كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين1 28, 2020 - 147 Views

الطوطمية فى أفريقيا وتقديس الحيوان

Rate this item
(0 votes)

          كتبت - د. سهام عبد الباقى محمد

الباحثة فى الأنثروبولوجيا الثقافية- كلية الدراسات الأفريقية العليا

 يسود لدى القبائل الأفريقية الإعتقاد بأن لكل مادة روح ولذا فأغلب معتقداتهم الدينية تقوم على عبادة تلك الأرواح بتنوعاتها واختلافاتها، والطوطمية فى معناها العام هى تقديس الحيوانات والنباتات وجميع الظواهر الطبيعية كالمطر،البرق،الرعد،والماء .......الخ. لذا كان هناك اهتمام بإقامة طقوس للطوطم التى استقرت علية القبيلة واتخذته شعاراً لها باعتباره الأصل الذى إنحدرت منه القبيلة والرمز المقدس لها لذا كان لا يسمح بأى حال من الأحوال المساس بهذا الطوطم سواء كان نباتاً بقطعه أو أكله ،أو حيواناً بإيذائة أو قتله  إلا فى الضروة القسوى وبإجراء طقوس تحمل معنى الاستغفار وطلب العفو من الطوطم ،مع الاحتفاظ بجزء منه كريشة أو مخلب أو نابْ يصنع منهم تمائم.

أصل مصطلح الطوطمية

 اٌخذ مصطلح  الطوطمية  Totémismeمن الأوجيبوا، وهى لغة الغونكية التى يتكلم بها هنود البحيرات الكبرى فى أمريكا الشمالية، ويستخدم الأوجيبوا لفظ طوطم للدلالة على علاقة إجتماعية قائمة بين شخصين، وكان الرحالة ج لونغ  أول من أدخل لفظ طوطم إلى الغرب عام 1791 م فى كتابه «رحلات مترجم هندى وأسفاره». بينما يرجع إستخدامها فى إطار الأنثروبولوجى إلى ج . مالكلينان عام 1970م فى مقاله المعنون بالطوطمية. وتنتشر الطوطمية فى ماليزيا وغينيا وجنوب أفريقيا جنوب حوضى نهرى الكنغو والزامبيزي وبين سكان استراليا وامريكا الأصليين.وتنبنى الطوطمية على فكرة تقديس الطوطم وهو شعار القبيلة، والذى يعد بمثابة الأب والروح الحامية للعشيرة، والرمز المقدس لها، لذلك يمنع على العشيرة قتل طوطمها أو أكله إلا فى بعض المناسبات والظروف وذلك لإكتساب صفاته وخصائصه, والطوطم لا يمثله حيوان معين إنما ذلك الحيوان الذى اجتمعت علية كلمة القبيلة(1). وتعد قرابة الطوطم أقوى من قرابة الدم بمفهومنا الحالي، فلا يٌسمح بالزواج بين أبناء الطوطم الواحد، وإذا حدث ذلك يكون الموت هو العقوبة لأن هذا يعد نوعاً من أنواع الزنا بالمحارم وفقاً للمعتقد الثقافى السائد بالمجتمعات الأفريقية. لذا يتم الزواج عادة بأتباع الطواطم الأخري ويحرم على اتباع الطوطم الواحد. فالمجتمع الطوطمى يقوم على أساس القبيلة لأنه رمز لها ولقوتها المستمدة من الروح المقدسة للطوطم لذا وشم غالبية المجتمعات الأفريقية أجسادهم بطوطمهم طلباً للحماية لذا فالعلاقة بين العشيرة وطوطمها  ليست علاقة عبادة وإنما علاقة قرابة ودم. وقد أُشير أيضا الى أن التقديس يوجه لروح الأله التي تسكُن الحيوان لأنه وسيطاً للإله الذي يسكن الحيوان وتجلت فيه قدرة الأله.

