د.عبدالرحيم ريحان Written by  تموز 27, 2019 - 56 Views

مذكراتى فى اليونان أنشرها لأول مرة

Rate this item
(0 votes)

ماذا يعنى الدين، الوطن، الانتماء، الكرامة وأنت خارج الوطن

عشت فى اليونان لمدة عامين أدرس العمارة والفنون البيزنطية بقسم الدراسات العليا بكلية الفلسفة (الآداب) جامعة أثينا وكانت التجربة الأولى لى للاغتراب بعيدًا عن بلدى المحبوب لأنى أحسست بأننى يستحيل أن أتحمل البعد عن بلدى المحبوب مهما كان الثمن وكنت أؤمن تمامًا وما زلت أن بلادى وإن جارت عليا عزيزة وأهلى وإن ضنوا عليا كرام

لذلك كنت أعيش فى اليونان وبلادى لن تفارقنى لحظة رغم كل ما كنت ألاقيه من حب وتعاون من كل من أتعامل معهم فى الجامعة وكنت مبعوثًا من قبل دير سانت كاترين فكانت هذه مكانة رفيعة لى فى الجامعة وفى أى منتديات ثقافية خاصة الذى يشرّفها بالحضور قداسة المطران داميانوس مطران دير سانت كاترين وكان عندما يرانى أجلس مشاركًا فى الندوة فكان ينزل من على المسرح المعد للندوة إلى الصالة ليصافحنى وحينها ينظر إلى كل الموجودين ويتساءلون من هذا الشخص وما هى مكانته لينزل له قداسة المطران بنفسه ليصافحه؟ لن يكون أقل من وزير أو أكبر من ذلك ولم أكن سوى طالب علم جاء من بلد المحبوب

ورغم كل هذه المكانة التى كنت أحظى بها والحب الجارف من الجميع أشكرهم عليه جميعًا وعلاقات الود مستمرة لكننى كنت أعيش ببلدى المحبوب فى كل موقف

ففى الجامعة كنت أدرس اللغة اليونانية وكان الأستاذ مينلاوس والأستاذة فروديتى أساتذتى فى اللغة وكلما ذكروا كلمة يونانية أذكرهم بأن أصلها عربية فقالت مرة كلمة "خصابص" وتعنى جزار باليونانية فقلت لها مأخوذة من "قصّاب" بالعربية وهكذا لدرجة أنها سألتنى أجئت لتتعلم اليونانية ام جئت لتعلمنا العربية؟ فقلت لها الاثنين إنى جئت من مصر بلد الحضارة التى علمت العالم وأنتسب إلى أمة الحضارة الأمة العربية التى تعيش أوروبا على علومها وآدابها حتى الآن فأعجبت بهذا الرد وبدأت صداقة بيننا وطلبت التعرف على المزيد من الحضارة المصرية أثناء المحاضرات

وكنت انتهز الفرصة فى كل موقف لأتحدث عن بلادى وكنا فى وقتها حديثى العهد بكتاب للمؤرخ مارتن برنال من ثلاث مجلدات يتناول فيه تاريخ الأغريق القدماء من منطلق مغاير للمعتاد عند المؤرخين المعاصرين فوجهة نظر "برنال" تؤكد أن الحضارة الأغريقية القديمة مدينة لجيرانها من آسيا وأفريقيا (مصر و كنعان \فنيقيا) لدرجة كبيرة ولا تقف أطروحة "برنال" عند ذلك بل تصرح بأن وجهة نظر المؤرخين الغربيين تغيرت من الاعتراف بدين الحضارة الأغريقية لحضارات الشرق الأوسط لإنكارهم وجحودهم خلال القرن الثامن عشر بعد الميلاد تحيزا منهم إلى انتمائهم الغربي

ومن منطلق هذا كنت المرجع لكل الدارسين والأساتذة للحديث عن مصر وكنا فى زيارة لمتحف الإسكندر الأكبر فنظر الجميع أين "بركات" وبركات هو إسم جدى وإسم الجد هو ما تحمله فى أوروبا وكانوا يعتزون بهذا الإسم لارتباطه بالبركة

وكنت أتعامل مع المجتمع اليونانى المسيحى كفرد ومواطن يونانى لديه إقامة رسمية يعشق تراث وحضارة اليونان ويعلى من قيمة دينه وبلده ولم يشعر يومًا بمعاملة مختلفة لأنه مسلم

وأحكى حكاية تؤكد هذا المعنى حيث أن أستاذ اللغة اليونانية لم يعرف أنى مسلم إلا بعد أجازة الكريسماس وكان يسأل كل فرد هل ذهبت إلى الكنيسة أمس؟ وكان ردى عليه لم أذهب فتعجب ولماذا؟ فقلت له لأنى مسلم فخرجت منه كلمة عفوية "بس أنت كويس"، ربما لما ثبت فى يقينه عن صورة غير صحيحة عن المسلمين من الإعلام الأوروبى الذى يشوه صورة المسلمين فى كل موقف فكان ردى عليه درسًا لن ينساه عن الإسلام والمسلمين بأن الدين لا علاقة له بالإرهاب لأن الإرهاب ليس له دين أو وطن وضربت له أمثلة عن إرهابيين فى كل الأديان

