كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين2 04, 2021 - 206 Views

متحف محمود خليل وحرمه

Rate this item
(0 votes)

     بقلم -  نورهان نبيل مصطفى

ماجستير فى الآثار اسلامية

على شاطئ النيل السعيد بالجيزة بحى الدقى نجد انفسنا امام متحف (قصر) محمود خليل وحرمه،وهو قصر بسيط مكون من دوريين ، لكنه يحتوى على العديد من التحف والكنوز العالمية المبهرة من لوحات لأكبر واعظم الرسامين فى العالم، والتى جمعها محمود خليل بنفسه وطلبت حرمه أن يتحول القصر بما فيه من تحف لمتحف يخلد ذكرها هى وزوجها، اذا ما هى القصة.

يعود تاريخ هذا المتحف إلى بدايات القرن العشرين، فقد شُيد عام 1905 كمقر  للمصرفي الفرنسي الشهير رافييل سوارس، ثم انتقلت ملكيته بعدها إلى أحد أمراء أسرة محمد علي وهو الأمير عمر طوسون، والذي باعه بدوره إلى المحامي والسياسي المصري الصاعد وقتها محمد محمود خليل،  كان خليل حقوقياً ورجل أعمال وسياسياً بارزاً، عين وزيراً للزراعة ثم رئيساً لمجلس الشيوخ المصري في أربعينيات القرن الماضي. أغرم خليل أثناء دراسته في باريس بفتاة فرنسية كانت تدرس الموسيقى وهي إيميلن هيكتور التي تزوجها في ما بعد ورافقته للإقامة في قصره الجديد، وظلت وفية لذكراه بعد وفاته. إلى جانب ذلك كان الرجل مولعاً بكل ما هو فرنسي، وهو ما يبدو في اختياراته للأعمال الفنية التي جمعها وزوجته طوال حياتهما.

وقد انتخب خليل فى عام 1948 مراسلًا للأكاديمية الفرنسية للفنون الجميلة، وأصبح عضوًا بها عام 1949. وقد أوصى خليل بالقصر ومحتوياته لزوجته، واتفق معها أن تتبرع بالقصر للدولة المصرية بعد وفاتها ،وعاشت زوجته فى القصر حتى عام 1960 وكتبت وصيتها فى 11 مايو 1960 أن القصر بمحتوياته إهداء إلى الدولة المصرية، على أن يستمر متحفًا متاحًا للدخول مجانًا أو بمبالغ زهيدة حتى يستطيع جميع المصريين زيارة المتحف. وقد تم افتتاح القصر بعد تجهيزه للعرض المتحفى فى 23 يوليو عام 1962.

وفى عام 1972 قرر الرئيس السادات الذى كان بيته مجاورًا للمتحف اتخاذ المتحف مكتبًا له، فأبقى على النجف والسجاد، ونقلت اللوحات والأثاث إلى قصر البرنس عمرو باشا إبراهيم فى الزمالك، حيث أصبح المقر المؤقت للمتحف لمدة عشر سنوات، وبعدها عادت الكنوز إلى قصر محمد محمود خليل، وعلق توفيق الحكيم قائلًا: العادة الجارية فى العالم أن تتحول القصور إلى متاحف لا أن تتحول المتاحف إلى ملحقات بالقصور. وأثناء زيارتى لم أشاهد أثاث المنزل التاريخى وكذلك مكتب خليل الشهير ولا مجموعة السجاد والجوبلان والكتب النادرة، وكتالوجات الفن المرسومة باليد التى كان يمتلكها. أرجو أن يكون قد تم تخزينها بأمان لأنها لا تقدر بثمن.

أما أول المقتنيات الثمينة التي اشتراها صاحب القصر فكانت لوحة للفنان الفرنسي الشهير أوغست رينوار، والمسماة "ذات ربطة العنق من التل الأبيض" وهي واحدة من بين أهم الأعمال المعروضة داخل المتحف اليوم، وكان خليل قد اشتراها من إحدى غاليريهات باريس عام 1903 لقاء مبلغ أربعمئة جنيه مصري، وهي لوحة ذات حجم متوسط مرسومة بالألوان الزيتية على القماش. تمثل اللوحة سيدة شابة ترتدي ربطة عنق من التُل الأبيض يشوب وجهها الحمرة. وتعددت مقتنيات خليل بعدها، وساعده في ذلك اندلاع الحربين العالميتين واضطراب حركة السوق الفنية في أوروبا، ما مكنه من اقتناء عديد الأعمال الفنية لفنانين بارزين بأسعار زهيدة.

ويحكى أن زوجته فى عام 1901 اشترت لوحة للفنان الفرنسى الشهير رينوار  بمبلغ 400 جنيه، واعتبر مبلغًا ضخمًا آنذاك، وفى عام 1953 قدرت اللوحة بمبلغ 40 مليون دولار، والآن قيمتها أضعاف ذلك المبلغ.

استمر خليل فى اقتناء اللوحات لكبار الفنانين حتى أصبح المتحف يحوى 403 لوحات و42 تمثالًا من أعمال 143 فنانًا، وتحوى مجموعات من أعمال جوجان وفان جوخ ورينوار وجان باتيست ومونيه وألفريد سيسلى وبودان ولاتور فانتان وديجا وديلاكروا، ومن المثالين عدد كبير من تماثيل النحات الفرنسى الأشهر رودان منها تمثال «المفكر» الشهير، بالإضافة إلى ذلك هناك عدد كبير من الفازات القيمة الأثرية التى لا تقدر بثمن، وعدد كبير من اللوحات الصغيرة والمنمنمات والسجاد والنجف النادر الأثرى.

وتعرضت أغلى لوحة فى المتحف للسرقة ثلاث مرات، وهى لوحة زهرة الخشخاش الشهيرة للفنان الأشهر فان جوخ، والتى يقدر ثمنها بمئات الملايين من الدولارات. فى المرة الأولى أخذها طالب بكلية الفنون عام 1960 فى فترة تحويل القصر إلى متحف، ولكنه أعادها مرة أخرى، والمرة الثانية سرقت نفس اللوحة أثناء هجرتها إلى قصر عمرو باشا بالزمالك، ولكنها أعيدت مرة أخرى، والمرة الأخيرة كانت فى 21 أغسطس عام 2010 حين اختفت اللوحة من المتحف وأحدث ذلك دويًا عالميًا ولم يعثر على اللوحة مرة أخرى، وتمت تحقيقات موسعة ومحاكمات وأغلق المتحف لأكثر من 10 سنوات، حتى يتم إعادة تجهيزه بأجهزة أمان إلى أن افتتح الأسبوع الماضى. تم عمل دليل للمتحف فى الأربعينيات، ثم تم طبع دليل آخر فى الستينيات أشرف عليه المؤرخ الفنى صدقى الجباخنجى وريشار موصيرى اليهودى المصرى والخبير الفنى الذى كان يساعد محمد محمود خليل فى الاقتناء.

زار المركز مجموعة من الخبراء الفنيين الفرنسيين لمدة 10 أيام من 31 مارس 1989، لفحص المحتويات والتأكد من أنها أصلية، وتأكدوا من ذلك وسجلوا شهادات وصف دقيق للوحات، وسافرت المجموعة التى لم يرها الشعب الفرنسى من قبل فى عام 1994 للاشتراك فى معرض فى باريس، وعادت لمصر مرة أخرى بأمان.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.