كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 24, 2021 - 95 Views

دار الاوبرا الخديوية

Rate this item
(0 votes)

بقلم -  نورهان نبيل مصطفى

ماجستير فى الاثار اسلامية

اثناء السير فى منطقة وسط البلد بعد تمثال ابراهيم باشا بعدة امتار تجد نفسك فى منطقة معروفة بميدان الاوبرا وهنا يأتى السؤال كيف يكون ميدان الاوبرا بمكان و مبنى الاوبرا نفسه بمكان اخر؟ لتاتى الاجابة ميدان الاوبرا هى الاوبرا القديمة "الاوبرا الخديوية" التى امر بئنشائها الخديوى اسماعيل من ضمن تجديداته للقاهرة لتصبح قطعة من اوروبا و جزءاً من مظاهر الاحتفالات بافتتاح قناة السويس .

فقد وضع تصميمها المهندسان الايطاليان أفوسكانى وروس، وقد صنعت مقاعدها من الخشب وكانت تسع 850 مقعدا، استغرق بناء الأوبرا 6 أشهر، وكان العمل يسير على قدم وساق من أجل إنهاء تجهيز الأوبرا، ليتم افتتاحها أثناء الاحتفال بفتح قناة السويس. وبالفعل تم العمل وافتُتحت الأوبرا في أول نوفمبر ١٨٦٩ مع احتفالات قناة السويس، وعلى الرغم من اهتمام الخديوي إسماعيل ورغبته الأكيدة في أن تفتتح دار الأوبرا الخديوية بعرض أوبرا عايدة؛ حالت الظروف دون تقديمها في موعد الافتتاح وتم افتتاح الأوبرا الخديوية بعرض ريجوليتو، وقد تم العرض الاول بأوبرا فى حضرة الخديوى إسماعيل والإمبراطورة أوجينى زوجة نابليون الثالث وملك النمسا وولى عهد بروسيا، وكان هناك مكان مخصص للشخصيات الهامة واتسمت تلك الدار بالعظمة والفخامة.

وبعد الانتهاء من احتفالات قناة السويس وعودة الملوك والأمراء إلى بلادهم، عاد الخديوى مرة أخرى إلى الأوبرا ليتمم ما كان ناقصًا بها؛ لأن من المؤكد أن إنهاء الأوبرا في هذه المدة القصيرة، التي لم تتجاوز ستة أشهر، لم يكن على المستوى المطلوب.

ففي ٢٣ / ١١ / ١٨٧٠ أصدر الخديوى أوامره إلى نظارة المالية بصرف ٢١٩ كيسًا من حسابه الخاص لإنهاء الأعمال المتبقية بالأوبرا، وفي ٢٢ / ٧ / ١٨٧١ وافق محافظ مصر على قيام ذوكارللي بالقيام بأعمال النقوش والزخرفة بالأوبرا، وفي ١١ / ٣ / ١٨٧٢ تم صرف ٣٧٧ فرنكًا للخواجا بنتالي ثمن حديد لستائر الأوبرا، وصرف أموال أخرى لتوريد أصناف جديدة من الخشب والحديد، وفي ٢٢ / ٥ / ١٨٧٢ أحضر المسيو فينول أقمشة هندية للأوبرا بعشرة آلاف فرنك، وفي اليوم التالي تم صرف ١٣٩٦ فرنكًا ثمن فوانيس الغاز لإضاءة الأوبرا من قبل الخواجا قرنفيل، وفي ١٩ / ٦ / ١٨٧٢ قدم المسيو جران تقريرًا للخديوى إسماعيل بإنهاء جميع الأعمال السابقة.

بدأت دار الأوبرا كبيرة وشامخة سواء فى ظروف إقامتها وافتتاحها أو فى حجم نشاطها وقيمة إنجازاتها وإسهاماتها فى تراث الحضارة، وسارت على هذا النحو  8 سنوات فقط، هى التى عايشت خلالها انطلاقة مؤسسها وراعيها الخديوى إسماعيل، وكانت خلالها نموذجا مبهرا لما تكون عليها دور الأوبرا، ولم تقتصر أهميتها فى مواسمها على الكم ولكن أيضا على الكيف.

