كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون1 13, 2020 - 286 Views

الحمامات الشعبية وطقوسها فى المجتمع المصرى

Rate this item
(0 votes)

     كتبت - د. سهام عبد الباقى محمد

الباحثة الأنثروبولوجية- بكلية الدراسات الأفريقية العليا

شكلت الحمامات الشعبية جانباً هاماً من تراث وثقافة المجتمعات العربية وعكست لنا جانباً كبيراً من المعتقدات الشعبية والدينية السائدة بها، بما تضمنتة من طقوس خاصة فى طريقة دخول الحمام، والأدوات والمواد المستخدمة فيه، وخطواتة المتعاقبة والهدف منها، لذا كان هناك اهتمام خاص بدراسة الحمامات الشعبية من النواحى المعمارية والعقائدية،والطقوس المصاحبة لها، وليس بمستغرب أن يكون المصريين القدماء هم أول من أهتموا بالنظافة الشخصية وتعقيم ألأدوات المستخدمة فى الأستحمام قبل أن يعى العالم أهمية النظافة الشخصية وأثرها على الصحة العامة، كما سجلت شواهد الحضارة المصرية بعض مشاهد لطقوس الإستحمام فى المجتمع المصرى القديم الذى كان له الأسبقية فى الأخذ بعوامل التطور والحضارة والفكر والثقافة والصحة.

أهمية النظافة الشخصية فى الحضارة المصرية القديمة

يعد الحمام إسم وجمعها حمامات، ويقصد به المكان الذى يٌغتسل فيه ، وقد ارتبطت غالبية الطقوس التعبدية عند المصريين بالإغتسال وخاصة من ماء النهر المقدس حابى أو حعبى، وكانت من العادات الراسخة عند المصرى القديم عدم الإقتراب من الطعام إلا بعد غسل يديه بمادة معطرة، وقد دونت بعض البرديات التي يعود تاريخها إلى حوالي 2000 ق.م ، بعض النصوص التى تعكس آداب المصرى القديم وعاداته اليومية منها"اغسل نفسك صٌب الماء علي أصابعك" هذا ما أوردته قصة الملاح الغريق(1). كما تٌظهر البرديات المحفوظة في متاحف العالم مدى إهتمام المصري القديم بالنظافة، كقصة سنوهي المتواجدة في متحف برلين في برديتين وتٌظهر القصة اشتياق المصري للنظافة واعتبار السنين التي قضاها خارج مصر مثيرة للإزدراء، حيث افتقد فيها العناية بنظافة الجسد وتعطيره ودهانه بالزيوت والعطور التي تٌكسبه رائحة طيبة، كما ذكر الحمامات في قصور الأمراء والإهتمام بحلق اللحية وتمشيط الشعر باعتبارهما من مكملات النظافة.والحرص على تصنيع الآواني والمعدات المخصصة للطهارة والاغتسال كالأواني الفخارية والنحاسية والأباريق لصب الماء علي الجسد والأيدي. وكان حمام الملكة كليوبترا أقرب الى الآساطير بما كان يحتويه من أدوات وعطور وزيوت عطرية كانت تٌعطر بها ملابسها ومياه الإستحمام لذا انتقلت الزيوت العطرية  من مصر إلى بقية الحضارات في العالم أجمع ويرجع بناء الحمامات الجماعية في مصر إلى آخر القرن الرابع قبل الميلاد مع غزو الإسكندرية، حيث كان المصريون، واليونانيون، والرومان يتوارثون هذا التقليد الذي اعتُبر ممارسة صحية وثقافية واجتماعية(2). وعندما بدأ اليونانيون بناء الحمامات في مصر أخذوا معايير وقيم المصريين الخاصة عن الجسد والصحة والخصوصية بعين الإعتبار.

