كاسل الحضارة والتراث

كاسل الحضارة والتراث

المصرى القديم عرف الإضاءة وأضاء المنازل والمعابد

كتب رضا عطية الشافعى

أعدها للنشر د.عبد الرحيم ريحان

استخدام المصرى القديم للمصابيح فى بعض المدن التي لم تسكن لفترات طويلة مما يدل على استخدام المصابيح في الإضاءة المنزلية ومن أهم هذه المدن مدينة (اللاهون) و(دير المدينة) و(تل العمارنة) حيث عثر في منازل تل العمارنةعلى العديد من الأواني الصغيرة التي استعملت كمصابيح.

وترك المصرى القديم لنا مناظر المصابيح مصورة على أحد مقابر تل العمارنة وهي مقلدات للمصابيح التي كانوا يستعملونها في المنازل والقصور حيث صورت العائلة المالكة في تل العمارنة في منظرين متماثلين وهي تتناول وجبة العشاء في القصر الملكي ويلاحظ بجوارهم مصابيح وضعت على حوامل مرتفعة للانتفاع بضوئها الضعيف إلى أقصى حد ممكن

وهناك منظر فريد من نوعه في المقبرة رقم 99 بجبانة الشيخ عيد القرنة بطيبة الغربية من عصر الملك تحتمس الثالث لصاحبها (سن نفري) يمثل فتاة تقوم بترتيب السرير على ضوء شمعة على نمط ما كانت تقوم به في حياتها الدنيا، وكان الفلاح المصري القديم لا يعود من الحقل إلى منزله كما هو الحال عليه الآن إلا حينما يرخي الليل سدله وكان يجد زوجته في انتظاره وقد أضاءت له المنزل وقد وردت فقرة في قصة الأخوين التي ترجع إلى عصر الدولة الحديثة.

(لم تضع الماء على يده كعادته ولم تضيء أمامه وكان منزله في ظلام) فقد انتاب (إنبو) الأخ الأكبر في القصة شعور بوقوع كارثة عندما عاد ولم يجد زوجته قد اضاءت البيت .

وفى عصر الرعامسة نجد معلم يحث تلميذه على أن يكتب بالنهار ويقرأ بالليل "اقضي النهار في الكتابة بأصابعك علي أن تقرأ بالليل" وتدل هذه العباره علي استخدام المصابيح في المذاكره اثناء الليل فضوء النهار القوي يساعد علي الرؤية الجيدة والتمكن فيما يُكتب لأن الكتابة تحتاج إلي ضوء أكثر من القراءة والتي كان يفضل أن تتم ليلًا علي ضوء مصباح

أطلق المصرى القديم على المشاعل عدة مسميات ولم يقرر الشيوع إلا لثلاثة أسماء منها وهي (تكاو – خبس - ستات) وكانت هذه المسميات تطلق على المشاعل والمصابيح منذ عصر مصر القديمة (نصوص الأهرام) وحتى نهاية عصور مصر القديمة كلمة واحدة لم يفرق بها بين الشعلة والمصباح ولم يختلف في نطق هذه الكلمة وترجمتها اختلافًا جوهريًا اذ ينطق بعض العلماء وهم الغالبية هذه الكلمة (تكا) خاص بالفعل بمعنى (يضيء)

وتصور نقوش النصف الشمالي للحائط الشرقي لصالة الأعمدة الكبرى بمعبد (آمون رع) بالكرنك مشاهير الخدمة اليومية للمعبد خمسة مشاهد خاصة بالشعلة وإضاءة المعبد ونرى من بين هذه المشاهد الخمسة صورًا للمشاعل المسماه (تكاو) متشابهة في شكلها العام وبدون شك في المادة التي استعملت في صناعة هذه المشاعل ويتضح من الصورة أن الشعلة تتكون من قطعة طويلة من الكتان الأبيض النظيف ويتم طي هذه القطعة في منتصفها ويجدل هذان الطولان معًا ثم يتم غمسها بعد ذلك في شحم جديد وهناك مسافة كافية لحمل هذه الشعلة منها

ومن الملابس القديمة كان عمال الجبانة يصنعون المشاعل بكميات كبيرة وبأنفسهم فعلى إحدى قطع الاستراكا الخاصة بحسابات المشاعل وردت عبارة 700 قطعة من الملابس القديمة حملت، وليس هذا غريبًا فقد ورد اسم القماش صراحة كمادة متخصصة لعملية الإضاءة منذ الدولة القديمة، ففي وثائق المعبد الجنائزي للملك (نفر اركارع) وردت عبارة قماش (سشب) من النوع (ستا) المخصص لعملية الإضاءة وقد كان يتم اضاءة هذه المشاعل واحدة أو أكثر في المرة الواحدة حسب قوة الإضاءة المطلوبة للعمل داخل المقبرة محمولة في أيدي العمال أثناء العمل أو موضوعة على الأرض أو فوق حجر أو في كوة داخل الحائط واحيانًا أخرى مثبتة داخل كأس أو طبق وهنا يرى فيها (تشرني) أنها مصباح وليس شعلة أو شمعة

ونشير إلى شكل المصباح في أبسط حالاته وهو عبارة عن طبق صغير وآنية ليست عميقة تملئ بالزيت أو الدهن وتوضع فيها الذُبالة إما طافية على سطح الزيت أو مثبته على حافة الطبق واتخذ شكل المصباح في بدايته الأولى شكلًا زخرفيًا عبارة عن مصباح على شكل القارب كشفت عنه حفائر (بيير مونتيه) في منطقة أبو رواش شمال الجيزة في مقبرة رقم 8 هناك وهو مصنوع من الفخار الأحمر وذو حافة تبدو عريضة وله عروة تستخدم كمقبض من ناحية ومن ناحية أخرى يصب الزيت منه عند الضرورة وقد زخرف المصباح كله بزخارف ذات خطوط مستقيمة تذكرنا بزخرفة الأواني في حضارة نقادة الثانية وامتازت بعض مصابيح الدولة القديمة المصنوعة من النحاس بوجود مشبكين أو ثلاث مشابك من نفس المادة المصنوع منها المصباح مثبته بمسامير في قاع الطبق وربما كان الغرض من هذه المشابك هو استخدامها كمكان لتثبيت الذُبالة وربما كان ايضا هناك في كل مشبك من هذه المشابك ذبالة وبذلك يكون في الطابق الواحد ذبالات بعدد المشابك الموجودة فيه، وفي متحف اللوفر توجد مجموعة من المصابيح التي ترجع إلى الأسرة السادسة عثر عليها في مقبرة الوزير (اس) في تل ادفو وهي عبارة عن أواني نحاسية صفت على انها مصابيح.

وقد حرص قدماء المصريين على تطوير مصابيحهم فى الدولة الوسطى وقد صممت بحيث أصبحت اكثر تعقيدًا من مصابيح الدولة وأصبح للمصباح الواحد فتحتان الأولى هي فتحة جانبية تعادل ذلك النتوء الذي يوجد على حافة الإناء واستمر النوعان معا الفتحة الجانبية والنتوءه وقد صنعت هذه المصابيح من الفخار وقد ظلوا يدخلون عليها بعض التحسينات إلى أن أصبح المصباح عبارة عن إناء ذو فوهة ضيقة من أعلى تمثل رقبته وقد حافظت هذه الفوهة الضيقة على نظافة الزيت وعدم تعرضه للأتربة وتُشبه هذه الأنوع من المصابيح التي استخدمت في العصر اليوناني في مصر وربما ظلت تستخدم حتى اليوم في بعض الأنواع المستخدمة حاليا ويوجد جزء كبير من هذا النوع من المصابيح في متحف المتروبوليتان.

وامتازت مصابيح الدولة الوسطى بوجود مكان داخل الإناء يحيط بالإناء الداخلي يملأ بالماء ويملأ الثاني بالزيت وقد أرجع (فلندرز بتري) ذلك إلى سببين الأول هو جعل مادة المصباح رطبة بصفة مستمرة حيث أن استمرار المصباح مشتعلًا لمدة طويلة تجعل الفخار من الصعوبة أن يحمله أحد أما السبب الثاني فإن وجود الماء يمنع تسرب الزيت من خلال مسام الآنية الحجرية وقد امتازت أيضا هذه الآنية بضخامتها النسبية عن مصابيح الدولتين القديمة والحديثة.

واستخدم قدماء المصريين بعض الزيوت النباتية وشحوم الحيوانات كمادة وقود لمصابيحهم وأهم هذه الزيوت زيت الخروع وزيت الزيتون وزيت السمك بالإضافة إلى بعض الزيوت الأخرى كما كان يستخدم كوقود للمصابيح شحم الجاموس وزيت  السمك، وبخصوص زيت الخروع  فيذكر (استرابون) عن الخروع أنه نوع من الثمر يزرع في الحقول ويستخرج منه الزيت الذي يستعمل في مصابيح كافة أهل البلاد تقريبا ويتخذه الفقراء من الرجال والنساء دهانًا وزيت الزيتون يرى (انجلباخ) أن زيت الزيتون لا ينتج عنه سناج كثيف عند استعماله وقودًا في المصابيح ومن ثم كان يستخدم بكثرة وكان يخصص لإضاءة مصابيح المعابد، وزيت السمك ذكر (هيلك ) نقلًا عن بردية (sallier IV) أنه كان يستخدم كوقود في المصابيح وهناك الشحم الحيواني مثل شحم البقر في وثائق (معبد الملك نفر ايركارع) الجنائزي بأبو صير كمادة للإضاءة داخل المعبد وكان يتم حسابها شهريًا بالمكيال وقد ذكر (هيرودوت) أن مصابيح المصريين عبارة عن أوانٍ مسطحة مملوءة بالملح والزيت وربما كان الغرض من ذلك هو تقليل نسبة السناج الناتجة عن احتراق الزيت.

القلم الحبر عادات وذكريات

كتب دكتور /محمد أحمد إبراهيم

أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة بني سويف ورئيس قسم التاريخ

يعد اختراع القلم الحبر ثورة من الثورات الكبري في عالم الكتابة ، بعد ان كانت الكتابة تعتمد علي أقلام من الريش أوالبوص أو الخشب مع ضرورة وجود دواة أو محبرة للحبر لغمس القلم بها ، فكان ظهور القلم الحبر ذي الخزان المطاطي الذي يحمل الحبر الي سن القلم مباشرة ثورة عالمية اتاحت للجميع حمل القلم واستخدامه في كل مكان .

ورغم قدم فكرة استخدام القلم الحبروارتباطها ببعض علماء العرب ( جابر بن حيان)، الذي نسبها البعض اليه ولم يكتب لها النجاح في عصره ، إلا ان ارتباط ظهور القلم الحبر ظل مقرونا ب(لويس إديسون وترمان) عام 1884م ، الذي حمل القلم الحبر اسمه في ماركته الشهيرة( ترومان) ثم بدات تظهر ماركات أخري كا( باركر – شيفر – الإستبروك -التيكو)وغيرها،وكان لنتيجة ذيوع وانتشارالقلم الحبرأن اجتذب بعض المؤسسات الدولية كاالأمم المتحدة التي قررت توقيع جميع الاتفاقيات بواسطةهذاالقلم خاصة ماركة ( باركر) ، كذلك انتشرت مصانع انتاج القلم الحبر وتصديره الي جميع انحاء العالم وحققت ثروات طائلة.

انتشر القلم الحبر في مصر واستخدمه الكثيرون (سياسيين – أدباء – شعراء –موظفين – طلبة ) بل يذكر ان الموسيقار محمد عبد الوهاب كان يقتني عشرة أقلام وعشرة محابر لشعوره ان تدوين النوتة الموسيقية بالقلم الحبريمنحه أجواء أخري في تاليف لحن جميل، كذلك يذكرعن الأديب نجيب محفوظ انه كان من عشاق الكتابة بالقلم الحبر ،اذ كان يفضل – علي قوله – أن يري بعينه (عصير الفكرة قبل أن يشربها الورق ).

كان لأقبال البعض علي الكتابة بالقلم الحبر أن تفننت مصانع انتاجه في صنع أشكال عديده منه ، بل وصل الأمر بان بعض الملوك والحكام كان يصنع لهم أقلام حبر خاصة من الذهب ، أو أقلام مرصعة بالجواهر والأحجار النادرة ، او تنقش أسمائهم علي القلم نفسه ، وفي متحف قصر عابدين يوجد من ضمن اقلام الملك فاروق قلم مسدس ، به طلقة واحدة، إذ صنع أو اهدي له لاستخدامه في الدفاع عن نفسه.

أرتبط البعض بالكثير من الذكريات مع القلم الحبرعبر رحلته الزمنية في المجتمع المصري ، إذ ظل القلم الحبر ضمن الهدايا التي يمنحها البعض اويتلقاها في المناسبات(بداية الدراسة - النجاح – عيد الميلاد – بداية التوظيف والعمل) من الأصدقاء والمحبين ،  بل وصل الأمر بالاحتفاظ ببعض الأقلام التي تمثل مناسبة مهمة للبعض ، كا الاحتفاظ بقلم توقيع عقد شركة أوعقد شراء أرض أو عقد زواج ، او القلم الذي كتبت به قصيدة              أو خطاب غرامي للحبيب ، كذلك احتفظ البعض باقلام الاجداد والآباء كذكري طيبة تحمل لهم معاني عديده.

كان لاقتناء القلم الحبر طقوس وعادات منها وضع القلم في سترة البدلة الداخلية أو في الجيب الخارجي إذا أراد ظهوره ، كذلك وجود( النشافة) علي المكتب لتجفيف حبر القلم، التي اختفت بظهور القلم الجاف ، كما كان تنظيف القلم كل فترة وغسل الخزان المطاطي الحامل للحبرمن الضروريات المهمة،حتي لاينشف الحبر بداخل القلم ، كذلك أصلاح سن القلم إذا فسد أو انكسر او تغيير البلية تحت سن القلم ، وهو ماجعل بعض الأماكن في مصرتنتشر بها بعض الدكاكين أو البترينات الصغيرة علي نواصي بعض الشوارع لأصلاح القلم الحبروتنظيفه ، خاصة بجوار محال بيع الأقلام أو بجوار الدواوين والوزارات في القاهرة .

وعلي الجانب الآخرارتبطت بالقلم أقوال وحكم تصور أهميته ومايحمله منها) القلم يجرح غالبا اكثر من السيف – القلم سفير العقل – زلة قدم ولا زلة قلم – من أمتلك القلم صار له لسانان –الشعب الذي يحترم القلم ينهض حتي لو كان في العدم – الأقلام مطايا الفطن وببكاء الأقلام تبتسم الكتب ) وغيرها من الأقوال .

ورغم أهمية القلم الحبر ومامثله من عادات وذكريات في المجتمع ، إلا أن ظهور  القلم الجاف بعد ذلك زلزل عرش القلم الحبر ، خاصة مع رخص ثمنه وبقاؤه فترة زمنية   أطول دون ضرورة لملئه بالحبر ، وهو ماجعله من ذكريات الزمن الماضي ، ولأن عجلة الزمن سريعة للغاية فالقلم الجاف – أيضا – مهدد بالانقراض مع انتشار الكتابة علي الكيبورد الخاص بالكمبيوتر او إمكانية الكتابة علي الموبيل ، لتتحول الكتابة باليد الي ماضى  وذكري في المستقبل علي حساب التقدم الحديث.

جراحة استئصال الأورام السرطانية في التراث الطبي الإسلامى

كتبت أ.د. هناء محمد عدلى حسن

أستاذ الآثار والفنون الإسلامية بقسم الآثار والحضارة

كلية الآداب – جامعة حلوان

تعرف كلمة سرطان[1] فى الأصل اليونانى بـ "Oncos" أى "علم الأورام الخبيثة واللطيفة"، وقد سماه الفرنسيون "Cancer"، وتحولت هذه الكلمة مع مرور الزمن إلى مصطلح

علمى ساد فى المعجم الطبى ولغة الناس، والقاسم المشترك بين الأورام الخبيثة أينما وجدت فى جسم الإنسان هو التكاثر الفوضوى للخلايا، وفقدان السيطرة على تنظيم

عمل الخلية،[2] يتكون الجسم من خلايا تتكاثر باستمرار لتحل محل الخلايا التى أصيبت أو تلفت، وهذه العملية المستمرة تحافظ على عمل الجسم بصورة معتادة وعلاجه

عندما يعانى من إصابة أو عند إجراء عملية، وتتمتع الخلايا الموجودة فى أجزاء الجسم العديدة بدورات حياة مختلفة وتتكاثر بمعدلات متنوعة، ولكن الأمر المشترك بينها هو أنها

تحتوى على إشارات توضح لها كيفية أدائها ووقت التكاثر، يحدث السرطان عندما تبدأ إحدى الخلايا العادية فى العمل بصورة غير طبيعية حيث تبدأ الخلية فى الانقسام والتزايد

بصورة لا يمكن التحكم فيها لأن الإشارات التى توضح لها كيفية عملها لا تعمل بصورة ملائمة.[3]

كان المصريون القدماء أول من وصفوا الأمراض عامة ومرض السرطان بصفة خاصة[4]، يضم باب الأورام فى بردية أدوين سميث 1550ق.م[5] مجموعة من أوصاف الأورام منها

على سبيل المثال "أبشع الأورام وهى التى تحدث آلالاماَ شديدة يقال عنها أورام خونسو ولا يفعل لها شئ، أى أنها لا تشفى"، كما أشارت الكتب الهندية المقدسة التى يعود

تاريخها إلى 1500 سنة ق م إلى وصف الأورام وعلاجها بمادة القطران، وفى المخطوطات الصينية القديمة حديث عن تصنيف بعض أنواع الأورام ومسبباتها مثل الإصابات الحرارية

والرضوض واستعمال بعض المواد المضرة بالطعام.[6]

انتقلت الحضارة الطبية المصرية القديمة في العصرين اليوناني والرومانى إلى كريت ومنها إلى كل جزر اليونان حيث أضافوا إليها من فلسفتهم، ويتضح مدى الاقتباس من الطب

المصرى فى الطب الإغريقى عند مقارنة محتوى بردية إيبرس الطبية(Ebers Papyrus) [7] فى القسم الخاص بالأورام وكتابات الطبيب الرومانى جالينوس Galen Galinus (200-

131ق.م)[8] الذى وصف الأورام ضمن مؤلفه "مقالة فى الأورام" بأنها الغلظ الخارج عن الطبيعة ووصف فى هذه المقالة جميع أنواع الأورام ودلائلها، ومن أشهر الأطباء الرومان

الأوائل كلسوس[9] 50-25 ق.م الذى ألف موسوعة ضخمة باللغة اللاتينية فقد أغلبها، ما عدا الجزء الخاص بالطب، فقد قسمه إلى ثمانية كتب، وخص الكتابان السابع والثامن

بفنون الجراحة، كذلك اشتملت كتب الطبيب الإغريقى روفوس (70-140ق.م)[10] على مقاله عن "الأورام الصلبة" وخص سرطان الجلد بالدراسة، أما ارخيجينيس فيلييوس (75-

145م) فقد أجرى عملية إزالة سرطان الثدى.[11]

وفى العصر الإسلامي بدأت ترجمة المؤلفات الطبية اليونانية والفارسية والهندية والمصرية وغيرها إلى اللغة العربية فى عهد أبو جعفر المنصور، وازدهرت فى عهد المأمون الذى

حث العلماء على جمع كتب الطبيب الإغريقى الشهير جالينوس، وكان يكافئ المترجمين بوزن كتبهم ذهباً، ومن أهم المترجمين الذين ترجموا كتب الطب التى أشارت إلى

الأورام إبراهيم بن الصلت الذى ترجم كتاب الأورام، وأبو الحسن الحرانى الذى ترجم كتاب السرطان لقلفاريوس،[12] وهكذا حققت الحضارة الإسلامية نجاحاً لم تحققه حضارة

أخرى عبر التاريخ فى التعرف على مرض السرطان،[13] ولا تزال المؤلفات العربية خير شاهد على هذا الدور الريادى سواء فى السبق إلى العديد من الاكتشافات الطبية أو فى

اتباع المنهج العلمى السليم فى تعريف وتشخيص المرض. 

