كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين2 28, 2020 - 132 Views

ذوى الإحتياجات الخاصة فى التراث الشعبى المصرى

Rate this item
(0 votes)

                                             كتبت – د. سهام عبد الباقى محمد

الباحثة الأنثروبولوجية- بكلية الدراسات الأفريقية العليا

عرف الإنسان منذ أقدم العصور التاريخية حالة التخلف العقلى أو الإصابة المخية وبتوالى العصور أختلفت وجهات النظر مع كيفية التعامل مع هذه المشكلة. فهناك من أعتبر"ذوى الأحتياجات الخاصة" غير صالحين للحياة ويجب التخلص منهم فى مرحلة الطفولة. ومنهم من أتخذتهم كوسيلة للترفيه لطبقة الحكام، وفى بعض العصور كالعصر الرومانى كان الرومانيون أكثر تسامحاً فى تقبلهم. وفى العصور المسيحية الأولى تغيرت النظرة لهم فأصبحت أكثر إنسانية ووفرت لهم أماكن للإيواء وللرعاية. أما فى العصور الأسلامية فقد كان المسلمون على علم ودراية بوسائل العلاج  والرعاية الخاصة بذوى الاحتاجات الخاصة، وكانوا يتعاملون معهم بمنتهى الرحمة أمتثالاً لقيم الأسلام المتمَثلة فى القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة والتى حثت على التعامل مع الأخر وتقبله. كما لاقى ذوى الإحتياجات الخاصة إهتماماً خاصاً فى الثقافة الشعبية المصرية حيث أولتهم إهتماماً كبيراً وأطلقت عليهم العديد من المسميات التى تماشت مع الواقع الثقافى والإجتماعى والدينى للمجتمع المصرى ومنحتهم الكثير من التوقير والإحترام، فمنذ فجر الحضارة المصرية القديمة وذوى الإحتياجات الخاصة يتقلدون أرفع المناصب، كما دعمت التعاليم الدينية للحضارة الفرعونية تبجيلهم لذا تأصل احترامهم فى وجدان المصريين على مر الزمان وتجسد فى الثقافة الشعبية المصرية جيلاً بعد جيل.

من هم ذوى الإحتياجات الخاصة:

يعد مصطلح ذوى الأحتياجات الخاصة مصطلح حديث نسبياً وهو التفافاً على مفهوم "المعاقين"، فكل إنسان هو من ذوي الإحتياجات الخاصة.فعندما يفتش كل منا في نفسه يجد أن بداخله إحتياجات خاصة حتماً. فقد كان الهروب من مصطلح "معاق" ضرورة  أخلاقية بسبب مدلولاته السلبية على المستويين النفسي والذهني. وينطلق  المفهوم من النظر إلى الأشخاص عبر الأختلاف الموجود بين العاديين وغير العاديين من خلال حاجتهم التربوية والتعليمية والإجتماعية. والمعاق إصطلاحاً:"هو الشخص العاجز كلياً عن ضمان حياة شخصية، أو إجتماعية، أو طبيعية نتيجة نقص خِلقى، وغير خِلقى فى قدراته الحسية والفكرية(1). ويحدد التعريف الإجتماعى للتأخر العقلى الذى يٌصاب به فئة يواجه أفرادها صعوبات فى التكيف الإجتماعى مع البيئة التى يعيشون فيها. ولا يساهمون فى حل مشاكلهم وذلك لتأخرهم العقلى سواء كان لأسباب أولية أو ثانوية،ويكونوا غير قادرين على مساعدة أنفسهم إجتماعياً،ومهنياً دون إشراف وملاحظة بالنشاط الإجتماعى، والاقتصادى الذى يتماشى مع عمر الشخص، وجنسه ودوره الطبيعى فى المجتمع "(2).

ذوى الإحتياجات الخاصة فى الحضارة المصرية القديمة:

