كاسل الحضارة والتراث Written by  أيار 07, 2019 - 548 Views

عادات المصريين في رمضان بين الماضي والحاضر

Rate this item
(0 votes)

كتبت - لبني صالح عبد المولي

باحث دكتوراه في الآثار الإسلامية- كلية الآثار جامعة الفيوم- منسق مجلة كاسل الحضارة والتراث

عُرف المصريون بتقديسهم وتعظيمهم لشعائر دينهم, فمن خصائص عقيدة الإسلام سلطانها الذي يسيطر علي نفوس المؤمنين بها والذي يتضح في أفعالهم وأقوالهم فهم علي الدوام يفخرون بإسلامهم ويقدسون شعائره الدينية, وكان وما زال شهر رمضان المبارك من أهم الشعائر الدينية لدي المصريين, فينتظرونه كل عام بفرحة عارمة وعادات وتقاليد في هذا الشهر ميزتهم عن غيرهم من الشعوب الأٌخري.

العادات والتقاليد المتبعة في الاحتفال ببداية شهر رمضان:

كان لكل زمان وكل عصر طرقه المعينة في الاحتفال بشهر رمضان واستقباله وإن لم تختلف طرق الاحتفال كثيرًا عن بعضها البعض, فقد كان يخرج الوالي أو الحاكم ليلة الرؤية لاستطلاع هلال رمضان والاحتفال به, ففي العصر الفاطمي الذي يُعد من أكثر الفترات في احتفالًا واحتفاءًا بشهر رمضان, كان يخرج الخليفة الفاطمي ليلة الرؤية ليستطلع هلال شهر رمضان وكانت تزين وتضاء له الطرقات, وفي العصر المملوكي أيضًا كان ينتظر السلطان وسط حاشيته عودة المرسل المكلف باستطلاع هلال رمضان

   ومنذ القرن الثامن عشر كان الإحتفال باستقبال رمضان يشابه الاحتفال في العصور السابقة عليه, فقد كان يبدأ الاحتفال بشهر رمضان منذ ليلة الرؤية فيخرج كثير من الأهالي إلي الشوارع لاستطلاع الرؤية ومعرفة موعد بدأ الصيام, فكان يجوب الشوارع موكب يضم المحتسب ومشايخ الحرف تتقدمهم فرق من الموسيقيين وحاملي الطبول وفرق من الجنود والدراويش يحملون البيارق, ثم يسير الموكب من القلعة إلي مجلس القاضي ينتظرون عودة المرسل لاستطلاع الهلال, وفي ذلك الحين تزدحم الشوارع بالناس من كبار وأطفال للاحتفال وشراء احتياجاتهم من الطعام والشراب, وكان يرسل موكب يمر في كل الشوارع لإعلام الأهالي بموعد بدأ الصيام, وكان القاضي يصدر أوامره بإضاءة المساجد ليلًا بالقناديل.

ومع بداية اليوم الأول في رمضان كان يلجأ كثير من الناس خاصة الأثرياء وكبار التجار إلي المكوس في المنازل نهارًا والخلود إلي النوم والراحة طوال نهار رمضان, فكانت تغلق معظم الدكاكين نهارًا وتفتح ليلًا باستثناء دكاكين الأطعمة, وتقل أعداد المارة في الطرقات وتقتصر علي العمال البسطاء من الحمالين والسقائين وغيرهم من أصحاب الأعمال الصغيرة.

وسائل الترفيه في رمضان عند المصريين:

تعددت وسائل التسلية والترفيه واختلفت من شخص لآخر, ففي نهار رمضان كانت بعض الميادين مثل ميدان الرميلة يتجمع فيه عدد من الأشخاص خاصًة من العامة حيث يعرض بعض الحواه والسحرة وعارضي القرود والفرق التمثيلية عروضهم للناس.

أما في ليالي رمضان فتنوعت وتعددت وسائل التسلية, ومنها تبادل الزيارات بين الأصدقاء والأهل والذهاب إلي المقاهي لتناول القهوة والشبك والاستماع إلي الرواه والمحدثين وهم يروون حكايات عنترة وألف ليلة وليلة, والاستماع إلي الأغاني ومشاهدة الرقص والتمثيل الذي يقام في المقاهي, في حين أن بعض الأهالي من الأتقياء كانوا يتقربون إلي الله في ليالي رمضان وذلك بإقامة حلقات للذكر وقراءة القرآن في منازلهم.

وقت الإفطار موعد مع الفرحة:

عندما تميل الشمس إلي المغيب ينتظر الجميع صوت المدفع وأصوات المؤذنين, فتقف كثير من النساء في نوافذ المشربيات ينتظرن سماع صوت الآذان, وعندما يطلق المدفع صوته المطرب لأذانهم يتناول الصائمون قليل من الطعام والشراب كالتمر الرطب واللبن والخشاف الذي يصنع من التمور والمكسرات وهو مٌسمي فارسي الأصل وينطق بالفارسية "خوش آب" أي شراب لذيذ, ثم يؤدون صلاة المغرب ويتناولون بعدها الوجبة الأساسية, ثم يذهبون للمساجد لأداء صلاة العشاء والتراويح.

