كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون1 24, 2020 - 198 Views

المعتقدات الثقافية للمحافظة على الخصوبة فى المجتمع المصرى

Rate this item
(0 votes)

     كتبت - د. سهام عبد الباقى محمد

باحثة أنثروبولوجية، بكلية الدراسات الافريقية العليا

حظت مسائل الإنجاب وما ارتبط بها من معتقدات وممارسات شعبية للحفاظ على خصوبة كلاً من المرأة والرجل بإهتمام شعبى كبير فى المجتمع المصرى لما لها من أهمية كبيرة على مستوى امتداد النسل، وتحقيق الإستقرار الأسرى، لذا تبدأ ممارسات المحافظة على الخصوبة منذ مرحلة الطفولة للذكر والأنثى لإبعاد الشرور عنهم ومنع المشاهرة والتى يٌقصد بها تلك الطقوس التى تٌمارس لمنع الأذى، أما الكبسة فهى مرحلة لاحقة للعملية الأولى عندما لا تفلح إجراءات وخطوات منع المشاهرة فيحدث الأذى بحدوث الكبسة والذى تعد من أهم معوقات الإنجاب فى التراث الشعبى المصرى.

 القمر ودوره فى المحافظة على الخصوبة

ظلَّ  القمر دوماً سبباً للتساؤل والحيرة  عند الانسان كما شكلت أطواره، لغزاً عند الإنسان منذ أول الخليقة وكان أول المتسائلين عنه هو نبى الله ابراهيم الذى أراد أن يتخذه إلها يعبده غير أن تغير أحوالة بالإختفاء تارة والظهور تارة أخرى، قد تنافت مع فكرة سيدنا إبراهيم عن الديمومة التى يجب أن يتحلى بها الله فانصرف عن عبادته حتى ألهمه الله رشده وبلغة حقيقة الألوهية واجتباه واصطفاه نبياً، لذا كانت فكرة عبودية القمر من أهم الأفكار التى سيطرة على الأنسان منذ بِدء الخليقة  فعَبَدَه إنسان الحضارات القديمة، وسجله التاريخ الشعرى للمجتمعات، وتم تشبيه الحسناوات به.

وفي الميثولوجيا الإغريقيّة والرومانيّة، كانت إلهة القمر أنثى تُرمَز للخصب والوفرة، فليس مستغرباً أن ترتبط عادات الإنجاب والخصوبة بالقمر، وأن تبقى آثارها حتى الآن، فأطوار القمر تكتمل خلال 28 يوماً مثل الدورة الشهريّة للنساء.وكانت النساء تتوسّلن لربّات القمر لينجبن، ويلدن بسلام، كذلك ليحفظن المواليد، ويحمين الأطفال من الشرور والأمراض الفتّاكة.وكان القمر مذكّراً ومؤنثاً في ذات الوقت عند قدماء المصريين، في البدء كان "خونسو" إله القمر والخصوبة، ثم ظهرت "إيزيس" إلهة الأمومة والخصوبة، ثمّ ما لبثت أن ارتبطت بالقمر هي أيضاً.وأقيمت مراسم عبادة ربّات القمر  قديماً في معبد "فيلة" بأسوان، أمَّا "خونسو" فخُصِّص له جزء من معبد الكرنك في الأقصر، لذا أصبح القمر علاجاً للعقم واٌقيمت طقوساً مقدسة لعبادة القمر والآلهة المرتبطة به(1). لذا كان لا يٌسمح للمرأة حديثة الزواج بالخروج من بيتها إلا بعد ظهور الشهر العربى ورؤية هلاله، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة فى مرحلة الإنجاب والفطام، كما كان لا يٌسمح للأطفال فى مرحلة الختان بالخروج من البيت أيضاً إلا بعد ظهور ضوء الهلال الذى يٌعد بمثابة حرز ووقاية وحماية من كل الشرور التى تؤثر على الخصوبة وتعوقها، كما اشتهرت مجتمعات "حوض البحر المتوسط" التي كانت زراعيّة بحكم جغرافيّتها، بعبادة الآلهة الأنثى التي كانت رمزاً للقمر أو تجسيداً له، تماشياً مع دور الأنثى في الخصوبة والولادة.