تعريف الأورام السرطانية فى التراث الطبى الإسلامى:

يعد الرازى (أبو بكر محمد بن زكريا الرازى 240-311هـ/854-923م)[14]، رائد الطب الإكلينيكى أول من ذكر أهم العلامات والأعراض للورم السرطانى وأورد بعض الفروق بين الورم

الصلب الحميد والسرطان ووصف الأخير بأنه "فى ابتدائه يكون صغيراً ثم يزيد وينتقل من مكان إلى مكان وحوله كالعروق الشبيهة بأرجل السرطان ويكون معه وجع شديد ونخس

وحرقه وتنفر منه الأدوية نفوراً عظيماً وربما انفجر وسال منه دم كالدردى وربما أفسد ذلك الدم من حوله ويشتد معه النخس"[15] كما حدد الرازى الخصائص الأساسية

للسرطان قائلاً: "الورم الخبيث يمتد فى العمق".[16]

أما الطبرى (أبو الحسن على بن سهل بن الطبرى ت بعد 366هـ/976م) فتتناول المقالة الحادية عشرة فى ثلاث عشرة باب من كتابه "فردوس الحكمة" الأورام مع غيرها من

الأمراض التى يمكن وصفها مستعصية، بما نصه "أما الورم الحادث من المره السوداء وهو السرطان فإنه فى ابتداء كونه ربما برء وذلك عسر".[17]

يرجع ابن سينا (370-428هـ/1980-1037م)[18] تسمية السرطان لأحد أمرين: إما لتشبثه بالعضو كتشبث السرطان بما يصيده، وإما لاستداراته مع لونه مع خروج عروق

كالأرجل منه،[19] ويميز ابن النفيس (علاء الدين أبو الحسن على بن أبى الحزم بن النفيس القرشى ت 687هـ)[20] بين الأورام فى مخطوط "موجز القانون فى الطب" محفوظ

بدار الكتب المصرية رقم 558 طب طلعت (لوحة 1)، ويذكر فى الباب الثالث وعنوانه "الأورام والبثور والجذام والوباء والتحرز عنه" أنواع الأورام الدموى والصفراوى والبلغمى ويميز

الورم السرطانى بأنه سوداوى، ويصفه بما نصه "السوداوى إما أن يكون مداخلاً –المقصود مخالطاً للعضو- أو لا يكون، والمداخل إما أن يكون مؤلماً ذا أصول ناشبة فى الأعضاء

وهو السرطان"[21] كما يصنف الورم السودواى إلى مقرح وغير مقرح، أما المقرح فهو الحادث عن سوداء محترقة عن الصفراء"،[22] ويعزى الغافقى (محمد بن قسوم بن أسلم

الغافقى ت بعد عام 595هـ/1179م)[23] تقرح السرطان إلى الأسباب الآتية "إما أن يكون متقرحاً من ذاته، وإما أن يحدث ذلك طبيب جاهل، وعلامته قرحة قبيحة المنظر جداً،

غليظة الحواشى، منقلبة إلى الخارج خضراء، تسيل منها رطوبة قائية وصديد منتن على دائم الأيام، وكلما عولج ازداد رداءة، ولم يؤثر فيه علاجه".[24]

وفى الأندلس فى القرن 4هـ/10م ابتكر الزهراوى (404-325هـ/936-1013م)[25] العديد من الآلات الجراحية الدقيقة[26]، وقد أشار إلى أنواع السرطانات وأشكالها وألوان

الأورام، وكان أول من تنبه إلى انتشار السرطان فى الفصل الرابع والعشرون من كتابه "التصريف لمن عجز عن التأليف"، ويذكر فى الفصل الحادى والخمسون بعنوان "فى قطع

الثآليل التى تعرض فى البطن" يقول: "احذر أن تعرض لقطع ثؤلؤل يكون كمد اللون قليل الحس سمج المنظر فإنه ورم سرطانى".[27]

يعلل الغافقى تسمية السرطان بهذا الاسم قائلاً "إنما سمى سرطاناً لأنه شبيه بالسرطان البحرى، ويكون على ضربين: إما مبتدأ من ذاته، وإما أن يكون عقب الأورام الحارة إذا

تحجرت، وحدوثه من دردى (يقصد ما ترسب من الدم) الدم وغليظه، وهو داء إذا تكامل لا علاج فيه بدواء البته إلا بعمل اليد إذا كان فى عضو يمكن استئصاله كله بالقطع، وأما إذا

كان مبتدئاً وعولج بما ينبغى فربما وقف لم يزد.[28]

وهكذا أرجع العلماء المسلمون حدوث الأورام عامة إلى تكدس المواد المحلية داخل الجسم الإنسانى، وتتألف المواد المحلية من عدة سوائل: الدم، المواد المخاطية، البول، أما

"السرطان" خاصة فهو أشد الأورام خطورة، ويتكون من إفرازات تتجمع بكثافة على بعضها لتصبح لزجة وتدعى "الصفار الأسود" معتبرين أن الطحال هو السبب الأساسى،[29]
نقضت هذه النظرية أخرى أرجعت حدوث السرطان إلى تغير فى الدم.[30]

 

تشخيص الأورام السرطانية فى التراث الطبى الإسلامى:

بلغ كبار الأطباء المسلمين حداً من المهارة تمكنوا معه من تشخيص العديد من الأمراض، كأمراض الحلق والحنجرة بالفحص المباشر بالعين المجردة، وبدس الأصابع داخل تجويف

الفم من أجل تحسس الحلق والحنجرة والأحبال الصوتية، وتحديد ملمسها وخصائص سطحها وطبيعة حركة أجزائها، وهكذا كان بوسعهم أن يشخصوا الأمراض النادرة مثل الأورام

السرطانية.[31]

يذكر الغافقى علامة السرطان بأنه "مبتدأ مثل الباقلاء، ثم يتزايد مع الأيام، حتى يعظم وتصير له صلابة شديدة، وله فى الجسد أصل كبير مستدير كمد اللون، تظهر له عروق

خضر أو سود إلى كل جهة منه، وفيه حرارة يسيرة عند اللمس.[32]

أعطى الرازى وصفاً دقيقاً لعلامات سرطان الأنف وكيفية تمييزه عن الأورام السليمة بقوله: "يكون فى الأنف نابت وربما خرج إلى خارج وربما أفسد شكل الأنف وأهاج الوجه

لأنه يمدده، وانظر فما كان قاسياً صلباً كمد اللون ردئ المذهب فداوه ولا تقدم عليه بالقطع والجرد لأنها سرطانية – أى أنه لا ينصح بالتدخل الجراحى فى حالة الورم السرطانى-

وما كان منها أبيض أو ليناً مسترطباً لحمياً فعلاجه أن يقطع بسكين دقيقة ثم يدخل فيه بعد ذلك ويجرد، وإن كان ردئياً عفن المذهب كويته بالنار والأدوية"[33]

أما سرطان الحلق يقول عنه الرازى: "وإن كان السرطان فى الحلق فهو قاتل لا محاله"[34]، ولعل مرجع ذلك إلى النظر إلى صعوبة الجراحة ومتطلباتها فى ذلك الوقت، ويضيف

ابن النفيس عن علامات سرطان الحلق فى كتاب الموجز فى الطب فى باب (فى الأمراض المختصة بعضو عضو وأسبابها وعلاماتها ومعالجتها) "فى السوداوى –يقصد فى ورم

عضلات الحنجرة السوداوى- تكون صلابه وحموضة أو عفوصة) ويضيف إلى ذلك معلومة إحصائية هامة بقوله "ولن يكون إلا نادراً" كما يصفه بالردئ،[35]

تحدث الزهراوى عن الأورام تحت اللسان وكيفية التفريق بين أنواعها قائلاً: "إذا كان –يقصد الورم تحت اللسان- كمد اللون وأسود صلباً ولم يجد له العليل حساً فهو سرطان".[36]

ويصف الرازى سرطان الكلى بأنه "إذا استحكم الورم الصلب فى الكلى رقت الأوراك وهزلت ونايت الآليه وضعف الساق"،[37] ويؤكد ذلك ابن سينا الذى يشير إلى أنه فى

الإمكان معرفة حال الكبد عند جسه لبيان ما إذا كان صلباً أو متضخماً أو به ورم،[38] واللافت للنظر أنه استدل فى الفصل التاسع عشر من الجزء الأول من كتابه "القانون فى

الطب" بالنبض على تشخيص المرض فعرف نبض الأورام،[39] كما أشار إلى أهمية التشخيص المبكر لهذا المرض حيث يقول: "أنه من الضرورى أن نمنع إصابة الإنسان بهذا

المرض وهو فى مرحلته الأولى".[40]

أما تشخيص الرازى لـسرطان الكبد فبما نصه "أن الورم الهلالى الشكل فى الجانب الأيمن من دون الشراسيف – أى الطرف اللين من الضلع مما يلى البطن – يدل على الورم

فى الكبد"،[41] ويفرق ابن سينا فى كتاب "القانون فى الطب"، المقالة الثالثة فى أورام الكبد وتفرق اتصالها بما نصه "يشاهد ورم هلالى من غير وجع يعقل، بل ربما آذى عند

ابتداء تناول الطعام، وخف عند الجوع، وهو طريق إلى الاستسقاء، وقد يدل عليه شدة الثقل جداً بلا حمى، وهزال البدن، وسقوط الشهوة، وكمودة اللون، وأن يقل البول، وإن

طالت العله، لم ينفع العلاج، فإن كان الصلب سرطانياً، كان هناك إحساس بالوجع أشد وكان إحداث الآفه فى اللون، وفى الشهوة وغير ذلك أكثر، وربما أحدث فواقاً، وغثياناً بلا

حمى، وإن لم يحس بالوجع كان فى طريق إماتة العضو، واعلم أن الكبد سريعة الانسداد والتحجر".[42]

ويصف الزهراوى سرطان الرحم "أنه على نوعين إما متقرح وإما غير متقرح، وعلامته أن يكون فيما يلى فم الرحم جاسياً (صلباً) ليس بالأملس، ولونه كلون الدرد إلى الحمره

وربما كان إلى السواد ويعرض معه وجع شديد عند الأربيئتين (أصل الفخذين)، وأسفل البطن، وعلامة المتقرح سيلان الصديد الأسود المنتن منه، وربما سال منه شئ مائى

أبيض أو أحمر وربما جاء منه دم"، ويقول ابن سينا فى ورم الرحم الصلب: "يدل على الورم الصلب إدراكه باللمس وأن يكون هناك عسر فى خروج البول والثقل أو إحداهما وإما

الوجع فتقل عروضه معها ما لم يتحول إلى سرطان وإن كان خفياً وينحف معه البدن ويضعف وخصوصاً الساقان وربما عظم البطن وعرضت حالة كحالة الاستسقاء خصوصاً إذا كانت

الصلابة فاشية".[43]

خصص ابن العين زربى (ولد فى أواخر القرن 5هـ/11م، توفى بالقاهرة عام 548هـ/1153م) فى كتابة "الكافى فى صناعة الطب" الذى أكمله سنة 547هـ -أى قبل وفاته بعام

واحد- فصولاً معينة لبحث ما هو معروف حتى زمنه من أدوية النساء والعناية بالحبالى والمرضعات، وفى هذا الفصل وصف سرطان الرحم وأورامه، وذلك دون أن يشير إلى إمكانية

التدخل الجراحى.[44]

فيما يخص سرطان الرئة يذكر ابن سينا بعض أعراض وعلامات هذا المرض مثل صعوبة التنفس وتزايد الحالة بمرور الوقت مع سعال جاف بما نصه "قد يعرض فى الرئة ورم

صلب ويدل عليه ضيق التنفس مع أنه يزداد على الأيام ويكون مع ثقل وقلة نفث وشدة يبوسه مع السعال وتواتره وربما خف بعض الأحيان مع قلة الحرارة فى الصدر".[45]

ويعرف السرطان العارض في العين فى الباب التاسع والخمسون وعنوانه "في السرطان العارض في القرنية"، من مخطوط "تذكرة الكحالين" لعلى بن عيسى الكحال

المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم 24 طب، ورقة82، ومقاساتها 32x15سم (لوحة 2)، ويقرأ منها ما نصه:

السطر السابع: أن السرطان عله تعرض فى الصفاق القرنى من خلط سوداوى

السطر الثامن: ويتبعه ألم شديد وامتداد فى العروق التى فيها حمره ونخس

السطر التاسع: فى صفاق العين وينتهى الألم إلى الأصداغ وخاصة إن مشى

السطر العاشر: من عرض له ذلك أو تحرك بعض الحركات ويعرض له صداع وتسيل

السطر الحادى عشر: إلى عينيه مادة حريفه دقيقة تذهب عنه شهوة الطعام

السطر الثانى عشر: وتهيج العله من الأشياء الحارة ولا تحتمل الكحل الحاد لأنه يؤلمه ألماً شديداً".[46]

بدراسة النص السابق يتبين لنا نجاح ابن سينا فى تشخيص أعراض الأورام السرطانية، فضلاً عن أنه أول من قال بوجود أورام المخ.[47]

يتفق الوصف السابق لسرطان القرنية مع ما ورد فى كتاب "المرشد فى طب العين" للغافقى، ويزيد على الوصف السابق لابن سينا ما نصه "وهى عله لا برء لها، لأنه ليس

يوجد لها دواء أقوى منها، وذلك أنه ينبغى أن تكون قوة الأدوية والعلاجات أشد من الأسقام، وكذلك الجذام والسرطان لا برء لهما، لأنه لا يوجد لهما دواء أقوى منهما لكن ينبغى

أن يعالج بما يسكن الألم ويوقف المرض".[48]

كما قدم القيسى (أبو العباس أحمد بن عثمان بن هبه الله ت 657هـ/1259م) تعريفاً لسرطان القرنية بقوله "ورم سوداوى أكثر ما يحدث فى الصفاق القرنى ويكون معه وجع

شديد وتمدد وسببه خلط سوداوى يحترق" ويضيف "هذه العله لا يرجى برؤها لكن يجب أن يسكن الألم".[49]

قسم صلاح الدين بن يوسف الكحال الحموى (حوالى 696هـ/1296م) السرطان العارض فى القرنية إلى نوعين: الأول: يعم المقلة جميعاً، والثانى: يختص بالطبقة القرنية، والذى

يعم المقلة: فكبر العين وجحوظها حتى تصير بقدر بيضة الدجاجة، وربما أكبر مع زيادة لحم كثير على الملتحم، وتفتح الأجفان من شدة الورم ولا تنطبق، وقد تتعفن العين

وتسيل، ويضيف "وقد شاهدت ذلك كثيراً"[50] ولعل فى ذلك علامة على انتشار سرطان القرنية فى القرن 7هـ/13م.

 

جراحة استئصال الأورام السرطانية فى المصادر التراثية:

تعد الجراحة [51]أقدم وسيلة لعلاج السرطان،[52] قدم العلماء المسلمون عدداً من المبادئ الجراحية فى علاج الأورام، ما زال بعضها يتبع فى الجراحة الحديثة، ومنها الاعتماد

على الكشف المبكر عن السرطان، وأن الجراحة تكون فعاله عندما يكون الورم صغيراً، ولا فائدة منها عندما يكون مستفحلاً، ويدلل على ذلك وصف الزهراوى فى الفصل الثالث

والخمسين من كتابه "التصريف لمن عجز عن التأليف" عملية جراحية لإزالة ورم سرطانى قائلاً "وذكر الأوائل أنه متى كان السرطان فى موضع يمكن استئصاله كله كالسرطان

الذى يكون فى الثدى أو فى الفخذ ونحوها من الأعضاء المتمكنة لإخراجه بجملته، ولا سيما إذا كان مبتدئاً صغيراً فلتفعل، وأما متى قدم وكان عظيماً فلا ينبغى أن تقربه فإنى

ما استطعت أن أبرئ منه أحداً ولا رأيت قبلى غيرى وصل إلى ذلك، والعمل فيه إذا كان ممكناً كما قلنا، أن تتقدم فتسهل العليل من المره السوداء مرات ثم تفصده، إن كان فى

العروق امتلاء بين، ثم تنصب العليل نصبه يتمكن فيها بالعمل، ثم تلقى فى السرطان الصنانير[53] التى تصلح له ثم تقوره من كل جهة مع الجلد على استقصاء حتى لا يبقى

شئ من أصوله واترك الدم يجرى ولا تقطعه سريعاً بل اعصر المواضع واسلت الدم الغليظ كله بيدك، أو بما أمكنك من الآلات، فإن اعترضك فى العمل نزف دم عظيم من قطع

شريان أو وريد فأكو العرق حتى ينقطع الدم ثم عالجه بسائر العلاج إلى أن يبرأ".[54]

كما يدل وصف على بن عباس المجوسى لإحدى عمليات استئصال الأورام دليلاً على المستوى الرفيع الذى وصل إليه علم الجراحة فى عصر النهضة الإسلامية، فيقول المعلم

لتلاميذه: "عليك أن تقص بهدوء وترو، فتفصل الورم عما حواليه، واحرص على ألا تقطع أى شريان حتى لا تحدث نزيف مكان العملية، فيضايقك فى عملك ويعوقك عن الرؤية، فإذا

ما انتزعت الورم، ادخل إصبعك فى التجويف، وتحسسه لعل هناك بقايا منه... وإذا ما انتزعت الورم كله وتأكد لك زوال بقاياه المترسبة، اجمع الجلد واقطع منه الزائد واستعمل

فى التخييط نسيلاً من الأمعاء... ... عليك أن تقلع الورم من جذوره حتى لا تبقى منه بقايا أو رواسب، ثم تضع فى التجويف خرقة (مطهرة) لئلا يحصل أى تعفن أو التهاب".[55]

يعد وصف ابن سينا لجراحة استئصال الأورام السرطانية وصفاً صحيحاً حتى اليوم[56]، حيث ذكر أن الاستئصال يجب أن يكون واسعاً وجزئياً، كما يجب استئصال جميع العروق

المؤدية إلى الورم، وإن لم يكن كافياً يجب كى المنطقة بأسرها.