نشأة الحمامات الشعبية

عرفت مصر الحمامات الشعبية العامة مع بداية العصر الإسلامي، حيث أنشأ عمرو بن العاص عند فتحه مصر،حماماً بمدينة الفسطاط في منطقة مصر القديمة وكان أول حمام شعبي بٌني في المحروسة.ويذكر المقريزي أن الخليفة العزيز بالله هو أول من بنى الحمامات في العصر الفاطمي، غير أنها ازدهرت في العصر العثماني، ومن أشهر الحمامات الشعبية، التي ما تزال باقية حتى الآن هي حمامات الملاطيلي، وقلاوون،والسلطان إينال،وباب البحر،مرجوش،والحسينية، والدرب الأحمر،والسلطان أبوالعلا،وحمام قلاوون، وحمام "التلات"، من بين حوالى 365 حماماً كانت موجودة بالقاهرة(3).ويذكر المؤرخون أن السلطان أو الوالى كان يستحم بأشهرها وكذلك علية القوم من أمراء،وقادة،وقضاة،وتجار،وفقهاء.ولم يقتصر إنتشار الحمامات على القاهرة وحدها بل امتدت فى العصر العثمانى لمدن الإسكندرية،ورشيد،وسمنود، وطنطا والمحلة. وهى متوارثة بالإيجار وتٌشرف عليها هيئة الآثار ووزارتى الصحة والبيئة.وفى الوقت الحالى إنحسر عدد رواد الحمامات فلم يعد يدخل الحمام إلا من يعرف قيمته(4). 

وظائف الحمامات الشعبية

 تعددت وظائف الحمامات الشعبية فى المجتمع المصرى ما بين وظائف تجميلية،واجتماعية،واستشفائية،

 وسياسية،وتتمثل الوظيفة الإجتماعية للحمامات فى أن الكثير من الزيجات كانت تتم من خلاله لأن كل النساء بالحمام يكن متخففات من ملابسهن مما كان يٌساعد الكثير من العائلات على أصطياد العروس الإكثر جمالا ًوجاذبية من بين الفتيات خاصة وأن قيم المجتمع المصرى أنذاك كانت  تمنع الفتاة من رؤية من يتقدم لطلب يدها فكان الإعتماد الإساسى فى إتمام الزواج يقع على عاتق "الخاطبة" التى كانت تذهب إلى الحمامات لنفس الغرض وهو تحديد الجميلات من الفتيات بغير علمهن، ثم تعود لتصف لأهل العريس مفاتنها من رأسها إلى أخمس قدميها، نظير مٌقابل مادى كبير وكان من تقاليد الزفاف أن يدخل كلا العروسين الحمام؛ ليستحم ويتزيّن، ثم يخرج في زفّة تصحبه الأغاني والطبول، كذلك كانت تُقام فيها احتفالات «الطهور» والولادة. ومن وظائفها الإجتماعية أيضاً أنها كانت فرصة للتلاقى والفضفصة بين الناس وحل النزاعات والخلافات بين الزوجين والعائلات(5). ومن الأغراض الإستشفائية للحمام أنه كان مقصد النساء اللاتى تعانين من بعض الأمراض خاصة آلام العظام والكتفين لإعتقادهن بإمكانية شفائهن بفعل البخار والتكبيس الذى يساعد على الاسترخاء وعلاج آلام الظهر والتشنجات العضلية، وتقشير الجلد الميت بإستخدام كيس معين مصنوع من ألياف طبيعية، لتنشيط الدورة الدموية في الجسم وفتح الشعيرات الدموية وإزالة السموم المتراكمة على سطح الجلد(6). كما كان يُمنع الأساكفة وغيرهم ممن يصبغون الجلود من دخول الحمام، حتى لا يتضرر مرتادوا الحمام من رائحة الدباغة، وكان يتم منع  ذوى الأمراض الجلدية كالأبرص والمجذوم من دخوله، لعدم تفشى العدوى.إلى جانب ذلك استُخدمت الحمامات كمصحّات علاجية؛ للمعالجة بالزيوت والنباتات الطبية والتدليك، وذكر بعض المؤرخين أن الحكومة استخدمت حمام الطمبلي بباب الشعرية عام 1940؛ للقضاء على مرض التيفوئيد، فكان العسكر يجبرون الناس على دخول الحمام للإستحمام، والحصول على مُطهّر(7).ومن أغراضه التجميلية أنه كانت تقصدنه الراغبات في التخسيس والتجميل، وتجسدت الوظيفة السياسية للحمامات فى أخضاعها للرقابة المشددة لمعرفة ما يدور بداخلها من أراء الناس حول سياسات الحكام واتجاهاتهم نحوهم، كما كان يجري التفتيش عليها، حرصا على نظافتها، والتزامها بالقواعد الصحية ومراعاة الآداب العامة والقواعد الأخلاقية.

