كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 24, 2020 - 155 Views

ويبقى النيل يجرى

Rate this item
(0 votes)

كتبت : شيرين رحيم

شؤون هيئة تدريس جامعة دمنهور، ماجستير فى التاريخ والآثار المصرية والإسلامية - كلية الأداب جامعة دمنهور

ويبقى النيل شريان الحياة الذى يتدفق على الأرض مسرعا يجوب كل بلاد المحروسة إختار أن يسير فى وسطها فيقسمها شطرين شرقى وغربى وفى حركته على بساطها يتمايل فيخط منحنيات وبحيرات وبرك وروافد حتى إذا بلغ الشمال رسم لنا علامة نصر وكأنها إصبعى السبابة والوسطى فأحدهما فرع رشيد والآخر فرع دمياط وبينهما يحتضن دلتاه فماهو سوى شريان دماء يتدفق فوق تلك الهضبة فتتنفس تربتها زروع وورود وأشجار يطعم منها الإنسان والحيوان فيتحول الجماد إلى حياة تتنفس المزروعات ويستنشق البشر ريحا وهواءا، ويرتوى الحيوان والإنسان وهاهى المنازل والحقول والمزارع والمصانع والسفن والمساجد والكنائس تتسابق لتزهو على ضفافه وتلك الفنادق والمبانى التى تتباهى وتتفاخر بإطلالاتها عليه .

     النيل ذلك الشريان الذى إخترع الحضارة وصُنع من أجله التراث منذ أقدم العصور فتراه ذلك النهر العذب وهو قادم من أعمق الجنوب من بحيرة فكتوريا مستمرا فى رحلته عبر المستنقعات والبحيرات والغابات والبلاد المختلفة المناخ والطباع تراه كأنه يعدو مسرعاً للشمال بإختياره ليمجد مصر بحضارة يشهد لها الزمان دون عن غيرها من البلاد التسع الأخرى التى يمر بها أم أنه جعل مصر محطته الأخيرة فيستريح فيها وينتعش ويترك لها تاريخا قديما متجدداً لا ينتهى أم أنه إختيار إلهى إصطفى به رب الكون المحروسة عن غيرها من البلدان ؛ ومن أين جاء هذا النهر ولماذا نحن  بلاده وموطنه كما تسائل شوقى عنه مغرداً

                   من أى عهد فى القرى تتدفق

                                   وبأى كَفُ فى المدائن تُغدقُ

                  ومن السماء نزلت أم فُجرت

                   من عليا الجنان جداولاً تترقرق

                                           وبأى عين أم بأية مزنةٍ

                  أم أى طوفان تفيض وتفهق  

وحابى أو "حعبى" كما عُرف عند المصريون القدماء كان محل تقديسهم ورمزا للخصوبة والعطاء لأرض مصر وجعلوه حكما بين الحياة والعالم الأخر مع الشمس حين جعلوا من البر الغربي له مكاناً لعالمهم الآخر ومقابرهم كما فى مقابر البر الغربى بالأقصر وجعلوا معابدهم ومدنهم فى البر الشرقى له ،وصوروه فى معابدهم حاملا للزهور والدواجن والأسماك والخضروات والفاكهة وسعف النخيل ،وأقاموا له الأناشيد التى تغنى بها الكهنة والناس بمدح معبود النيل ولاسيما لأنه إختلف عن غيره من المعبودات الأخرى فى كونه لم يكن له معبد كالمعبودات الأخرى أو كهنة تقوم على خدمته وإقتصرت طقوسه على العناية به وتجريم الإساءة اليه وأوضحت لنا ذلك وصايا الفلاح الفصيح ،وكانت أوج إحتفالاتهم به وقت الفيضان ,ولعل أشهر مظاهر الإحتفال هى أسطورة عروس النيل التى كانت تهدى للنيل تقديساً وتكريما وقرباناً له كأحد المعبودات ،كما إستعان به قدماء المصريين فى التقويم وتقسيم الفصول وماعرف بالتقويم النيلى الذى يبدأ بفصل الفيضان من منطقة "أونو"(عين شمس الحالية)وكل فصل أربعة شهور وهى ما تعرف بالتقويم القبطى والذى إرتبط بشهور الزراعة طبقا للمناخ والنيل ،وإستمر النيل خلال العصور التاريخية المختلفة يحتفظ بمكانته وقدسيته عند اليونانيين والرومان والعرب الذين عرفوه بالبحر وأحيانا الفيض نسبة لفيضه السنوى وعلى ضفافه شيدت المدن والقرى وبين بريه تتجول السفن والقوارب للصيد والتجارة والسياحة والتنقل .

  هو رحلة حياة متجددة كل يوم ومستمرة فى مسافة تبلغ نحو ثلاثة ونصف مليون كيلو متر مربع حتى المصب ،فأخرج الدلتا تلك الأرض المغمورة فشكلها بترسيبه لطبقات التربة الخصبة وتعداها فتعانق من فرعيه مع البحر المتوسط حتى تقول أحد الأساطير القديمة أنه لولا ذلك الإختلاط بالبحر المالح لما إستطعنا الشرب من مياهه لشدة حلاوتها ".

ولولاه لبقيت مصر جزءاً من تلك الصحارى الشاسعة ولبقى الوادى الأخضر محروما من المياه العذبة ومغمورا بماء البحر .

    ويبقى النيل حاضراً وشاهدا ً عيان تسرد موجات مياهه صفحات تاريخ مختلفة ومتعاقبة ويشهد ورد النيل على رونق تلك العصور فنشاهد فى نبته معالم العصر وطلاسم الحياة فهو مرآة للأحوال والأزمان والأحداث نراه فى الرخاء زهور زينة فواحة العطر وفى الشدة مشانق تعيق جريانه ،وعلى النيل القناطر والسدود ولعل أعظمها  السد العالى ذلك المشروع العملاق الذى يعد طوق حياة للمصريين إقترن بشريانها فحافظ لنا على مياهه وقت الجفاف والفيضان وحمى البلاد من سيل كان يجرف حضارتها ومعالمها وأخرج لنا الضياء من الكهرباء

فما أنت يانيل سوى رمز للحياة بل أنت أنت الحياة أنت حقا من يرتوى منك يعود إليك ولأنك عصب وشريان البلاد أصاب هيرودت حين قال "مصر هبة النيل" فما مصر إلا أنت أرضا وناساً وسماءً وضياءاً وطيوراً وغناءً وحياة، ليبقى النيل هو نهر الحب والعطاء وهو النهر الخالد ويبقى النيل رغم كل المعوقات يجرى لنتغنى به شعرا ونثراً وغناءً وموسيقى فما أروع  شدو عبدالوهاب فيه بكلمات محمود حسن إسماعيل :

            شابت على أرضه الليالى ....... وضيعت عمرها الجبال

             ولم يزل ينشد الديارا.............. ويسأل الليل والنهارا

            والناس فى حبه سكارى ..........هاموا على شطه الرحيب

             آه على سرك الرهيب .............وموجك التائه الغريب

                                   يانيل يا ساحر الغيون  

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.