مما تقدم يمكن استخلاص المبادئ الأساسية التي حددها الأطباء المسلمون لجراحة استئصال الأورام السرطانية وأهمها:

- حسب الزهراوى تبدأ العملية الجراحية بإسهال المريض، وإلى عهد قريب كان لابد من عمل حقنة شرجية لكل مريض قبل إجراء العملية الجراحية، فضلاً عن الفصد، والمقصود

من ذلك العمل هبوط ضغط الدم للمساعدة على الإقلال من النزيف في مكان إجراء الجراحة، وبذلك يتمكن الجراح من رؤية الأنسجة والتراكيب التشريحية بوضوح.[57]

- كان الزهراوى فى تعامله مع الأورام السرطانية إما أن يستأصلها تماماً أو يتركها كلية، الأمر الذى يقره الطب الحديث، لأن استئصال جزء من الورم وترك جزء يسبب تفشيه

وموت المريض، مع ضرورة استئصال الجلد المغطى للورم السرطانى الذى يجب ألا يترك أى شئ من أصوله،[58] وهكذا أرسى الطب الإسلامي الأسس الأولية لجراحة

استئصال الأورام السرطانية، ومنها وجود الورم فى المراحل الأولى قبل انتشاره إلى أعضاء أخرى، وعدم جدوى استئصال الورم جذرياً إن كان فى مراحله الأخيرة، ويمكن إيجاز

هذه الأسس في: الاكتشاف المبكر – الجراحة المبكرة – الاستئصال التام.[59]

- توضح النصوص التاريخية السابقة أنه في حالة استئصال السرطان جراحياً، يجب ألا يتعدى ذلك كثيراً حدود الأنسجة الصحيحة، واستخدام الكى حال حدوث نزيف، يتشابه ذلك

مع ما فرضته خبرة الممارسة على جراحى اليوم فى هذا المجال، والذى يلزمهم بوضع خطة مسبقة لحماية الأنسجة الصحيحة من تعرضها للخلايا وحصرها فقط فى مكان

وجودها، وأهم التدابير الاحترازية فى هذه الخطة ربط الأوعية الدموية التى تسحب الدم من الورم، وعقد الأجهزة الأنبوبية المحيطة بجوانب الورم ولف العضو المصاب أثناء التدخل

الجراحى بقطعة قماشية (شاش)، وتغيير وتبديل الأدوات الجراحية والقفازات الطبية مراراً أثناء العمل.[60]

- الإشارة إلى وضعية المريض أثناء إجراء العملية الجراحية بما نصه "تنصب العليل نصبه يتمكن فيها بالعمل"، وتبدو وضعية المريض والطبيب والمساعد واضحة في رسم تصورى

نفذ بالحفر على النحاس، تنسب للقرن 12هـ/18م، محفوظة بمتحف الفن الإسلامي ببرلين،[61] وقوام زخرفتها رسم تصورى منفذ بالحفر على النحاس لابن سينا يقوم بإجراء

عملية جراحية (لوحة 3)، وفيها يرقد المريض بين يدى الطبيب، وقد رسم مستلقياً على ظهره مغلق العينين مثبتاً رأساً، وتبدو الآلات الجراحية على منضدة صغيرة مستطيلة

موضوعة بالقرب من يد الجراح، في حين يجلس مساعدو الطبيب وتلاميذه على يسار المنظر، وقد أمسكوا بأيدى وأرجل المريض لضمان ثباته ومنعه من الحركة، ويمكن

الاسترشاد بهذا الحفر لتصور الجراحة موضع البحث، كذلك إيضاح الدور الهام لمساعدى الطبيب أثناء العمليات الجراحية، وتبين المصادر التراثية أن الممرض بمثابة اليد اليمنى

للطبيب، حيث يقوم بإعداد آلات الجراحة ومناولتها للطبيب، كما أنه يراقب نبض المريض أثناء العملية الجراحية، ومن أهم صفاته أن يكون لطيف الحركة، لا يؤخر مناولة الطبيب،

وأن يكون بغاية الطاعة للمعالج في جميع ما يأمره به، وأن يؤدى عمله صامتاً، لأن الحديث قد يشغل المعالج عن فعل شيء من الواجب عليه فعله وقت العمل.[62]

- أما أهم سمات الجراح فتتلخص في أنه يجب أن يكون شاباً أو في أوائل تقدمه في السن، ويده قوية وثابتة، ويكون ماهراً في استخدام اليد اليسرى مثل اليمنى، وذا بصر حاد وصاف، كما يتمتع بروح مقدامة، ولا يخاف، وليس به شفقة سوى أمله في شفاء المريض، بحيث لا يتأثر ببكائه أو صراخه ولا يزيل أكثر أو أقل مما يجب استئصاله.[63]

-     لا نستبعد أن تكون العمليات الجراحية لاستئصال الأورام السرطانية قد تمت تحت تأثير التخدير والتسكين لإبطال حس المريض من تلك المسكنات "المرقد" وهو مخدر عام

لإبطال حس المرضى فى العمليات الجراحية وذلك بوضع إسفنجة مخدرة فى عصير الحشيش والأفيون والزؤان ونبات البنفسج والسيكران (هيوسيماس) ثم تجفف قطعة

الإسفنج فى الشمس، وهكذا تكون معده للاستعمال حيث ترطب ثم توضع على أنف المريض فتمص الأنسجة المخاطية المواد المخدرة ويدخل المريض فى سبات عميق،

ونستدل على ذلك بما ذكر عن تسكين الأورام الحارة في نسخة من مخطوط نزهة لأذهان في إصلاح الأبدان لداود بن عمر الأنطاكى 1213هـ، محفوظة بدار الكتب المصرية

بالقاهرة تحت رقم 895 طب، وورد فيها ما نصه (لوحة  4):

السطر الثامن عشر: وعلاجها أولاً بالردع والتسكين...

السطر التاسع عشر: والبنج والأفيون و... والكزبرة ثم الاستفراغ

 

أهم نتائج البحث:

- قدم البحث صورة واضحة للتفكير العلمى المدون فى مصادرنا التراثية موضحاً التطور الذي مرت به العلوم، كاشفة عن مجموعة من المشاهدات والقوانين التي ربما كانت ناقصة

ولكنها بالضرورة ليست خطأ.

- يؤكد البحث أن الطب العربى الإسلامي لم يكن بعيداً عن الأفكار الرئيسية فى تعريف الأورام السرطانية وأنواعها وأسباب حدوثها وتشخيصها ومبادئ علاجها.

- قدم البحث معلومات أصيلة عن الأسلوب العلمى والمنهج الذي اتبع في الجراحة، كما سردت الدراسة أهم إجراءات جراحة استئصال الأورام السرطانية، ووضعت تصور للعملية

الجراحية موجزاً في نقاط، مع ذكر وضعيات المعالج والمساعدين أثناء الجراحة استناداً إلى دراسة لحفر منفذ على النحاس ينسب للقرن 12هـ/18م، كذلك قارنت بين بعض

المبادىء الجراحية التي اتبعت عند استئصال السرطان في العصر الإسلامي ومقارنتها مع الطب الحديث بحيث أظهرت تشابه واتفاق في العديد من الإجراءات والمبادئ

الجراحية الخاصة باستئصال السرطان، من ذلك الاشتراطات الواجب توافرها في المريض ومراحل المرض، وشددت على ضرورة الاستئصال التام الكامل بكل دقة واتقان للجزء

المصاب حتى لا يبقى في الجسم أي جذر من جذور المرض.

- لفتت الدراسة إلى أنه لا يرجى شفاء الحالات المتأخرة حال تفشى المرض مع تأكيد الأطباء المسلمين على تسكين الآلام الناتجة عن المرض بما يعرف حالياً بتحسن نوعية

الحياة لمريض السرطان، وإن كنا نؤكد أنه ليس هناك مكان لغير المتفائلين فى علم الأورام السرطانية.

- يؤكد البحث أن دراسة تاريخ العلم ينبغى أن يكون بقصد تقديم صورة واضحة للتفكير العلمى فى عصر من العصور، عند أمة من الأمم، بهدف التعرف على تطور العلوم عبر

تاريخها الطويل، وليس الهدف من هذه الدراسة -على النحو الذى قدمناه- أن ننتهى إلى معرفة ما نجهله اليوم، وإنما نفتح الباب لمزيد من البحث فى هذا النوع من المعرفة،

والتأكيد بموضوعية على فضل العلم العربى الذى يمثل طوراً من الحضارة الإنسانية، وكان حلقة وصل بين فلسفة العصر الإغريقى وعلمه، وبين حضارة العصور الحديثة

واستكشافاتها.

[1] كان أبقراط Hippocrates أول من استخدم كلمة سرطان للتعبير عن هذا المرض، حيث شبهه بالسرطان الحيوان البحرى الذى يتحرك في جميع الاتجاهات ويحطم بأرجله

العديدة أى شئ يقف أمامه، والسرطان –المرض- يشبه هذا الحيوان فى أن له عروقاً وينتشر فى أى اتجاه.

أحمد محمد الحضرانى، العلوم السرطانية وجراحة الثدى فى الطب العربى، مجلة الأزهر، ع 32 (2)، إبريل 2005م، ص 351.

[2] ميشال كرم، السرطان، معهد الإنماء العربى، ط1، بيروت، 1980م، ص ص 41-42.

[3] هيلين بير وآخرون، الدليل العلمى للسرطان عند الرجال، ترجمة: قسم الترجمة بدار الفاروق، ط1، 2005م، ص 24.

[4] نقش مجهول فى بعض مقابر الأسرة السادسة بسقارة كشف أوراماً كثيرة، منها ورم بالثدى، ولعله أراد بهذا الرسم أن ينقل واقع مجتمعه وشخصياته.

هاشم عبد الله عبده الهوارى، الطب الفرعونى، مجلة كلية الآداب بسوهاج، ع9، مج1، 1990م، ص 360.

يحتفظ معهد الأورام بالقاهرة بصورة أخذت بالأشعة لمومياء أحد الفراعنة الشبان الذي عاش قبل أربعة آلاف سنة من الميلاد، والتى تؤكد أن سبب الوفاة نتيجة إصابة بورم خبيث فى عظم الفخذ.

ميشال كرم، السرطان، ص 43.

[5] اكتشفت بردية أدوين سميث Smith Papyrus فى ضواحى الأقصر سنة 1861م، واشتراها عالم الآثار أدوين سميث، وبعد وفاته أهدت ابنته ليونورا سميث هذه البردية إلى

الجمعية التاريخية بنيويورك، تكشف هذه البردية الجانب الجراحى فى الطب عند قدماء المصريين بالإضافة إلى خلوها من السحر والشعوذة، وتتميز هذه البردية بأن المعلومات

الواردة فيها مرتبة ترتيباً جيداً، طول البردية 4.68م، وعرضها 33سم، وعدد الأسطر 469 سطر، وقد كتبت بلونين هما الأسود والأحمر، وذكر بها ثمانية وأربعون حالة من حالات

الجروح والكسور والتقيحات والأورام.

هاشم عبد الله، الطب الفرعونى، ص 365.

[6] وفاء أحمد السيد بدار، الطب والأطباء فى مصر الفرعونية حتى نهاية الدولة الحديثة (دراسة تاريخية وحضارية)، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، 1993م، ص 84.

[7] اكتشف العالم الألماني Ebers البردية التي سميت على اسمه (بردية ايبرس) في مدينة الأقصر، وهى محفوظة الآن في متحف ليبزج بألمانيا، طولها 20م، وعرضها 30سم،

تحتوى على 811 وصفة طبية وتتكون من 2289 سطر.

سعيد مغاورى، قبس من التراث والحضارة الإسلامية، القاهرة، 2012م، ص 160.

[8] ولد جالينوس فى مدينة برغام Pergamon (131 ق.م) فى آسيا الصغرى، وتقع هذه المدينة شمال أزمير التركية، عندما بلغ جالينوس العشرين من عمره توجه إلى

الاسكندرية حيث تعلم الطب فى مدرستها، ثم عاد إلى مدينة برغام ليعين طبيباً فى مدرسة لتعليم المصارعة، ثم سافر إلى روما وأصبح من كبار أطبائها، بقيت مؤلفات

جالينوس المرجع الأهم للأطباء خمسة عشر قرناً، ويرجع ذلك للطريقة التى ابتدعها فى التشريح وفى العلاج، ويمثل جالينوس الحلقة الأخيرة فى سلسلة الطب الإغريقى

التقليدى.

سمير يحيى الجمال، تاريخ الطب والصيدلة المصرية (العصر اليونانى-الرومانى)، ج2، ع 99، القاهرة، 1997م، ص ص 419-439.

[9] اويليوس كورنيليوس كلسوس 50-25 ق.م، ألف موسوعة ضخمة باللغة اللاتينية حوت علوم الفلسفة والاستراتيجيات الحربية والقانون وفن البلاغة والفقه والطب وغيرها.

سمير يحيى الجمال، تاريخ الطب والصيدلة، ج2، ص ص 314-315.

[10] ولد روفوس فى مدينة أفسوس وقد عاصر حكم الامبراطور الرومانى تراجان (98-117م) كأحد أنبغ الأطباء والجراحين وعلماء التشريح فى زمانه وألف حوالى 50 كتاباً عن

الطب والتشريح.

سمير يحيى الجمال، تاريخ الطب والصيدلة، ج2، ص 415.

[11] ارخيجينيس فيلييوس (145-75م) هو طبيب إغريقى ولد فى مدينة اباميا، عاش فى روما فى عصر الامبراطور تراجان، وبرز واشتهر كأفضل مؤلفى الكتب الطبية فى روما، وترجمت جميعها خلال العصر الإسلامى.

سمير يحيى الجمال، تاريخ الطب والصيدلة، ج2، ص ص 417-418.

[12] سمير يحيى الجمال، تاريخ الطب والصيدلة، ج3، ص 49.

[13] طنطاوى جوهر، الحضارة فى الإسلام، مجلة حضارة الإسلام، القاهرة، 1925م، ص 1.

[14] ولد الرازى بإقليم الرى بفارس عام 240هـ/854م، واختلف العلماء فى تحديد تاريخ وفاته فذكرت بعض المصادر أنه توفى عام 311هـ/923م فى حين تزيد بعض المراجع إلى

عام 364هـ/975م، يعد الرازى طبيب المسلمين الذى مهر فى المنطق والهندسة وغيرها من علوم الفلسفة، وظل حجة فى الطب حتى القرن السابع عشر، ويعد من

الموسوعيين حيث شملت مؤلفاته الطب والطبيعيات والإلهيات وفنون شتى وقيل أنه اشتغل بالطب بعد الأربعين وطال عمره وعمى فى آخر عمره، أخذ الطب عن الحكيم ابى

الحسن على بن الطبرى صاحب "فردوس الحكمة"، بلغت مؤلفاته 224 كتاباً من أشهرها "الحاوى" و"المنصورى" وكتاب "سر الأسرار".

محمد غريب جوده، عباقرة علماء الحضارة العربية والإسلامية فى العلوم الطبيعية والطب، ط2، القاهرة 2004م، ص 90- سعيد مغاورى، قبس من التراث والحضارة الإسلامية

وحديث عن الوثائق العربية فى حضارة الإسلام، ط1، القاهرة 2012م، ص 155.

[15] أحمد محمد الحضرانى، العلوم السرطانية، ص ص 351-352.

Cosman (M.P.) & Jones (L.G.), Handbook to Life in the Medieval World, USA, 2009, p.497.

[16] ميشال كرم، السرطان، ص 44.

[17] الطبرى (أبو الحسن أحمد بن محمد ت بعد 336هـ/976م)، أمراض العين ومعالجتها، المعالجات البقراطية، تحقيق: محمد رواس قلعجى ومحمد ظافر الوفائى، مؤسسة

الفرقان للتراث الإسلامى، لندن، 1998م، ص 427.

[18] محمد غريب جوده، علماء الحضارة العربية، ص 172.

[19] ادوارد القش، ابن سينا، القانون فى الطب، ج4، بيروت، 1987م، ص 972.

[20] محمد غريب جوده، علماء الحضارة العربية، ص 242.

[21] ابن النفيس (علاء الدين على ابن أبى الحزم القرشى ت 687هـ/1288م)، الموجز فى الطب، تقديم: يحيى مراد، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2004م، ص 279.

[22] ابن النفيس (علاء الدين على ابن أبى الحزم القرشى ت 687هـ/1288م)، المهذب فى الكحل المجرب، تحقيق: محمد ظافر الوفائى، منظمة المؤتمر الإسلامى

(ايسيسكو)، 1988م، ص 388.

[23] الغافقى هو محمد بن قسوم بن أسلم الغافقى، عاش فى القرن الثانى عشر الميلادى وتوفى سنة 560هـ/1165م، ونسبته تدل على أنه من مدينة غافق، ويعتقد أنها

مدينة دى كويهو De Quijo الحالية فى منطقة Pedroche، وهى من أعمال قرطبة، والكتاب نشر وتحقيق لمخطوط حصل عليه المؤلف من دار الكتب المصرية بالقاهرة عام

1984م، ورقمه 1808 بعنوان "كتاب فى الطب" دون ذكر اسم مؤلفها بينما ناسخها هو عبد اللطيف فخر الدين، وبالمقارنة يتبين أن هذه المخطوطة صورة عن نسخة من كتاب

(المرشد فى طب العين) المحفوظة فى مكتبة الاسكوريال برقم 835.

محمد بن قسوم بن أسلم الغافقى الأندلسى (ت بعد سنة 595هـ/1197م)، كتاب المرشد فى طب العين، تحقيق: محمد رواس قلعجى وآخرون، مدينة الملك بن عبد العزيز

للعلوم والتقنية، 1990م، ص ص 23-25.

[24] الغافقى، كتاب المرشد، ص 257.

[25] يعد الزهراوى Albucasis أشهر من ألف فى الجراحة عند العرب، وكتب كل علمه فى مؤلفه المهم "التصريف لمن عجز عن التأليف" والمحتوى على ثلاثين مقالة، وقد أصبح

التصريف الكتاب الأساسى لجراحى الغرب حتى القرن السابع عشر الميلادى وظل مرجعاً لدارسى الطب فى بعض جامعات أوروبا مثل سالرنو ومونبيليه، واعتمد على هذا

الكتاب معظم الجراحين الإيطاليين فى عصر النهضة، ولهذا يعد الزهراوى الجراح الكبير فى تاريخ الطب فى الدولة الإسلامية.

السيد عبد العزيز سالم، قرطبة حاضرة الخلافة، ج2، الإسكندرية، 1970م – مصطفى لبيب عبد الغنى، دور الزهراوى فى تأسيس علم الجراحة (ت بعد 404هـ/1012م)، القاهرة،

2000م، ص ص 7-10 – عبد العظيم الديب، أبو القاسم الزهراوى، ط3، القاهرة، 2012م، ص ص100-103.

