كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون1 24, 2020 - 134 Views

المنجد في التراث المصري

Rate this item
(0 votes)

كتب الدكتور/ محمد أحمد إبراهيم

أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة بني سويف

تعد مهنة المنجد من المهن القديمة المهمة في أي مجتمع , فهو من يهيئ فرش المنام ويصنع المراتب والوسائد والألحفة , وهي من المهن  الشاقة التي تتطلب قوة جسدية وكان صاحبها يعاني من الأمراض الصدرية بسببها .

وقد ارتبطت مهنة المنجد دائما بالعرائس,كما كان قدومة بداية لاقتراب الزواج بعد تجهيز الأثاث( العفش), بل والمباهاه أمام الجيران  الحريصين عي مشاهدة شوار العروسة وعدد الألحفة والمراتب والمخدات , لذلك كان قدوم المنجد فرصة لاجتماع الأهل والجيران وإطلاق الزغاريد وترديد الأغاني أمام المنزل أثناء عمله,بل وكان قديما تتفنن بعض النساء خاصة في القري والريف في ترديد الأغاني المرتبطة ببعض الإيحاءات الجنسية المصاحبة للنوم علي المرتبة أو التغطي باللحاف  أثناء عمل المنجد وسط ضحكات الحاضرين,أما حديثا فقد اكتفين بتشغيل بعض الأغاني الشعبية أواغاني(المهرجانات), وعادة ماكان يتباري الأهل والجيران في تقديم نقطة للمنجد مجاملة لأهل العروس واحتفالا بصنع فرشها الجديد .

وعادة مايسمي المنجد الذي يتعامل مع القطن(المنجد البلدي),عكس المنجد الذي يتعامل مع الإسفنج( المنجد الأفرنجي ),كان يبدا عمل المنجد أولا بالتعامل مع القطن وندفه ( فصل الشوائب والأتربة والرمال ) لتنعيمه وتليينه, وهو ماكان يتم عن طريق تجميعه في أكوام وندفه بالقوس ( يصنع من خشب البامبو)عن طريق ضربه بالمدقة(تصنع من خشب البلوط وتكون علي شكل عنق الزجاجة وتزن 2ك), وتمريره علي وتر القوس المصنوع  من أمعاء الخراف بعد دبغها وجليها بالشمع, كذلك استخدام العصا ( من الزان او الجريد)مع القوس لنفض القطن , وعادة مايتم ندف القطن بهذه الطريقة أكثر من مرة حسب جودة القطن , وهو مايعرف بالوش الأول والثاني , والذي كان يحرص المنجد فيه علي تنظيف وتر القوس من التيلات القطنية الصغيرة العالقة بالوتر,التي تؤثر علي نغمة الوتر أثناء الضرب والتي اصطلح علي تسميتها حينذاك( ثقل وبربط ), كذلك استخدم المنجد أنواع متعددة من الإبر للخياطة والرسم علي وجه اللحاف بغرز مختلفة, علاو علي ( الكستبان) الذي يمنع دخول سن الأبرة في يده ويمنحه سهولة الحركة أثناء الخياطة .

كان عمل المنجد يبدا قبل تنظيف القطن بتفصيل القماش المراد صنعه مراتب أو مخدات أو ألحفة, ثم بعد تنظيف القطن يتم حشو هذه الأقمشة وخياطتها, ثم تأتي عملية الأبداع والفن في أشكال الغرز التي يصنعها علي وجة المرتبة والألحفة,وعادة ماتظهر براعة المنجد في صنع اللحاف حيث يحتاج إلي غرز متقاربة محددة , وتظهر علي الوجه أشكال التطريز بالخيوط الملونة في أشكال علي هيئة ( ديل طاووس – نجمة خماسية – مراوح مقلوبه – شكل ورق الليمون – خاتم سليمان – رجل الغراب ),أما عن أهم الألوان لوجه اللحاف خاصة للعرائس فكان اللون الأحمر والبصلي والبمبة من قماش الستان, أما الظهر فيصنع من البفتة البيضاء أو الدمور ,كذلك كان المنجد يتفنن في تفصيل المخدات وعمل الكسوة لها والرسم عليها .كما حرص بعض المنجدين علي اختيار أنواع القطن الجيدة خاصة قطن العرائس من انواع( الإسكيرتو – الشعر البلدي – سطوبة – قطن سكينة ) وكان أفضلهم قطن سكينة والشعر البلدي.

