كاسل الحضارة والتراث Written by  أيار 27, 2021 - 152 Views

" إطلالة على تاريخ العتبة الخضراء "

Rate this item
(0 votes)

بقلم : د. إيمان محمد العابد 

 دكتور بوزارة السياحة والآثار المصرية

دكتوراه في الأثار والفنون الإسلامية والقبطية 

 يُعد حي " العتبة " أحد أهم مناطق القاهرة على الإطلاق ؛ نظرا ً لكونه  مركزًا تجاريًا للعديد من أنواع التجارة والبضائع ، وكانت تسمى فيما مضى بـ " العتبة الخضراء " ؛ إلا أنه وجراء ما لحق بها من اعتداءات وما بني بها من عشوائيات حذفت كلمة الخضراء وصارت تعرف باسم العتبة. 

هذا ويعود تاريخ العتبة إلى ما قبل العصر العثماني ؛ فعندما دخل العثمانيون مصر عام 1517 م أقاموا خيامهم حول بركة الأزبكية ثم بنى رضوان كتخدا قـصـراً كبيراً على الحافة الشـــرقية للبركة بالقرب من جامع أزبك.  وفى نفس موقع هـذا القصر أقيم بيت تاجر البن الشــــهير "الدارة الشرايبى" الذى توفى عام 1734 م وكان هذا القصر يعرف بإسم " الثلاث ولية".

وفيما يتعلق بسبب تسمية ميدان " العتبة الخضراء " ، بهذا الاسم يذكر الكاتب الكبير الأستاذ / عباس الطرابيلي في كتابه «أحياء القاهرة المحروسة»: «إنها قبل أن تكون خضراء كانت زرقاء! حيث كان يوجد في هذه المنطقة بيت يطلق عليه العامة (الثلاثة ولية)، وكانت هناك سرايا العتبة لصاحبها الحاج محمد الدارة الشرايبي شاه بالأزبكية، ثم تملكها بعده الأمير رضوان كتخدا الجلفي، فجددها وبالغ في زخرفتها بعد عام 1160 هـ ، وأقام على مجالسها العالية قبابا عجيبة الصنع منقوشة بالذهب واللازورد والزجاج الملون. ثم اشتراها الأمير محمد بك أبو الدهب ـ اليد اليمنى للمملوك علي بك الكبير ـ ؛ الذي استقل بمصر عن السلطنة العثمانية، ثم انتقلت ملكية سراية العتبة هذه إلى الأمير طاهر باشا الكبير، الذي كان ينافس محمد علي بك الكبير على السلطة، ثم تملك السرايا الأمير طاهر باشا الذي ولاه محمد علي نظارة الجمارك، واستمرت السرايا بيد ورثته إلى أن اشتراها عباس حلمي الأول ثالث ولاة أسرة محمد علي، فهدمها ووسعها وبناها من جديد سرايا ذات عتبة خضراء لأنه لم يكن يحب اللون الأزرق على أن تخصص تلك السرايا لأرملة الأمير طوسون، واستمرت كذلك إلى زمن الخديوي إسماعيل».

ويضيف الطرابيلي: «عندما قرر إسماعيل تخطيط منطقة الأزبكية وردم ما بقي من البركة، راح جزء كبير من السرايا بسبب هذا التنظيم، ودخل جزء منها في الميدان، لذا سمي بالعتبة الخضراء  ؛ حيث تم تكليف المهندس الفرنسى الشهير"هاوسمان" بإعادة تخطيط منطقة الأزبكية ، وأصبحت هذه السرايا فى وسط الميدان ، وأطلق على الجزء منه الذى يجاور جامع أزبك إسم "مـيدان العـــتبة الخضراء" وعلى الجزء الآخر الذى يجاور تياترو الأزبكية إسم "ميدان أزبك".

