كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون1 31, 2020 - 234 Views

طقوس الولادة، والسبوع بالمجتمع المصرى

Rate this item
(0 votes)

كتبت – د. سهام عبد الباقى محمد        

الباحثة الأنثروبولوجية – كلية الدراسات الأفريقية العليا

 حظت عادات السبوع بالمجتمع المصرى، بالعديد من الطقوس المرتبطة بالتراث الثقافى للمجتمع المصرى فالاحتفال الأسرى والعائلى بقدوم طفل جديد بالعائلة هو القاسم المشترك بكل الثقافات والمجتمعات الإنسانية، وإن اختلفت الطقوس والمسميات والممارسات المصاحبة لذلك، والتى تنبع من النسق الثقافى، والاجتماعى، والدينى لكافة المجتمعات الانسانية.

طقوس الولادة بالمجتمع المصرى:

غالباً ما تبدأ تلك الطقوس منذ لحظات شعور الأم بآلآم المخاض، حيث كانت تتجه المرأة فى مصر القديمة إلى المعبد برفقة زوجها وأهلها لتبدأ رحلة المعاناة التى تنتهى بإنطلاق أولى صرخات الوليد معلناً خروجه من رحم أمه إلى الحياة الدنيا. ويٌؤكد المؤرخ اليونانى ديودور الصقلي أن المصريين القدماء اعتقدوا أن الأب هو المسئول عن الإنجاب، وأن الأم هى التي تٌزود جنينها بالذاء، وتحفظه، وتحميه،وقد إبتكر الأطباء المصريين طٌرق مٌتعددة للتوليد فى حالات الولادة الطبيعية، والولادة العسرة وتوصلوا لإحدى عشر وسيلة للتوليد فى حالة الولادة المتعثرة، كما تصف مخطوطة طبية من القرن الـ 16 ق م، وكانت تقع مهمة التوليد على عاتق الكهنة،والقابلات، والرقاة، والأطباء، اللذين كانوا يرتدون ملابس معينة، وكانوا يٌمسكون عصي خشبية ذات أشكال خاصة حيث كانوا يلوحون بها عند تلاوة الرقية لإبعاد الأرواح الشريرة التي قد تتجمع حول الأم التي تلد ويفسدون عملية الولادة. كما قام المصريون بتخصيص أماكن للولادة تسمى "مامیزي" وهى كلمة قبطية تعني "بيت الولادة" والذى كان بمثابة أول دار رعاية صحية  ومستشفى تخصصي لرعاية الحوامل فى مصر القديمة منذ 4 آلاف عام مضى.ويذكر المصرى القديم في كتابه فن الولادة في مصر القديمة "نعم بنينا تكعيبة النفاس "ماميزي" في حديقة منزل الوالدة أو فوق سطوحها لعزلها خوفًا عليها من حمى النفاس لمدة أسبوعين، كما كنا نٌطهر شعرها ونٌسرحه تسريحه النفاس، ثم نصففه؛ لأن الشعر مصدر من مصادر العدوي"(1).

وكانت تقوم القابلة بإجلاس المرأة على كٌرسى مفرغ بحيث تجلس القابلة بأسفلة لإستقبال المولود، أو كانت المرأة تجلس بوضع القرفضاء وكانت تجلس القابلة على ركبتيها لإخراج المولود وهى تٌتمتم ببعض التعاويذ لتيسير عملية الولادة وتخفيف مضاعافاتها على الأم ، وكان الرقاة ينثرون عليها التمائم على هيئة إناث الحيوان التي تتميز بكثرة النسل مثل الضفادع، والقطة الممثلة في المعبودة "باستت" وهي ترضع أطفالها في شكل يمثل الخصوبة وكثرة الأولاد، وكذلك تميم المعبود "بس" الذي يحمي السيدات أثناء الولادة، وبنات حتحور السبعة الموكلين بالحمل والولادة في العقيدة المصرية القديمة. وقد ظلت القابلة فى التراث الشعبى أحد أركان الولادة الرئيسة للمرأة خاصة فى المجتمعات الشعبية والريفية، وعٌرفت بإسم الداية، وعادة ما تكون إمراة بسيطة من أبناء المجتمع معروفه بقدرتها على التوليد،وكانت تقوم بقياس الرحم لتحدد نوع الولادة فإن كانت طبيعية تتولى الأمر بنفسها، وإن كانت قيصرية فتطلب من أهل المرأة التوجه بها نحو أقرب مركز صحى،كى لا تعرض المرأة للوفاة، أما فى حالة الولادة الطبيعية فتطلب القابلة ماء مغلى وكانت تلك الجملة من أشهر الجمل التى كانت تٌعرض فى الميديا المصرية حيث كانت تستخدمه فى تعقيم أدواتها كالمشرط والمقص ،وكانت تقوم الداية بقياس مسافة مقدراها ثلاثة قراريط من الحبل السرى ثم تقطع، وهذه القطعة تسمى" المشيمة" وتسمى شعبياً الخلاص، وفى الريف يتم التخلص منها بإلقائها فى المياه الجارية أو البحر أو النهر حتى يظل رزق المولود جارياً فيما بعد. أو يٌلقى بها فى الرمال أو أرض بور لتخضر أو تنبت، وبذلك يحافظون على إنتماء الجنين لأرضه ويضمنوا أنه سيظل بجانب أقاربه وأهله دون أن تأتى له فكرة السفر فيما بعد(2).