وتتوقف الحركة التمثيلية في الأوبرا الخديوية بسبب احتفالات افتتاح قناة السويس، ثم تعود في ١٩ / ٢ / ١٨٧٠، بعرض أوبرا سميراميس، وقد خُصص إيرادها للعاملين بالأوبرا

أما عن آخر عرض بالأوبرا الخديوية في موسمها الأول فكان في ١٥ / ٤ / ١٨٧٠ بعرض مسرحية «الملكة كرينولين»،

ويبدأ الموسم الثاني للأوبرا في أكتوبر ١٨٧٠، وأهمية هذا الموسم على وجه الخصوص، تتمثل في أن أسلوب لصق الإعلانات على الجدران، وتوزيع البروجرامات على الصحف وعلى الجمهور.

ومن الجدير بالذكر أن أهم مراحل تطور الاوبرا وازدهارها هو عند عرض أوبرا «عايدة» التى مُثلت في ٢٤ / ١٢ / ١٨٧١، بعد أن وضع قصتها التاريخية ماريت باشا، وصاغها نظمًا فرنسيًّا الشاعر كاميل دو لوكل مدير الأوبرا كوميك في باريس، وبعدئذٍ نقلها إلى النظم الإيطالي الشاعر أنطونيو جيزلنزوني، ليوقعها الموسيقار «فردي» ولتناسب الفرقة الإيطالية التي قامت بتمثيلها في القاهرة ليلة عيد الميلاد في ٢٤ ديسمبر ١٨٧١.

لكن لم يستمر الحال كما هو فى مسيرة دار الأوبرا حيث تأثرت الأوبرا الخديوية بالظروف السياسية الاقتصادية والاجتماعية التى كانت تمر بها مصر، لذلك لم تسر الأمور بشكلها المبهر طيلة وجودها، نظرًا للجو العام  الذى أحاط بها آنذاك. 

"المرحلة الأولى"

 خلال تلك المرحلة وهى فى حالة انتعاش، استاطعت أن ترسخ وجودها بين أهم دور الأوبرا فى العواصم والمدن الكبرى سواء بافتتاحها المبهر ثم عرض "عايدة" لاول مرة فى العالم على مسرحها ثم الانطلاق فى مواسم سنوية لامعة سواء فى حجمها أو فى مستوى الفنانين المشتركين فى عروضها.

"المرحلة الثانية" 1877ــ1884

تعثرت الدار فى هذه المرحلة من مسيرتها فى أواخر حكم الخديوى إسماعيل، ولم تلبث أن توقفت أنشطتها فى عام 1877م، لدرجة أن مديرها "دارنيت بك" تركها قبل رحيل الخديوى بعامين، ليتولى الفنان  المصرى "ليوبولد لاروز" شئونها الفنية، وتغلق الدار أبوابها مع مجىء توفيق وفى أذياله الاحتلال البريطانى لمصر. وبعد انقطاع كبير لنشاط الأوبرا، بسبب الديون المصرية، وعزل الخديوى إسماعيل، وتولي ابنه محمد توفيق، يعود النشاط مرة أخرى للأوبرا في ٢٢ / ١١ / ١٨٨١، عندما عرض مديرها لاروز أول رواية لمسرح الطفل في مصر، تعتمد أساسًا على فن البانتومايم. وفي ١ / ١٢ / ١٨٨١ عرض رواية «رافاس» لأول مرة بالأوبرا وكانت في حضور الخديوى توفيق،الذي حضر أيضًا عرض المسيو والِنْبي في ٦ / ١ / ١٨٨٢، وعرض أوبريت «ديابل أكاتو» في ٣٠ / ١ / ١٨٨٢وفي ٢٧ / ٢ / ١٨٨٣ عرضت الأوبرا أوبريت «جيروفلة جيروفلا»، وفي ٢ / ٣ / ١٨٨٣ «لاجراند دوسيشي»، وفي اليوم التالي له «سان فبرج» وأيضًا «لاز نفور دون فيلا جوا».

"المرحلة الثالثة" ــ 1884ــ1914

بدأت فى تلك المرحلة حالة من الانتعاش تعود بشكل تدريجى، إذ قامت عروضها فى معظمها على حفلات الجمعيات والهيئات الخيرية، والقليل من الفرق الصغيرة الوافدة من إيطاليا، وتركيا، واليونان.

وقدم العروض فى تلك المرحلة أسماء العربية وهم "أحمد أفندى أبوخليل القبانى، وعبده أفندى الحامولى فى موسم من اثنتى عشرة حفلة، ثم فرقة بنكليان التركية، وبعدها فرقة يوسف خياط"، أما من الفرق الأجنبية "بونى وزوكينو للأوبريت".

