كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين2 26, 2020 - 114 Views

المشلتت في التراث المصري

Rate this item
(0 votes)

كتب أ.د. محمد أحمد إبراهيم

أستاذ التاريخ لإسلامى بآداب ينى سويف

تميزت كل الشعوب بأكلات تراثية شهيرة تميزها عن الشعوب الأخرة,وقد كان الفطير المشلتت أحد الأكلات التي تميزت بها مصر منذ القدم, فقد عرفه المصريون القدماء منذ سبعة آلاف سنة كطعام يقدم قربانا للألهة في المعابد ,بل وضعوه أيضا في المقابر مع المتوفين اعتقادا منهم في البعث والخلود, كذلك كان الفطير يقدم للعمال والموظفين كأجر عن عملهم في المعابد والعمائر الفرعونية,ويقال أن الفطير المشلتت عرف بأسم(الملتوت أو المطبق )لأنه يصنع من عدة طبقات فوق بعضها البعض,اما في الدولة الحديثة فقد ظهر اسم (مشت – مست),إذ وجد هذا الأسم علي بعض النقوش التي عثرعليها في مقبرة(رخميرع)أحد الوزراء في عصر الملك تحتمس الثالث وامنحتب الثاني,ثم تحول الأسم من مشت بعد إدماج ملتوت إلي ( مشلتت).وفي عصر الدولة الفاطمية والدولة المملوكية ظهرت بعض المسميات لأنواع من الفطير منها ماعرف ب(الهلالي) التي استوحت منه فرنسا بعد ذلك فكرةعمل (الكرواسون)و( الباتية ).

وقد عرف الفطير المشلتت وراج في كل محافظات مصر ( وجة قبلي – وجة بحري ), إلا أن شهرته وجودته ارتبطت بمحافظة المنوفية وتحديدا مدينة (قويسنا)منذ عصر الخديوي إسماعيل ومن بعده الملك فاروق, إذ كان العاملين في القصور الملكية من محافظة المنوفية يقومون بإعداده بطريقة مختلفة ليتذوقه الخديوي والملك, لكي يلحظوا الإختلاف بينه وبين فطير أي مدينة أخري, حتي أنه خصص بعد ذلك أشخاص من المنوفية بالقصور لعمل الفطير المشلتت وتقديمه لكبار الزوار وأشهر الساسة, بل حرص الرئيس السادات علي أن يكون المشلتت المنوفي أبرز الأكلات التي يقدمها لضيوفه أفتخارا بمحافظته, لذلك عرف في قويسنا( برج المنوفية )علي مساحة 700 متر ومكون من طابقين لصناعة المشلتت بالطريقة المشهورة بها المحافظة بالسمن البلدي الخالص ومن عدة طبقات قد تصل إلي سبعة طبقات, وهو مايعرف بالمورق,فضلا عن الأحجام الكبيرة التي تصل فيها الفطيرة إلي نصف متروأكثر,إظهارا لبراعة الصنعة وتفوق المنايفة .

ارتبط المشلتت بالعادات والمناسبات الاجتماعية,فهو طعام يقدم للترحيب بالضيوف في الريف, كما أصبح وجبة أساسية تقدم للعروسين في (الصباحية) محمولا علي الصواني الكبري فوق الرؤوس مع مشتملاته( الجبن القديم – العسل الأبيض- العسل الأسود – القشطة – المورتة- البيض المدحرج),ومن العجيب والمدهش أن المشلتت لايؤكل بالسكر كباقي أنواع الفطيرالسائدة, بل مع العسل الذي هو تراث مصري أصيل فضلا عن قيمة العسل الغذائية مع المشلتت,علي الجانب الأخر أصبح معيار شطارة ونضوج الفتيات في الريف هي قدرة الفتاة علي عمل المشلتت واستخدام (النشابة ) الرفيعة لفرده والجلوس أمام فرن تسويته دون حرقه أو لسعه,وهي مهارة تتوارثها الفتيات من الأمهات والجدات .

ونظرا لانتشار الفطير في المجتمع المصري وخاصة المشلتت, فقد ارتبط به العديد من الأمثال الشعبية التي منها( الغيرة حرقت الفطيرة ) ويضرب للسلايف والضرائر في المنزل الواحد المتافسين دائما في التقليد بينهن الذي يؤدي إلي حرق الفطير,كذلك( زحمة العيد يامنخل) ويضرب في كثرة عمل الفطير في مناسبة العيد واستعارة المنخل لنخل الدقيق,( اللي مالوش خميرة مايخمرلوش عجين ) ويضرب في أهمية الخميرة في صنع بعض انواع الفطير(الطينة من الطينة واللتة من العجينة)(فاتت عجينها في الماجور وراحت تضرب بالطنبور)( اللي مالوش غرض يعجن يقعد ست أيام ينخل)ويضرب في المتكاسلة في العمل (اديني شعير وخد فطير )( لما انت أمير وانا أمير مين يسوي الفطير)وغيرها وغيرها من الأمثال التي جسدت ماارتبط بالفطير في المجتمع المصري من مواقف واحداث ,كما جسدت السينما المصرية العديد من المواقف التي ارتبطت بالفطير خاصة فيلم ( الزوجة الثانية )ومشهد المأمور والعمدة وتناولهم للمشلتت قبل التحقيق مع أبو العلا المحبوس هووزوجته وأولادة في الغرفة الجانبية دون طعام في انتظار الموافقة منه لتطليق زوجته فاطمة,وهو من المشاهد العبقرية التي أبدعها المخرج صلاح ابوسيف, كذلك فيلم ( أيام السادات )وبراعة أحمد زكي في تصوير السادات وهو يقدم الفطير لضيوفه بيده إظهارا لديمقراطيته مع المعارضة و تحقيقا للمثل الشعبي ( أطعم الفم تستحي العين).

وعلي الرغم من انتشار العديد من أنواع الفطائر في المجتمع المصري في العصر الحديث (البيتزا - الكريب)القادمين من وراء البحار,إلا أن المشلتت المصري بالسمن البلدي يظل سلطان الفطائر في المجتمع بلا منافس,وعنوانا لتراث مصري أصيل لن يتغير في ذاكرة وبطون المصريين مع كل زواج وكل صباحية,مع كوب الشاي المغلي الثقيل بعد تناوله !!!!

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.