طقوس الإحتفال بسبوع المولود بالمجتمع المصرى:

وقد خٌصص اليوم السابع للإحتفال بالمولود فى عهد المصري القديم، بسبب ارتفاع نسبة وفايات المواليد في أيامه الأولى حيث كان المولود صاحب الحظ هو من يظل على قيد الحياة حتى اليوم السابع لذا خٌصص هذا اليوم للإحتفال به حيث يٌعتقد أنه طفل بكامل الصحة والعافية ويستحق الاحتفال به. وقد ارتبطت معظم عادات سبوع المولود فى المجتمع المصرى بقيم الحضارة الفرعونية القديمة والتى خصصت الإحتفال بالمولود باليوم السابع من مولدة ويرجع هذا إلى إرتباط المصري القديم وقداسته لرقم "سبعة" حتى أن السبع حبوب التى تعد أحد طقوس السبوع  إلى يومنا هذا، والتى يتم خلطها بالملح الرشيدى ويتم تشتيتها فى منزل المرأة النفثاء وفى أركان الدار وعلى السلالم وأمام الإعتاب إنما ترجع إلى المعتقدات المصرية بوجود السبع أرواح، قيامة الرب "أوزير" وكأنه خلق من جديد في سبعة أيام، فى كتاب الموتي الفرعوني "الخروج إلى النهار"،والحتحورات الربات الحاميات للمولود وعددهم سبع، والأسبوع وحدة الزمن الأساسية وطبقات الأرض، وعدد السلم الموسيقي، والمعادن سبع، لذلك قدس المصري القديم رقم سبعة واعتقد أنه رقم الخير والسلام والصحة والحياة. منذ فجر الحضارة الفرعونية(3). وإلى وقتنا الحالى، وارتبط التقديس فى المعتقدات الدينية الإسلامية برقم سبعة لأن أبواب الجنة سبع، والطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة سبع، والرقية الشرعية لتحقيق الغرض منها سبع، والكون خٌلق في سبع.......الخ.