[26] الأداة الجراحية عبارة عن آلة أو جهاز صمم خصيصاً لإجراء أفعال محددة للوصول للنتائج المرجوة خلال العملية الجراحية أو الإجراء الطبي.

هناء محمد عدلى حسن، مجموعة جديدة من آلات الجراحة في العصر الإسلامي "دراسة آثارية فنية"، المؤتمر الدولى الثالث عن التأثير والتأثر بين الحضارات القديمة، مجلة

مركز الدراسات البردية والنقوش، جامعة عين شمس، ج1، 2012م، ص 249.

[27] عبد الناصر كعدان، الجراحة عند الزهراوى، ط1، سلسلة التراث الطبى العربى الإسلامى، دار القلم العربى، سوريا، 1999م، ص 169.

[28] الغافقى، كتاب المرشد، ص 256.

[29] حسب أبقراط فإن الكون يتألف من عناصر أربعة هى الماء والهواء والتراب والنار، يقابلها فى الجسم البشرى أخلاط أربعة هى الدم الذى يأتى من القلب، والبلغم الذى يأتى

من الدماغ ثم ينتشر فى سائر الجسم، والصفراء التى يفرزها الكبد، والسوداء التى تأتى من الطحال والمعدة وهذه الأخلاط عبارة عن أجسام سياله يستحيل إليها الغذاء، لذا

فالدم له خواص الهواء، أى حار رطب، والصفراء لها خواص النار، أى حارة جافة، والسوداء لها خاصية التراب أى باردة يابسة، وهى تكون عادة متوازنة فى الجسم البشرى، فإذا

حدث اختلال فى واحد منها أو أكثر نتج المرض.

سيد خورشيد حسين أنور، الطب الإسلامى وتوافقه مع الطب الحديث، أعمال المؤتمر العالمى الثانى عن الطب الإسلامى، ع1، ط2، الكويت، 1982م، ص 122.

[30] أحمد عبد الرازق أحمد، أضواء جديدة على طاسة الخضة النقوش المدونة عليها، مجلة مركز الدراسات البردية والنقوش، ع22، القاهرة، 2005م، ص 256.

[31] فؤاد سيزكين، مكانة العلماء المسلمين فى تاريخ الطب، أعمال المؤتمر العالمى الثانى عن الطب الإسلامى، ع1، ط2، الكويت، 1982م، ص 142.

[32] الغافقى، كتاب المرشد، ص 256.

[33] أحمد محمد الحضرانى، العلوم السرطانية، ص 353.

[34] أحمد محمد الحضرانى، العلوم السرطانية، ص 354.

[35] ابن النفيس، الموجز فى الطب، ص 187.

[36] عبد الرازق الطنطاوى، فصول فى الحضارة الإسلامية، الطب والبيمارستانات فى الإسلام، ط 1، مطبعة السعادة، 1988م، ص 84.

[37] أحمد محمد الحضرانى، العلوم السرطانية، ص 454.

[38] يحيى سمير الجمال، الطب والصيدلة، ج3، ص 115.

[39] يحيى سمير الجمال، الطب والصيدلة، ج3، ص 108.

[40] ميشال كرم، السرطان، ص 44.

[41] أحمد فؤاد باشا، الطب الإسلامى أساس العلوم الطبية المعاصرة دراسة تأصيلية، مجلة تراثيات، ع3، (ذو القعدة 1424هـ/يناير 2004م، ص ص 32-33.

[42] الحسين بن عبد الله أبو على المعروف بابن سينا (370-428هـ)، القانون فى الطب، ج3، ط1، دار إحياء التراث العربى، بيروت 2005م، ص ص 193-194.

[43] ابن سينا، القانون فى الطب، ص 1946.

[44] محمد شايب، دراسة وتحقيق مخطوط الكافى فى الطب لابن زربى تظهر الجوانب المضيئة والمجهولة فى تاريخ العلوم الطبية، الندوة الدولية الثامنة لتاريخ العلوم العربية،

مركز المخطوطات فى مكتبة الاسكندرية، 28-30 أيلول 2004م.

[45] أحمد محمد الحضرانى، العلوم السرطانية، ص 454.

[46] على بن عيسى الكحال، مخطوط تذكرة الكحالين، رقم 24 طب محفوظ بدار الكتب المصرية بالقاهرة، ورقة 82، سطور 6-12.

[47] محمد غريب جوده، عباقرة علماء الحضارة العربية، ص 179.

[48] الغافقى، كتاب المرشد، ص 368.

[49] القيسى (أبو العباس أحمد بن عثمان بن هبه الله ت 657هـ/1259م)، نتيجة الفكر فى علاج أمراض البصر، تحقيق: محمد ظافر الوفائى ومحمد رواس قلعه جى، مؤسسة

الفرقان للتراث الإسلامى، لندن 1998م، ص ص 74-75.

[50] صلاح الدين بن يوسف الكحال الحموى (حوالى 696هـ/1296م)، نور العيون وجامع الفنون، تحقيق: محمد ظافر الوفائى، ط1، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامى، لندن

1987م، ص 366 – خليفة أبى المحاسن الحلبى، الكافى فى الكحل، تحقيق: محمد ظافر الوفائى، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) 1988م، ص 232.

[51] يعرف ابن القف (أبو الفرج أمين الدولة بن يعقوب المعروف بابن القف الكركى، 630هـ/1233م) الجراحة بأنها "صناعة ينظر بها في تعريف أحوال بدن الإنسان من جهة ما

يعرض لظاهره من أنواع التفرق في مواضع مخصوصة وغايتها إعادة العضو إلى الحالة الطبيعية الخاصة به".

محمد عبد اللطيف، الطب والأطباء في مصر خلال عصر سلاطين المماليك "648-923هـ/1250-1517م"، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة القاهرة، 2009م، ص 47.

[52] محمد غريب جوده، علماء الحضارة العربية، ص 31.

[53] الصنانير جمع صنارة، وهي حديدة دقيقة معقوفة، والصنارة في الجراحة عبارة عن مرود له طرف معقوف، وأنواعها كثيرة فهى إما بسيطة لها مخطاف واحد، او مركبة لها

مخطافان أو ثلاث مخاطيف، ولكل نوع من هذه الأنواع أشكال كبار وأواسط وصغار.

عامر النجار، في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية، ط3، القاهرة 1994م، ص 168، ميادة عبد الشكور، دراسة لآلات الجراحة عند الزهراوى وابن البيطار والسينوبى (من خلال

المخطوطات الطبية بدار الكتب المصرية، رسالة ماجستير، كلية السياحة والفنادق، جامعة حلوان، 2011م، ص 302.

[54] عبد العزيز ناصر الناصر وآخرون، الزهراوى، الجراحة، المقالة الثلاثون، ط2، مطابع الفرزدق، الرياض، 1993م، ص 270.

[55] أحمد فؤاد باشا، الطب الإسلامى أساس العلوم الطبية المعاصرة دراسة تأصيلية، مجلة تراثيات، ع3 (ذو القعدة 1424هـ/يناير 2004م، ص ص 31-33.

[56] عبد الرازق الطنطاوى، فصول فى الحضارة الإسلامية، الطب والبيمارستنات فى الإسلام، ط 1، مطبعة السعادة، 1988م، ص 103.

[57] أحمد ارحيم هبو، الطب والصيدلة في حضارات الشرق العربى القديم (العراق وسوريا)، الندوة العالمية الثامنة لتاريخ العلوم عند العرب، مركز المخطوطات بمكتبة

الإسكندرية، 28-30 أيلول 2004م، ص 9.

[58] أحمد مختار منصور، دراسة وتعليق على كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف، الجزء الثلاثون للزهراوى، مجلة معهد المخطوطات العربية، مج 26، ج2، القاهرة يوليو-

ديسمبر 1982م، ص ص 490-491.

[59] عبد الرحيم خلف عبد الرحيم، الأدوات الجراحية والأوانى الطبية الإسلامية من القرن الأول إلى القرن التاسع الهجرى، دراسة آثاريه حضارية، رسالة ماجستير، كلية الآثار،

جامعة القاهرة، 1998م، ص 99.

[60] ميشال كرم، السرطان، ص 142.

[61] Sharrafzadeh (A.S.), “Ibn Sina (Avicenna)”, A Historical Vignette, Neurosurgeon Focus II (2), Article 5, 2001, fig 3.

[62] ابن النفيس (على بن أبى حزم القرشى الدمشقى ت 687هـ/1288م)، المهذب في الكحل المجرب، تحقيق: محمد الوفائى وآخرون، ط1، المغرب، 1980م، ص ص 156-163.

[63] سمير الجمال، تاريخ الطب، ج2، ص 315.

خبير آثار يرصد أصول عاشوراء من مصر القديمة إلى العصر الإسلامى


أكد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمى بمناطق آثار جنوب سيناء أن عيد عاشوراء الذى يأتى فى العاشر من المحرم هو

عيد مصري قديم يرجع إلى الدولة القديمة فى أواخر عصر بناة الأهرام وكان من بين أعياد منف الدينية وكانوا يطلقون عليه عيد طرح بذور القمح المقدس ويقع فى اليوم العاشر

من شهر نوبى (طوبة) أول شهور الفصل الثانى من فصول السنة (فصل برت – البذر) طبقًا لما جاء في كتاب الدكتور سيد كريم"لغز الحضارة المصرية"

ويضيف د. ريحان أن قدماء المصريين كانوا يحتفلون بعيد عاشوراء بإعداد مختلف الأطعمة التقليدية الخاصة به والتى تصنع جميعها من القمح المعد للبذر وفى مقدمتها صحن

عاشوراء ولا تختلف صناعته وطريقة إعداده وتقديمه عما هو متبع حاليًا وكانت البليلة تصنع فى قدور خاصة ولا تزال حتى الآن من الأطعمة الشعبية المتوارثة وكذلك كعك

عاشوراء الخاص ويصنع من القمح وعسل النحل وكان يصنع على شكل القمحة أو السنبلة.

وينوه د. ريحان إلى أن يوم عاشوراء المصرى القديم تصادف مع العاشر من تشرى أول السنة العبرية وفيه أمر نبى الله موسى عليه السلام اليهود بالصيام تكفيرًا عن ذنب

عبادتهم للعجل فى الوادى المقدس طوى عند جبل الوصايا وهو عيد الكيبور وقد أخذ العرب فى الجاهلية عادة الاحتفال بعاشوراء والصوم عن اليهود وعند نزول الإسلام أمر النبى

عليه الصلاة والسلام المسلمين بالصيام فى نفس اليوم  والاحتفال به وقد صادف يوم عاشوراء المصرى القديم العاشر من تشرى أول السنة العبرية والذى صادف بدوره العاشر

من المحرم عند المسلمين.

ويوضح د. ريحان أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين سئل كيف يصوم المسلمون مع اليهود ويحتفلون معهم قال “نحن أحق بموسى منهم” . ويحتفل الشيعة أيضًا بعيد

عاشوراء لأن الحسين رضى الله عنه قتل فى يوم عاشوراء. كما أن بعض البلاد الآسيوية القديمة كان تحتفل به أيضًا فى نفس اليوم  على أنه اليوم المقدس الذى زرع فيه

سيدنا نوح عليه السلام القمحة فى الأرض بعد الطوفان.

ويؤكد د. ريحان أن المسلمين يحتفلون فى العاشر من المحرم بيوم عاشوراء وهو اليوم الذى قتل فيه أبو الشهداء الحسين بن على  رضى الله عنه  فى العاشر من المحرم

سنة 61هـ/680م بمدينة كربلاء بالعراق فى معركة بين الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه و جيش يزيد بن معاوية وذلك طبقًا لما جاء في دراسة أثرية للدكتور على

أحمد إبراهيم أستاذ الآثار الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة

وقد احتفل الفاطميون بهذا العيد بشكل رسمى وأصبحت مصر تحتفل به وتعتبره عيدًا من أعيادها الرسمية ولكنه عكس كل الأعياد فكان عيدًا للحزن والبكاء تعطل فيه الأسواق

وتغلق الدكاكين ويخرج الناس ومعهم المنشدون إلى الجامع الأزهر وتتعالى أصواتهم بالبكاء وعندما نقلت رأس الحسين رضى الله عنه إلى القاهرة وبنى لها المشهد الحسينى

كان خروج الناس إلى المشهد الحسينى 

ويشير د. ريحان إلى أن مظاهر الاحتفال تغيرت فى العصر الأيوبى السنى واعتبر ملوك بنى أيوب هذا اليوم فرح وسرور يوسعون فيه على أولادهم ويكثرون من الأطعمة الفاخرة

ويصنعون ألوان الحلوى ويكتحلون واستمر ذلك فى عصر المماليك وما يليه وصاحب هذا الاحتفال خلال العصور المختلفة كثير من الخرافات التى انمحى بعضها الآن نتيجة لانتشار

التعليم والثقافة وبقى البعض الآخر متداولا فى القرى وفى الأحياء الشعبية ومنها ظهور الجن فى هذا اليوم يطرق الأبواب ليفرغ ما لديه من الذهب.

ويتابع د. ريحان أن الاحتفال في عصر المماليك كان يتم منذ اليوم الأول حتى العاشر من المحرم واعتبر الفقهاء فى العصر المملوكي هذا اليوم من المواسم الشرعية الرئيسية

حيث تكثر الزينات والولائم وتسير المواكب وتنشد الأناشيد ويحضر السلطان إلى القلعة ومعه الشيوخ والقضاة وأهل العلم والأمراء ويبدأ القراء فى تلاوة القرآن الكريم وإنشاد

المنشدين فإذا ما انتهى كل منهم دفع إليهم السلطان بصرة فيها دراهم من الفضة وحينما تنقضى صلاة المغرب تمد الأسمطة ويوزع منها على الفقراء بعدها يمضى الجميع

بقية الليل فى سماع المطربين حتى الفجر.

ويرصد د. ريحان العادات التي لا تزال متبعة حتى الآن وهى صناعة نوع من الحلوى في هذا اليوم تسمى "عاشورا" وهو نوع يصنع من الحبوب أو من القمح عادة تطبخ على

شكل البليلة المعروفة ثم يصفى ويضاف إليه اللبن والسكر وبعض الياميش مثل الجوز واللوز والبندق وشراء البخور لتبخير المنازل لإبطال مفعول نظرة الحاسدين.

الرؤوس البديلة في الحضارة المصرية القديمة

كتبت - حنان محمد الشرقاوي- مدير عام ترميم متحف الشرطة القومي بالقلعة- وزارة الآثار، وماجستير في الآثار.

اعتاد ملوك الدولة القديمة على إقامة تماثيلهم ملتصقة بجدار المعابد الجنائزية إلى أن جاء الملك زوسر وكان أول من بنى لنفسه تمثالا منفصلا عن الجدار بمعبده الجنائزي

بسقارة بمواجهه الشمال حيث كان يعتقد المصريون أن الأرواح تسكن مع نجوم القطب الشمالي فكان الغرض منه إرشاد الروح إلى مكانها وإقامة الطقوس المختلفة لها، إلى أن

ذهب أكثر الباحثين إلى أن الغرض من إقامة تماثيل المقابر هي البديل عن الجسد الذي دب فيه الفناء حيث أن عملية التحنيط لم تكن كافيه للحفاظ على ملامح المتوفي فربما

لا تهتدي إليه روحه في العالم الأخر فصنع له تمثال في أحسن صورة وهو في فترة االحيوية والشباب، وكلمة تمثال في اللغة القديمة تعني (الجميل - الحسن - الكامل).

إلى أن جاء عهد الملك خفرع وعرف ما يسمى بالرؤوس البديلة أو الاحتياطية وهي رؤوس من الحجر الجيري بالحجم الطبيعي تحتوي على الملامح والصفات الجوهرية فأبدعو

في تماثيلهم بخطوط واضحة وقوية و في شكل رائع جميل زاد من حيويتها وساعد على ذلك إتقان الفنان ملامح الوجه الإنساني بكافه تفاصيله، إلى أن أصبح من السهل تمييز

جنس صاحب الوجه (رجل- أمرأه) ولكنه كان على وجه عام عليه مسحه من الجمود لم يكن يسمح لتطابقه التام بين الشخص وتمثاله رغم انه من الناحيه التشكيليه وصل إلى

درجه من النضج فاستعاض الفنان عن ذلك بكتابة اسم ولقب صاحبه عليه في مكان ظاهر، إلا أن اللصوص احيانا قاموا بالأستيلاء عليها ومحو الاسم القديم فأصبح من الضروري

ابتكار طريقه للأبداع تتماشى مع هذا المفهوم فنراه متمسكا بالمقاييس والمظاهر السائدة لجعل التمثال اقرب للواقع فطليت الرؤوس بلون البشرة والتطعيم احيانا.

 الرؤوس البديلة في الدولة الوسطى:

كان النحت في الدولة الوسطى يمتاز بالواقعيه التى تعبر عن تغير الأحوال خاصة في عصر الأسرة 12 وقت نشوب الصراع والقتال. ومثال على ذلك رأس الملك سنوسرت الثالث

التي ظهر عليها مسحه من الحزن وملامح تعبر عن الألم ولم تعد تنطق بالبهجة الالهيه ولكنها بدت كواجهه خشنه بل قاسية ولا ترى إلا حزينة غارقة في التأمل. ولقد لقيت أثار

الوسطى من تنكيل الغزاه و طمع الحكام .

الرؤوس البديلة في الدول الحديثه:

شهدت مصر عصرا لا مثيل له من الرقي والرخاء وتم إحياء الشعور الوطني في نفوس أهل طيبة فتأثر كذلك الفنانون والحرفيون وحفزهم ذلك على الوصول لأقصى درجه من

الإجادة لمسايرة الروح الوطنية الجديدة فعادوا للماضي المجيد والفن التقليدي وكانت نقطة الاختلاف بين رؤوس الدولة الوسطى والدولة الحديثه تظهر باستمرار في معالجه

الوجوه ففي الدولة الحديثة مهما كانت الخامة التي يشكل منها صلبة وجافة فقد شكلت الوجوه بصورة مثالية حسب تقاليد العصر. وتولى تحتمس الرابع الحكم وتغيرت البيئة

الثقافية للأسرة 12 وكذلك الرواج لسلع مثل البرونز والذهب و الفضة وازدادت النزعة الحسية في رؤوس هذه الفترة فنجد إحدى رؤوس الملك امنحتب الثالث والموجوده حاليا

في بروكلين تبدو فيها ملامحه المكتظة حيث أصبحت اسلوبا ونموذجا زخرفيا من حيث سماكة الخطوط الخارجية للعيون اللوزية والشفاه البارزه والحواجب المقوسة والأنف

المحدد، ومن أروع الأمثلة رأس الملكة ((تويا)) والتي يظن أنها أم الملكة ((تي)) من أواخر الأسرة 8 أو أوائل الأسرة 9، وقد صنعت من خش الجوز ولعلة خشب الصناديق التي

استوردت منها البضائع من اسيا، كذلك من الصقل ونجد العيون والحواجب الزجاجية المطعمة. ويرجع السبب في عدم العثور على رؤوس بديلة من الأسرة الأولى والثانية نظرا

لصناعتها من المواد العضوية مثل الخشب و العاج فكانت عرضه للتلف مما جعل الفنان يعود إلى التماثيل الحجرية وخاصة الحجر الجيري الذي أصبح في سبيله للنضج واصبح له

تقاليد يتوارثها الفنانون والمثالون في المصانع الملكية المخصصه للتماثيل في هذا الوقت فعثر على رأس من الحجر الجيري في حفائر بمنطقه الهرم تمتاز بالعظمه على الوجه

وكانت لأمير له لحية وكانت الملامح منفذة بدقه عاليه، وهذا النوع من الحجر قد انتشر استعماله من الأسرة الرابعة عصر الأهرامات، وكانت رؤوس الأعداء تصور في الأسرة

الرابعة كدعامات للاسقف لاتزال واضحة، فقد عثر على رأس لرجل على شكل مطرقة لباب فى عهد الملك خع سخم، الا انه من غير المؤكد الاستدلال على ظهور الرؤوس

الاحتياطيه أو البديلة في عصر الأسرة الرابعة، وانه من غير المؤكد ظهور ذلك الفن قبل ذلك.