وفى عام 1886 نجد الشيخ سعيد الدسوقى وفرقة إسبانية، وفى العام التالى الشيخ الدسوقى بدر فى موسمين متتاليين، قدمت فرقة قرداحى موسما، امتد طوال شهر مارس تقريبا فى عام 1887، بعد حفلات موسم فرقة الأوبريت بونى وزوكينو.

كما زارتها سارة برنار، الممثلة المسرحية التى ذاع صيتها في أوروبا في أوائل السبعينيات من القرن التاسع عشر، كانت أبرز بداية لعودة الفرق الأجنبية فى إطار المواسم التقليدية الكبيرة، وكانت ذات تاريخ وعراقة فى المسرح الفرنسى، وامتد موسمها لمدة شهر فى عام 1888 إلى منتصف يناير.

وبعد ذلك تم تقديم العديد من الحفلات على يد فرق عالمية إلى أن رحل  فيردى، وفى 2 أبريل فى عام 1901 أقيم بالدار حفل تأبين للفنان الكبير: فيردى  وقدمت فى الحفل أوبرا ريجوليتو التى بدأت صفحة العلاقات العملية بينه وبين أوبرا القاهرة.

لتبدأ الأوبرا مرحلة انتعاش جديدة على يد توسكا لبوتشينى عندما قدم الأوبرا الحديثة خلال بداية القرن العشرين وبالتحديد عام 1901 والتى أعادت إلى الأذهان مواسم الدار فى عهد الخديوى اسماعيل.

كان موسم الخريف من عام 1913م هو آخر مواسم الأوبرا قبل الحرب العالمية الأولى، قدمت فيه فرقة «باروش» ستين حفلة من الأعمال الإيطالية والفرنسية، ومن روائع فاجنر تريستان وايز ولده وتانهويزر وسالومى لريتشارد شتراوس. وامتد الموسم حتى ربيع العام التالى 1914، وتخلل الموسم حفل لفرقة كورال برلين.

"المرحلة الرابعة" ــ 1914ــ1919

توقفت وفود الأوبرا من أوروبا طوال فترة الحرب العالمية الأولى، واقتصر نشاط الدور على الجهود المحلية، إلى جانب عروض فرقة جورج أبيض التى قدمت: "مكبث، الملك يلهو، الماريونت، مدام سان جين"، بينما قدمت فرقة سلامة حجازى آخر مواسمها نظرا لوفاته فى أكتوبر 1917، وشمل الموسم من أعماله: "غرائب الأسرار، شيخ العائلات، اليتيمتان"، وقدمت فرقة أولاد عكاشة بعض حفلاتها.

هذه الفترة شهدت أكثر من غيرها أولى تجارب المسرح الغنائى المصرى عندما استحدث سيد درويش روائعه من الأوبريت والتى انتقل بها خلال ربع قرن من عالم الطرب إلى عالم المسرح الغنائى.

"المرحلة الخامسة" ــ 1919ــ1930

مع انتهاء سنوات الحرب وتوابعها، بدأت بدار الأوبرا سلسلة من القمم فى مواسم سنوية طويلة بدأ أولها فى ديسمبر عام 1919، وقدمت فيه فرقة "دلفينو لنيانى" روائع الأوبرات والأوبريت والباليه فى ثمانين حفلة وثلاث حفلات سيمفونية وحفلتين لعازف الفيولينه "سيراتو" الذى سبق له تقديم حفلاته بالدار فى عام 1905.

وفى أول مايو عام 1920 شهدت دار الأوبرا حدثا يهم مصر كلها، وهو انعقاد مؤتمر خاص عن إنشاء بنك مصر، والذى أضاف به طلعت حرب إلى انجازاته الاقتصادية العملاقة فى البلاد إقامة مسرح الأزبكية ثم ستوديو مصر، إيمانا منه بدور الفن فى صنع البشر.

وظلت دار الأوبرا الخديوية فى تقديم رسالتها الفنية الراقية  حتى جاء الحدث الذى لم يكن له خاطر الحدث الفجيع الذى افقدنا جزء هاما من تراث الفن و الادب العظيم  وهو عندما احترقت فى 28 أكتوبر عام 1971 بعد أن ظلت منارة ثقافية لمدة 102 عاما، ولم يتبق منها سوى تمثالي "الرخاء" و"نهضة الفنون" وهما من عمل الفنان محمد حسن، وعدد من الكراسى.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.