كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 17, 2020 - 69 Views

الأراجوز

Rate this item
(0 votes)

كتبت شيرين رحيم
أخصائي شئون هيئة تدريس
ماجستير قسم التاريخ الآثار المصرية والإسلامية
كلية الآداب جامعة دمنهور

الأراجوز  صورة قديمة من صور التراث الشعبى  ظهرت كتجسيدا ساخرا للحياة الإجتماعية والسياسية فى المجتمع المصرى وأعقبت صورة خيال الظل (المآتة) وتحديدا بعد مجئ الحملة الفرنسية إلى مصر كصورة لعرائس ودمى عادة ما تصنع من الخشب والورق والحصى وقد يدخل فيها القطن أو الجلد ويرتدى فيها الشخوص ملابس الشخصيات المراد محاكاتها وهى تختلف عن خيال الظل فى كونها لا تختفى خلف الستار وانما تعلو ساتر سميك من القماش يستتر وراءه اللاعبين وهى عادة لا تحتاج إلى إضاءة لأنها تظهر فى الليل أو النهار وتنتشر فى الساحات الشعبية وليالى الموالد ؛وظهرت فى بادئ الأمر على المسارح الخاصة ثم إنتشرت فيما بعد فى الأماكن العامة

وقد برع الفرنسيون فى إستغلاله عند قدومهم لمصر لإقناع الشعب المصرى بشرعية تواجدهم تحت مظلة تخليصهم من إستبداد وظلم المماليك من خلال فقرات ساخرة منهم صورت سبل حياتهم المبالغ فيها وإهتمامهم بأحوالهم  وتعذيبهم للمصريين ؛وبعد رحيل الحملة الفرنسية إستمر الأراجوز كوسيلة لتعبير المصريين عن قضاياهم النفسية والإجتماعية والسياسية بل أصبح وسيلة للتسلية والترويح بفقرات مرحة وغالبا ما استخدم الأراجوز طبقا للظروف والأماكن والأحداث فكان ناقدا حيا تميز بالخفة واللياقة وحسن التخلص من المآزق بالتحايل والذكاء وإستخدام الحيل والخبث الإجتماعى والدهاء فمثل ابن البلد فى مظهره من حيث الملبس واللياقة وخفة الدم والفضول والتدخل فيما يعنيه ومالا يعنيه فأخرج لنا شخصيات شهيرة مستترة فى شخصية عم عثمان السودانى وعم محمد أفندى الموظف البسيط والشيخ المعمم والفلاح الفصيح والمرأة بنت البلد والأخرى الغازية الشريرة والفتاة المودرن والشرطة والصعيدي؛ وهكذا غدا صورة مجسمة لنقد المواقف الحياتية من خلال إقتباسها من باب الخيال مثل حكايات الأمير وعروسه بصفاتهما المبالغ فيها حتى إذا ما صارت واقعا تجلت على غير الخيال وتناول الأراجوز مواقف النقد الإجتماعى بدوره فى ثورة ١٩١٩ وما تضمنته قصصه عن تلك الفترة من أحاديث ساخرة ومضحكة لأفعال الاحتلال الانجليزى

وما لبثت تلك الشخصيات التى صدرها لنا الأراجوز أن تطورت وكانت نواة لمثيلاتها فيما جسدت فى الثلاثينيات من القرن الماضى فى كثير من المسرحيات الروائية التى قدمها الكسار والريحانى وإستمرت حتى الخمسينات من ذات القرن فنذكر منها شخصية فرفور ليوسف إدريس من مسرحية الفرافير ويأخذنا الخيال إلى أن شخصية الكسار  عامة فى مجال السينما والمسرح كانت تجسيدا حيا للأراجوز فى ملبسه ولغته وهزله ومرحه حتى فى احلك المواقف التى كانت تقابله كما كانت شخصية شكوكو على المسرح تطل بمظهر الأراجوز

إلا أن شخصية الأراجوز كثيرا ما اجتمع عليها الجماهير فكانت لها شعبيتها ومريديها من كل الفئات العمرية فكانت مدرسة للأطفال وحكمة للكبار ودروسا وخبرة للشباب وظلت أيقونة من أيقونات التراث الشعبى وظلت لسان الشعب فى التعبير عن مكنوناته والتى غالبا ما كانت اعتراضا صامتا ضد شخصيات كريهة ومذمومةمن العامة كالشرطى غليظ الحس أو زوجة مشاكسة أو حاكم ظالم فظهر فى صورة المدافع عن الحق والمناصر للظلم رغم ضعف صورته ولكنه بدأ كمن يحمل عصاه فى يد يه يقوم ويحقق الانتقام ويقيم العدل ويعاقب المخطئ

وإن كانت عروض الأراجوز قليلة الوقت فى حوارهاالساذج العفوى بين الأراجوز ومن يشاركه من الدمى والعرائس فى تلك العروض ويعتبر ضارب الطرنبيطة أو ما يعرف بالملاغى الذى يقف خلف الستار  هو الممهد للحدث او مايعرف فى الافلام السينمائية القديمة بالراوى

وللأراجوز أدوار كثيرة فى التراث الشعبى والدور فيه هو ذلك الموقف الصغير المضحك ضمن العروض وعادة ما تكون شبه ثابتة وتبدأ بالغناء لجذب المتفرجين من خلال صوت الأراجوز المميزفتتوالى ظهور الشخصيات أعضاء الدور فى التحاور والنقاش معه فى حوار تتخلله بعض القفشات والنكات والسباب أحيانا أو التلميحات الخبيثة حتى ينتهى الدور بالغناء وتوصيل الرسالة المرادة ؛وللأراجوز جوقة بها لاعب أو اثنين أو ثلاثةقد يتضاعف عند تعدد الأدوار فيقوم الواحد منهم مقام شخصان وأغانى الأراجوز دائما ترتبط بالحدث ومتزامنة لأغانى العصر والمشاهير فيه

لقد شكل الأراجوز مظهرا من مظاهر الفرجة الشعبية التى أدخلت الفرحة على قلوب مريديه وسبيلا للترويح عنهم فى أشد وأحلك الظروف فأحيانا ما قد ينتقل أمام السجون فيسرى عن أصحابها ويسليهم من خارج الأسوار أو يتنقل فى القرى فيزيح مشقة الحقول وعناء الفلاحين فى أمسية ليلا أو نهارا أو كان أحيانا رسول برسالة باطنها تقريب وظاهرها حكاية مسلية و رغم تعدد اتجاهاته إلا أنه يعتبر نقد لسلوك إجتماعي أو سياسي فى هيئة نكتة مجسدة وتعليق ساخر وأغنية شهيرة  فهو ضمير سلوكى جمع بين عصا العقاب للشخوص البغيضة الينا وحلوى الفرحة لشفاه إشتاقت الابتسام والسعادة فما أن تندمج معه فى أدواره فتغوص فى بحار مسلية تبحر به ولو للحظات قصيرة من السعادة غالبا ما تخرجنا وتشفينا من جراحنا

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.