سبب ظهور الطوطمية

تعد الطوطمية من أهم المراحل الدينية التي مر بها الفكر الديني الأنساني، وقد عرّفها Haas بأنها (ديانة مركبة من الأفكار والرموز والطقوس تعتمد على العلاقة بين جماعة إنسانية ورمز معين يسمى الطوطم)(2).  كما عرفها سيجموند فرويد بأنها(نظام ينوب مئاب الدين لدى بعض المجتمعات البدائية من خلال نماذج وأشكال من الحيوانات والنباتات والجماد)(3). كما يذكر فرويد فى كتابه «الطوطم والتابو» إنه كان هناك أب يحكم أحدى القبائل، فقام بجمع نساء القبيلة جميعهن حوله، وحرّمهم على أبنائه وعلى أفراد عشيرته، فتولد لدى أبنائة غضب شديد ووقعوا فى صراع نفسي بين كرههم لأبيهم لكبته مشاعرهم،وبين محبتهم وتقديرهم له كأب وفى نهاية الأمر إنتصرت مشاعر الكراهية وسولت لهم أنفسهم قتل أبيهم وأكله، فندموا على فعلتهم. وفى تلك الأثناء سمعوا صوت حيوان فظنوا أنه روح أبيهم تجسدت بهذا الحيوان، فأقاموا طقوساً طوطمية عبدوا فيها ذلك الحيوان ندماً على ما اقترفوه بحق أبيهم لذا حرموا على أنفسهم أكل الطوطم تكفيراً عن أكلهم لأبيهم لدرجة أنهم كانوا يدفنون الحيوانات الطوطمية عند موتها كدفنهم لأفراد القبيلة، وإذا دفعت الظروف أحدهم على قتل الطوطم فعلية أن يستغفر منه بترديد تعاويذ معينة، وإذا اقتضت الشعائر الدينية التضحية بالطوطم، يتم البكاء علية بشكل إحتفالي، ويتم ارتداء جلود حيوانات الطوطم، والتسمى بأسمائهم ويذكرجيمس فريزر فى كتابه الغصن الذهبي،أن الأصنام والمنحوتات الخشبية الأفريقية ترتبط بالطوطية، وكذلك الأقنعة لذلك يمكننا الربط بين الطوطمية وعبادة الأوثان والأصنام فى الجاهلية لدى العرب، حيث إنه كان لكل قبيلة تمثال خاص بها على هيئة إنسان سواء رجل أم إمرأة أو على هيئة حيوان (4).

طقوس الطوطمية

تتقرب المجتمعات الأفريقية إلي الطوطم بأنواع متعددة من الطقوس والممارسات من خلال الساحر أوحكيم القبيلة ومن هذه الطقوس تقديم قرابين فى صورة حيوانات وطيور أو حلي ومتاع ولا يخلو الأمر فى بعض الأحيان من تقديم قرابين بشريه فتراق دماء أحد أفراد القبيلة أمام الطوطم وتتضمن الطقوس أيضاً إقامة الصلوات الجماعية قربى للطوطم وطاعة له وطلباً لرضاه(5).وتصاحب تلك الصلوات رقصات يؤديها راقصين مقنعين بأقنعة الطوطم حتى تحل قوة الطوطم فى القناع الذى يمثله ومرتدين ثياب مخصصة لهذا اليوم ويمكننا القول أن الطوطمية كانت هى المسئولة عن وجود فن صناعة الأقنعة الأفريقية،ويكون المسؤل عن تأدية تلك الممارسات ساحر القبيله وهو الوسيط والمسؤل الأول عن إرضاء الطوطم وطرد الشر والسحر ويحدث التواصل بين أفراد المجتمع وبين الطوطم من خلال ما يصدره الراقص من همهمات تمثل أوامر الطوطم وتعليماته يترجمها حكيم القبيلة(6).ويسمى هذا اليوم بيوم عبادة الطوطم.

نماذج الطوطمية فى أفريقيا:

انتشرت معتقدات تقديس الحيوانات فى الحضارة المصرية القديمة بشكل كبير فى الفترة من(800ق.م) حيث جرى تحنيط آلاف الحيوانات المقدسة ودفنها فى مدافن مخصصة لها فى أنحاء متفرقة من مصر، وبلغ تقديس الحيوانات حد تقديس الآلهة فكان لها دور كبير فى الحياة المصرية الدينية حيث كانوا يعتقدون أن الألهة تتجسد فى تلك الأشكال الحيوانية المقدسة وفى التماثيل ولذا كانت الآلهة فى مصر القديمة تتخذ شكل رؤؤس طيور وحيوانات، وكان من أشهرها الثور المقدس آبيس الذى حظى بالتقديس عند الأله بتاح فضلاً عن طائر أبو منجل وهو الأكثر تقديساً، عند الأله تحوت إله الكتابة، والذى اخترع جميع العلوم التى عرفها الإنسان وكان يٌجسد كرجل برأس أبو منجل.(7) كما اشتهر الصقر الذى جسده الإله حورس كرجل برأس صقر، وتمت تسميته بعد ذلك بحورس الذهبى أو حورس الحى.وكانت الكوبرا المصرية تمثل مصر السفلى وكانت تسمى الآلهة كوبرا بودجيت. فضلاً عن القرود التى ساد الإعتقاد بأن صراخاتها عند شروق الشمس تعتبر تحية للإله رع إله الشمس، وهو المشهد الذى ظهر بداية فى معابد الشمس فى أبو صير منذ الدولة القديمة،ثم توالى ظهوره فى الكتب الدينية المختلفة، ومثلت اللبؤة الآلهة سخمت إبنة رع وتبدو كأمرأة برأس لبؤة،وكانت آلهة الحرب وعرفت بقدرتها على إصابة البشر بالأوبئة والأمراض،وكانت أيضاً شفيع الأطباءوقد تم تقديسها لما تتميز به من قوة وشراسة إتقاء لشرها.كما كان للقط الأسود أهمية دينية كبيرة عند الأله باستت وظهر بقوة على شواهد الحضارة المصرية حتى بلغ تقديسه حد معاقبة من يتعرض له بالإيذاء أو بالقتل بالسجن(8).