وكانت تتلخص طريقة عمل الرؤوس البديلة في تشكيل سطوح الوجه بدون أي تفاصيل غير ضرورية فكانوا يصنعون وجهها حجريا على اساس أن يحاكي نموذجا مختصرا لملامح

الوجه وكانت توضع في حجرة الدفن بعد تشكيلها واضافة الملحقات من أذنين من الجصى الذي عالج به الفنان عيوب الرأس البديل التي صنعت من الحجر وكانت هذه الرؤوس

بصفة عامة تعبر عن الهدايا الملكية لأفراد الأسرة، وكانت هذه الرؤوس تتشابه تشابها عاما و ذلك مرجعه في الغالب إلى أسلوب التنفيذ وشخصية الفنان وعقله وعمق معرفته

بقواعد التشريح فقال عنها أرنولد أن استخدامها كان مرجعة إلى فكرة غريبة في حضارة الأسرة الرابعه ولعلنا جميعا نشعر بالفخر عندما نجد الفنان المصرى ابدع فى راس

الملكه نفرتيتى ذو التاج وراس اخرى بدون التاج فى الدوله الحديثه ونماذج لا حصر لها كانت تطورا للرؤوس البديله زخرت بها متاحف العالم وكانت شاهدا على حضارتنا الخالده.

المسكوكات الاسلامية في القرآن والسنة

كتب د. الشافعى محمد زهران

مدير عام الحفائر بوسط الدلتا

 

        جاء ذكر الدينار فذكر بلفظ المفرد في سورة آل عمران في قوله تعالى (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتٰبِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ

عَلَيْهِ قَائِمًا ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) {آل عمران آية 75} ، أما  الدرهم في القرآن الكريم بصيغة الجمع في قوله في

سورة يوسف (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُوْدَةٍ) {يوسف آية 20}.

 و في الحديث الشريف فقد ورد ذكرُهما كثيرًا. من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام «الدينار بالدينار لا فضلَ بينهما والدرهم بالدرهم لا فضلَ بينهما فمن كانت له حاجة بورق (

فضة ) فليصرفها بذهب ومن كانت له حاجة بذهب فليصرفها بالورق .الورق الدراهم المضروبة – والصرف هاء وهاء – أي يدًا بيد» ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه

وسلم اشترى حائطاً لبني النجار مساحتها 4200 مترًا بنى عليها مسجده بعشرة دنانير ذهباً دفعها من مال أبي بكر الصديق رضي الله عنه واشترى عثمان بن  عفان رضي الله عنه في عهد الرسول أرضاً زادها في المسجد بعشرة آلاف درهم.

        ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (تَعِسَ عبدُ الدينار تَعِسَ عبدُ الدرهم وعبد الخميصة) - الخميصة: ثوبٌ من قز أو صوف معلم - إن أُعْطِىَ رضي وإن لم يُعْطَ سخط تعس

وانتكس وإذا شيك فلا انتعش) أي إذا شاكته شوكة فلا قدر على انتقاشها أي إخراجها بالمنقاش – وهذا دعاء على من انقطع للدنيا وباع نفسه للمادة لا يرى للحياة غايةً وغير

زينه وجمع الحطام ولقد أبلغ الحديث في ذم من كانت هذه حاله حين عبر عنه بعبد الدينار والدرهم ومما قيل في هذا المعنى شعرًا :

         النار آخـــر دينار نطقتَ بــه

                       والهمُّ آخر هذا الدرهم الجاري

         والمرء بينهما مالم يكن وَرِعـــاً

                       مُعَذَّبُ القلبِ بين الهم والنــار

        وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم استمر الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم على نهج النبي بالتعامل بالمسكوكات النقدية الأجنبية، وذكر ابن خلدون في مقدمته أن

عمر بن الخطاب رضي الله عنه وضع ماهية الدرهم الشرعي في قوله (اعلم أن الاجتماع منعقد منذ صدور الإسلام  وعهد الصحابة والتابعين أن الدرهم الشرعي هو الذي تزن

العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب والأوقية منه درهماً وهو على هذا سبعة أعشار الدينار ووزن المثقال من الذهب اثنتان وسبعون حبةً من الشعير، فالدرهم الذي هو سبعة

أعشاره خمسون وخمسمائة حبة وهذه المقادير كلها بالإجماع.

        وعلى هذا كانت النقود الإسلامية على النمط البيزنطي ثم الساسانى ابتداءً من سنة 15هـ في عهد عمر بن الخطاب وظهر عليها بعض العبارات الإسلامية مثل «الحمد

لله» و«لا إله إلا الله» وأحياناً ظهر عليها اسم الخليفة عمر وفي العهد الأموي ضرب معاوية الدراهم و الدنانير، وظهر اسم معاوية على  هذه النقود أحياناً كما ظهر عليها بعض

العبارات الإسلامية مثل «بسم الله».

        وكانت النقود الإسلامية في كل هذه العصور وفي عهد عبد الملك بن مروان حتى سنة 76هـ تسير في فلك النقود البيزنطية شكلاً ووزناً وكانت في الغالب لا تزيد عن

إضافة كلمات إسلامية للدنانير البيزنطية أما عبد الملك فلم يقنع وإنما أحدث تغييرًا شاملاً في ضرب الدنانير بوجه خاص والنقود الفضية والنحاسية بوجه عام. وسبب ذلك أن عبد

الملك أثبت على القباطي المصري جملةً إسلاميةً هي (بسم الله الرحمن الرحيم) وكانت الروم تشتري هذه القباطي من مصر الإسلامية وكانوا يستعملونها في الورق وقد

أحزن ذلك الروم فطلب إمبراطور الروم من عبد الملك أن يحذف من القباطي هذه العبارة الإسلامية ولم ير عبد الملك أن يستجيب له وكره أن يبطل سنةً حسنةً استنها فأغتاظ

إمبراطور الروم وهدد بأنه إذا لم تحذف هذه الجملة فسيأمر بكتابة عبارة تعارض التفكير الإسلامي على عملة الروم وهي العملة المستعملة كثيرًا في العالم الإسلامي. إزاء هذا

التهديد كان على عبد الملك أن يجد طريقاً ليستمر في كتابة البسملة وفي الوقت نفسه يتحاشى استعمال نقود الروم وكان ذلك بدء التفكير الجدي لإنتاج نقود إسلامية .

        وجاء شكل الدينار الذهبي الإسلامي الذي سكه عبد الملك عام 77هـ على النحو التالي : نقش على حد الوجهين (الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد) ونقش على مدار

الوجه نفسه (بسم الله ضرب هذا الدينار في سنة سبع وسبعين) أما على الوجه الآخر فقد نقش (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) ونقش على مداره (محمد رسول الله أرسله

بالهدى ونور الحق ليظهره على الدين كله) أما وزن هذا الدينار فقد كان 4.25 غرام وهو الوزن الشرعي للدينار وكانت نسبة الذهب فيه نحو 96% لقد كان وقع سك الدينار على

بيزنطة بالغ القسوة؛ حيث فقد جستيان الإمبراطور البيزنطي صوابَه وأعلن الحرب على عبد الملك؛ ولكنها انتهت بهزيمة القوات البيزنطية هزيمةً منكرةً في منطقة {قلقيليه} يأسيا الصغرى..

        ثم أخذ الدينار الإسلامي بالانتشار التدريجي وغدا العملة الذهبية الوحيدة في العالم الإسلامي من حدود الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً ووضعت الدولة العربية الإسلامية

النظم والقواعد لدعمه وحمايته؛ ولكن لم يقتصر انتشار هذا الدينار داخل حدود العالم الإسلامي، وإنما اجتازها إلى مدن العالم القديم وأسواقه، وتسرب إلى مناطق لم يصل

إليها التجار المسلمون، وغدا بالتالي نقدًا دوليًّا رئيسيًّا على امتداد خمسة قرون من تاريخ العصور الوسطي.

متحف طنطا عروس الدلتا

كتبت- منى حمدى محمد رمضان

مهندسة آثار وجه بحرى

تُعد فكرة إنشاء متحف للآثار بطنطا من أقدم مشاريع إنشاء المتاحف الإقليمية بمصر، حيث أنه في عام 1913 وقع الاختيار على مبنى البلدية الخاص بالمدينة ليكون أول متحف

للآثار

بالمحافظة، ولكن سرعان ما أُغلق، ونُقلت آثاره إلى مدخل سينما البلدية عام 1957، ثم عادت فكرة إنشاء متحف طنطا مرة أخرى في بداية الثمانينات من القرن الماضي، وافتُتح

المتحف للجمهور في 29 أكتوبر 1990، ولكن بسبب المشكلات التي تعرض لها المبنى أُغلق المتحف مرة أخرى في عام 2000، ولكنه ظل يقدم بعضًا من خدماته الثقافية

والتعليمية لأبناء المحافظة.

وأعمال تطوير المتحف بدأت في ديسمبر 2017حيث بدأ العمل في إعداد مقايسة بنود أعمال الترميم التي تلزم المبنى بواسطة لجنة من كبار المهندسين بالإدارة الهندسية

المختصة بترميم المتاحف وقد تم استلام المتحف من قبل الشركة الوطنية للمفاولات والمتابعة للجيش المصري وتحت إشراف قطاع المشروعات بالوزارة في شهر مارس عام
٢٠١٨
حيث بدأت الأعمال و شملت صيانة المبنى ومعالجته إنشائيًا وعزل الأرضيات من الحرارة والرطوبة والبداية من بدروم المبنى حيث أثناء العمل وكشف الحوائط تلاحظ سوء حالة حديد

تسليح الأعمدة الحاملة للمبنى ووصول الصدأ بها لنسبة أكثر من

٧٠٪فاستجدت أعمال بالمقايسة لإنشاء قمصان خرسانية لجميع أعمدة دور البدروم بالكامل والتكشيف على جميع أعمدة الأدوار الأخرى للاطمئنان على الحالة الانشائية للمتحف

وأدى هذا الي مد الأعمال لفترة زمنية أطول وتكلفة أعلى مما كان متفق عليه مع الشركة ولكن حرص الوزارة على تسليم المتحف للجمهور بمنتهى الأمان الانشائي لم تتأخر

على صرف كل المستحقات المادية اللازمة للشركة لعمل اللازم ليخرج المتحف بهذه الصورة    ، أما باقي أدوار المتحف فتم تغير دهانات الحوائط وتنظيف الأرضيات الرخامية

وجليها بالاضافة إلى تزويد إنارة المتحف وتغيير لوحة الكهرباء العمومية المغذية للمبنى لسوء حالتها بإشراف مهندسين الكهرباء وتركيب مصاعد وتكييفات جديدة بواسطة

مهندسين ميكانيكا مختصين و انشاء شبكة إنذار جديدة ضد السرقة والحريق بواسطة مهندسين إلكترونيات محترفين وتم أيضا تزويد غرفة المراقبة بكل مايلزمها من شاشات

عرض وأجهزة،وايضا تغيير خط مياه الحريق بالكامل لتسببه في هبوط أرضيات مدخل المتحف الرئيسي لوجود تسريبات في مواسير التغذية القديمة كما تم تغيير مواسير الصرف

والتغذية بكامل المبنى حيث كانت من الحديد الزهر وتم استبدالها بمواسير بولي بروبلين من أجود الأنواع، وتم تغيير سيناريو العرض المتحفي للمتحف وإنشاء فتارين جديدة

بواسطة إدارة الترميم وتحت إشراف قطاع المتاحف، والذي من أهم ما يميزه هو فاترينة عرض خاصة يقدمها المتحف لزائريه،لعرض مجموعة من القطع الأثرية التي تعبر وتنقل

فكرة التواصل الحضاري والثقافي للمجتمع المصري، وموضوعها الموالد وأولياء الله الصالحين.

وسيعرض بداخل هذه الفاترينة تمثال للمهندس أيمحتب، وأيقونة للسيده العذراء، وتمثال للمعبود أوزوريس، كما سوف تشرح المادة العلمية الملحقة بالعرض المتحفي لها تاريخ

الموالد والاحتفال بأولياء الله الصالحين، ومنها الموالد في العصر المصري القديم مثل عيد الأوبت ومولد سيدي أبو الحجاج الأقصري، ومولد شيخ العرب السيد بمدينه طنطا، وأيضًا

مولد السيدة العذراء والسيد البدوي، وينقسم سيناريو العرض المتحفي به إلي قسمين؛ القسم الأول يضم الاكتشافات الأثرية للحفائر التي تمت بمحافظة الغربية، والقسم

الثاني يضم القطع التي ترمز للحياة اليومية والبعث والخلود. ومبني المتحف يتكون من خمسة طوابق، خصص الطابق الأول للخدمات والتي تتمثل في غرف الأمانات والتذاكر

وبيت هدايا بالاضافة الى دورات المياه، والطابق الثاني والثالث لعرض مختلف القطع الأثرية، والطابق الرابع به قاعة للمحاضرات ، أما الطابق الخامس مخصص للمكاتب الادارية

للموظفين.

دراسة تحليلية لنقوش نبطية من وادي مُكَتَب بجنوب شبه جزيرة سيناء

كتب د. محمود سالم

تصوير - مركز الخطوط بجامعة الإسكندرية ومديرها الدكتور أحمد منصور

تمهيد:

     وادي مكتب هو أحد أودية شبه جزيرة سيناء بجمهورية مصر العربية، و يًعَدّ شبه جزيرة سيناء البوابة الشرقية لمصر وهمزة الوصل بين قارتي آسيا وأفريقيا، فهي تمتد ما بين

البحر المتوسط شمالًا والبحر الأحمر جنوبًا، وما بين خليج العقبة وحدود مصر مع فلسطين شرقًا، وخليج السويس وقناة السويس غربًا، وقد أصبحت شبه جزيرة سيناء بهذا

الموقع الجغرافي المتميز من أكثر المناطق الصحراوية في مصر جذبًا للسكان، بل شهدت عبر مختلف العصور هجرات بشرية ما بين قارتي آسيا وأفريقيا بحكم كونها همزة الوصل

الرئيسية بينهما(1)، وكثيرًا ما استقرت أعداد كبيرة من هذه الهجرات داخل شبه جزيرة سيناء في نقاط معينة، تدلنا على ذلك الأطلال والأثار والكتابات والنقوش القديمة، ومن

هذه الهجرات التي جاءت إلى شبه جزيرة سيناء هم الأنباط، وهم قبائل بدوية عربية كانت تعيش خلال القرن السادس قبل الميلاد إلى الجنوب من دومة موطن بني قيدار، وهي

تقريبًا المنطقة الواقعة بين حائل جنوبًا والقصيم شمالًا، أي في شمال منطقة نجد وبالذات الصحاري الواقعة شمال شرقي القصيم بالمملكة العربية السعودية، ثم دفعتهم ظروف

ما، سواء كانت سياسية أم طبيعية، إلى ترك موطنهم الأصلي، والإقامة في المناطق التي يسكنها الآدوميون في شمال غرب شبه الجزيرة العربية(البتراء- الأردن)، وذلك خلال

القرن الرابع قبل الميلاد، فتحضرت هذه القبائل النبطية بحضارة الآدوميين(2)، واستطاع الأنباط أن يكونوا لهم دولة عظيمة في شمال غرب شبه الجزيرة العربية (الأردن حاليًا)

امتدت حتى عام 106م.

     ويُعد العصر الروماني أزهى عصر لتواجد الأنباط في مصر، فقد كان هناك تحالف تجاري بين الأنباط والرومان؛ حيث شارك الأنباط الرومان في نقل السلع التجارية إلى مصر التي

كانت محور الحركة التجارية الرومانية نظرًا لقربها من مصادر الانتاج، ويدل على ذلك النقوش النبطية- التي سجلها التجار الأنباط- المؤرخة بالعصر الروماني التي عُثِر عليها في

شبه جزيرة سيناء والصحراء الشرقية، ونتج عن هذه العلاقة  القوية بين الأنباط والرومان، أن الأنباط تحركوا في الأراضي المصرية بكل سهولة ويسر، فأصبحت شبه جزيرة سيناء

مملوءة بالجماعات النبطية الكثيرة، منها ما يشتغل في التعدين ومنها ما يشتغل في التجارة، ومن الأماكن التي شهدت تواجد الأنباط بشبه جزيرة سيناء وادي مكتب؛ حيث عثر

فيه على كمية كبيرة من النقوش النبطية، نتعرض لبعض منها بالدراسة والتحليل في الصفحات التالية.

أولاً: الموقع الجغرافي لوادي مكتب وأهميته

     يقع وادي مكتب في جنوب شبه جزيرة سيناء، في النطاق الجغرافي لمدينة أبو زنيمة التابعة لمحافظة جنوب سيناء، وعلى مقربة من وادي فيران ودير سانت كاترين، ويعتبر

أحد أودية الجانب الغربي بشبه جزيرة سيناء تلك الأودية التي تجري فيها مياه الأمطار لتصب في خليج السويس، وسمي وادي مكتب بهذا الاسم لكثرة الكتابات فيه وأهمها

الكتابات التي تركها الأنباط، وقد احتل هذا الوادي مكانة مرموقة منذ العصور القديمة، فقد كان معبرًا للقوافل التجارية القادمة من الشرق إلى مصر وغرب أفريقيا، حيث كانت

القوافل التجارية التي تسلك الطرق الجنوبية بسيناء تاتي من الشرق بداية من أيلة (العقبة حاليًا) على رأس خليج العقبة إلى ميناء دهب على الساحل الغربي لخليج العقبة،

ثم تتوغل هذه القوافل برًا إلى داخل سيناء لتصل إلى وادي فيران مرورًا بجبل موسى ثم تصل إلى وادي مكتب ثم وادي سرابيط الخادم ثم وادي النصب ثم وادي غرندل ثم

منطقة رأس سدر على الساحل الشرقي لخليج السويس، ثم منطقة عيون موسى شمالًا على نفس الساحل، ومنها إلى القلزم(السويس حاليًا)، ثم تتجه القوافل التجارية

غربًا إلى الدلتا ووادي النيل، ثم إلى مدينة الاسكندرية، وعندها تتجه هذه القوافل بحرًا إلى أوربا، وبرًا إلى غرب أفريقيًا، لذلك كان لوادي مكتب دورًا بارزًا في العصور القديمة، 

على ذلك الكمية الكبيرة للنقوش والكتابات التي تركها الأنباط أحد أشهر وأهم القوافل التجارية التي عبرت هذا الوادي(

ثانيًا: النقوش النبطية بوادي مُكَتَب:

النقش رقم (1):

س ل م   ع ب ط ت     ب ر    ب ر ي ا و

تحيات عبطة بن  بُرئُ.

