كاسل الحضارة والتراث Written by  حزيران 17, 2021 - 440 Views

" حديقة الأزبكية ونافورتها ... تاريخها وحاضرها "

Rate this item
(0 votes)

بقلم :          د. إيمان محمد العابد

دكتوراه  في الآثار والفنون الإسلامية والقبطية ــ وزارة السياحة والآثار

تعد حديقة الأزبكية من الحدائق المشهورة لما لها من ماض ٍ عريق وتاريخ طويل ضارب بجذوره في أعماق تاريخية سحيقة ؛ فضلا ً عن كونها تعد مثالا ً حيا ً لما تعرضت له مدينة القاهرة من مراحل تطور وازدهار تلتها سنوات طويلة من التخريب والدمار الغير متعمد في كثير من الأحيان ، والناتج عن العشوائية المطلقة من قبل سكان المدينة في استيطانها .

تقع حديقة الأزبكية في حي الأزبكية بمنطقة العتبة في قلب القاهرة الصاخب ، وهي عبارة عن حديقة أثرية تقع داخلها نافورة أثرية .

فما هي قصة إنشاء الحديقة ، وماذا عن نافورتها ؟ !!

يعود تاريخ حديقة الأزبكية إلى القرون الأولى للإسلام ؛ حيث كانت أرضا ً زراعية تغمرها مياه النيل أثناء الفيضان ؛ ما أدى إلى وجود بركة مياه لا تجف لفترة طويلة من العام ، وكانت هذه البركة محاطة بالبساتين التي تضم ثمارا ً وأشجارا ً متناثرة مثل السنط وغيرها .

وقد تعرضت البركة وأشجارها لإهمال شديد ، ولم تنل الحديقة حظها من الرعاية والاهتمام، وأهملت على مدى تاريخها الطويل منذ عهد الناصر محمد قلاوون، وكانت محاطة بمساحة من البساتين الخضراء المثمرة وغير المثمرة تضفى عليها الكثير من الجمال .

تبدأ قصة منطقة الأزبكية التي تقع بها الحديقة منذ أواخر القرن الرابع عشر إبان حكم دولة المماليك ، عندما أهدى السلطان قايتباي مكافأة لقائد جيوشه الأتابك سيف الدين بن أزبك قطعة أرض ناحية بركة بطن البقرة وأقام عليها منزلاً له ومتنزهاً حول البركة يحمل اسمه " الأزبكية"  ؛ ومن ثم كانت النهضة الحقيقة لهذه المنطقة في عهد السلطان المملوكي " قايتباي "872 ــ 901. هـ ؛ حيث قام الأمير سيف الدين بإزالة التلال التي كانت بها وحفر بركتها وأجرى بها الماء من الخليج الناصري وأنفق على ذلك ما يقرب من 200 ألف دينار وأنشأ الأزبكية عام 880 .هـ

وفيما يتعلق بالأمير سيف الدين أزبك من ططخ الظاهري ـ الذي تنسب إليه منطقة الأزبكية ـ فهو الأمير أزبك ؛ أما "ططخ" فهو التاجر الذي جلبه صغيرًا إلى مصر ليباع مملوكا  ً، و"مِن" هي نسبة اعتاد المماليك استخدامها ؛ فينسبون بعضهم للتاجر "الجلاب" ، أما "سيف الدين" فهو لقبه الأول ؛ حيث اعتاد رجال السيف والقلم في دولة المماليك حمل ألقابا ً مضافة للدين .

انتشر العمران  بعد ذلك بالأزبكية وأخذ الناس يبنون الدور والقصور حول البركة، وأنشأ الأمير أزبك قصره الذي ظل به حتى وفاته ؛ كما أقام مسجده الجامع وبني حوله الرباع والحمامات، وصار اسمه يطلق على هذه المنطقة إلى يومنا هذا.