وكان علاقاتى بالمبعوثين المصريين من كليات الآداب إلى جامعة أثينا لدراسة الأدب اليونانى علاقة جيدة وكنت أتحدث معهم عن الآثار المصرية باستفاضة بحكم التخصص  وأن الآثار هى عامل أساسى فى زرع الإنتماء ومن كثرة حديثى الذى فاق الحد بالنسبة لهم شكّوا أننى أعمل مع المخابرات المصرية وجئت لأنقل أخبارهم وكلهم شخصيات وطنية عاشقين لبلادهم والمبعوثين الرسميين للحكومة الرسمية فكيف ترسل الحكومة من يراقبهم؟ ورغم أن هذا مستحيل ولكن الشكوك كانت لها مبرراتها المنطقية وكانت هناك أسباب كثيرة تدعوهم للشك أولًا حديثى باستفاضة غير عادية عن مصر وقيمة مصر وحضارة مصر، ثانيًا ترددى كثيرًا على السفارة المصرية، ثالثًا سكنى فى شقة فى أجمل أحياء أثينا "كاليثيًا" وهى شقة كبيرة تسكن بها 3 أجيال فى اليونان لأن سعر السكن مرتفع جدًا وأقصى ما يحلم به أى دارس باليونان ما يعرف باسم "جارسونيرة" أى حجرة بمنافعها، رابعًا صداقتى الكبيرة باثنين دارسين للغة اليونانية من ضباط الجيش المصرى

ومهما بررت لهم فهم لن يصدقونى لأن كل القرائن تقول بذلك وانا لأول مرة أشرح الأسباب التى دعتهم لذلك

أولًا حديثى عن مصر وحبى لمصر لم يكن معهم فقط بل مع كل من أعرفه باليونان فهذا جنون ببلدى المحبوب يسرى مع الدم ونبض القلب ولن يتوقف إلا بتوقف اندفاع الدم والنبض، ثانيًا ترددى على السفارة المصرية فكان فى البداية لصلاة الجمعة لأنى لم أعرف مكان المسجد فى أثينا وبعد أن عرفت توقفت ولكنى ارتحت للذهاب إلى السفارة المصرية لأنها قطعة من بلادى وبالمناسبة السفارة هى قصر من قصور محمد على ضمن الأوقاف المصرية باليونان وكنت أذهب للسفارة كلما شاركت فى مؤتمر علمى باليونان لأدعى السفير لحضور المؤتمر لوجود مصرى مشارك به ولم تكسر بخاطرى السفارة ففى أحد المؤتمرات اعتذرت معالى السفيرة لأن المؤتمر يوم عيد الأضحى وتريد قضاء المناسبة مع أولادها ولكنها سترسل لى المستشار السياحى وقد حضر المستشار السياحى ممثلًا للسفارة المصرية وكان فخورًا بى أننى أتحدث عن آثار مصر بجامعة أثينا وكنت فخورًا بحضوره وعرّفته على كل المشاركين بالمؤتمر وأنه حضر خصيصًا ليشاهد بحثى بالمؤتمر وترك لحم العيد الكبير وهنأنى بالعيد ودعانى للغذاء معه  ولكنى كنت مرتبط بالمؤتمر طوال اليوم ويكفى حضوره الذى شرفنى ورفع راسى زى ما بيقولوا وسط كل الجامعة وكانت أول مرة يشارك مسئول بسفارة أجنبية فى مؤتمر طلابى وأشاد بهذا منظمى المؤتمر 

وتعجبت لماذا يهرب البعض من تسجيل اسمه بالسفارة المصرية بمجرد وصوله وعمل الإقامة فقد حدثنى المستشار الثقافى باليونان بأنه لا يعرف عدد المبعوثين بدقة لعدم تسجيل أسماءهم بالسفارة وقال لى إنك الوحيد الذى نراك عندنا رغم أنك غير مبعوث للدولة فقد كنت مبعوث دير سانت كاترين وأخذت أجازة بدون مرتب لمدة عامين

السبب الثالث وهى شقة فاخرة فى حى فاخر فقد كانت إهداء من قداسة مطران دير سانت كاترين لأعيش بها طيلة إقامتى باليونان مهما بلغت المدة، أمّا عن صداقتى بدارسين اللغة اليونانية وهم ضباط بالجيش المصرى وكانوا يحضرون بالزى العسكرى فقد كانت صداقة ومثار فخر لى  وكنت فخورًا أن أسير معهم بالجامعة وهم يرتدون الزى العسكرى فكنت أتحسس كل شئ من ريحة مصر فما بالك بضباط بالجيش المصرى وكانوا على خلق كريم وكنا نذاكر اللغة اليونانية معًا ونراجع العديد من الامتحانات القديمة معًا

