كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون1 26, 2019 - 295 Views

البخور في التراث المصري

Rate this item
(0 votes)

كتب أ.د / محمد احمد إبراهيم

 أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة بني سويف ورئيس قسم التاريخ

يعد البخور من أقدم السلع العطرية في أغلب الحضارات الشرقية، فتذكر المصادر الفرعونية أن الملكة حتشبسوت ( من الأسرة 18 ) أرسلت الي اليمن والصومال أسطولها التجاري لجلب البخور الجاف لاستخدامه في المعابد المصرية ، كما استخدمته الملكة كليوباترا وبلقيس ملكة سبا اليمنية ، بل أرسلت منه أيضا هدايا الي ملوك وأمراء الدول المجاورة، وقد ارتبط انتشار البخور أول ماانتشر بالطقوس الدينية والكهنوتية في أغلب حضارات الشرق ، حتي أن القدماء المصريين استخدموه في عمليات التحنيط وحفظ اجساد الموتي.
وتشير المصادرالزراعية الي أن البخورينتج من شجرة برية تسمي بالفارسية ( الكندر)، وهي شجرة لايزيد طولها علي ثلاثة أمتار ويشبه لحاها الجلد البشري، تقشر بالفاس فيسيل منها الكندر كاللبان ، وتعرف شجرة البخوربصفة عامة ضمن الأشجار باسم( أم الأشجار). اشتهرت الهند بعدة أنواع من الأشجار التي يستخرج منها البخور فمنها العود ودهن العود وكذلك البخورالكمبودي والمسك الأحمروالأبيض والمخلط، أمابخورالعنبر فيستخلص من الحوت ، اما بخور المسك فيستخرج من حوصلة تخرج من نوع معين من الغزلان. ويعد بخور المسك والعود والجاوي والمصطكي والصندل والكافور والكندر من أجود أنواع البخور رائحة واغلاها ثمنا.علي الجانب الآخر لجا البعض الي استخدام بعض الزيوت العطرية لبعض النباتات والزهور وخلطها في صناعة انواع من البخور تقليدا للأنواع غالية الثمن .
وتعد ثقافة البخور والتبخير ثقافة عالمية انتشرت في العديد من الحضارات والدول عبر العصور، فقد استخدم ضمن الطقوس الرسمية في المعابد الوثنية ( البوذية – الهنوسية – السيخية ) كما استخدم في العديد من الكنائس المصرية منذ العهد القديم كطقس من طقوس الصلاة ورمزا لصلوات القديسين المرفوعة امام الله، باعتبار أن الانسان لابد أن يكون ذا رائحة ذكية عندما يقف أمام الله ، وقد عرف المسلمون البخور عن طريق الحجاج الهنود ، الذين كانوا يعرضونه علي انه خشب له رائحة طيبة،مقابل أخذهم ماء زمزم عوضا عنه ،كذلك في عهد الدولة الفاطمية اهتم الفاطميون بتبخير المساجد خاصة في يوم الجمعة، حيث كان الخليفة يلقي خطبة الجمعة بنفسه، كما كان بالقصور الفاطمية خزائن لحفظ كميات كبيرة من البخور، لأستخدامه في اغراض عديدة منها حفلات الزواج وتبخير الموتي وتبخير ملابس الخلفاء، كما استخدم في العصر المملوكي والعثماني خاصة في تبخير الاسبلة المائية وتعطير اماكنها .
استمر استخدام البخور في المجتمع المصري عبر عصوره المختلفة في العديد من المناسبات الأماكن، ومن الملفت للنظر ان انتشاره بكثرة كان في المجتمع الريفي وقري مصر بصفة خاصة ،لارتباطه ببعض المعتقدات والطقوس المرتبطة بالاضرحة والمزارات واستخراج الجن والعفاريت من الأجساد، حتي شكل استخدامه عنصرا من العناصر الرئيسة في الرقية وحفلات السبوع والختان و أعمال السحر وفكه وحفلات الزار، وهي مناسبات وموضوعات تغلغلت في الثقافة الشعبية للمجتمع المصري وشكلت بعض عاداته وتقاليده....