دعمت الثقافة المصرية القديمة ذوى الإحتياجات الخاصة ونصت بعض البرديات على حسن معاملتهم  ممثله فى تعاليم الرحمة التى علمّها الحكيم "امنموبي" لإبنه ناصحاً."لا تهاجم الأعرج، ولا تسخر من الأعمى، ولا تتسبب في معاناة لرجل بين يدي الرب (مجنون)،ولا تسخر من الكفيف، ولا تهزأ بالقزم، ولا تسد الطريق أمام العاجز، ولا تهزأ من رجل أمرضه الخالق، ولا يعلو صوتك بالصراخ عندما يخطئ". وسجلت لنا الحضارة المصرية كيف اعتلى ذوى الاحتياجات الخاصة العرش كالملك سيبتاح الذي تولى حكم مصر لمدة 7 سنوات (1197 – 1191 ق م) في أواخر الأسرة التاسعة عشر،وكان يعاني من إعاقة في ساقه اليسري إثر مرض شلل الأطفال،وترك لنا المصري القديم ما يعبر به عن إحتضان ذوي الإحتياجات الخاصة، من خلال رسوم المقابر التى جسدت أحد عازفي آلة الهارب وكان ضريراً، وكأن النسق الإجتماعى في مصر القديمة يقوم على إدماج ذوى الإعاقة البصرية من خلال تعليمهم العزف على الآلات الموسيقية،وعلى مستوى مرض القزامة سجل التاريخ المصري تولي أشهر الأقزام ويدعى"سنب" من الأسرة الخامسة، وكان موظفاً كبيراً تمتع بالكثير من الألقاب الإجتماعية والدينية والشرفية، وتزوج من إمرأة ذات بنية طبيعية، وهى إحدى وصيفات القصر،ودٌفن في قبر فخم قريب من هرم خوفو بجبانة الجيزة. كما تضمنت بردية "إيبرس" الطبية، منتصف ق16ق.م، بصفتها أهم موسوعه طبية وصفاً دقيقاً للإعاقات المحتلفة ووصفت الإعاقة السمعية،ب "الأذن التي لا تسمع جيداً" (3) وقدمت لها ولغيرها من الإعاقات أنماط من العلاجات الشعبية التى إنتشرت بمصر القديمة وعٌرفت بخواصها العلاجية.  

المعتقدات الخاصة بأسباب الإعاقة فى الثقافة الشعبية:

وهى المعتقدات السائدة بالمجتمع المصرى، والتي تعكس ثقافة المجتمع الشعبية، بفئة ذوي الإحتياجات الخاصة، التي تعيش ونتعامل معها في إطار ثقافي فالدراسات التي تناولت ذوي الإحتياجات الخاصة رغم كثرتها لم تتناول المحيط الأسري والإجتماعي الذي يعيشون فيه، رغم أنه يؤثر فيهم ويتأثرون به، فيكون سبباً في علاجهم أو سبباً في إستمرار إعاقتهم وبالتالي فإن هذا التراث يمكن من خلاله رصد مظاهر الصراع أو الرفض أو التأييد الكامنة في المجتمع، لذوي الإحتياجات الخاصة. وتتجسد التصورات والمعتقدات الذهنية لدى أفراد المجتمع حول الأسباب المؤدية للإعاقة، بأنها غضب من الله، لذا يصفهم المجتمع بالعجز وأنهم عالة وعبء على غيرهم بداية بالأسرة، وقد يتم النظر إليهم من منظور دينى فتٌفسر الإعاقة على أنها ابتلاء من عند الله ولذلك يقوم أهليهم بإكرامهم، ويولونهم رعاية خاصة، ويتصور البعض أن السبب فى الإعاقة قيام الأم أو الأب بإيقاع الأذى على أحد أنواع الحيوانات كالقطط أو الكلاب أو التسبب فى قتلهم بقصد أو بدون قصد. فيكون هذا بمثابة انتقام من تلك الحيوانات، ويٌرجع البعض الآخر الإعاقة إلى عدم الإيفاء بنذر نذره أهل المعاق، وقد تعددت المسميات التى أطلقها المجتمع على ذوى الإحتياجات الخاصة حيث يٌطلق عليهم مشايخ ويسود هذا المسمى فى صعيد مصر على ذوى الاعاقات العقلية كناية عن طيبتهم وقلة حيلتهم، ويٌسمون فى مجتمعات أخرى مبروكين لأن الأحسان إليهم بمثابة طاعة لله ومرضاة له، ولأن من يوقع بهم الاذى يتعرض لسخط الله وعاقبه،ومن الألقاب الأخرى التى تدور حول التعظيم والتمجيد لأصحاب الإعاقة العقلية، مولانا، سيدنا، وواصل، وبتاع ربنا وغيرها.