واتذكر حين كنت أمتحن اللغة اليونانية وجاءنى موضوع التعبير عن السلبيات والإيجابيات فى اليونان فانبرى بعض الزملاء مدحًا بالإيجابيات اعتقادًا منه أنها طريق النجاح فى الامتحان وأنا ركزت على السلبيات ولم أذكر الإيجابيات إلا فى سطور فكانت نتيجة الامتحان التحريرى غير مرضية وقد عرفت السبب وكان هناك أمل أخير فى الامتحان الشفوى وكان أول سؤال لى عن كم السلبيات التى ذكرتها فى الامتحان التحريرى فقلت له أنتم تريدون الإصلاح والتقدم وأنتم مقبلون على دورة الألعاب الأوليمبية فى بلادكم فمن الأفضل لكم من يمدحكم ويخدعكم أم من يبصركم بأخطائكم لتصححوها؟

وبعدها سألنى عن هدفى من دراسة اللغة اليونانية والآثار اليونانية وخرجت معتقدًا أننى ربما أكون قد أغضبتهم ولكنى بررت فى الامتحان الشفوى فلو اقتنعوا فقد نجحت وإذ لم يقتنعوا فحقيبتى جاهزة وأحلم باليوم الذى أعود إلى بلدى المحبوب وكانت النتيجة بالنجاح رغم صعوبة اللغة اليونانية ونسبة النجاح لا تتعدى 50%  فى أحسن حالاتها

النقطة الأخيرة الذى أحب ان أركز عليها ثلاثة أشياء يجب أن تحافظ عليها داخل وخارج بلدك وخصوصًا خارج بلدك لأنك فى أحوج الناس إليها "دينك وبلدك وكرامتك" لو بعت أى واحدة منها فأنت صيد ثمين لأى جهة لتجنيدك فى أى عمل ضد بلدك وهناك المتخصصون فى الخارج الذين يراقبون كل الأجانب الجدد فى أوروبا ليتعرفوا على طبائعهم ومدى انتمائهم لدينهم وبلادهم وحفاظهم على كرامتهم التى تحفظ كرامة الدين والوطن واصطياد "اللى بايعين القضية" فهم لا يحتاجون إلى مجهود فى تجنيدهم

وكنت فى أحد الندوات الكبرى وكان يجلس بجوارى أحد العلماء الكبار وقدم له تحية لأشاركه فى شرب الخمر فقلت له لا أشرب قال بهدوء لماذا؟ فقلت له لأن دينى يمنع ذلك فأنا مسلم قال بهدوء أيضا ولماذا يمنع الإسلام الخمر وهى مفيدة لصحة القلب؟ فكان ردى الذى مثّل مفاجأة كبيرة له فقلت له أن دينى ذكر أن فيها منافع للناس ولكن الضرر أكبر وذكرت له الآية الكريمة }يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا{ سورة البقرة آية 219

فأحسست أن الرجل أمامى قد اهتز من الداخل وقام من جوارى وفوجئت به عائدًا لى بزجاجة مياه غازية فقلت له كبيرة جدا من عالم كبير زى حضرتك لما يقوم بنفسه ويجبلى حاجة أشربها فكان رده هو ما هزنى من الداخل وأشعرنى أنى على الطريق الصحيح فقال لى "مش كبيرة على دينك وبلدك وشخصك الكريم" وهذا ما دعانى لأن أكتب إهداءً فى رسالة الماجستير بعد عودتى من اليونان إهداء لكل مصرى يحافظ على دينه وبلده وكرامته

لقد ختمت القرآن الكريم فى اليونان عدة مرات فقد كان لى خير حافظًا فى وقت ومناخ متاح لى كل شئ وسهل لولا أننى كنت أنظر عن اليمين فأجد ملكًا يكتب وأنظر عن اليسار فأجد ملكًا يكتب فتيقنت بأننى مراقب فى كل وقت فهل بعد كل هذا أجعل المولى أهون الناظرين إلى }إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ{سورة ق آية 18 فمن يضع هذه الآية فى يقينه ويتذكرها دائمًا لن يعصى الله أبدًا فالمولى عز وجل التى تستشعر مراقبته وأنت صائم وتخشى أن تأكل وتشرب وتعصى الله لأنه يراقبك هو المولى عز وجل الذى يراقبك أينما ذهبت

د.عبدالرحيم ريحان

مستشار عام لشئون الحضارة والتراث بمجموعة كاسل جورنال ورئيس اللجنة العلمية التاريخية بمجلة كاسل الحضارة والتراث

More in this category: « المرأة مسحراتى

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.