الممنوح للأدوات الحجرية ، وكذلك نوعها الامر الذي له ايضا علاقة وطيدة بتمييز وفهم أنماط الحياة الاجتماعية و الأقتصادية في تلك الفترة.

 ثم تلاه الإنسان منتصب القامة «هومو إركتوس» الأكثر تطوّرًا من النوع السابق, وكان صيد الحيوانات وجمع النباتات البرية مصدر عيشه، وكانت الأدوات الحجرية التي عُثر عليها في مواقعه المختلفة هي أهم مخلفاته، لكن المعلومات قليلة جدًا عن الواقع الاجتماعي والروحي لهذا النوع من البشر، ولا بدّ أنه عاش في إطار مجموعات بدائية تربطها علاقات اجتماعية واقتصادية محدودة و الجدير بالذكر هنا البحث العلمي الذي شرفت بالاشتراك فيه مع صديقي العزيز إيجناثيو فيز استاذ الانثربولوجيا في جامعة تارراجونا بإسبانيا  أن هناك اكثر من دليل يثبت أن الهومو أركتوس قد إندثر بسبب كسله و عدم تشكيلة لمجموعات إجتماعية تتشارك العمل فيما بينها.

ثم ظهر بعد ذلك "الهومو إركتوس" أو الإنسان المنتصب القامة، هو صانع ما أصبح يُعرف لأول مرة بالأدوات الحجرية المميزة لهذا العصر، وهي لفؤوس حجرية يدوية.

 في فترة العصر الحجري القديم الأوسط، ظهر نمط جديد من البشر هو "إنسان النياندرتال"، الذي كان أكثر تطورًا, شكلًا وحضارة من سلفه، وانتشر على مساحات أكبر، وآثاره الحضارية كانت أغنى وأكثر تنوعا، وهو أول نوع إنساني مارس طقوس العبادة الدينية وعرف الفنون البسيطة الأولى، وقد عُثر على دلائل أثرية، خاصة في أوروبا، تشير إلى أنه ربما قدّس حيوان الدب كما اشار لنا في السابق أستاذنا الجليل دكتور محب شعبان دكتور الانثروبولوجيا الطبيعية بجامعة القاهرة , وهناك مكتشفات غنية من أوروبا والشرق الأوسط، وخاصة في الأماكن الأثرية في فلسطين والعراق وسورية، لأقدم مدافن إنسان النياندرتال في العصر الحجري، مما يدل على مستواه الروحي المتطور.

ومع أن حياة النياندرتال بقيت معتمدة على الموارد الحيوانية والنباتية البرية، إلا أن سيطرته على خيرات بيئته كانت أكبر، فقد لاحظت هذه الكائنات شيئًا فشيئًا أنهم عندما سافروا عبر مناطق مختلفة وجدوا طعامًا جديدًا وضروريًا ، وبالتالي بدأوا في التحرك نحو أوروبا وجنوب آسيا ، حيث وجدوا مناخات متنوعة ، سواء كانت مواتية أم لا ، توفر لهم طرق حياة أفضل  ، بلغت عملية الهجرة  ذروتها منذ حوالي 250.000 سنة وتمكنت تلك الانماط البشرية من تغطية معظم المناطق الأوروبية , بالإضافة إلى ذلك ، تم تشكيل مجموعات أو عشائر بسبب تأثير العوامل الخارجية من كل موقع استيطاني ، مما أدى إلى ظهور أعراق وثقافات متنوعة للغاية, حيث كان البشر يكتسبون مهارات أكبر بسبب النكسات الطبيعية و التي تمثلت في التغيرات المناخية.