عادات مصرية

تنفرد مصر عن غيرها من البلاد الإسلامية بعدة عادات رمضانية تميزت بها, من أشهرها المدفع وفانوس رمضان والمسحراتي وموائد الرحمن.

المدفع:

يُعد المدفع الراعي الرسمي لاجتماع شمل العائلة المصرية, فصوته يطرب الآذان ومع انطلاق صوته تتجمع الأسرة حول المائدة فينهي المصريون صيامهم ويتناولون وجبة الإفطار.

وقد رُويت عدة روايات حول بداية ظهور المدفع, أشهرها أن محمد علي باشا والي مصر ومؤسس الأسرة العلوية عام 1805م, كان يُجري تجربة لأحد المدافع الجديدة التي استوردها من ألمانيا فانطلقت أول طلقة منه وقت أذان المغرب في رمضان فارتبط صوته في أذهان العامة بإفطار رمضان وأطلقوا علي هذا المدفع "الحاجة فاطمة", وإستمر صوت المدفع يطلق كل مغرب وكل سحور طوال شهر رمضان لسنوات عديدة حتي بداية التسعينيات حيث طلبت هيئة الآثار من وزارة الداخلية وقف إطلاقه من القلعة خوفًا علي المنطقة التي تُعد متحفًا مفتوحًا للآثار الإسلامية, حيث تضم مجموعة هامة من المنشآت الآثارية من مساجد وقصور وأبراج وأسوار القلعة, حيث أن تكرار الإهتزازات الناجمة عن إطلاقه تؤثر علي العمر الافتراضي لهذه الآثار, وقد تم بالفعل نقله إلي جبل المقطم.

المسحراتي:

كان صوت المسحراتي من الأصوات المحببة لدي الناس في ليالي رمضان, فكان يتجول في ساعة متأخرة من الليل في الشوارع والحارات ليعلم الناس بحلول وقت السحور, فيقف أمام كل بيت ويثني علي صاحبه الذي يقوم بدوره بمكافأته بمبلغ من المال, وكان مخصص لكل شارع أو حارة مسحراتي خاص بها, ويمسك المسحراتي بيده طبلة صغيرة يضرب عليها بعصي ثلالث ضربات في كل مرة, ويرافق المسحراتي غلام صغير يحمل له قنديل ويسير أمامه ليضئ له الطريق.

أشهر الأصناف والأطباق الرمضانية عند المصريين:

هناك عدة أكلات وأطباق ارتبطت عند المصريين بشهر رمضان فكانوا يحرصون علي طهيها وتناولها في رمضان.

ومن أشهر الأكلات التي كانت توضع علي الطاولة الرمضانية "اليخني" الذي كان يطهي من اللحوم والبصل وقليل من البامية أوغيرها من الخضار وكان محببًا لدي المصريين, و "القاورمة" وهو لحم كثير التوابل, بالإضافة إلي الأسماك وورق المحشي الذي يُحشي بالأرز واللحم المفروم, والكباب وأنواع مختلفة من لحوم الطيور هذا علي طاولة الأثرياء والميسورين أما الفقراء فكان طبق الفول هو الطبق الرئيسي لديهم وكان بائعي الفول يتجولون في الشوارع بعرباتهم مرددين جملتهم المشهورة "إن خلص الفول أنا مش مسئول".

أما أطباق الحلوي فتنوعت ما بين أم علي الشهيرة تاريخيًا, والكنافة التي تُعد من أشهر أطباق الحلوي الرمضانية والقطايف والبقلاوة, بالإضافة إلي المشروبات كالخشاف والعرق سوس وأنواع أُخري من العصائر.

الولائم الرمضانية وموائد الرحمن:

كانت تقام الولائم ومآدب الطعام للفقراء في شهر رمضان, وأشهر من عملوا الولائم الرمضانية للفقراء هم الفاطميين, فعُرفت موائد الرحمن لأول مرة في عهد الخليفة الفاطمي العزيز بالله, فهو أول من عمل مائدة في رمضان يفطر عليها أهل الجامع العتيق, كما كانت تُقام مآدب داخل الجامع الأزهر للحاضرين به, ويُروي أنه كان يخرج من مطبخ القصر في رمضان 1100 قدر من أنواع الطعام المختلفة توزع كل يوم علي المحتاجين والفقراء, كما كان بعض الأثرياء يقيموا في أفنية منازلهم مآدب طعام لإفطار الفقراء.

 

 

Tagged under

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.