     نقش تذكاري قصير، من علمين؛ بدأ النقش بالكلمة "س ل م"، وهو اسم مذكر مفرد في الحالة المطلقة معناه "سلام – تحيات"، وهو منتشر في اللغات السامية الأخرى (4).

ع ب ط ت:

     علم بسيط على وزن فعلة من عبط الذبيحة، أي ذبحها سليمة من غير علة(5)، وجاء العلم في النقوش النبطية الأخرى(6)، وجاء في النقوش العربية القديمة(7). يلي ذلك الاسم المفرد المذكر المضاف "ب ر" أي "بن"، الوارد بكثرة في النقوش النبطية(8) .

ب ر ي ا و:

     علم مختصر عنصره ب ر ي من "بُرئ " أي "بُرئ المريض"(9). وهكذا فهو يعني "شفي + اسم المعبود" والعلم بصيغته هذه سُجل في النقوش النبطية الأخرى(10)، وجاء في النقوش العربية القديمة(11).

النقش رقم (2):

1-ذ ك ي ر    م ع ي ن و     ب ر

2- ع ب د   ا ل ج ا

ذكرى معين بن عبد الجا.

ذ ك ي ر:

     اسم على وزن فعيل بمعنى" ذكرى"، عُرف بكثرة في النقوش النبطية، وجاء بالصيغة نفسها في النقوش الآرامية الدولية واللهجة الآرامية الفلسطينية، وفي التدمرية(12).

ع ب د  ا ل ج ا: علم مركب، من جملة اسمية من عنصرين، الأول الاسم ع ب د " خادم" الموجود بكثرة في

النقوش النبطية والمعروفة في أغلب اللغات السامية(13)، وكلمة ا ل ج ا أي " المعبود  ا ل ج". لذا فهو يعني "خادم المعبود الجا"، ومن الباحثين من يذكر أن (الجا، الجيا) اسم

مكان مقدس عند الأنباط وليس معبود، فهو اسم لمدينة وادي موسى القديمة التي تقع قرب مدينة البتراء، وارتبط هذا المكان بالأسماء المركبة النبطية مثل(عبد الجا) أو( أمة

الجيا) من باب تقديس المكان حيث وجود معبد لـ "ذو الشرا" بها، واعتبرت مركزًا دينيًا مهمًا(14)، والعلم بهذه الصيغة وجد في النقوش النبطية الأخرى(

النقش رقم (3):

1ــ  ذ ك ي ر   ع و ي د 

2- ب ر   أ و س و

ذكرى عويد بن أوس

ع و ي د: "عويد" علم بسيط على وزن فُعيل، معناه" اللطيف- المحسِن" مقارنة بالكلمة العربية "العواد" أي " البر، واللطف"(16). ورد العلم بصيغته هذه عدة مرات في النقوش

النبطية. (الذييب، 2010م، النقوش: 291، 352، 834: 2).

أ و س و: علم بسيط جاء بكثرة في النقوش النبطية(17)، وهو من أسماء الذِّئب(18)، ويأتي "أوس" بمعنى عطية أو هبة، وعُرِفَ العلم في النقوش التدمرية(19)، والنقوش العربية القديمة(20).

النقش رقم (4):

1- ل س ل م    وهـ ب و

2- ا ل ا ت.

ليسلم وهب اللات

و هـ ب و ا ل ا ت:

     لم يرد في هذا النقش التذكاري القصير إلا علم وحيد، يمكنه شرحه على أساس أنه علم مركب على صيغة الجملة الاسمية، عنصره الأول "و هـ ب" يعني "هبة- عطية"،

وعنصره الثاني " ا ل ا ت" أي "المعبودة اللات"، فيكون معنى العلم "هبة اللات، عطية اللات"، هذا وقد ظهر العلم بصيغته هذه في نقوش نبطية أخرى(21).

النقش رقم (5):

1- س ل م    ع ب د     ح  ر ث  ت

2- هـ ف ر ك ا   و ج ر م ي

3- غ ل ي م هـ

تحيات عبد حارثة القائد، وجرمي غلامه (عبده).

     نقش تذكاري امتاز في الإشارة إلى وظيفة عبد الحارثة وهي "القائد" التي تشير إلى وظيفة عسكرية، مع إشارته إلى أنه حضر إلى المنطقة برفقة غلامه جرمي.

ع ب د  ح رث ت: علم مركب، من جملة اسمية من عنصرين، هما ع ب د (انظر أعلاه)، والعلم ح ر ث ت العلم الذي عُرف به عدد من ملوك الأنباط(22)، لذا يكون معنى العلم "

خادم حارثة"، والعلم بصيغته هذه رُصِدَ في نقوش نبطية أخرى(23)، وفي النقوش العربية القديمة(24).

هـ ف ر ك ا: اسم مفرد مذكر معرف، عُرف في النقوش النبطية، ويعني "الحاكم، القائد"(25).

ج ر م ي: علم مختصر يعني "قرر+ اسم المعبود"، والجَــرْمُ: القطعُ(26)، ورُصد بصيغته هذه في نقوش نبطية أخرى، وجاء أيضًاً في النقوش النبطية في صيغة العلم المركب ج ر

م ا ل هـ ا" جرم الله -  قرر الله"،  ج ر م ال" جرم ايل – قرر المعبود ايل"(27).

غ ل ي م هـ: اسم مفرد مذكر مضاف إلى الضمير المفرد الغائب ويعني "غلامه، عَبْدَه"، عُرِفَ في النقوش النبطية(28).

النقش رقم (6):

ذ ك  (ي ر)

ذكريات.

     في هذا النقش لسبب أو أخر أكتفى كاتبه بكتابة الحرفين الأوليين من المصدر ذ ك ي ر أي "ذكريات"، ويبدو أنه اضطر إلى ذلك، إما لحلول الظلام أو تحرك القافلة.

النقش رقم (7):

  • غير واضح
  • ب ر
  • ا و ل ب ر
  • ع د ي و

...... بن أول بن عُدي.

     يبدو من خلال الصورة أربعة أسطر، الأول غير واضح، بينما السطر الثاني فهو اسم البنوة "ب ر" بمعنى "ابن"، ثم السطر الثالث ( ا و ل   ب ر)، و( ا و ل )هو العلم البسيط

"أوْل" من الكلمة وأَلَ أي "التجأ"(29)، ورد بصيغة (و ا ل ،  و ا ل و) كثيراً في النقوش النبطية(30)، بينما عُرِفَ في النقوش العربية القديمة بصيغة و ا ل ت(31)، وفي السطر الرابع

جاء العلم  ع د ي و (عُدي).

النقش رقم (8):

1- س ل م    ع ب ي د و    ب ر    و ا ل و

2- و    و ا ل    ب ر هـ 

تحيات عبيد بن وائل ووائل ابنه

ع ب ي د و: علم بسيط على وزن فعيل للتصغير والتحبيب، من ع ب د، ويعني " الخادم، العبد"، ورد بكثرة في النقوش النبطية(32)، ويعادل العلم المعروف حتى يومنا الحاضر "عُبَيْد"(33).

و ا ل و: علم بسيط على وزن فاعِل، معناه "الملتجأ"، من الكلمة وأَلَ أي "التجأ"(34)، ورد بكثرة في النقوش النبطية(35).

ب ر هـ: اسم مفرد مذكر مضاف إلى الضمير الغائب المفرد، ويعني "ابنه"(36).

النقش رقم (9):

1-  ذ ك ي ر   ص و ن و    ب ر .......

2-  ب ط ب

ذكرى صون بن .... الطيبة.

      في هذا النقش جاء العلم "ص و ن و" وهو علم بسيط ، بعده لفظ البنوة ب ر ثم علم أخر غير واضح حروفه، وفي السطر الثاني كلمة واحدة وهي ب ط ب: وهي اصطلاح

مكون من حرف الجر الباء، والاسم ط ب الذي يعنى (طيب)، فيكون المعنى "الخير، الطيبة"(37).

النقش رقم (10):

ذ ك ي ر    ع ب ي د و    ب ر   أوس

ذكرى عبيد بن أوس.

كُتب هذا النقش التذكاري أسفل النقش السابق، وقراءته المعطاة أعلاه مؤكدة فيما عدا العلم الأخير فالأحرف التالية لحرفه الأخير غير واضحة. لذا قرأناه ا و س أو ا و س و.

النقش رقم(11):

     نقش مكون من سطر واحد كتب بكتابة غير نبطية، لعلها بالخط اليوناني أو القبطي، ويمكن تمييز عدد من حروف هذا النقش كالاتي:

. . . . . . . B A. . . . . O C

النقش رقم(12):

ذ ك ي ر   أ و س و    ب ر    ع م ي ر و

ذكرى أوس بن عُمير

ع م ي ر و: علم بسيط على وزن فعيل، من عَ مْ ر، وقد جاء بصيغة  ع م ر ي و  في نقوش نبطية أخرى(38)، والعَمْرُ: ما بدا من اللِّثة، ومنه اشتقّ اسم عمرو. والعُمْرُ عُمْرُ الحياة.

وعَمَرَ النّاس الأرض يَعْمُرُونَها عِمارةً، وهي عامرة معمورة ومنها العُمْران. واستعمر الله النّاسَ ليَعْمُروها(39).

النقش رقم(13):

نقش مكون من ثلاثة أسطر كُتِب بكتابة غير نبطية لعلها بالخط اليوناني أو القبطي، ويمكن تمييز بعض الحروف والرموز مثل:

1- . . . . . . . K E

2-  α μ ε η ┼ . . . . .

3-  Θ C O B O H O ε  Θ c Ι  ε

النقش رقم (14):

فيما يبدو أنه ثلاثة حروف نبطية، ولكنها غير واضحة، لذا يصعب قراءتها.

النقش رقم (15):

1- س ل م     س و ي د و

2- ب ر    أ ع ل ا 

3- و  ع م ر و .....

تحيات سويد بن أعلى وعُمر.

أ ع ل ا : علم بسيط على وزن أفعل، معناه  "العالي"، جاء في نقوش نبطية أخرى (40)، وكذلك في النقوش العربية القديمة(41). والعلا: الرفعة والشرف(42).

النقش رقم (16):

غير واضح.

النقش رقم (17):

1- س ل م     ع م ر و      

2- ب ر    أ و ي س و  

تحيات عمرو بن أويس .

أ و ي س و: علم بسيط على وزن فٌعيل من أوس، ويعني "العطية، الهبة" (انظر نق:3).

النقش رقم (18):

1- س ل م  ..... ب ر

2- ج ر م ا ل  

تحيات ....... بن جرم إيل

     على الرغم عدم وضوح النقش وعدم اكتمال الصورة الفوتوغرافية إلا أنه أمكن تمييز سطرين لنقش تذكاري يبدا بكلمة س ل م، ثم العلم الأول غير واضح ويصعب تقديره لعدم

وضوح أي من حروفه، إلا أن لفظ البنوة ب ر في نهاية السطر الأول واضح. وقد تمكنا من قراءة العلم في السطر الثاني ويقرأ هكذا: ج ر م إ ل، وهو علم مركب، يعني " قرر ايل".

وقد ورد كثيراً بهذه الصيغة في النقوش النبطية(43)، (انظر أيضًا النقش رقم: 5).  

النقش رقم (19):

.... م ت    ب ط ب

م ت الطيبة.

      حال التصوير الغير دقيق إلى عدم ظهور بداية هذا النقش التذكاري؛ لذلك لم نتمكن إلا من قراءة الحرفين الأخيرين من الكلمة أو العلم السابق للاسم المفرد ب ط ب "الطيبة".

النقش رقم(20):

1- غير واضح

2- غير واضح

3- ب ر ي ك     ع م م

4- ب ر   ع د ي و   ( ب ر)    م ع ن و  

5- (و)   (ا) و ل و    ا ل ت   (و)   س ع د و   ب ر ....

 بركات عمام  بن عُدي بن مَعْن  و اول اللات و سعد ابن .....

      هذا النقش مكون من خمسة أسطر الأول والثاني غير واضح، ثم بقية سطور النقش لعلها تمثل نقش مستقل بذاته دون السطرين الأوليين، حيث اختلاف شكل الكتابة،

واختتم الكاتب هذا النقش بالعلم س ع د و: وهو علم بسيط يعني "السعيد"، وجاء كثيراً في النقوش النبطية والحضرية والتدمرية، وعُرف بصيغة س ع د في الثمودية والمعينية والصفوية(44).

النقش رقم(21):

س ل م   ع م رو    ب ر   ع و د و

تحيات  عُمَر  بن عواد.

النقش رقم( 22):

1- س ل م   ع ب د  ال ب ع ل ي     ب ر 

2- ع م ر و   ب ط ب

تحيات عًبْد البعلي بن عمر الطيبة.

النقش رقم( 23):

1- س ل م    ا و س ا ل هـ ي

2- ب ر  أ ع ل ا.

تحيات أوس الله بن أعلى.

أ و س ل ا هـ ي: علم مركب من عنصرين، "ا و س" ا ل ا هـ  ي"، ويعني " عطية الهي" وقد عُرِفَ الاسم بهذه الصيغة في النقوش النبطية، وجاء بصيغة أ و س ي في

النقوش التدمرية والعبرية القديمة(45).

النقش رقم (24):

س ل م    ج د ي و    ب ر  ب هـ ج هـ .

تحيات جُدي بن  بهجه.

النقش رقم (25):

1- س ل م

2- ش م ر (خ)

تحيات شمرخ.

     قراءة العلم الوحيد في هذا النقش قابلة للنقاش، ولعل القراءة المرجحة هي  ش م ر خْ: وهو علم بسيط ورد في نقوش نبطية أخرى بصيغة مشابهة هي:  ش ي م رخ(46)،

والشَّمارخ هي رؤوس الجبال، كما أن الشمروخ في النخل، هو العِثْكال الذي عليه البُسْر(47).

النقش رقم (26):

1- س ل م     أ و س و    ب ر   ا ع ل ا

2- ب ر    و هـ ب و    ل......

تحيات أوس بن أعلى بن وهب ل....

النقش رقم (27):

س ل م   أ و س ي و     ب ر  ي.....

الترجمة:

تحيات أوس بن ي...

النقش رقم (28):

عبارة عن سطرين من الحروف النبطية، متداخله، وفي حالة سيئة، مما جعل قراءتها من الصعوبة البالغة.

النقش رقم (29):

س ل م    ا و س و     ب ر     ك ل ب و     و    ك ل ب و      ب ر هـ       ب ط ب

 

تحيات أوس بن كلب وكلب ابنه الطيبة .

     كُتب هذا النقش التذكاري القصير الذي يشير إلى قوة صلة الرحم، فهو يجمع بين كاتبه أوس، وابنه كلب، بأسلوب رائع ينم على مقدرة رائعة بأسلوب الكتابة النبطية من

كاتبه. ك ل ب و:

علم بسيط يعني كلب، وهو نوع من السباع، والتسمية بالحيوانات مثل: أسد، كلب، فهد... الخ) معروفة عند الساميين بكثرة، وذلك لإنزال الرعب في الأعداء ورغبتهم كذلك في

التشبه بإحدى الصفات المستحسنة لهذه الحيوانات، وقد ورد هذا العلم بكثرة في النقوش النبطية(48).

النقش رقم (30):

س ل م   (ع) م ر و    ب ر    ع  و د و

تحيات عمرو بن عواد.

النقش رقم (31):

س ل م     و ا ل و      ب ر      هـ  ن ي ا و

تحيات وائل بن هاني .

النقش رقم (32):

1-  ذ ك ي ري ن    ز ي د و  ........

2-  و   ع م ر ي و   و    ا ........

3- (ا) س و د     ب ر  ا ع ل ا 

4- ب ط ب 

1- ذكريات  زيد ....

2- و عمرو  وا....

3- أسد بن أعلى.

4- الطيبة.

ذ ك ي ري ن: اسم جمع مطلق، معناه "ذكريات"(49).

و: حرف الواو في النبطية يأتي للجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، وقد يأتي للاستئناف أحياناً(50).

ا س و د: علم بسيط جاء في النقوش النبطية الأخرى، وهو معروف أيضاً في النقوش السامية(51)،وربما أن هذا العلم مأخوذ من اسم إله الأنباط "أس د و"، الذي ورد في

النقوش النبطية(52).

النقش رقم (33):

س ل م     ع ب د   ا ل ب ع ل ي    ب ر     ا و س ا ل هـ ي

تحيات عبد البعلي بن أوس الله.

النقش رقم (34):

 ن ع ر ت    ب ر   ا ب ي ن هـ    س ل م.

تحيات نعرة بن أبينه.

النقش رقم (35):

س ل م    أج م    ] ب ر[   م ر و ن.

تحيات أجم بن  مروان.

م ر و ن: علم بسيط، من "مَرْوَة" وهي الحجارة البيضاء الصغيرة عند سفوح الجبال(53)، وقد جاء هذا الاسم بكثرة في النقوش النبطية(54).

النقش رقم (36):

س ل م    ع م ي ر ت   ب ر    أ و س و 

تحيات عميرة بن أوس.

النقش رقم (37):

س ل م    و ت ي     ب رت   ع ز( ي ز و)

تحيات  وتي بنت عزيز .

النقش رقم (38):

س ل م     س و ي د و    ب ر   أ ع ل ا 

تحيات  سويد بن أعلى .

النقش رقم (39):

س ل م     ع م ر ي و    ب ر   ..... 

تحيات  عمرو  بن .....

النقش رقم (40):

.......د و       ب ط ب 

......  د و طيبة

     من الواضح أن هذا جزء من نقش نبطي تذكاري، جاء في الصورة خمسة أحرف فقط، الأول والثاني (د و)، لعلهما جزء من علم على شخص( ودو  أو  ا س و د و ......... الخ)،

ثم الكلمة  ب ط ب.

ثالثًا: الدلالة الحضارية للنقوش:

     ومن خلال هذه النقوش يمكن الوقوف على عدة نواحي ودلالات حضارية، يمكن سردها باختصار فيما يلي:

1- وجود الأنباط في منطقة وادي مكتب بجنوب شبه جزيرة سيناء، وكان هذا التواجد بدافع العمل في التجارة والتعدين، إذ أن هذه النقوش التذكارية هي نتاج القوافل التجارية

بالمنطقة الأخيرة من وادي مكتب، عند التقاء الوادي بساحل خليج السويس.