وبحلول عام 1495 م كانت الأزبكية قد تحولت إلى حي كبير يتوسط القاهرة ، وبعد دخول العثمانيين مصر شيد رضوان كتخدا في الأزبكية قصرا كبيرا على حافة البركة الشرقية وسماه " العتبة الزرقاء " ، ومن ميدان الأزبكية خرجت جماهير القاهرة عام 1805م تنادي بمبايعة محمد علي أميرا على مصر

كما أنشأ محمد بك الألفي قصره الفاخر بالأزبكية ، وكان يحيط به حديقة كبيرة وقد شهدت حديقة هذا القصر مقتل "كليبر" القائد الثاني للحملة الفرنسية حيث ترصد له سليمان الحلبي في حديقة قصره .

وهكذا ظلت الأزبكية منطقة مفضلة لسكنى الطبقة الأرستقراطية من الشيوخ وكبار التجار ؛ إلى أن امتدت إليها يد التخريب عقب الاحتلال الفرنسي ؛ فترك الناس قصورهم ودورهم لجنود الحملة الفرنسية. وفى عهد محمد على باشا، أسند إلى برهان بك ـ رئيس الأشغال العامة مهمة تحويل الأزبكية إلى بستان عام ، وأحاطه بسور منيع للحماية من أخطار الفيضان.

وبعدما اعتلى الخديوي إسماعيل عرش مصر ، وعقب عودته من جولته في فرنسا ؛ عهد إلى المهندس الفرنسي باريل ديشان بك عام 1872 م ؛ الذي كان مسؤولا ً عن حدائق باريس ؛ بتخطيط وإنشاء حديقة على مساحة 20 فدانا ً محاطة بأسوار من الحديد  وفتحت بها أبواب من الجهات الأربع صارت تعرف فيما بعد باسم " حديقة  الأزبكية " ؛ حيث أراد الخديوي إسماعيل أن تكون هذه الحديقة على نمط حدائق باريس ؛ كما تم تزويد الحديقة بـ 2500 مصباح غاز وغرس بها ما يقارب الـ150  نوعا ً من الأشجار النادرة التي جلبت خصيصا ً من الهند وأوروبا وإفريقيا والبرازيل وكوبا ، كما تم اقتطاع مساحات كبيرة من الحديقة لافتتاح شوارع جديدة، مثل شارع الجمهورية، وشارع نجيب الريحاني، وشارع الموسكى وشارع محمد على وشارع 26 يوليو ـ شارع فؤاد قديما ـ ، وكان الهدف من ذلك أن يجعل القاهرة عاصمة تضاهى باريس كعاصمة حديثة وجعل حديقة الأزبكية على نمط حدائق لوكسمبورج فى باريس، وتبقى الحديقة الآن على مساحة بسيطة جدا من الـ 20 فدانا.

وبعد الانتهاء من تشجير الحديقة وتزيينها وإنارتها عين الخديوي مسيو باريليه الفرنسي ناظرًا لها، وتم حفر بحيرة صناعية في قلب الحديقة مع بحيرات أخرى أصغر في أماكن متفرقة وخصصت مراكب بالبدال للتنزه في البحيرات، كما أنشئت قنوات تجرى بها المياه تمر من تحت جسور شيدت بمنتهى الأناقة هذا بخلاف جبلاية صناعية مثل الموجودة في حديقة الأسماك وكشك للموسيقى تعزف فيها الفرقة الخديوية الموسيقية  ـ النحاسية الموسيقى مرتين أسبوعيا ً ؛ ففي الثاني من نوفمبر عام 1867م أمر الخديوي إسماعيل بإقامة المسرح الكوميدي الفرنسي في طرف الأزبكية الجنوبي الذي أنشئ وافتتح في الرابع من يناير 1868م تحت إدارة الخواجة منسي والذي عرف باسم " تياترو الأزبكية " وفي عام 1896 م ؛ أنشأ الخديوي إسماعيل دار الأوبرا الخديوية بمناسبة الاحتفال بافتتاح قناة السويس التي عرضت عليها أوبرا عايدة لفردي، وأمر بإعداد حديقة الأزبكية لاستقبال الضيوف، وأقيم تمثال لإبراهيم باشا بن محمد علي والذي صنعه المثال كورديه وتكلف 18 ألفا و320  جنيهًا.