 في القسم الأخير من العصر الحجري القديم، ظهر جنس الإنسان العاقل، وهو الجد المباشر للإنسان الحالي، وكان أكثر تطورًا فيسيولوجيا وحضاريا من جميع الأنواع السابقة، استوطن في القارات الخمس كلها، فكان بذلك أول من وصل إلى أمريكا وأستراليا، وسادت هذا العصر حضارات قديمة جدا من حضارات الإنسان العاقل القديم في العصر الحجري والذي  بدأ الاستقرار بشكل أساسي في المناطق الباردة ، حيث كان عليه بالإضافة إلى تناول الطعام أن يفكر في الحصول علي أشكال أفضل من السكن والملابس, و لكن مع ذوبان الطبقات القطبية ، الذي تم  منذ 20000 عام حتي 8000 عام ، حدثت عملية تباطئ للتطور المتسارع للإنسان  تزامنت مع الزمن الجليدي مع نهاية العصر الحجري القديم وولادة العصر الحجري الحديث ، حيث أصبحت الزراعة أساسية في حياة الإنسان ما قبل التاريخ و بذلك بدأت الحياة الرعوية و الزراعية و التي تمثل ذروة الحياة الاجتماعية و الاقتصادية للإنسان القديم الامر الذي يعتبر النواة الحقيقية للحياة الاجتماعية و الاقتصادية التي ننعم بها اليوم.

فن الصبر بين المثل الشعبي والموال

كتبت - زينب محمد عبد الرحيم

باحثة في الفولكلور والثقافة الشعبية

تتجلى حكمة الشعب دائمًا في الأزمات, فبينما تأخذ الجماعة الشعبية من السخرية سلاحًا لمقاومة حتميات الواقع فإن حائط الصد الأخير يكون الصبر !! وتظهر لنا الفلسفة الشعبية من خلال الموروث الشفاهي المتمثل في الأدب الشعبي(الفن القولي) وذلك من خلال الأمثال الشعبية و فن الموال الذي عبر من خلاله الإنسان الشعبي عن آلامه وأفراحه .

"فكان الشعب إذا نظر إلى الحياة بعين دامعة وأخرى ساخرة فعبر عن آلامه بأبلغ الأساليب والعبارات ونقد الواقع وسخر منه بإمتياز"(أحمد رشدي صالح).

تتميز الجماعة الشعبية بالمواجهه الجسورة ولكن هذه المواجهه لابد وأن تكون لخصم معلوم أما عن المجهول فتواجهه الجماعة بالصبر ,فالصبر هو انتظار الفرج الذي ربما يأتي من قوى ماورائية أو يأتي من ذاته بالإضافة إلى اليقين من إن الفرج سيأتي لا محال سواء طال عليه الزمن أو قصر وذلك دون تمرد أو نضال.

 فتدعو الأمثال الخاصة بالصبر والتسرية إلى الأمل الغامض وكأن الإنسان يُصبر نفسه بإن فرجه قريب ,ومن هنا نجد  الأساليب البلاغية وأيضًا الفلسفية تتجلى من خلال هذه الأمثال الشعبية المصرية:

 أصبر على الحامي تاكله بارد

أصبر على المر يجي حلو

إغسل غسيل الهم واتكل على الشمس

أيوب صبر لما أتمحى المكتوب

فنجد المثل الشعبي يختزل الموقف كاملًا في عبارة (نثرية) بلاغية قصيرة مستخدمًا التشبيهات والكنايات التقليدية , فهي عبارة موجزة صادقة نابعة من تجربة إنسانية واعية , وبعد ذلك يتفق عليها العقل الجمعي ويرددها وتصبح ذائعة بين جميع طبقات الشعب وأيضًا تتواتر بالرواية الشفاهية وكلما كان المثل حي ويؤدي حاجة مُلحة كلما إمتد وضمن استمراريته عبر العصور.

لأن الشعب هو الذي ينتج تلك الأمثال وتكون جزء أصيل من ثقافته الشفاهية فالمثل حكمة الجماعة وذكاء الفرد (راسل)  , وتكمن وظيفة المثل وأهميته في ألتصاقه بالحياة اليومية للفرد فالمثل يُعبر عن ما نريد أن نقوله وربما لا يمر موقف اجتماعي أو سياسي إلا واستخدمنا مثلًا شعبيًا متوارث ومتواتر .

فيقول لنا المثل المصري الأصيل (أصبر على جارك السو) فالصبر هنا ليس ضعفًا أو قلة حيلة ولكنها حكمة الانتظار والتعايش مع الصعب والتكييف مع الوضع القائم على أمل أن يتغير يومًا ما إذا توافرت الادوات والمعطيات التي ستغير هذا الواقع برحيل هذا الجار فيزيقيًا أو ميتافيزيقيًا .