2- يرجع اختيار هؤلاء التجار الأنباط لهذه المنطقة (وادي مُكَتَبْ) إلى قربها من مدينة أبو زنيمه على الجانب الشرقي لخليج السويس، والتي تشير الأبحاث أنها كانت مكان

للتعدين وميناء في عهد المصريين القدماء، خاصة في عصر الدولة الوسطى.

3- بالنظر إلى الجانب الغربي لخليج السويس - الصحراء الشرقية- الموازي لمنطقة أبو زنيمه، نجد انتشار الكتابات النبطية في وادي عربة، وهذا يدل على انتقال الأنباط من

منطقة وادي مكتب إلى مدن وادي النيل عبر خليج السويس، وهذا يدل على انتشار أنباط وادي مكتب في ربوع مصر وعدم استقرارهم الدائم بشبه جزيرة سيناء.

4- أمدتنا هذه النقوش بعدد من أسماء الأعلام النبطية، مما عكس صورة للحياة الاجتماعية والدينية عند الأنباط.

5- دلت هذه النقوش على طبيعة واستمرار العلاقات العربية -المصرية خلال عصري البطالمة والرومان، فالأنباط هم أحد الجاليات العربية التي عاشت على أرض مصر في ظل

العمل في النشاط التجاري والتعدين لا سيما بعد قضاء الرومان على دولتهم عام 106م.       

أولاً: أسماء الأعلام الشخصية:

ا ب ي ن هـ:                                    34  .

أج م:                                                35.

أ و ل و:                                           9: 1.

أ و ل و  ا ل ت:                                20: 5.

أ و ي س و:                                             17: 2.

ا و س ا ل هـ ي:                              23: 1، 33.

أ و س و:                                       3: 2، 12، 26: 1، 29، 36.

أ و س ي و:                                    27.

أ ع ل ا:                                         15: 2، 23: 2، 26: 1، 32: 3، 38.

 (أ) س و د:                                    32: 3.

ب هـ ج هـ:                                    24.

ب ر ي ا و:                                    1.

ج د ي و:                                       24.

ج ر م ي:                                       5: 2.

ج ر م ا ل:                                      18: 1.

هـ  ن ي ا و:                                   31.

و ا ل:                                           8: 2.

و ا ل و:                                         8: 1، 31.

و هـ ب و:                                      26: 2.

وهـ ب و ا ل ا ت:                             4.

و ت ي:                                           37.

ز ي د و:                                          32: 1.

ي ر ع م م:                                      20: 3.

ك ل ب و:                                         29.

ك ع ب و:                                         37.

م ج د و:                                           20: 4.

م ع ي ن و:                                     2: 1.

م ع ن و:                                           20: 4.

م ر و ن :                                        35.

ن ع ر ت:                                       34.

س و ي د و:                                     15: 1، 38.

س ع د و:                                        20: 5.

ع ب د ال ب ع ل ي:                          22: 1، 33.

ع ب د   ا ل ج ا:                               2: 2.

ع ب د  ح ر ث ت:                            5: 1.

ع ب ط ت:                                      1.

ع ب ي د و:                                     8: 1، 10.

ع د ي و:                                        7: 4، 20: 4.

ع و د و:                                         21، 30.

ع و ي د:                  3: 1.

ع ز ي ز و:                                       37.

ع م م:                                               20: 3.

ع م ي ر و:                                      12.

ع م ي ر ت:                                    36.

ع م ر و:                                         15: 3، 17: 1، 21، 22: 2، 30.

ع م ر ي و:                                      32: 2، 39.

ش م ر (خ) :                                    25: 2.

 

ثانياً: الألفاظ والمفردات:

أ ب ي (هـ): "أبيه":                           34.

ب ط ب: " طيبة، بخير، حسناً":               9: 2، 19، 22: 2، 29، 32: 4، 40.

ب ر: " ابن":                                      1، 2، 3: 2، 5: 2، 7: 2، 3، 8: 1 : 2، 9: 1،      

                                                      10، 12، 15: 2، 17: 2، 18: 1، 20: 3 : 4،                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                          21، 22: 1، 23: 2، 24 ، 26: 1 : 2، 27، 29،     

                                                    30، 31، 32 : 3، 33، 34، 35، 36،37، 38،39.

ب ر هـ: "ابنه":                               8: 2، 29.

ب ر ت: " بنت":                              37 .         

ب ر ي ك: " بركات":                       20: 3.

ذ ك ي ر: "ذكرى":                                  2: 1، 3: 1، 6، 9: 1، 10، 12.

ذ ك ي ري ن: " ذكريات":                 32: 1.

هـ ف ر ك ا: " الحاكم، الوالي":           5: 2.     

و: " حرف العطف ":                                5: 1، 8: 2، 15: 3، 20: 4 : 5، 32: 2.

ل س ل م: "ليسلم":                                  4: 1.

س ل م: "تحيات، سلام":                    1، 5: 1، 8: 1، 15: 1، 17: 1، 18: 1، 21، 22:

                                                  1، 23: 1، 24، 25: 1، 26: 1، 27، 29، 30، 31،

                                                    33، 34، 35، 36، 37، 38، 39.

الاختصارات:

Arab arch epi: Arabian Archaeology and Epigraphy.

BSOAS: Bulletin of the School of Oriental and African Studies.

CIS: Corpus Inscriptionum Semiticarum. 

RB: Revac biblique.

اختصــارات أخـــرى:

ج: جزء.

هـ: هجري.

ط: طبعة.

م: ميلادي.

مج: مجلد.

نق: نقش.

ص: صفحة.

م: ميلادي.

الهوامش:

(1)محمد صبري محسوب سليم: جغرافية الصحاري المصرية، الجزء الأول شبه جزيرة سيناء، دار النهضة العربية، القاهرة،       1989مـ، ص 192.

(2)آنو ليتمان: "محاضرات في اللغات السامية"، مجلة كلية الآداب، جامعة الملك فؤاد، المجلد الثالث،ج1، القاهرة، 1935م،  ص 7

(3)عبد الرحيم ريحان: سيناء ملتقى الأديان والحضارات، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 2013م، ص 17-18.

(4) سليمان بن عبد الرحمن الذييب: المعجم النبطي، الطبعة الأولى، الرياض، 2000م، ص77.

(5) مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، دار الدعوة للنشر، القاهرة، ج2، ص602.

Cantineau, J., (1978): Le nabateen, II, Paris, p.126. (6)

(7)Harding, G, (1971): An Index  and Concordance of  Pre-Islamic Arabian Names and Inscriptions, Harrassowitz Verlag, Wiesbaden, p.403.

(8) Al-Qudrah, H., Abdel Aziz, M., (2008): Kinship terms in Nabataean inscriptions, Arab.arch epi.:19, p.195.

                 للمزيد انظر سليمان الذييب: المعجم النبطي، ط 2، الرياض، 2014، ص 93.                                                             

(9) مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، دار الدعوة للنشر، القاهرة، ج2، ص46.

(10)Euting, J.,(1981): Sinaitische Inschriften, Druck Und Verlag Von Georg Reimer, Berlin, os.21, 41,p.108     

(11)Harding, G.,: An Index  and Concordance of  Pre-Islamic Arabian Names And Inscriptions,    

      p.99..

 (12) سليمان بن عبد الرحمن الذييب: المعجم النبطي، ط 2، ص 119.

(13)Al-Theeb, S, )1993(: Aramaic And Nabataean Inscriptions From North-west Saudi Arabia,  King Fahd National Library publications , Riyadh, p.95.

(14) ندى عبد الرؤوف الروابدة: الحياة الدينية عند الأنباط، رسالة دكتوراه لم تنشر بعد، كلية الأداب، جامعة دمشق،2008م، ص127.

CIS.: 157:2 ; Savignac: "Le Sanctuaire d Allat a Iram" RB, 1993, 5:4. (15)

(16) سليمان بن عبد الرحمن الذييب: مدونة النقوش النبطية في المملكة العربية السعودية، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 1431هـ، مج 1، نق:291.

(17)Cantineau, J: Le Nabateen, II, p.58.

(18) أبو الفضل جمال الدين محمد بن منظور: لسان العرب، دار صادر – بيروت، الطبعة الثالثة،1414 هـ، ج 1، ص56.

Stark J., (1971): Personal Names in Palmyrene Inscriptions, Oxford, p.66. (19)

(20) Harding, G.,: An Index  and Concordance of  Pre-Islamic Arabian Names And Inscriptions, p.80.

(21)Cantineau, J.,: Le Nabateen, II, p.89 ;  Negev, A., (1991): Personal Names in the Nabataean Realm, Jerusalem: Qedem Monographs of the Institute of

Archaeology, 32, p.24.                    

Cantineau, J: Le Nabateen, II, p.90. (22)

(23). سليمان بن عبد الرحمن الذييب: مدونة النقوش النبطية في المملكة العربية السعودية، مج2، كتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 2010م، ص 1119.  

(24)Harding, G.,: An Index  and Concordance of  Pre-Islamic Arabian Names and inscriptions, p.182.       

(25) سليمان بن عبد الرحمن الذييب: المعجم النبطي، الطبعة الثانية،2014م، ص 134.

(26) أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي: لصحاح تاج اللغة وصحاح العربية"، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين – بيروت، الطبعة الرابعة، 1987م، ج 5، ص 1885.

(27)Negev, A: Personal Names  in theNabataea Realm, p.20; Cantineau, J: Le Nabateen, II, p.78.

(28) سليمان بن عبد الرحمن الذييب: مدونة النقوش النبطية في المملكة العربية السعودية، مج2، ص1173.

Cantineau, J: Le Nabateen, II, p. 89. (29)

Stark, J: Personal Names in Palmyrene inscriptions, p.85. (30)

Harding, G.: An Index, p.636. (31)

Cantineau, J: Le Nabateen, II, p. 125. (32)

(33) سليمان الذييب: نقوش جبل أم جذايذ النبطية دراسة تحليلية، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 2002م، ص 215.

(34) أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور:  لسان العرب،  ج 12، ص3.

CIS nos,214:2, 245 ; Euting, J:  Sinaitische  Inschriften,  Nos. 5, 7:2, 13:1. (35)

(36) سليمان بن عبد الرحمن الذييب: المعجم النبطي، 2014م، ص 94.

(37)Al-Theeb, A: Aramaic And Nabataean Insvccriptions From North- west  Saudi Arabia,p.109.

Negev, A: Personal Names in The Nabataean Realm, p.53. (38)

(39) الخليل بن أحمد الفراهيدي: "كتاب العين"، تحقيق مهدي المخزومي، إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال- العراق، ج2، ص56.

(40) Cantineau, J., : Le Nabateen, II, p.131; Euting, J.(1981): Sinaitische  Inschriften, Berlin, Nos,76,117,151,343.

Harding G: An Index, p.56. (41)

(42) أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي: "الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية"، الطبعة الرابعة، 1987 م، مج 6، ص 2436.

(43)Negev, A: Personal Names In The Nabataea Realm, p.20; Cantineau, J: Le Nabateen, II, p.78.

(44) سليمان بن عبد الرحمن الذييب: مدونة النقوش النبطية في المملكة العربية السعودية، مج 1، نق:16.

(45) سليمان الذييب: دراسة تحليلية جديدة لنقوش نبطية من موقع القلعة بالجوف المملكة العربية السعودية، مجلة جامعة الملك سعود، مج 6، الآداب (1)، الرياض، 1994م، ص6.

(46) سليمان الذييب: مدونة النقوش النبطية في المملكة العربية السعودية، المجلد الأول، نق: 512، وكذا:

- Negev, A: Personal Names In The Nabataean Realm, p.65; Cantineau, J: Le Nabateen, II, p.52.

(47) أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور: لسان العرب، ج 3، ص31.

(48) سليمان الذييب: المرجع السابق، نق: 22.

(49) سليمان بن عبد الرحمن الذييب: المعجم النبطي، الرياض، 2014، ص 120.

(50) سليمان بن عبد الرحمن الذييب: مدخل إلى قواعد النقوش النبطية، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 2001م، ص28.

(51) سليمان الذييب: دراسة تحليلية لنقوش نبطية قديمة من شمال غرب المملكة العربية السعودية، الرياض،1995، ص117.

Cantineau, J,: Le Nabateen, II, p.68. (52)

Al- Theeb, S: Aramic And Nabataean Inscriptions, p.224. (53)

Littmann and Meredith, (1953): Nabataean Inscriptions from Egypt-1, p.10, 11

لعنة الفراعنة ما بين الحقيقة والخرافة

كتبت- د.هناء سعد الطنطاوي

مفتش آثار بوزارة الآثار

امتلكت الحضارة المصرية القديمة القدر الكافي من الهيبة والغموض ما يدخل في النفس البشرية الرهبة، وتصديق الكثير من القيل والقال الذي دار حولها على مدى العصور،

فهناك أناس لاقوا حتفهم، ونسب موتهم إلى هؤلاء المومياوات وقبورهم، وهناك من تعرض لبعض الحوادث والتي من العادي جدًا أن نمر بها نحن، ولم يسلموا أيضًا من إلصاق تلك

الحوادث إليهم، فهم لا ذنب لهم بجهلنا.

فقيل أن المصريين القدماء يمتلكون من السحر ما يؤذون به الأحياء، ولكن دعونا نتأمل كلمة لعنة، كلمة لعنة متوفى تعني روح شريرة تؤذي غيرها من الأحياء، ولكن السؤال كيف؟

نحن نعلم أن الإنسان مكون من نفس وجسد وروح، فالإلتقاء ما بين الروح والنفس هو ما يبعث الحياة في الجسد، وعند الموت يعود كل منهم من حيث أتي فالروح تصعد لخالقها،

والنفس تعود لطينتها قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (الله يتوفى الأنفس حين موتها)  الزمر: ٤٢

فما يموت هو النفس، أما الروح قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) الإسراء: ٨٥

وبالتالي فتسمية روح (شريرة) أساسًا خاطئة، لأنه الجزء الذي يملك الصفاء الملائكي في الإنسان، والنفس هي ما تملك الإنحدار الإبليسي، فما يؤذي الإنسان هي النفس، قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقوها). الشمس: ٧ – ٨

وهنا قُدم الفجور عن التقوى، فأول عدو للإنسان قبل غيره من شياطين الإنس والجن هو نفسه.

وإذا توفيت هذه النفس انقطعت صلتها بالكون بما فيه. وذلك طبقًا لقول سيد المرسلين (من مات فقد قامت قيامته)، فكيف تؤذي غيرها؟

ثانيًا هل امتلك المصري القديم من السحر ما يؤذي به غيره بعد موته؟

دعونا أولًا نتأمل كلمة سحر، من إحدى معاني كلمة سحر أنها تعني صرف الشئ عن وجهه أي قلب الشئ من حالة إلى حالة.

ودليل ذلك معجزة سيدنا موسى عليه السلام، فقد كان الناس زمن سيدنا موسى عليه السلام، نابغين في السحر، فجاءهم الله على يد موسى بالسحر، لأن السحرة يخيلون

للناس أشياء لا واقع لها في حقيقة الأمر.  وكان خوف موسى هو الذي أوجد الفرق بين المعجزة وبين سحر الكهنة، فالساحر حين يلقى عصاه كان الناس يرونها حية، أما هو

فيراها عصا أو حبلًا على حقيقتها، ومن هنا لم يكن الساحر يخاف من الحيات التي يخيل للناس أنه صنعها، أما خوف موسى لأن عصاه قد تغيرت طبيعتها وتحولت إلى حية

بالفعل أى انتقلت من هيئة الجماد، إلى هيئة الحيوان، قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) طه:

٢١فلو كانت مثل سحر البشر لما كانت معجزة ، ولنا أن نتأكد أن معجزة الله لابد أن تكون خارقة لنواميس الكون لتليق بقدرته جلا وعلا.  وهذا يؤكد أن المصريين القدماء ليس

لديهم سحر، وأنه لا يوجد ولن يوجد سحرًا إلا سحر معجزة سيدنا موسى، أما ما عند القدماء المصريين فممكن نسميه طفرة علمية وهى القدرة على السيطرة على العقول

والذي يعنى تنويم بالإيحاء، أو التحكم في العقول بالباراسيكولوجي (التنويم المغناطيسي). وهذا ممكن جدًا لأن إذا كان للبشر قدرة تغير الشئ من هيئة لهيئة كيف تكون معجزة

سيدنا موسى تسمى معجزة.  فمعجزة سيدنا موسى جعلت الحياة فيما ليس له حياة.

ولكن دعني أوضح لك هذا في العصر الحديث، اكتشف العلم الحديث بدراسة بعض حالات الناس أصحاب المواهب الغريبة مثل تحريك الأشياء عن بعض، توقع بعض الأحداث في

المستقبل وتحدث بالفعل، أثبت العلم الحديث أن الحواس ليست خمس، ولكن هناك حواس أخرى تستقبل وترسل كأجهزة الإرسال والإستقبال، وهذه الحواس الخارقة تكمن

في المساحات الصامتة في المخ، فعندما تنشط هذه المساحات الصامتة، فيكون هذا ما يعرف بالتخاطر أو الجلاء البصري، وهذه القوي الخارقة قد تؤثر على المادة، فتحرك

الأشياء، وهي ما تعرف بالطاقة النفسحركية، بل قد تؤثر على الجاذبية الأرضية فيرتفع صاحبها في الهواء.  وهذا ربما توصل إليه المصري القديم لأن القرآن ثبت أنهم لا

يستطيعون تغيير طبيعة الأشياء، قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) طه: ٦٦

وهذا يعني أنهم من الممكن أنهم غيروا في طبيعة الحواس.  فجعلوا العين ترى ما يريدون هم الناس أن يروه.  وهذا يعرف بالتنويم المغناطيسي الجماعي.  حتى يلاحظ أن أول

من آمن بمعجزة سيدنا موسى هم الكهنة بمعنى أدق علماء هذا الزمان، لأنهم أهل علم فعلموا أن ذلك شئ خارق لا يقدر على فعله بشر، لذلك آمنوا ولم يبالوا بما توعد لهم

به فرعون من الصلب والقتل، ولم يفكروا فى المال والمناصب الذي وعدهم به فرعون.

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين). الأعراف: ١٢٤

فاستبدل كلمة علم بدلا من كلمة سحر تفهم الكثير من أسرار عظمة حضارتنا.  وبالتالي براءة المصري القديم من معرفته بالسحر والخرافات وما شابه ذلك.

فلا شك أن المصري القديم صاحب هذا الإبداع الحضاري العظيم الذي خلد آلاف السنين أنه استخدم قوة عقله، وليست قوة عضلاته.

ويبقا السؤال هل هناك تفسير علمي ممكن الأخذ به لتفسير ما نسب للحضارة المصرية ولأجدادنا ما يعرف باسم لعنة الفراعنة؟

ربما تلك اللعنة تعود الى الرهبة التي استطاع المصري القديم إدخالها في النفس البشرية عن طريق التحكم في العقل، فحاول إدخال الرهبة والفزع على عقول من يحاول

انتهاك حرمة موتاه، لأنه علم أن العقل هو باب الدخول للنفس البشرية بالإيجاب أو السلب.

