كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين2 26, 2020 - 112 Views

الساكسونيا والكانتو في التراث المصري

Rate this item
(0 votes)

كتب أ.د. محمد أحمد إبراهيم

أستاذ التاريخ لإسلامى بآداب ينى سويف

تعد تجارة الساكسونيا من المهن التي كانت رائجة في الحواري والأزقة وشاهدها الكثير منا ونحن أطفال , فكنت تري رجل طويل متوسط العمر يحمل فوق رأسه قفص كبير من الجريد به بعض الأطباق الصيني والصواني وشفاشق المياة, ويحمل في كتفه مخلة أوكيس قماش كبير منتفخ, مناديا علي أهل الشارع أو الحارة ( ساكسونيا .. كامبيو), فتهرع النساء من الشبابيك والبلكونات باستيقافه وعرض مالديهن من الملابس القديمة أو المستعملة مقابل الحصول علي طبق أو صينية أو جردل أو طشت بلاستيك.لم نكن ندرك وقتها ماالمقصود بعبارة( ساكسونيا) حتي وقت قريب ,لكننا كنا ندرك اننا تخلصنا من ملابس وأحذية قديمة مقابل صفقة لاستبدالها بأشياء جديدة للمنزل .

أما عن أصل كلمة ساكسونيا فترجع الكلمة للغة الإيطالية وتعني الأواني من البورسلين التي كانت تصنع في ساكسونيا ( منطقة في شمال المانيا) وهي في الوقت نفسه اسم لطراز من الأطباق الصينية التي شاعت في الثلث الأول من القرن العشرين, وهو عبارة عن طبق غويط منقوش من الحواف وله غطاء مقبب منقوش أيضا, وكان هذا الطبق جزءا مهما من جهاز كل عروس وبخاصة في الريف, ثم امتد المصطلح ليشمل كافة المنتجات الراقية من الصيني التي بدات تظهر في المجتمع المصري .

وقد شاعت تجارة الساكسونيا بين بعض الرجال ممن ليس لهم مهنة محددة أو قادمين من الصعيد أووجه بحري,فيقوم بحمل بعض هذه الأواني والأطباق واستبدالها بالملابس المستعملة, فكانت تجارة تقوم في الأساس علي التبادل والمقايضة, وهي بطبيعة الحال تختلف عن تجارة الروبابيكيا التي كان يتم دفع نقود بها مقابل شراء الأشياء القديمة او مانسميه

( الكراكيب) من أشياء خشبية أو أجهزة تالفة أو مستعملة , وكلمة روبابيكيا أيضا ايطالية من roba و vecchia  بمعني أشياء قديمة , وقد استبدل العامة حرف( v) في فيكيا بحرف الباء ,ربما لأن حرف(v ) دخيل علي اللغة العامية, كان بعض باعة الروبابيكيا ينادون ( روبابيكيا.. بوتيليا) لأنهم كانوا يحرصون علي شراء الزجاجات الفارغة خاصة من البارات والخمارات وبعضهم كان يقوم بتنظيفهاوغسلهاونزع  الغلاف الدال علي ماركة الخمور ( التيكت)وبيعها للمنازل ,خاصة بعد ظهور الثلاجات, وقد تركز تجارالروبابيكيا في عدة أماكن في القاهرة وضواحيها منها : عزبة أبو حشيش في غمرة , شارع العشرين بمساكن عين شمس, عزبة أبو قرن بمصر القديمة , وكان لهم معلمين يمدونهم بالمال لشراء الأشياء المستعملة التي يتم فرزها وتصنيفها وتصليحها وإعادة بيعها مرة أخري .

أما عن حصيلة تجميع بائعي الساكسونيا للملابس فكانت تذهب إلي أسواق الكانتو, وهي كلمة أيضا ايطالية تعني ( ركن – جانب – طرف ) وهي الأسواق الشعبية في الحواري الجانبية التي كانت تباع فيها الملابس المستعملة بعد فرزها وغسلها بالماء الساخن وكيها.