لم يهتم شعب بالبخور كما اهتم الشعب المصري، بل بالغ في استخدامه في الكثير من الأغراض ،وارتبطت به انواع عديدة من السلوكيات اغلبها له ارتباط بالدين الشعبي وطقوسه.
ويعد الحسد والخوف من العين من أهم الأغراض التي استخدم فيها البخورفي الكثير من المنازل والبيوت حتي اليوم للوقاية او التحصين ،إذ يعد البعض أن اصحاب العيون الزرقاء لديهم قدرة علي الحسد والشر، وهو اعتقاد كان قديما عند قدماء المصريين ،إذ كانوا يخشون من أصحاب البشرة البيضاء والعيون الزرقاء ويرفضون وجودهم علي الأراضي المصرية ، ومن ثم توارث البعض هذا المعتقد وعبروا عنه في كلماتهم عند رقية الشخص ( حدرجا بدرجا من كل عين زرقا)، التي لم نقف حتي الان علي معناها، ويعتقد أنها كلمات حبشية كانت تقال لابعاد صاحب هذه العين ، كما استخدم البعض في تعابيرهم عن الشخص الحاسد ( عينه مدورة ومقورة)وفي المثل ( ربنا مايجعلنا جار وله عنين) ، كما امتد استخدام البخور في التراث الإسلامي الي الرقية ، مع استخدام مايعبر عن الدين الشعبي بإضافة عبارات ( رقيتك واسترقيتك من كل عين شافتك ولا صليتش علي النبي ، مع ربط الرقية بالرقم سبعة ( الأولي بسم الله والثانية بسم الله والثالثة بسم الله والرابعة رقوة محمد أبن عبد الله ....) ، كما كان البعض يلجا الي إضافة الملح مع البخور لأحداث أثر قوي للتحصين ، كذلك انتشر عند بعض العطارين مايسمي بعين العفريت ( حبة حمراء بها نقطة سوداء ) كانت تحرق مع البخور بزعم أنها تحرق العفريت المراد التخلص منه وتفيد في الرقية .
علي الجانب الآخر ارتبط استخدام البخور بشكل طقسي لطرد الجن والعفاريت سواء في عمل الدجالين أو المشعوذين او مع حفلات الزار التي كانت تنتشر في القري والأحياء الشعبية ، للاعتقاد بوجود مس شيطاني أو جن أو عفريت يسكن في جسد الشخص ،ومن الغريب أن لفظ عفريت في اللغة العربية من الجذر ( ع- ف- ر) ويجمع علي عفاريت او عفاري معناه الخبيث- الماكر- الشرير- شديد القوي، لذلك ارتبط طرد هذا العفريت او الجن بأطلاق البخور لأنه يؤذيه ولايتحمل رائحته فيغادر المكان او جسد الشخص ، كذلك ترديد كلمة ( اشتاتا اشتوت)، وبالبحث عن أصل الكلمة وجدنا انها فارسية بمعني ( متفرقين علي حسب أحوالهم) وكذلك ورد هذا المعني في القران الكريم في سورة الزلزلة ،أي ان الكلمة تقال للأبعاد والصرف والتفرق .
أما الزار فيعد من الطقوس الحبشية الوثنية التي انتقلت الي السودان ، وكانت تقوم به بعض القبائل الافريقية أيضا لطرد العفاريت او علاج المس الشيطاني ، ثم انتقل الي مصر في القرن 18 عن طريق البعثات العاملة في السودان، ويذكر البعض أن كلمة زار كلمة عربية ماخوذة من اللغة الأمهرية ومعناها( شر ينزل بإنسان ما )،كما ذهب البعض الآخر الي أن أصل الكلمة عربي بحت مشتق من ( زائر النحس)، ومن الملفت للانتباة أن كل حالات الزار كانت تقام لعلاج النساء أكثر من الرجال، وكأن أجساد النساء فقط هي ملجأ دائم للجن والعفاريت اكثر من أجساد الرجال أو ان أجساد النساء تستهوي العفاريت والجن للسكن ،علي كل الأحوال ارتبطت – ايضا - حفلات الزار بأطلاق البخور بها ومن أنواع خاصة تلائم طرد الجن، علي الجانب الآخر ارتبط باستخدام البخور المباخر التي يحرق بها البخور، وكانت تصنع أولا من الطين المحروق، وكان البعض يستخدم في الريف مايسمي ( المنقد )، ثم تطورت المباخر لتصنع من النحاس الأحمر وألأصفر مع وضع غطاء مثقوب تخرج منه رائحة البخور وشبك سلسلة لمسك المبخرة والسير بها في حركات دائرية ، لكن مع تطور العصر بدات تعرف المباخر الاليكترونية أو الكهربائية منعا للتلوث الناتج عن الفحم، خاصة في دول وبلدان الخليخ العربي، إذ يعد حرق البخور بها طقسا دائما للترحيب بالزائرين، او في جلسات السمر وشرب الشاي والقهوة .
كان لاعتقاد المصري في قوة البخورومفعوله السحري أن ارتبط باستخدامات عديدة له ، فالبعض يحرقه لطرد الروائح الكريهة من المنزل والبعض يشعله يوم الجمعة وقت الصلاة إما لتعطير المكان أو طرد الأرواح الشريرة مع فتح النوافذ لها للخروج، والبعض كان يستخدمه في تعطير قلل الشرب عند ملئها، كما استخدمه البعض عند بداية العمل في المحال والدكاكين جلبا للرزق، بل امتد الاستخدام الي حفلات الزواج ثم السبوع للمولود وأخيرا بإيقاده في سرادقات العزاء ترحما علي المتوفي.
عبر المجتمع المصري عن البخور واستخداماته في العديد من الأمثال الشعبية منها : ( عين الحسود فيها عود – بخرتك ورقيتك وحطيت ايدي عليك مالقيتك – اللي مش واخد علي البخور يحرق شعر ط ...)،كما حفلت الدراما الشعبية بالعديد من الأعمال التي تناولت أطلاق البخور واستخدامه،منهافيلم( دقة زار)فيلم ( الزوجة الثانية) وفيلم ( السكرية – قصر الشوق - بين القصرين) ومشهد أمينة زوجة السيد عبد الجواد ( سي السيد) وزفه بالبخورعند خروجه من المنزل ،وغيرها من الأفلام والمسلسلات، تاكيدا عن تغلغل البخور في المعتقد الشعبي الراسخ في سلوكيات المصري الباحث عن السعادة والمستجير من الشر....

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.