شكل الحمامات الشعبية وخطواتها

صٌممت الحمامات المصرية منذ العصر الفاطمي وحتى نهاية العصر العثماني، لكن قد تختلف فيما بينها في التفاصيل والعناصر الأخرى مثل عدد الأحواض، والقباب، والزخارف. والحمام عبارة عن بهو كبير ذى قبة عالية وأرضية مفروشة بالرخام وله باب ضيق يليه دهليز أو ممر ضيق حتى لا يتعرض الحمام للتيارات الهوائية،ومنعا للضوضاء وتوفير الهدوء للمستحمين،يفتح الممر على «المسلخ» وهو قاعة متسعة لها سقف خشبي مسطح تتوسطه «شخشيخة» للإنارة.والقاعة الرئيسة للحمام كان يتواجد بها مصطبة المعلم وبجواره دولاب الأمانات ومتعلقات المستحمين. يوجد ممر ضيق ينتهي بباب يفتح على ما يسمى بـ «بيت أول» أو «الصحن الوسط»، يتوسط هذا الصحن فسقية من الرخام ويعلو الفسقية قبو دائري، به ثقوب وفتحات زجاجية للتهوية ولإدخال الضوء نهاراً، وعلى جانبي الفسقية توجد مصاطب ينتظر عليها المستحمون دورهم في عملية التدليك. وعلى الصحن تٌفتح حٌجرات عدة، يتم الصعود إليها بالسلم أهمها بيت الحرارة، كما توجد فى جوانب الحمام “المبخرة ” التى تبعث روائح ذكية تعمل على تهدئة أعصاب المٌستحم وتعطير الحمام(8). تنقسم الحمامات الشعبية إلى فترتين صباحية ومسائية ،حيث تٌخصص الفترة الصباحية للنساء بدءً من التاسعة صباحاً وحتى الرابعة عصراً بإدارة المعلمة، ثم تبدأ الفترة المسائية التى يتولاها المعلم وهو المسؤل عن إدارة الحمام فى الفترة المخصصة للرجال والتى تبدأ من الخامسة عصراً وحتى الرابعه فجراً وأٌولى خٌطوات دخول الحمام هى تحديد احتياجات الزبون ودفع قيمتها النقدية قبل دخول الحمام، ثم تسليم الملابس والحقائب فى الأمانات. ويستمر برنامج الحمام لمدة ساعتين تبدأ بأخذ حمام دافىء لمدة عشر دقائق، بعدها يتم دخول حجرة المغطس، وهو على هيئة حوض دائرى كبير مليء بمياة يتصاعد منها البخار من بيت الحرارة، وهوعبارة عن بئر للمياه فى أسفل حوض الحمام، ويتم تسخين المياه بالمستوقد الذى يوجد بجوار الحمام، يسحب البخار المنبعث من المياه الساخنة ويلتف النساء حوله للتعرض للبخار حتى تتفتح مسام الجلد لمدة 15 دقيقة، يعقبها حمام بارد من أجل التخلص من الإفرازات والعرق الذي يسد مسام الجلد، بعدها تأتي مرحلة الجلوس والاسترخاء على "مسطبة" من الرخام، ترتفع مترًا واحدًا عن الأرض، وتجري عليها عملية التكييس التى تقوم بها المكيستية للنساء أو المكيساتى للرجال فى مكان خصص لهذا الغرض، وفى مكان آخر داخل الحمام توجد البلانة(9).التى تقوم بعمل الماسكات للنساء من خامات محلية  طبيعيه مثل: "قشر البرتقال والليمون المهروس وخشب الصندل وبعض الفواكه ومسحوق الترمس والذرة الممزوج بزيت الزيتون أو السمسم" ويٌستخدم الحجر الأحمر، فى كشط وإزالة الجلد الميت من الجسم خاصة القدمين واليدين وتٌستخدم ليفة مٌصنعة من قطع القماش الخشن لتدليك الجسم وإزالة الجلد والخلايا الميتة تتسلمها المرأة بمجرد دخولها الحمام فتمنح الجلد ملمساً ناعماً يعقبها "دش" ساخن وآخر باردًا بالماء والصابون المصنع من زيت الزيتون لمدة ربع ساعة فى إحدى الغرف الجانبية حتى تٌغلق مسام الجلد مرة أخرى.  وبعد الإنتهاء من الحمام يأتى دور اللاونجى التى تٌلبى طلباتهن حتى يغادرن المكان وتٌقدم  لهن مشروب دافئ أو وجبة من الفواكه التي تٌنعش الجسم. وتٌفضل بعض النساء رسم الحنة بعد الإنتهاء من الحمام، خاصة وإن كانت عروس مُقبلة على الزواج. وتٌعتبر«الحنانة» ركن مهم وأساسى فى الحمامات الشعبية.وبعد الإنتهاء من الحمام تسأل مديرة الحمام عن مدى رضاء الزبائن عن أداء «الحمامجية» وهُن النساء العاملات فى الحمام.