وقد بدات أسواق الكانتو في مصر مع الاحتلال الإنجليزي لمصر, إذ كانت تعتمد تجارتها علي مخلفات الجيش الإنجليزي من الملابس والأحذية, ثم انتشرت في أماكن عدة في مصر (الإسكندرية – العتبة – وكالة البلح ),كما ساهم في رواجها اليهود والايطاليين والشوام , حتي دخل المصريين إليها خاصة في وكالة البلح بعد رحيل اليهود من مصر وبيع محلاتهم, وتعد فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر هي فترة رواج سوق الكانتوا في كل أرجاء مصر,خاصة بعدتصفية الأجانب أعمالهم وهجرتهم من مصر, فضلا عن بيع بعض الباشاوات والبكوات والأثرياء بعد إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية لبعض ملابسهم المستعملة عن طريق خدمهم ليرتديها الفقراء والطبقة المتوسطة من أبناء الشعب .

راجت تجارة الكانتو خاصة في سوق بياصة الشام بالإسكندرية ووكالة البلح في القاهرة والعتبة وأصبحت الملاذ لبعض الأسر الفقيرة لشراء الملابس المستعملة لهم وللأبنائهم, خاصة بعد قانون الإنفتاح الإقتصادي في عصر السادات,إذ عرفت مصر استيراد بالات جمع (بالة) الملابس المستعملة من بعض الدول الأوروبية عن طريق ميناء بورسعيد,ليتم فرزها وتصنيفها حسب جودتها وبيعها مرة أخري داخل الأسواق الشعبية, وهي مستمرة حتي الآن بعد إدخال بعض التغييرات علي نوعية الملابس التي أصبح منها مايحمل ماركات عالمية ومن دول مختلفة, فضلا عن إقبال الكثيرين من الشباب والفتيات علي الشراء منها جهرا, بعد أن كان الشراء في الماضي  يتم سرا تحقيقا للممثل الشائع ( الهدوم ياما بتداري). وقد أشارت بعض أفلام السينما لذلك في فيلم اسماعيل ياسين ( المليونير ) عندما أمر الخادم ببيع ملابس البهوات الذين خسروا أمامه في لعبة القمار مردفا العبارة الشهيرة ( ماتنسوش تمشوا من علي البلاج ) بعد أن جردهم من ملابسهم ,ومن المفارقات  الساخرة التي كانت تحدث قديما في أسواق الكانتو أن يجد المشتري بعض الكروت الشخصية لبعض الشخصيات المهمة للبشاوات أو البكاوات ممن مال بهم الحال وبيعت ملابسهم في سوق الكانتو,أو أن يجد بعض الورقات التي بها بعض العبارات أو الأحجبة خاصة داخل البدل .

أما عن العبارة الشهيرة التي يرددها البعض( قانون ساكسونيا) فهي تشير لمقاطعة ساكسونيا الألمانية في حقبة العصور الوسطي, حيث كان هناك قانون خاص بها ينص علي معاقبة من تثبت جريمته بقطع رقبته إن كان من عامة الشعب,وبمعاقبة المجرم من طبقة النبلاء والأثرياء بقطع ظل رقبته فقط, وذلك عن طريق وقوف المجرم من الأثرياء ممشوق القامة بكامل ملابسه الأنيقة,ويقوم الشخص المكلف بتنفيذ حكم قطع الرقبة بالنزول بالسيف علي ظل الرقبة أمام الرعية أو عامة الشعب ممن يبتهجون بتنفيذ حكم العدالة ( عدالة ساكسونيا).

انقرضت تجارة الساكسونيا ولم نعد نري رجالها في الشوارع والحارات, بعد أن أصبح الشعب لايمتلك ملابس قديمة لبيعها او استبدالها بل أصبح يشتريها من الأسواق الشعبية في كل مكان من كل طبقات وفئات الشعب, فضلا عن تبرع البعض بالملابس للجمعيات الخيرية أوالمساجد طلبا للثواب, وكأن الساكسونيا أصبحت شعار كل الشعب لافرق فيها بين غني وفقير !!!!

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.