وربما يعود إلى البكتيريا التي تنشأ من تحلل المومياوات، فتلك البكتيريا كفيلة لو خرجت للأحياء كفيلة بالقضاء عليهم لذا نأخذ كل احتياطتنا الآن، لسد المقبرة جيدًا.

وربما تلك الحوادث حدثت في أيام تكثر فيها الجرائم والإنتحار مثل الأيام القمرية 13، 14، 15 التي أوصانا الرسول بصيامها لكثرة انتشار الجرائم والإنتحار بهذه الأيام.

وخلاصة القول (تعددت الأسباب ومسبب الأسباب واحد). ولو كانت هناك حقًا لعنة فراعنة لكانت من باب أولى أصابت لصوص المقابر.

علاقة الكائنات الفضائية والحضارة المصرية القديمة ما بين الحقيقة والخيال

كتبت- د.هناء سعد الطنطاوي

مفتش آثار بوزارة الآثار

أذهلت الحضارة المصرية القديمة بعظمتها عقول البشرية، لدرجة أنهم تشككوا في أنها ليست صنع بشر وإنما صنع جان أو مخلوقات غير معروفة على الأرض كافة، بل جاءت من

خارج الأرض صنعت تلك الحضارة ثم هجرت الكوكب، ثم جاء أجدادنا وسرقوا حضارتهم ووضعوا أسمائهم عليها. واستند البعض في ذلك حينما عثروا على خنجر خاص بالملك توت

عنخ آمون، وقاموا بتحليل عناصره فقالوا أنه مصنوع من معدن غير موجود على الأرض، فهو مكون من النيكل والحديد فلو تأملوا كتاب الله لوجدوا أن الحديد أساسًا مخلوق

سماوي، لأنه يحتاج إلى درجة حرارة لتتحد ذراته ببعض تفوق أضعاف تلك التي توجد على الأرض.قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد  25 ومنافع للناس) الحديد:

وإذا درسوا التاريخ حقًا لوجدوا أن المصري القديم أطلق على الحديد biA n pt (المعدن السماوي).

وسوف نقوم بالرد على هذا الإدعاء والإفتراء على حضارتنا العظيمة. بل وعلى أكذوبة الكائنات الفضائية ذاتها.

أولًا: تأمل الكون

سوف تجد أن الله خلق القطن وخلق دودة القطن، وخلق النبات وخلق الجراد، وخلق الأسنان وخلق سوس الأسنان، وخلق العين وخلق الرمد، وخلق الأنف وخلق الزكام، وخلق

الثمرة وخلق العفن، وخلق الحديد وخلق الصدأ.

فالله حينما أراد أن يمتحن كل شئ فالدنيا سلط عليه ضده، وأن يبتلى كل شئ بنقيضه.

وليس هذا فقط بل تأمل التاريخ والواقع من حولك، فهذه أمريكا تتضخم وتتعملق في القوة، وتمتلك القنبلة الذرية ثم الهيدروجينة، فيدفعها الله بروسيا ويسهل لها هي الأخرى

امتلاك القنبلة الذرية ثم الهيدروجينة، ومن انشغال القوتين الكبرتين بصراعهما بعضها بعضًا، نستطيع نحن دول العالم الثالث أن نتنفس ونعيش، بل نستطيع أن نغازل الإثنتين

ونستفيد، ولو أن روسيا كانت انفردت بالعالم لأهلكته، وكذلك أمريكا لو كانت انفردت بالعالم لأهلكته، ولكن رحمة الله دفعت القوتين العظمتين بعضها ببعض، بل الأمر العجيب أنه

حينما بدأت القوتان الكبرتان روسيا وأمريكا تتقاربان وتتعايشان، أظهر الله لهما الصين هائلة عملاقة على المسرح، وسلمها مفاتيح الذرة، ثم دفع بها نقيضًا يستنزف الروس

والأمريكان معًا.

وكذلك يدفع الله بالأقوياء بعضهم على بعض، ويكسر الجبابرة بجبابرة من جنسهم ليستنفذ طاقتهم في ضرب بعضهم البعض وذلك مصداقًا لقوله تعالى:

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين). البقرة: ٢٥١

فهو قانون ثابت يعمل في الفرد والمجتمع والطبيعة والتاريخ هو دفع المتناقضات، والله يقول أن هذا القانون مرتبط بصلاح الأمور في الأرض، ولولاه لفسدت الأرض. فالله يضرب

الأضداد بعضها ببعض في كل شئ في المادة وفي الفكر. وهذا يعني أن الله حينما يضرب الأشرار يأتي لهم من نفس جنسهم من هم أشر منهم ليعرف حدوده، ولم يأتي له من

الفضاء بمخلوقات أخرى ليؤدبه.

ثانيًا: القرآن الكريم

تأمل آيات الله سوف تجد أنه لا يوجد على الأرض سوى الجن والإنس. فلا يوجد من ينفع أو يضر أو يطيع أو يعصي غيرهم، فهما مخيرين في الطاعة والمعصية.

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) البقرة: ٣٠، فمن هذه الآية نستنتج أن آدم وذريته هم المخلوقات التى تعيش الأرض. وأن الله أعطى الحاكمية للإنسان على البيئة (الكون).

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) الأنعام: ١٦٥

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات: ٥٦

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولا) الأحزاب: ٧٢

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين) فصلت: ١١

وهكذا عرض الله الأمانة (الطاعة) على أفضل مخلوقات الكون (السماء، والأرض، والجبال)، فرفضوا أن يعملوا بإرادتهم وقبلوا الخضوع لأمر الله، ولكن الإنسان بجهله حملها. فلم

يذكر الله في كتابه، ما بين أفضل مخلوقات الله (السماء والأرض والجبال)، وبين (الإنسان) مخلوقات أخرى. بل إن هذا يعني أن جميع المخلوقات ما نعلمه وما لا نعلمه هي

مسيرة في الطاعة والخير عدا الإنسان والجان. فلماذا الحديث عن هذه الكائنات إن كانت موجودة بهذا الشر.

ثالثًا: الفضاء

تأمل كلمة فضاء، فالفضاء هو المكان الفاضي، فلا يوجد في الكون صنع القادر مكان للفضاء من الأساس. فالفضاء نفسها كلمة خاطئة، والسماء هي (س+ماء). فنحن ما بين ماء في الأرض وماء في السماء.

ثانيًا: قالوا أن هذه الكائنات آتية من الغلاف الجوي، الغلاف الجوى أساسًا جزء من الأرض

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين) الأنعام: ١١

فالله يقول (في الأرض) وليس (على الأرض)، وذلك لأن هذا الغلاف الجوي جزء من الأرض.

ثالثًا

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران) الرحمن: ٣٣ –

لله سبحانه وتعالى حسم الأمر للإنسان (من يمتلك العقل)، وللجن (من يمتلك القوة)، أنهم محبوسون في الأرض، ولن يصل مخلوق مهما فعل ليخرج من الأرض. وإن فعلوا سوف يجدوا شواظ من نار فيعودا للأرض مرة ثانية خائبين.

حتى الله سبحانه وتعالى جعل من هو خفي عنا وأقوى منا وهو (الجن) نحن من نسخره. فالكون خلق باسم الله السلام، فكيف تكون هناك قوي فى الكون غير متكافئة وبالتالى سوف تنشر الفوضى والدمار.

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا)  الجن: ٨

حتى الجن أنفسهم محبوسين في الأرض ولم يستطيعوا ليس فقط الدخول للسماء (هناك فرق بين السماء والسموات، فالسماء هي السماء الدنيا، أما السموات خاصة بالله

وملائكته ورسله) ولا حتى لمسها ليس فقط الخروج منها، فالجن لم يستطيع الدخول ولا الخروج من الأرض وهو لا يحتاج إلى مركبة فضائية.

وفي قصة سيدنا سليمان عليه السلام سوف نجد أنه طلب ملك من الله لا ينبغي لأحد من بعده حتى ابنه، قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (قال رب اغفر لي وهب

لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب، فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين في الأصفاد، هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب)  ص: ٣٥ -

لم يذكر عن تسخير كائنات فضائية تمتلك تكنولوجيا خارقة، وقوة كفيلة بدمار الأرض ومن عليها، فالله سخر له من محيط كونه.

وإذا وجدت تلك المخلوقات كما يقولون، من أين ستأتي؟ يقولون من السماء من خارج الكوكب. دعنا نتأمل كتاب الله.

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وإذا السماء انشقت) الانشقاق: ١

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (إذا السماء انفطرت) الانفطار: ١

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجًا، وفتحت السماء فكانت أبوابًا) النبأ: ١٧ – ١٩

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وإذا السماء فرجت)  المرسلات: ٩

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج) ق: ٦

وهذا يعنى أن السماء مصمتة ليس بها فتحتات أساسًا تسمح لأحد بالدخول أو الخروج. وإن فتحت فتلك علامة قيام الساعة.

ننتقل من الواقع للخيال لنرتقي لمستوى مدعي تلك الأكذوبة.

ماذا لو أننا نزلنا على المريخ فوجدنا جنسًا راقيًا من المخلوقات في مصاف الأنبياء والملائكة والسوبر مان؟ مخلوقات سامية نحن بالنسبة لها كالقرود بالنسبة للآدميين، مخلوقات

من لحم ودم، ولكن لحمها من مادة راقية غير مادة البروتين وعظامها من غضاريف رقيقة أرق من غضاريف الحمام، ودمها من مواد ممتازة شربات أو لبن حليب، أو سائل مشع

نوراني، ومن يأكل لحم هذه المخلوقات يصبح محصنًا من المرض منيعًا على الموت. ويطول عمره حتى يصبح عمره ألف عام، وتتحقق له حياة سعيدة لا يشكو فيها علة.  لو أننا

اكتشفنا هذا ماذا يكون حكمنا على من يقتل هذه المخلوقات ليأكلها من بني آدم؟

هل نعتبر هذا العمل إنسانية؟ اعتقد أن صيد هذه المخلوقات وذبحها وبيعها وتصديرها والإتجار بها، وتحويلها إلى عصائر ومستخلصات، وكل أصناف التدمير والعدوان التي يمكن أن

نلحقها بها تكون منتهى الإنسانية. بل إن ذبحها وتوزيعها في عدالة ليفوز بها كل إنسان على ظهر الكرة الأرضية يكون واجبًا أصيلا محتمًا.

وإعلان الحرب عليها يكون هو الشهامة المجسمة. والموت في سبيل صيدها وقتلها هو الشهادة.

ولن يكون في أى عمل من هذه الأعمال العدوانية القبيحة مجافاة لمعنى الإنسانية.

فالإنسانية في جوهرها هي كل ما يتحقق به الصالح العام لبني الإنسان.

والصالح العام هنا أن نلتهم هذه السلالة من المخلوقات أولا بأول لنقوى ونخلد ونزداد بأسًا.

إنها حكاية لن تختلف كثيرًا عن أكل الدجاج والسمك والجمبري، بل إن الحرب سوف تكون وسيلتنا إلى تحقيق سلام دائم على الأرض، لأننا سنعالج بها الجوع والفقر والمرض

والموت، وننشر ألوية السعادة على الأرض بالفعل.

وماذا لو وجدنا بالفعل مخلوقات أقوى منا وبإيديها دمارنا

هذا يعني أن الكلمات الكبيرة التي تتصف بالشمول والقداسة كالإنسانية والشرف والسلام، سوف تتغير معانيها حينما نقتحم الأفلاك ونغزو الكون وتتحول إلى كلمات محدودة

محلية لا تختلف كثيرًا عن الأنانية والبخل، والكلمات التي تقترن دائمًا بالأعمال المرذولة، فكل معنى من هذه المعنويات الرفيعة سوف يقترن بأنواع من العدوان، فسوف يقتضي

ولاؤنا لجنسنا الإنساني أن نخضع أي جنس آخر نعثر عليه ونستغله لصالحنا، ولن نعرف للرحمة معنى، لأن الرحمة والسلام والتسامح مع مثل هذه الأجناس الأقوى معناها أن

نصبح خدمًا لها. ونتحول في حضرتها إلى كلاب، وإلى أشياء منحطة كالقرود. معناها أن نضع أنفسنا في حظائر وزنازين وحدائق إنسان مثل حدائق الحيوان عندنا ليتفرج علينا

الجميع.

فغريزة البقاء والمحافظة على النفس سوف تدفعنا لأن نقتل هذه الأجناس، وهنا سوف يكون القتل منتهى الإنسانية بالنسبة لنا. ومنتهى السلام بالنسبة لجنسنا المهدد

بالإستعباد. وهذا هو ما يحدث في التاريخ لأي كلمة ولأي حقيقة. فكلما اتسع مدار التاريخ، وكلما تقدمت عربة التطور، تتغير معاني الكلمات وتنقلب إلى نقيضها. وإلا سوف

نضحي بصالح جيشنا الإنساني إذا أردنا أن نحقق وحدة أوسع وأشمل بيننا وبين سائر الأجناس في الأفلاك والمجرات والكواكب الأخرى. فسوف نتزوج منهم لنرتقي بجنسنا،

وسوف يصبح زواج الرجل والمرآة عملا عنصريًا رجعيًا غير مشروع، ولن يعتبر مشروع إلا الزواج بجنية فضائية حتى نضع البذور الأولى لخروج أجيال جديدة راقية، ونرتقي بجنسنا

البشري. ويكون مثلنا مثل آدم. يبدأ الخلق من جديد.

ويستند الكثير إلى وجود مثل تلك المخلوقات بهذه الآية:

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (ويخلق ما لا تعلمون) النحل: ٨

وأنا أيضًا أؤمن وأعلم أن الله على كل شئ قدير، وأيقن أيضًا أن الله عزيز حكيم، فكيف يخلق الله عالم جميل مسالم لا يسلم من شرنا، أو عالم أقوى منا لا نسلم من شره.

فاقرأؤا التاريخ لتعرفوا كيف كان على الأرض منذ ملايين السنين حيوان هائل ضخم كالجبل، يحكم جميع الحيوانات، اسمه الديناصور ثم انقرض وهلك، والسبب أنه كان قويًا جدًا ومغفلًا.

فأكذوبة الكائنات الفضائية ما هي إلا كسحر أسود لاسترهاب الناس، للإستيلاء على العقول فعدوك الأكبر والحقيقي هو من يريدك لا تفكر ولا تستخدم عقلك لتكشف ألاعيبه.

فنحن أمام حاقدين يأسوا من سرقة الأرض، ولكنهم على أمل اختلاس التاريخ.

يبقا السؤال الأخير لماذا وصلت إلينا صورة هذا الكائن الفضائي بهذا الشكل؟

فلماذا لم يختلف شكل الكائن الفضائي عنا من ايدين ورجلين، فمثلا لماذا لا يكون كالمسيخ الدجال، بعين واحدة مثلًا، بثلاث أرجل، أو بأي هيئة غريبة عن نفس خلقتنا نحن

البشر من يدين ورجلين وأنف وأذن؟

لماذا لم يكن بأي لون مثل الأبيض أو الأسود أو الأحمر. والإجابة ببساطة أن جميع الألوان المعروفة لها مشاعر في العقل الباطن، فاختاروا لون حيادي ما بين اللون الأبيض (لون

الصفاء والوضوح)، والأسود (لون الغيب والمجهول)، وهو اللون الفضي.

ثم لماذا لم تكن أعينهم مثل عيون البشر. فاختاروا عين كعين الذباب لتكون فيها قدرة أعلى من قدرة عيون البشر وهي رؤية الأشعة التحت بنفسجية. وذات رأس كبيرة ليكون

دليل على الذكاء الخارق الذي بالطبع يفوق البشر.

الأغرب أن مدعي أكذوبة الكائنات الفضائية والخروج للفضاء إلتقتا وتصافحا في الفضاء على حد قولهم، ولم يستطيعا أن يلتقيا على الأرض. فمن قنبلة ميكروبية إلى غاز للشلل،

إلى صواريخ بضغطة على زر ينزل الموت كالمطر، إلى صواريخ مضادة لتلك الصواريخ تصطادها وتفجرها في الهواء، إلى بناء شبكة ضد الصواريخ، إلى بناء شبكة ضد شبكة، إلى

قنابل ذرية، إلى قنابل إيدروجينية كفيلة لشطر الكرة الأرضية إلى نصفين، فهل هناك مخلوقات أشر من ذلك، شخصيًا لا اعتقد.

ختامًا

لو أن المصري القديم لم يفعل شيئًا أو لو لم يعطينا سوى أفكار ننفذها نحن الآن فقد أنجز، لأننا المخلوق الوحيد الذي وهبه الله عقل ليتطور ليسد نقص الحياة فيطورها ويرتقي،

فانظر إلى حالك وحال الحيوانات، فأنت من تسطيع أن تنقل خبراتك لغيرك، ولكن درب أى حيوان جيدًا، هل يستطيع أن يعلم ابنه ما تعلمه، أنت فقط من تستطيع أن تفعل ذلك،

فكل شئ فالدنيا معلوم، ونحن من نكتشفه، بدليل خلقنا الطيارات، والصواريخ، والأسلاك، والنت، ولكن هل نحن خلقنا الهواء والغلاف الجوى الذي خلق وفيه من الأشياء ما

تحمل طائرة، وما تنقل من أصوات وإرسالات. فلو هناك كائنات فضائية عبقرية حقًا فهو أنت لأنك أنت صاحب أقوى سلاح على وجه الأرض هو عقلك. الذي روض الأسد، وحارب

الميكروب، وأخضع وحوش الغابة. وبنيت الأهرامات والسدود. ونقلت الجبال من مكانها. ومن وراء العقل يقودنا التأمل إلى الروح (سر الأسرار)، وهنا يعجز العقل، ويسكت الفكر حياءً أمام نعمة لا يملك الخيال أن يحيط بها.

إذ يصفها الخالق بأنها فيض منه، فيقول عن خلق آدم. قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) الحجر: ٢٩

فحقا (فوق كل ذي علم عليم)

فنحن ننظر الى الأقوام السابقة في علمها وما وصلت إليه نظرة العجز عن معرفة كيف توصلوا لهذا. في حين لو خرج أجدادنا من قبورهم وشاهدوا ما وصلنا إليه من تكنولوجيا

لركعوا سجدًا من الرهبة والإجلال والدهشة لهذا العلم. فالكل لا يعلم أن الموضوع ببساطة أن الله يعطى الأسباب لكل جيل لكي يبدأ ويضيف شئ ثم يرحل بل ويختفي. ليعطي

فرصة لغيره. فسبحان الباقي الوارث.

خلاصة القول عظيمة يابلدي، وعظيمة ياحضارة أجدادي، ولا يوجد أجمل من كلمات مأمون الشناوي للرد على هؤلاء:

نحن شعب حكم الدنيا وساد، ونما والدهر في المهد وليد.

ونصيحتي لمدعي أكذوبة الكائنات الفضائية أن يسخروا الجن أسهل، ليفعل لهم ما يريدون، وبدون تكاليف لبدل ومركبات فضائية.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.