طقوس المصريين المرتبطة بالقمر:

  منذ  فجر الحضارة الفرعونية أٌعتبر الإله خنسو أحد أعمدة الثالوث المقدس عند المصريين القدماء، والمكونة من (الأب والأم والابن) يمثل الأب الإله آمون، والأم زوجته موت، والابن خنسو.وبدأ بناء المعبد في عهد الملك رمسيس الثالث من الأسرة العشرين، ثم أكمله رمسيس الرابع، ثم رمسيس الحادي عشر، ثم حريحور الكاهن الذي أصبح آخر فراعنة الأسرة العشرين (1189-1077 ق.م). وتٌظهر نقوش المعبد بعض الآلهة وبعض الظواهر الفلكية مثل الشمس والقمر وصور لتقديم القرابين للإله حورس والإله آمون". ويمثل الإله خنسو بهيئة إنسان أو صقر وعلامة للقمر فوق رأسه، ويعني اسمه "العابر" (2).، وقد مَثَّل الخسوف رعباً للقدماء، لم يٌعرف سببه حينها بالطبع، فسُمّي الخسوف اختناقاً، سببه حزن القمر، وكان لهذا الأمر أهمية كبيرة فى العادات المصرية ففي الصعيد يتجمّع الناس في الشوارع  ويقومون بالغناء للقمر أثناء الخسوف، كذلك يقتنع البعض بأن القمر لن يعود الى وضعه الطبيعي حتى تُزغرد إمرأة لم يحزن قلبها من قبل،أي لم يتوفّ عنها والدتها ووالدها(3).وفى قرى مصر يسير الصيبة فى موكب وهم يحملون صفائح معدنية يضربون عليها بعصى خشبية وهم يرددون مغنيين.

أمشوا يا بنات الحور

سيبو القمر يدور

ويظلون على تلك الحالة حتى ينتهى الخسوف،وبعد ظهور القمر يٌهلل الأطفال من الفرحة لنجاحهم فى تخليص القمر من الجنيات الذين جعلوه يختفى ولا يقومون بإظهارة تارة أخرى إلا بعد إحداث هذا الضجيج والغناء لهم .

 نماذج لبعض الممارسات المرتبطة بالخصوبة فى المجتمع المصرى

تنوعت الممارسات المرتبطه بالخصوبة فى المجتمع المصرى بِدء من رؤية ضوء القمر ،ومروراً بالخضة، وانتهاء ببعض الطقوس الٌمرعبة والمنفرة التى كانت تأتيها بعض النساء الراغبات فى الانجاب، والتبرك ببعض الأشجار والنباتات والتى كانت تعبر فى مضمونها أنه لا قيمة تعلو على قيمة الأمومة نوردها فيما يلى:

الدوران حول المسلات الفرعونية:وهى عادة فرعونية تلجأ معظم السيدات اللاتى لم يرزقن بمولود على ى إليها وهى عادة فرعونية، حيث ارتبط شكل المسلة بعوالم الآلهه، ومن هنا أصبحت فكرة الدوران حول المسلة يمنح الجسم قوة خارقة ولا زلن نساء الصعيد القريبات من المعالم والمزارات السياحية  يقمن بهذه العادة،ويقمن بزيارة المعابد بهدف تحقيق حلم الأمومة.