ذوى الاحتياجات الخاصة فى الأمثال الشعبية

لا تتعدى الأمثال الشعبية التى تناولت الإعاقة سوى 15% من جملة الأمثال، وهى تعد محدودة للغاية، قياساً بحجم تداول الأمثال الشعبية على الصعيد العام، وكثيراً ما تدخل تلك الأمثال فى إطار الشرك أو الحرام أو المكروه، فالصورة الذهنية لذوى الإحتياجات الخاصة تتضمن تعبيرات فائقة القسوة تجاه مختلف أنواع الإعاقة، فالمثل الشعبي كغيره من الإنتاجات الإبداعية الشعبية، مجالاً مستباحاً يُعاد فيه إنتاج الأفكار بوصفها وعياً زائفاً بالثقافة الشعبية وبأصحابها. وبالنظر إلى الأمثال التي تنطوي على ألفاظ الإعاقة نجدها نظرت للاعاقة من منظور العجز ومنها: اللي يقول لمراته يا عورة تلعب بها الناس الكورة، جه يكحلها عماها، ما يعرف العما من السمل، بنت الدار عورة، ضياع البصر ولاضياع البصيرة ،هبلة ومسكوها طبلة، أجسام البغال وعقول العصافير، تبات تعلم في المتبلم يصبح ناسي، وهناك مجموعة كبيرة من الأمثال التي تضمنت حسد ذوى الإعاقة العقلية بسبب العطف الذى يحظون به من أفراد المجتمع والهبات التى تٌقدم إليهم مثل المجانين في نعيم، رزق الهبل على المجانين. ومن الأمثال الأخرى إن شفت الأعمى دبُّه، وخد عشاه من عبُّه، ما نتاش أرحم عليه من ربُّه"(4). وهو من الامثال التى تجسد الكثير من الغلظة ولذا يكون والوقوف عند حدود اللفظ في المثل الشعبي، دون الوعي بالمعاني والدلالات الرمزية خطأ فادح، لأنه بمثابة تحريض على ظلم ذوى الإحتياجات الخاصة وإنتهاكاً لهم .

دمج ذوى الاحتياجات فى مجال الحرف التراثيه:

تختلف كل أسرة فى مسألة تقبل ذوى الإحتياجات الخاصة، فالبعض يٌسيئون معاملتهم ويؤذونهم أو يعزلونهم داخل الأسرة،بعيداً عن المجتمع، على أساس أنهم مرضى، أو بإعتبارهم  درجة ثانية من البشر،أو قد ينتابهم الشعور بالعار لذا تحتاج هذه الأسر إلى إعادة دمجهم في المجتمع وتنمية قدراتهم الفكرية بدرجة لا تقل عن دمج ذويهم. فذوى الإحتياجات الخاصة هم فى المقام الأول بشر لهم مكانتهم فى المجتمع ودور يؤدونه وحقوق والتزامات وذلك فى حدود قدراتهم(5). ويٌعانى المعاق من العزلة وعدم الإندماج فى المجتمع لأنه غير قادر على أداء دوره . لذا يمكن دمج ذوى الإحتياجات الخاصة من خلال القوافل الثقافية التوعوية التى تجوب محافظات مصر للتوعية بالإعاقة والتعامل الأمثل مع ذوى الإحتياجات الخاصة على اختلاف حالاتهم وكذا درجة الإعاقة. لذا يجب تأهيلهم من خلال إقامة الورش التأهيلية وتدريبهم على فنون التشكيل بالصلصال والطين الأسوانى، الرسم والتلوين، التصوير الفوتوغرافى، والأشغال الفنية التى تعكس الهوية المصرية ،وتعليمهم بعض الصناعات والحرف التقليدية التى فى طريقها للاندثار  كصناعة الفخار، وصناعة الأكلمة المصرية، والطرق على النحاس الذى تشتهر به المناطق التراثية فى خان الخليلى والحسين ، وصناعة الملابس التراثية المصرية فيكونون جزء من عملية تنمية التراث الثقافى المصرى وأحدى وسائل المحافظة عليه. كما يجب إقامة المعارض التسويقية للتعريف بمنتجاتاهم ومساعدتهم على الكسب الذى يٌعينهم على أن يحيوا حياة كريمة ويساعدهم على الإندامج بالمجتمع.

الهوامش:

  • محمود عبد الله بخيت : ظاهرة زواج الأقارب وأثرها فى الإعاقة الذهنية، دراسة شرعية ، جامعة جرش الأهلية الأردن، بدون سنة نشر.
  • علية حسن حسين: الإعاقة والتنمية المستدامة، بحث انثروبولوجى عن المعاقين ذهنياً، آداب القاهرة، بدون سنة نشر.
  • هانى رياض: أخلاق المصرى القديم فى التعامل مع ذوى الإحتياجات الخاصة، العين الإخبارية، الاطلاع(13/7/2017) ، الاسترجاع فى (26/11/2020).

https://al-ain.com/article/egypt .

  • السيد نجم: تجليات الإعاقة فى التراث الشعبى المصرى، قراءة فى أبعاد التنوع الخلاق،البيان، تاريخ النشر(18/مارس/2016)، الاسترجاع فى (20/11/2020).

https://www.albayan.ae/books/from-arab-library/2016-03-18-1.2597109

  1. مصطفى الخشاب: علم ألاجتماع العائلى، النوق للطباعة والنشر، القاهرة ، بدون سنة نشر.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.