أشهر الحوادث التى سجلتها الحمامات

سجل لنا التاريخ حادثين شهيرين بالحمامات، أما الحادث الأول:كان الحمام فيه أشبه بساحة للقتل والمؤامرات وأشهر من قُتلت بالحمام هى "شجرة الدر" التى أٌلقى بجثتها من أحد أبراج القلعة وظلت بالعراء أياماً حتى دُفنت بالضريح الموجود باسمها حتى الآن،أما الحادث الثانى: فقد سجله حمام "إينال" وهو من أقدم الحمامات الشعبية في مصر بحي الجمالية الشعبي ومن أهم الحمامات العثمانية،شيده السلطان الملك الأشرف أبو النصر إينال بن عبدالله العلائي في عام 861هـ/1456م حسب النص الموجود أعلى الباب الرئيسي، وكلمة "إينال" هي كلمة مكونة من مقطعين وتعني "شعاع القمر" وقد تميز الحمام عن غيره بنظام الإضاءة التي تعطي الراحة والهدوء، فهو عبارة عن قباب سماوية مٌقسمة إلى أركان ومكسوة بالزجاج الملون الذي يعكس الإضاءة الخارجية وقد ارتبط هذا الحمام، بمثل شعبى شهير وهو "اللي اختشوا ماتوا"، وذلك بعدما اشتعلت النيران بالحمام من خلال الغرفة الساخنة وحاصرت مجموعة من السيدات، منهن من استطعن الهرب ولكن ظلت الأخريات "اللي اختشوا" بالداخل فمتن حرقاً، وتلك القصة غير موثّقة في أي مرجع تاريخي ولكنها تظل مجرد أقاويل تداولتها الألسن جيل بعد جيل،ولم يدونها التاريخ كما دون مقتل الملكة شجرة الدر(10).

الهوامش:

  1. محمود الدسوقى: قصة أدوات النظافة القديمة، كيف ابتكر الفراعنة أدوات التعقيم،بوابة الأهرام ، النشر فى(10/3/2020)، الإسترجاع فى (9/12/2020).

 http://gate.ahram.org.eg/News/2384387.aspx

  1. أحمد سمير سامى:حمامات القاهرة أيقونة تراثية تحكى تاريخ مصر،الاطلاع فى(28/6/2019)، الإسترجاع فى (9/12/2020).

           https://www.ida2at.com

  1. نهى الملوانى:الحمامات السعبية فى مصر تتحدى الجاكوزى والساونا والبخار،الراي ميديا،النشر فى (12/12/2019)، الاسترجاع فى9/12/2020.

www.alraimedia.com

  1. ولاء شعبان: الحمامات الشعبية فى طريقها للزوال والمكبساتية والبلانات رحلوا بلا رجعه،الديار، النشر فى (1/12/2018)، الاسترجاع فى (9/12/2020).

https://www.eldyar.net/show791

  1. نهى الملوانى: موقع الكترونى سبق ذكره.
  2. على أحمد:أشهر الحمامات الشعبية،مصراوى،النشر فى(23/فبراير/2017)،الاسترجاع فى (10/12/2020)

https://www.masrawy.com

  1. سمير سامى، موقع الكترونى سبق ذكره.
  2. هدير مسعد: 20 معلومة عن حمامات مصر الشعبية،وطنى نت،النشر فى(8/فبراير/2016)، الاسترجاع فى(10/12/2020).

https://www.wataninet.com

  1. خالد ناجح:جولة فى حمامات القاهرة الشعبية،الهلال اليوم،النشر فى (7/مايو/2017)، الاسترجاع فى (5/12/2020).

https://www.alhilalalyoum.com.

  1. سوزان عبد الغنى:إينال شاهد على روعة العمارة الاسلامية،العين الاخبارية، النشر فى(4/2/2019)،الإسترجاع فى(5/12/2020).

https://al-ain.com/article/inal-witness-splendor-islamic-architecture

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.