ظلت حديقة الأزبكية رغم ما مر عليها من تغيرات تشتهر بسورها الحديدي الأسود، إلى أن تم هدم السور مع بداية ثورة يوليو 1952م، وإقامة سور حجري مكانه والذي تحوَّل شيئا فشيئا إلى معرض دائم ومفتوح للكتب، أصبحت بمرور الوقت مكتبات ثقافية ومنارة إشعاع للفكر والثقافة ، وأطلق على سور الأزبكية اسم "جامعة الفقراء"، حيث يحصل الراغبون في القراءة والعلم من أبناء الطبقة الفقيرة على ضالتهم بأسعار زهيدة.

وتحول حال الحديقة من بعد حريق القاهرة وحريق دار الأوبرا سنة 1971م من سيء إلى أسوأ ؛ لتعصف بها يد الإهمال ؛ نتيجة أعمال السرقة والنهب ، ما أدى إلى انحسار الأشجار والنباتات النادرة ؛ كما احتل أسوارها من الخارج الباعة الجائلون ، ثم يأتي مشروع مترو الأنفاق ليستقطع بدوره جزءا آخر من الحديقة والميدان . إضافة إلى محاولات تحويل الحديقة إلى سوق للباعة الجائلين مع الاستغاثات بوقف هذه المهزلة والحفاظ على هذه الحديقة التاريخية وآثارها مثل المسرح ونافورة الخديوي إسماعيل والجبلاية الصناعية وما تحويه من بقايا النباتات النادرة وغيره.

وقد شيدت " نافورة الأزبكية" أيضا ً فى عهد الخديوي إسماعيل سنة 1280هـ ، حيث تم جلبها من أحد القصور التى شيدت في عهده ، وأعيد تركيبها في هذا المكان وهى عبارة عن مبنى مستطيل بواجهة رخامية من ثلاثة اتجاهات ، فيما عدا الواجهة الرئيسية في الناحية الشمالية ؛ فهى تنقسم إلى خمس مناطق طولية ، ويظهر بها براعة الفنان في عمل الزخارف النباتية البارزة على الرخام وظهور التأثيرات العثمانية في زخارف هذه النافورة. ؛ فضلا ً عن وجود " الهلال والثلاث نجوم"  شعار الأسرة المالكة أو الحاكمة من أبناء محمد على باشا وأحفاده .

وتعد " نافورة الأزبكية " من الآثار الإسلامية الهامة التي تقع في هذه المنطقة ؛ حيث تم تسجيلها في عداد الآثار الإسلامية والقبطية بقرار من وزير الثقافة برقم 210 لسنة1986  م ؛ وقد أحيطت هذه النافورة بسياج معدني نظرا ً للأعمال الجارية بمحطة مترو أنفاق العتبة ؛ لحمايتها والحفاظ عليها لحين الانتهاء من المشروع.

كما أن السور الذي يحيط بالنافورة الأثرية تم بالتنسيق بين هيئة تفتيش وسط القاهرة متمثلا ً في منطقة أثار العتبة والأوبرا وجهاز مترو الأنفاق لإحاطة النافورة الأثرية بالكامل بسياج معدني للحفاظ عليها خاصة الجزء المتداخل مع الموقع الخاص بمترو الأنفاق، وهى خط العتبة – إمبابة، وذلك بعد أن طلب منهم السادة مفتشي منطقة العتبة عدم دخول أي معدات ثقيلة وغيرها مما قد يهدد سلامة مبنى النافورة الأثري، وفى فترة لاحقة  ُطلب منهم تعلية الأسوار لمنع تسلل أي شخص لمكان النافورة الأثرية ، كما أنه جاري العمل على إعداد مشروع متكامل للنافورة الأثرية في المرحلة المقبلة.

وختاما ً نقول أن حديقة الأزبكية كانت بمفرداتها الأثرية والتاريخية لا تقل أهمية أشهر الحدائق العالمية بتنسيقها وندرة أزهارها.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.