كاسل الحضارة والتراث Written by  نيسان 15, 2021 - 146 Views

الطفل فى الكتابات البيزنطية

Rate this item
(0 votes)

بقلم - سهر سمير فريد

باحث دكتوراه فى تاريخ العصور الوسطى

    عرف اتحاد الرجل والمرأة معًا بحسب القانون الطبيعي باسم " الزواج "، ومعه يأتي إنجاب الأطفال، ويلحقه مسئولية تربيتهم والعناية بهم. فالطفل هو حلقة الوصل بين الزوج والزوجة، وبميلاده يصبح الاثنان كيانًا واحدًا، يعملان سويًا لأجل تنشئته وتربيته تربية صالحة، فكما أن الرجل مثل الرأس بالنسبة للمرأة، والمراة هي الجسد بالنسبة للرجل، فإن " الطفل هو الرقبة التي تصل الرأس بالجسد ".

     أصبح الزوجان فعليًا بعد زواجهما جسدًا واحدًا، من خلال العلاقة الجسدية القائمة بينهما وإنجاب الأطفال، ولكن ماذا يحدث في حالة عدم إنجاب الأطفال، ذلك لا يؤثر علي زواجهما، مادامت العلاقة بينهما قائمة ومستمرة فهي تجمع بين زوجين بالفعل ولا تتأثر بعدم الإنجاب، والدليل علي ذلك أنه حتي الشريعة المسيحية لم تسمح بالطلاق في حالة عدم الإنجاب، بل جعلته لعلة الزنا فقط ، وهي بذلك تعني أن باقي المشكلات أو النقائص التي تتعرض لها حياة الزوجين لا تؤثر عليهما، ولا تدعو لافتراقهما.

     ساد اعتقاد خاطئ بأن الأطفال والطفولة عمومًا قد شغلوا حيزًا صغيرًا من كتابات الكُتاب البيزنطيين، وقد أظهرت لنا العديد من الأدلة أن الطفولة مثلت جزءًا مهمًا من حياة المجتمع البيزنطي، وأن الأطفال في هذا المجتمع تم النظر إليهم وتقدير قيمتهم من خلال عدة مستويات مختلفة، أولًا كان ينظر إلي الأطفال والرضع من خلال برائتهم وطبيعتهم غير الفاسدة والتي لم تتأثر بمتغيرات الحياة، ولا بالسلوكيات الخاطئة.

     وثانيًا استنادًا إلي بعض الحكايات التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس عن الأطفال، فقال النبي داود في مزاميره عن الأطفال، أن الطفل بصعوبة يتعلم لكنه بسهولة يحب الله ويسبح له: " من أفواه الأطفال والرضع أَسَّسْتَ حمدًا ". وتحدث القديس بولس الرسول عن طفولته قائلًا : " لما كنت طفلًا، كطفل كنت اتكلم، وكطفل كنت أفطن ". وأظهر الكتاب المقدس أيضًا اهتمام الآباء بما يدخل السرور إلي قلب أبنائهم، فحينما أراد يعقوب أن يفرح ابنه الصغير يوسف " صنع له قميصًا ملونًا ".

     نجد كذلك من خلال قصص الكتاب المقدس قصة الصبي الذي عاون المسيح علي إطعام الجموع التي لحقت به في الصحراء، بعد أن ترك المدينة بعد مقتل يوحنا المعمدان، وكان الطفل أحد هذه الجموع وقد زودته أمه بطعام يكفيه في رحلته هذه وهو عبارة عن 5 أرغفة وسمكتين، وقد أمضت هذه الجموع النهار كله مع السيد المسيح، وحين طلب منه تلاميذه صرف هذه الجموع ليعودوا إلي المدينة لشراء ما يكفيهم من الطعام، لكن المسيح طلب منهم إعطاءهم ما معهم من الطعام، فتقدم الطفل بالطعام الذي زودته به أمه، فصلي عليه المسيح وباركه، وقدم التلاميذ من الطعام للجموع وأكل الجميع.

     كتب كريستوفر والتر Christopher Walter أن الطريقة التي اعتمد عليها الفنانون لتمثيل الروح البشرية في الأيقونة البيزنطية، هي تصوير طفل عارٍ أو مدثرٍ، وهناك مثال علي هذه الفكرة في مشهد صعود السيدة مريم العذراء من الحياة الأرضية the Dormition of the Virgin في مخطوطة في دير إيفيرون Iverion في جبل آثوس Athos حيث يرمز طفل حديث الولادة مدثر بقمصان إلي روح العذراء. ونفهم من هذا الأمر كيف كان ينظر إلي الأطفال وبرائتهم بشكل إيجابي.

     مع ذلك، كان هناك عدد من الآراء التي تؤكد علي أن دراسة هذه المرحلة العمرية من حياة الإنسان، لم تكن الهدف الرئيسي لدي الكتاب ، فالكتابات النصية عن الطفولة تؤكد علي أن هؤلاء الكتاب حينما ذكروا هذه المرحلة كان غرضهم أن يثبتوا أن المقدمات دائمًا ما تقود إلي النتائج، بمعني أن وصفهم لطفولة أي شخص كان الغرض منها التعرف علي نشأة هذا الشخص التي أثرت في شخصيته، وما سيكون عليه في مرحلة بلوغه سن الرشد.

     فقد اعتبرت الطفولة مرحلة تأسيسية يبني عليها مستقبل الشخص، وهي أيضًا مؤشر علي ما ستكون عليه حياته في مراحل لاحقة. وقد أوضح ذلك أن المجتمع كان يدرك جيدًا أهمية هذه المرحلة من حياة أي شخص، واعتبرت مرحلة الطفولة مرحلة هامة في حياة الشخص ونواة لما ستكون عليه حياته في المستقبل، لذلك كان اهتمامهم بزرع حسن التهذيب والأخلاقيات الفاضلة في نفس الطفل.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.