ويقول الدكتور الأهواني" كثير جدًا من الأمثال لا يشتمل على سلوك أو توجيه وإنما يضطلع بوظيفة أدبية أو بلاغية تقصد إلى عرض صور فنية تُمتع الحس وترضي النفس بما تشتمل عليه من تشبيه دقيق أو مفارقة مضحكة أو فن من القول طريف ومن هنا تقوم الأمثال بما تقوم به بعض الفنون من التقاط صور طريفة من الحياة لا تهدف من ورائها غير الإمتاع الفني "

الصبر والموال

يعتبر الموال من أهم إبداعات وفنون الشعر الشعبي فالموال له ألوان منها الموال الأخضر الذي يعبر عن الحب والفرح , والموال الأحمر المعبر عن الآلم والضغوط ومواجع الواقع اليومي وهذا هو محور حديثنا عن الموال الأحمر موال الصبر فالموال يضرب بجذوره في أعماق التاريخ والشعر الشعبي في أغلب الأحيان يكون مجهول المؤلف أو ربما الذي جمع هذه الأشعار والمواويل تجاهل المؤلف وربما مع كثرة التواتر شفاهيًا عبر الزمن فقدنا المؤلف الأول للنص وأصبح  هذا النص ملكًا للجماعة الشعبية ويكتسب النص صفة الاستمرارية لأنه لسان حال الشعب .

الموال لسان حال البسطاء والغلابة فيقول الشاعر الشعبي :

يا تاجر الصبر عندكشي تبيع منه؟

قال لي ماينبعشي واعلم يا جدع إنه

منزل ويريده كثير خف القدم عنه

لتضيع أمانه وناسه يتهموها فيك

تبقي أنت مظلوم وغير منتفع منه

فالصبر هبة وعلاج نفسي رباني لايباع ولا يشترى وانما يُكتسب بالزُهد

وهناك موال آخر عن الصبر نورد منه جزءً :

مصير جراحك على طول الزمن تبرا

ويجيلك الطب لا تعلم ولا تدرى

مثل سمعناه منقول عن ذوي الخبرة

الصبر يا مبتلي عملوه للفرج مفتاح

فالموال في حد ذاته اداة من أدوات  فن الصبر وذلك لأنه مقرون بأغاني العمل وقد صار الموال أكثر إنتشارًا على ألسنة الرواة الشعبيين وشعراء الربابة , فالموال هو قالب الأغنية وقلب القصة الشعرية ويقدم في الأسواق والمقاهي (قديمًا) والسامر والموالد ونجد الموال منتشر في الصعيد والدلتا , ويتركب الموال من( فرش ) و(غطاء) و(قفلة)

ولدينا الموال المردوف  الذي يعرض معاني الشكوى والصبر على هموم الزمن فكل آهه تفسرها شطرة من الموال الاوله تعبر عن أعباء الحياة والثانية شكوى من الحبيب الذي مال إلى غيره كما يلي:

فرش الموال

الأولة آه ,والثانية آه ,والثالثة آه , والرابعة آه

الأوله آه حملى غَصب عني مال

والثانية آه من عشرة الأندال

والثالثة آه خس مني المال

والرابعة آه غزالي عند خصمي مال

ونرى أن الشاعر نسج الآهات وصاغ الموال ليجعل الجمهور يترقب تسلسل الأحداث في شغف وهنا تظهر براعة الراوي ومدى إبداعة في رواية الموال ومدى إعتماده على ذاكرته الشفاهية والمخزون من الخبرات ليعيد توظيفه داخل السياق فالنص الشعبي دائمًا يتعرض للحذف والإضافة لعدة عوامل أهمها الزمن فيلجأ الراوي لتغير بعض الألفاظ لتلائم روح العصر ويكون لها وجود حي داخل المجتمع ولكن متن النص يظل ثابت وراسخ في الذاكرة الشعبية معبرًا عن الآلامها وأيضًا أفراحها فالجماعة الشعبية دائمًا ما تنتصر على واقعها بالحكمة والفن الشعبي الأصيل , وتظل حكمة الصبر تظهر في المواقف والأزمات وحكمة أهلنا وناسنا دائمًا تقول "الصبر مفتاح الفرج".

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.