وفور ميلاد المولود يؤذن  والده أو أحد الصالحين فى أذنه ويبدأ فى تلقينه بعض الفروض والواجبات الدينية حتى يتم التدخل فى التكوين النفسى للطفل من البداية، ومن طقوس الإحتفال بالمولود بالمجتمع المصرى أن يتم إشعال سبع شمعات بغرفة الأم و يوضع بوسطها الابريق منذ ليلة السابع وحتى يوم السبوع والسبع شمعات هو طقس قديم تٌمثل الشمس بسبع طرق،ويتم وضغ الكف الذهب على شعره ويتم لصقة بعلكة أو يشبك على ملابسة وهو كالحرز، لحماية الطفل منذ ولادته، ثم تقوم جدتا المولود بتحميمة وكان المصري القديم يقوم بغطس المولود في مياه المعبد الطاهرة، حيث يقوم الكاهن برقيته لطرح البركة في المولود ويقرأ له آيات وأدعية دينية وتعاويذ تمنع عنه الشر والحسد، فضلا عن تحميم البنات بالحليب للتخلص من الشعر الزائد فيما بعد، ويتم ذبح خفاش ويقمن بدهن الأماكن التى ينمو فيها الشعر بدمه ولا يٌترك الطفل لينام على جنب واحد حتى لا يؤثر هذا الوضع فى عظامه اللينة. وبعد استحمام المولود يوم سبوعه يرتدى  اجمل الثياب والتى تكون مخصصة لهذا اليوم ، فإن وقعت السرة باليوم السابع كان هذا دليل على الفأل الحسن ، ثم يتم تخطيط حواجب المولود بالكحل الأسود، وبعينية لحماية الطفل من الحسد وأشعة الشمس وتحسين النظر وهي عادة مصرية قديمة، ومن العادات أيضا أن يٌكحل الطفل بماء البصل. وعند قص أظافر الطفل للمرة الولى يتم وضع عملة ورقية إعتقاداً بان هذا الطقس يجعله واسع الرزق ولا ينظر لما فى يدي غيرة فى المستقبل.  وبعد تجهيز الطفل يبدأ الإستعداد باستقبال المدعوين باقامة العقيقة الشرعية للطفل وإلى جانبها يقوم الأهل بعمل أكياس السبوع التى تحوى بعض أنواع المكسرات البسيطه كالحمص ، البلح ، الفول السودانى، الفشا، شمعه،بعض قطع الحلوى ويتم توزيعها بعد إقامة السبوع والتى تتضمن وضع الطفل بالغربال لتخطى الأم على الغربال سبع خٌطوات مع ترديد إحدى نساء العائلة الأولى:بسم الله، الثانية:بسم الله، الثالثة: رقوة محمد بن عبد الله ، وتبدأ بالعد من 1الى 7ثم يتم هز الطفل بالغربال بمصاحبة دق الهون، وترديد أغنية السبوع المصرية الشهيرة (حالاقاتك برجالاتك حلقة ذهب فى وداناتك يارب ياربنا نكبر وتبقى قدنا) وتسير الام حاملة وليدها داخل غرف المنزل ويتم تشتيت السبع حبوب مع الملح الرشيد عند الأركان منها "قمح، فول، حمص، عدس، شعير، أرز، حلبه وهي غالبًا الحبوب التي سادت منذ العصور القديمة وكانت رمز الخير والنماء، لإبعاد العين والكبسة وحماية الأم ووليدها من شرور الإنس والجن، ويٌفضل يوم السبوع أن ترتدى النفثاء قطع من الذهب حتى تنشغل الأعين بالنظر إليها دونما إلحاق الأذى بالمولود، وألا تدخل عليها من تزوجت قريباً، والحائض،ومن قام بحلق لحيته حديثاً، ولا تترك منزلها إلا بعد مرور الشهر العربي هذا إن كانت الولادة طبيعية ،وترتدى عقد العقيق الأصفر الذى يتم جلبه من الحجاز وهو من الأشياء التى تكاد تكون قد اختفت فى المجتمع المصرى ليمنع عنها المٌشاهرة، ويقدم للمدعوين المٌغات وهو مشروب من الحلبة المطحونة مٌضاف إليها بعض النكهات والمكسرات ويتم تجهيزها من خلال وضعها فى الماء مع التقليب المستمر وبعد تمام الغليان يٌضاف إليها السمن البلدى ويقدم منه للنفثاء لأنه يمنحها القوة ويٌدر الحليب للوليد كما أنه يساعدها على التعافى،ومن المواد الغذائية الأخرى المفضلة ثقافياً للنفثاء تناول مشروب الحلبة بالعسل وأكل الجرجير والفجل من الخضروات لزيادة كمية حليب الأم، والحلاوة الطحنية ، وتناول الطيور والكبدة ،وتقدم هدايا السبوع للام وللمولود فى صورة هدايا ذهبية للأم أو خاتم للذكر وحلق أو غويشة للانثى، وقد ارتبط المصري القديم وأبدع في الطقوس والعبادات واحترمها وورث طقوس السبوع  جيل بعد جيل، وقد جسد المصرى القديم طقوس السبوع حيث كانت البقرة "حتحور" تٌخلد تلك الثقافة فهى ربة الأمومة التي ترعى الأم بعد الإنجاب مع الربات الأخريات لمدة سبعة أيام وتتولى كل منهن الرعاية ليوم واحد حتى نهاية السبعة أيام، وقد جسدت هذه القصة الرائعة وخلدتها في بيت "الولادة الماميزي" في معبد دندرة لسبع حتحورات آلهات الأمومة والمحبة عند المصريين القدماء يعلو رأسهن قرنا بقرة بداخلهما قرص الشمس ويمسكن آلة الدف وآلات موسيقية علاوة على البخور ورمي مشيمة الأم في الماء لتجدد الحياة مرة أخرى.

المصادر

  • هانى رياض:كيف شخص المصريون القدماء الحمل والولادة، النيل دوتكوم،النشر فى

 (1/6/2016) الاسترجاع فى (6/12/2020).

https://al-ain.com

  • جهاد الدينارى : أساطير المجافظة على صحة الجنين، اليوم السابع، النشرفى (9/سبتمبر2020) ، الاسترجاع فى (6/ديسمبر/2020)

https://www.youm7.com.

  • محمود عبد الباقى: أسباب تقديس الفراعنة لرقم سبعة وعلاقته بالاحتفال بسبوع الطفل،فيتو جيت، النشر فى (2/ سبتمبر/2019)، الاسترجاع فى (31/12/2020).

https://www.vetogate.com

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.