ارتبط بالمنجد بعض المصطلحات الخاصة بمهنته مثل ( نافش ومنفوش ) ويراد بها نفش حشو القطن القديم بسيخ  حديد لفصل القطن القديم الملبد,كذلك ( مأحلي) بمعني طيب أو حلو ,فضلا عن بعض الرموز التي كان يستخدمها لوصف أصحاب المنزل أوالزبائن بإطلاق مصطلح (إبرة كتيانة )ويراد بها وصف المرأة بأنها غير جميلة أو بخيلة لن تدفع بسخاء.

اما عن مواسم عمل المنجد في غير تجهيز العرائس فكان نهاية فصل الصيف هو بداية الرواج لمن يريد إعادة التنجيد لفرشه القديم قبل دخول الشتاء .

أرتبط المنجد بالتراث الشعبي المصري ففي المثل الشعبي عبرت بعض الأمثال عن التنجيد وماارتبط بها مثل:(الدفا عفا والبرد لحاس القفا)( يجمع راسين في مخدة )( المخدة ماتشيلش أتنين حلوين)( ربك رب العطا يدي البرد علي قد الغطا)( علي قد لحافك مد رجليك ),أما في التراث الغنائي ( اندف يانداف وعجل ومتخلي الحنة تتأجل) وذلك لارتباط عمل الحنة للعروس بعد التنجيد ,كما غنت الفنانة وردة ( اسأل دموع عينيا وأسأل مخدتي ), كذلك صورت السينما المصرية مهنة المنجد في بعض أفلامها ( النمر الأسود) حيث جسد الفنان إبراهيم قدي دور المنجد والد أحمد زكي ,وفيلم ( جري الوحوش)الذي جسد فيه الفنان محمود عبد العزيز دور المنجد( عبد القوي شديد)بكل تفاصيله ومصطلحاته المهنية فخلد بذلك مهنة المنجد ووثقها.

تطورت مهنة المنجد بتطور الزمن فلم يعد يستخدم القوس الخشبي  أو المدقة واستعاض عنهما بماكينة كهربائية لتنظيف القطن وندفه, كذلك تاثرت مهنة المنجد بالوسائل الحديثة من الخامات كاستخدام الفيبر والإسفنج بدلا من القطن, فضلا عن ظهور المراتب  المصنعة من الإسفنج والسوست والألحفة الفيبرالتي هددت عرش المهنة, حتي أصبح بعض المنجدين مضطرا لوضعها وبيعها في محله توفيرا للقمة العيش, مرددا دائما أن القطن هو سيد المراتب وأنه من الناحية الصحية الأفضل للظهر والرقبة,فضلا عن إمكانية إعادة استخدامه مرة أخري وتدويره لعمل الشلت أو المخدات أو كحشو للكنب,اما المراتب الحديثة السفنج فسيكون مصيرها دائما لبائع الروبابيكيا بعد سنوات قليلة.

وهكذا تحولت مهنة المنجد إلي تراث من الماضي الجميل,ولم نعد نشاهد في زفة عفش العروسة فرد المراتب والألحفة بألوانها الزاهية وبراعة صانعها, بعد أن أصبحت هذه الأشياء توضع في كراتين وأكياس تتواري في جنبات سيارة نقل جهاز العروسة, معلنة أختفاء بهجة الصنعة واختفاء المنجد ,كما اختفت كل الأشياء الجميلة مع التكنولوجيا!!!!!

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.