وتعد قبيلة البانتو أحدى المجموعات الزنجية الكبرى على الحدود الجنوبية لنيجيريا والكونغو وفي إقليم هضبة البحيرات الإستوائية، وكان من بين ممارسات تلك القبيلة أنه عندما يموت أحد أفرادها يُنحت له تمثال من خشب أو من مادة أخرى بحيث يكون هذا التمثال تجسيد مطابق للجسم ويتم دفنه بالتراب ويكون الهدف من هذا المجسم للجسد عودة الروح التى غادرت الجسد لتسكن هذا التمثال ولكي لا تتوه الروح عن جسدها.كما لعبت الطوطمية دوراً عقائدياً واجتماعياً هاماً فى قبيلة اليوروبا أكبر القبائل النيجيرية عددا بعد الهوسا بالجنوب الغربى النيجيرى، حيث لا يزالون أفرادها ينسجون الأساطير والمعتقدات لإكساب الطوطم هالة وقداسة، تصل به الى مرحلة “تابو”، أى أعلى مراحل القداسة فلا يجوز المساس به أو الأعتراض على أحكامه، أو لمسه أو التشكيك بقدراته حتى لا يكون الشخص عرضة لعقوبات غير محتملة(9). كما مارست قبيلة الموريس الطوطمية بطرق مختلفة وهى مجموعة عرقية موجودة في منطقة أثيوبيا بالقرب من الحدود السودانية ويحترفون الرعى حيث جعلوا من أجسادهم رموز تجمعهم بالقبيلة وليس بالإله فكانت الإنتماءات القبلية هى الداعى وراء تلك الرمزية الطوطمية، والتى تجسدت فى قيام النساء بثقب الشفاة وتزيين الجسم بالوشم والألوان وقيام الرجال بعمل الخدش والوشم وكأنهم يعلنون عن إنتمائهم للقبيلة بصورة واضحة ولا تدعو مجالاً للشك. ولقد عٌرفت النساء لدى هذه القبيلة بالنساء ذوات الأطباق، حيث يقمن بثقب شفاههن السفلية وإدخال طبق في هذا الثقب على أن يتم تغييره من وقت لآخر بحيث يتسع الثقب فيحوي أطباقاً أكبر حجماً وكلما زاد حجم الأطباق بالشفاة زادت الرغبة بالإقتران بهن ويرتفع مهرهن(10).وفى الختام يمكننا القول بأن الطوطمية على اختلاف أنواعها وأنماطها إرتبطت بروحانية شديدة فى نفوس المجتمعات الأفريقية وربطت أفرادها بمعتقداتهم الدينية، وإنتمائاتهم القبيلية،وثقافتهم المحلية.

المصادر:

  1. 1. أميرة فكرى:الطوطمية فى أفريقيا،أرض الشمس،تاريخ النشر(30/يناير/2018)،الإسترجاع فى (1/أكتوبر/2020) .

https://web.facebook.com

2.زينب عبد التواب رياض خميس:الطوطمية بين السحر والدين فى عصور ما قبل التاريخ بأفريقيا،مجلة العلوم الإجتماعية والإنسانية، جامعة محمد بوضياف،الجزائر،مجلد 7،عدد 14،2018،243ص.

  1. كحيل البشير عطية:الطوطمية وتقديس الحيوان لدى الانسان المغاربى القديم، المركز الجزائرى، الجلفة ،الجمهورية الجزائرية الديمقراطية،ص2.
  2. أميرة فكرى،مصدر إلكترونى سبق ذكره.
  3. كحيل البشير:مصدرسبق ذكرة،248ص.
  4. أنظر فى سهام عبد الباقى محمد :الأقنعة أحد الفنون الأفريقية البدائية، جريدة كاسيل للحضارة والتراث، ccha .castle. Gournal.info. 9/أكتوبر/2020.
  5. عاطف كامل: تعرف على الحيوانات البرية المقدسة لدى مصر الفرعونية القديمة،أجري توداى تاريخ النشر(19/أبريل/2019)،الإسترجاع فى(2/10/2010).

https://www.agritoday.com.

8.عبادة الحيوانات فى مصر القديمة، مركز الفكر الغربي، تاريخ الإسترجاع(30/9/2020).

http://www.cwestt.com/encyc/Animal_cults_in_Ancient_Egypt.

  1. زينب عبد التواب رياض خميس:مصدرسبق ذكره،ص254.
  2. نفس المصدر،ص255.

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.