، أما ما بقي من القصر العظيم فقد أصبح محله المحكمة المختلطة خلف دار الأوبرا القديمة ، ـ وهو مقر دار القضاء العالى حاليا ً ـ ، وبجوار صندوق الدين، الذي هو الآن مقر مديرية الصحة بالقاهرة بجوار مبنى البوسطة العمومية، كذلك يوجد بالميدان التياترو الخديوي (المسرح القومي الآن)

وفي عام 1875م خلال عهد وزارة نوبار باشا أصبح هذا القصر مقرا للمحكمة المختلطة التى نقلت بعد ذلك عند توسيع الميدان إلى مبنى جديد أنشىء خصيصا لها فى شارع فؤاد ـ شارع 26 يوليو حاليا ً ـ  

وقد أعاد الخديوي إسماعيل تجديد هذه السرايا عام 1874م ؛  لتصبح مقرا لوزارة الخارجية مرة وأخرى لتصبح مقرا لوزارة الداخلية ـ ويقال أنه عقد بها أولى جلسات مجلس شورى النواب عند إنشاءه ـ وفي نهاية المطاف استقر الأمر لتصبح سرايا العتبة الخضراء مقرا ً للمحاكم المختلطة عام 1876م واستمر الحال كذلك حتى تم هدمها عند إعادة تخطيط ميدان العتبة ونقل مقر المحاكم المختلطة إلى شارع فؤاد ـ شارع 26 يوليو ـ وهو الآن مبنى دار القضاء العالي.

وكان الطرابيلي قد أشار إلى وجود عدد من أشهر المقاهي التي كانت في محيط الميدان منها " مقهى متاتيا " التي كانت تعد برلمانا ً وملتقا ً للثوار الذين مهدوا للثورة العرابية ؛ حيث يلتفون حول الثائر جمال الدين الأفغاني. وكان في الميدان وعلى حوافه المحال الكبرى التي أقيمت على غرار محال باريس، ومنها: "عمر أفندي" و" أوروزدي بك" ، و"سليم وسمعان صيدناوي" و" البيت المصري" و"داوود عدس"

في عام 1938م تغير اسم ميدان العتبة ، وذلك بعد أن تزوج الملك فاروق من الملكة فريدة ؛ فأطلق على الميدان اسم " ميدان الملكة فريدة " تكريما ً لها ، كما أطلق على امتداد شارع عبد الخالق ثروت من ميدان الأوبرا إلى ميدان العتبة اسم شارع الملكة فريدة ولكن بعد الطلاق الملكي عام 1948م  ليعود الميدان إلى اسمه الأصلي.، واختفى الآن اسم (الخضراء)، ربما بسبب اختفاء الخضرة التي كانت موجودة بوسط الميدان. ومن هذا الميدان تم فتح شوارع: محمد علي وعبد العزيز والأزهر وفاروق (شارع الجيش الآن) وكلوت بك وغيرها».

احتفظت العتبة بكونها مركزًا تجاريًا ينبض بالحركة والحيوية منذ عهد الخديوي إسماعيل، فكان زائرها في بدايات القرن العشرين يشاهد مهرجانا ً من المتنوعات ، فهو يرى أجانب من جميع الجنسيات يتسوقون وهم يرتدون أبهى الملابس، وسيدات المجتمع المصري تميزهن قبعات النهار الفاتنة التي تغازلها الطرابيش الحمراء، تتخلل الصورة عربات الباعة الجائلين وبائعو العرقسوس المثلج، وكذلك الحناطير.

كان المعماري الفرنسي " هوسمان " الذي خطط الميدان في عهد إسماعيل منحه ميزة عن كل ميادين القاهرة بل مصر كلها، وهي أنه أصبح مركز القاهرة الجغرافي، فمنه تقاس المسافات من وإلى القاهرة، لأنه يضم مبنى البوستة (البريد) الرئيسي بمصر، الذي كان يعرف في الماضي باسم مبنى البوستة الخديوية، وهو أقدم مبنى بريد ما زال موجودًا في مصر، وقد بدأ العمل فيه عام 1888م .

كما انطلق منه ترام القاهرة في أغسطس عام  1896م ، وقد أقيمت حفلة تجريبية لإطلاق أول ترام، واصطف الآلاف على الجانبين يشاهدون أول مركبة سارت في العاصمة بقوة الكهرباء، والأولاد يركضون وراءها وهم يرددون: العفريت العفريت."
وظلت العتبة مركزًا رئيسيًا للترام ثم الترولي باص الذي اختفى في السبعينات من القرن الماضي.
واليوم تعد منطقة العتبة من أكثر المناطق التي تتسم بالعشوائية في قلب القاهرة النابض بالحركة والضجيج والصخب الناتج عن الفوضى التي تسببها ميليشا الباعة الجائلين الذين يفترشون الأرصفة والشوارع الرئيسية والجانبية في العتبة ؛ وقد اتخذوا من المنطقة سوقا ً لعرض منتجاتهم المختلفة والمتنوعة ، ومبيتا ً لهم ولأسرهم .

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.