كاسل الحضارة والتراث Written by  أيار 22, 2020 - 302 Views

ملامح عيد الفطر في عيون المُستّشرقِين

Rate this item
(1 Vote)

بقلم : زينب محمد عبد الرحيم

باحثة في الفولكلور والثقافة الشعبية

   كيف يستقبل المصريين عيد الفطر المُبارك ؟ ومن هذا التساؤل سنُركز على مظاهر عيد الفطر داخل المجتمع المصري وذلك لما له من خصوصية ثقافية يكاد ينفرد بها المُجتمع المصري فيما يخص العادات المُرتبطة بالأعياد وخاصةً الدينية فكُلما ارتبطت العادات الشعبية بشعائر وطقوس دينية كُلما ضمنت تلك العادة استمراريتها مقاومة لكل التغيرات الزمانية والثقافية ومن ثمّ تتكيف مع الواقع المُعاصر وذلك ينطبق على عادات المصريين الخاصة بعيد الفطر سواء استعدادًا له في أواخر شهر رمضان أو منذ إعلان أولى أيام العيد , فهناك الكثير من العادات الغذائية والعادات المرتبطة بزيارة المقابر وهذه العادات على الرغم من ارتباطها بعيد الفطر إلا إنها عادات موغلة في القدم تعود إلى المصريين القدماء والكثير من النقوش على جدران المقابر والمعابد تشهد بذلك .

ولندرك بعض مظاهر التغيير والثبات فيما يخص الاحتفال بعيد الفطر يُمكننا أن نستعرض ما قاله المُستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين عن مظاهر استقبال المصريين لعيد الفطر المُبارك وكيف يحتفلون به وذلك في القرن الثامن عشر أثناء إقامته في القاهرة فقام بتوثيق عادات المصريين في ذلك الوقت في كتابه عادات المصريين المُحدثين وتقاليدهم ويذكر في أحد فصول الكتاب ما يفعله المجتمع المصري أثناء العيد فيقول ‘‘يحتفل المُسلمون في أول تلاتة أيام من شهر شوال وهو الشهر العاشر الذي يلي رمضان بالعيد الصغير وهو أحد العيدين الكبيرين اللذين يأمر الإسلام باستقبالهما بفرح عامر , ويأتي هذا العيد ليعلن انتهاء صوم رمضان يحتشد المصلون بعد طلوع الشمس مباشرة في أبهى حلة لهم في الجوامع ويؤدون صلاة ركعتين سُنة للعيد يليها خطبة الخطيب , ويهنئ الأصدقاء الذين يلتقون في الجامع أو في الشارع أو في المنازل أنفسهم بمناسبة حلول العيد ويقبلون بعضهم البعض كما يتبادلون الزيارات , ويرتدي بعض الأشخاص حتى ولو انتموا إلى الطبقات الدنيا بدلة جديدة للعيد وتشمل هذه العادة الجميع ولو اقتصر الأمر على زوج حذاء جديد , ويقدم السيد لخادمه ثيايًا جديدة ويحصل على بضعة قروش من أصدقاء سيده عندما يحضرون لزيارته مهنئين بالعيد أو قد يتوجه إلى منازل هؤلاء الأصدقاء لمعايدتهم والحصول على هديته وإن كان قد خدم في منزل سيد سابق يزوره ويحصل على عيديته وقد يحضر معه طبق (كحك) إلى السيد فيجازى مالًا يوازي ضعف قيمة الكحك .

يأكل معظم سكان القاهرة أيام العيد (الفسيخ) و (الكحك) و(الفطيرة) و (الشُّريق) وتحضر بعض العائلات طبق (المُمزّزة) المؤلف من اللحم والبصل ودبس السكر والخل والطحين الخشن , ويؤمن سيد المنزل النقل على أنواعه لعائلته وتقفل معظم المحلات أبوابها في العاصمة وترتدي الشوارع ثوب الفرحة بسبب عجقة المارة المرتدين ثياب العيد .