العلاج بالخضة:وهو من العلاجات الشائعة والتى تتخذ اشكالً متعددة كالقفز من فوق: حيث يعتقد البعض أن مشاكل الإنجاب مرتبطة بعدم اتزان الجهاز التناسلى عند المرأة، لذا يٌعيد التعرض لموقف صادم للمرأة اتزانها الداخلى لذلك تأتى معظم السيدات الريفيات إلى بعض الهضاب أو المرتفعات فى بلادهن وتصطحب معها زوجها أو شخص قريب منها، حتى لا تتردد فى القفز ولا بد لها من القفز بسرعه حتى تتعرض لهذه الصدمة ووفقاً للمعتقدات لا بد أن تسقط المرأة وهى تٌمسك ببطنها ولا تحاول أن تحمى وجهها أو جسمها من الإرتطام، رمزاً لتضحيتها بأى شيء مقابل تحقيق هدفها فى الحمل. ويعد النوم تحت القطار:من الممارسات الهامة بالصعيد حيث تنام المرأة بين القضبان فى المنطقة التى تكون مفرغة من أسفل حتى لا تحتك بأى جزء من أجزاء القطار السفلية(4)، ومن المعتقدات الأخرى الذهاب للسلخانة ورؤية الذبيحة وغمس كفيها بدمائها فور ذبحها، ومنها أيضا زيارة المقابر ليلاً، أو الذهاب إلى المشرحة والمرور فوق جثة المتوفى سبع مرات، وتعكس لنا تلك الطقوس مدى الرعب والفزع الذى تختار المرأة أن تمر به من أجل رغبتها فى الأمومة والحمل.

العلاج بالاشجار المباركة والنباتات: حيث يٌطلب من بعض النساء أحياناً أن تٌخطى أرض مزروعة بالبدنجان الأسود، ومن الممارسات الأخرى أن تقوم المرأة ب تعليق جريد النخل بطريقة معينة في غرفتها لحين قدوم الشهر العربي الجديد، ثم ترمى الجريد وهي تنظر إلى الهلال، وفى محافظة القليوبية بقرية جمجرة الجديدة توجد شجرة تسمى شجرة الشيخ النجيلي، وتبدأ أوقات زيارة النساء بعد صلاة العشاء وحتى أذان الفجر، ومن الطقوس أن تقوم المرأة بخلع ملابسها والإستحمام على حجر بجوار الشجرة ثم تبدأ بالطواف وتترك جزءً من ملابسها الداخلية مٌعلقة على الشجرة، كما يقوم النساء بالطواف حول شجرات الجميز التي يٌطلق عليها شجرة مريم بحى المطرية حيث إنها كانت إحدى محطات رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، ويعتقد البعض أن التبرك بزيارتها يحقق حلم الأمومة لمن تأخر إنجابهن(5).

ولا تغقل تلك الطقوس التبرك بزيارة الاضرحة والمقامات ، وتتضمن بعض الطقويس الجلوس على مشيمة طفل وليد حيث يزيد هذا من فرص الحمل لدى المرأة وقد كانت الكثير من النساء العاملات بالمستشفيات والمراكز الصحية بالقرى يأتين بهذة الطريقة رغبة بالحمل. ورغم تنوع الطقوس واختلاف الآراء حولها تظل  لها أهمية كبيرة بالمعتقد الثقافى الشعبى المصرى وكثيراً من هذه الطرق تٌعد وصفات مجربة وأياً ما كان الرأى فى تلك المماراسات ومدى موافقتها للدين تظل الرغبة فى الحصول على طفل هى المٌحرك الأول للمرأة ولأسرتها ولأسرة زوجها فى ممارسة تلك الطقوس التى قد تٌعرض حياة الكثير من النساء للمخاطر مع هذا تستمر الممارسات لأن الامومة لدى المرأة اسمى وأغلى من الحياة ذاتها.

 الهوامش.

  • صفاء على:التداوى بالخرافات، الجزيرة نت، النشر فى (22/1/2019)، الاسترجاع فى

(1/12/2020)

https://www.aljazeera.net/news/wome

  • معبد اله القمر عند الفراعنة، العربى، النشر فى (10/9/2019)، الاسترجاع فى (6/12/2020)

https://arabic.sputniknews.com

  • الاء عبد الوهاب:القمر معشوق الالهة وساحر النساء فى مصر والسودان،النشر فى

(9/ابريل/2019)، الاسترجاع فى (20/12/2020)

https://raseef22.net/author/188005

  • جهاد الدينارى : أساطير المجافظة على صحة الجنين، اليوم السابع، النشرفى (9/سبتمبر2020) ، الاسترجاع فى (6/ديسمبر/2020)

https://www.youm7.com.

  • صفاء على : موقع الكترونى سبق ذكرة.

 

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.