ويقوم بعض أفراد العائلات خاصة النساء بزيارة أضرحة موتاهم في أيام العيد ,يقومون بمثل هذه الزيارات بمناسبة العيد الكبير – ويحمل الزوار أو الخدم سعف النخل وأحيانًا أغصان الريحان لوضعها فوق القبر الذي يتوجهون لزيارته , وتكثر مشاهدة النساء حاملات شعف النخيل وهن في طرقهن إلى المدافن الواقعة في ضواحي العاصمة وتحضر هؤلاء حسب ما تسمح لهن ظروفهن الكحك والشريق والفطير والعيش والتمر وغيرها من الأطعمة يوزعنها على الفقراء الذين ينتشرون في المدافن في هذه المناسبات وينصبن الخيم أحيانًا وتحيط الخيمة بالقبر الذي يزورونه ويتلون سورة الفاتحة أو يطلبون من أحد الأشخاض تلاوة سورة يّس أو مقطعًا أكبر من القرآن ويتلو بعض الفقهاء أحيانًا ختمة عند القبر أو في المنزل ويعود الرجال عامة بعد إتمام هذه الشعائر مباشرة ويطرحون سعف النخل فوق الضريح كما تتوجه النساء إلى القبر في الصباح الباكر ولا يرجعن حتى بعد الظهر – وتمثل قرافة باب النصر الكبرى في الطريق الصحراوي المباشر شمال العاصمة مسرحًا مميزًا في العيدين وتعلق المدومات والأرجوحات في قسم قريب من بوابة العاصمة وتنصب كذلك الخيم حيث يسلي رواة سيرة أبي زيد وبعض الراقصين وغيرهم حشود المتفرجين

( انظر, وليم إدوارد لين , عادات المريين المحدثين وتقاليدهم "مابين 1833 إلى 1835 ,ترجمة سهير دَسوم , ص494)

وحول عادات الموت قدمت بلاكمان عام 1927 كتابًا حول عادات المصريين في الصعيد وذكرت في مقدمة كتابها : أن فهم الحياة المعاصرة للمصريين يمكن أن يساعدنا على فهم الصور والنصوص الفرعونية التي نعثر عليها فهمًا أفضل فالثقافة الفرعونية قد احتفلت بالموت كما لم تحتفل به أي ثقافة أخرى في العالم ومن الطبيعي أن تلقى العادات نفسها اهتمامًا من أحفادهم المعاصرين .

وهناك ردًا على ماقالته بلاكمان ‘‘وهو أن المصريين القدماء لم يكونوا يهتمون بالموت في ذاته ولكن باعتباره هو المقدمة الطبيعية للدخول في عالم الحياة الأبدية التي سوف تستمر في اعتقادهم بعد المحاكمة العادلة ...‘‘ للمزيد انظر علياء شكري ,عادات الموت في مصر ,التراث الشعبي المصري في المكتبة الأوروبية – دار الثقافة 1980

 ختامًا , قد قدمنا عرضًا لبعض ما قاله المُستشرقين الأجانب  وذلك من خلال دِراستهم الميدانية داخل المجتمع المصري حيث قاموا بتوثيق العادات المرتبطة بعيد الفطر ويمكن أن نلخصها إلى عادات غذائية  , عادات تخص التهنئة وتبادل الزيارات , عادات تخص الملابس الجديدة وأخيرًا عادات تخص زيارة المتوفىّ أول أيام العيد ويرجع الكثير من هذه العادات إلى المصري القديم كما أشرنا سابقًا فالمصري صنع الكحك واحتفى بالموتى وقدم لهم موائد القرابين وتتضمن أنواع كثيرة من الطعام من اللحوم والطيور والخبز والفواكه والخضروات , فالكثير من مظاهر الاحتفال بالاعياد تدخل في إطار المنظومة الثقافية التي يتفق عليها العقل الجمعي ويربطها دائمًا بالمعتقد لكي يضمن تحققها واستمراريتها وذلك لأن تلك العادات الشعبية تحقق احتياجات الجماعة الشعبية المتمثلة في التكافل والتعاون داخل نسيج ثقافي مشترك .

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.