كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 07, 2021 - 331 Views

طقوس دورة الحياة بالسودان الشمالى الميلاد

Rate this item
(0 votes)

              د. سهام عبد الباقى محمد

الباحثة الأنثروبولوجية – بكلية الدراسات الأفريقية العليا

ترتبط عملية الميلاد فى المجتمع السودانى بطقوس خاصة توارثتها الأجيال جيل بعد جيل،ويٌعرّف يوم الإحتفال بسبوع المولود بالمجتمع السودانى (بيوم السماية) لأن الطفل لا يتم إختيار أسمة أو الإعلان عنه إلا فى اليوم السابع أى يوم سبوعه،ولا تقتصر تلك الطقوس بالوليد الجديد إنما تمتد لتشمل الأم التى أولتها الثقافة بالمجتمع السودانى أهمية كبيرة فأجرت العديد من الممارسات بهدف المحافظة على صحة الأم الجسدية، والإنجابية نتناولها فيما يلى:

القابلة التقليدية بالمجتمع السودانى(داية الحلة)

تٌعد القابلة هى المسئولة عن عملية القِبال أو الولادة، وتشتهر بالمجتمع السودانى مدارس القابلات لتدعيم المٌمارسين التقليديين وإتاحة فرص التدريب الطبى لهم، وقد تأسست فى عهد محمد على باشا الذى شجع تطبيق الآساليب الحديثة فى التوليد حتى يٌقلل من مٌعدلات وفيات المواليد ولذلك أنشا فى عام 1832م مدرسة لتخريج حكيمات للعمل فى الريف بدلاً من الدايات وكانت مدة الدراسة والتدريب6سنوات منها سنتان تٌخصصان لتعلم القراءة والكتابة ثم تحصل بعدها المتدربة على شهادة تستطيع بمقتضاها القيام ببعض المهن الطبية كالتطعيم والتوليد، وكان الهدف من مدارس القبال دمج قابلة الحِلة أو الحى فى عملية القبالة بشكل رسمى بتذويدها بشهادة مٌزاولة المهنة. فمدرسة القبال بمثابة تدريب للقابلات المٌجتمعيات الموزعات على الأحياء،وهى تٌقدم الخدمة للفتيات اللآتى لم يدرسن الطب بتعليمهن عملية القِبال من خلال تنظيم دورات في التمريض ودورات في التثقيف والثقافة الصحية حتى تٌصبح القابلة مؤهلة للمجتمع ويتولى إلقاء هذه المحاضرات مٌحاضرين متخصصين فيتلقون العديد من المحاضرات كالتمريض،والقبالة،الصحة العامة.وتستمر الدراسة لمدة خمسة عشر شهر أى عام وثلاثة أشهر بعدها تحصل المتدربة على شهادة اجتياز الدورة بنجاح وحقيبة القبالة وهما بمثابة تصريح بمزاولة المهنة فتبدأ عملها فوراً من خلال قيام القابلة المٌعتمدة بوضع لافته أمام بيتها ليعلم أهل الحى (الحِلة) أنها صارت قابلة مؤهلة للقبالة ويلجأون إليها. وكلما تخرجت دفعة يتم الإعلان عن بِدء تدريب الدفعة التي تليها أما بالنسبة لمن لم تجتاز الإمتحان فغالباً ما تنسحب ولا تستمر نتيجة شعورها بالفشل، وتٌمنح كل قابلة مجسم لمراحل خروج الطفل والخطوات التى تتخذها القابلة لمساعدة المرأة فى عملية المخاض. ولا يمكن لأى إمرأة أن تقوم بالقبالة مهما أوتيت من خبرة ودراية،دون ترخيص رسمى وإلا تعرضت للحبس لعدم حصولها على تصريح من وزارة الصحة.حتى أنه تم فتح مدارس للقبال بين العرب الرحل في أمكان تمركزهن في الخلاء من خلال الإعلان والتواصل مع رؤساء الأحياء، وتسجيل أسمائهم بكشوف المتدربين.

طٌقوس الميلاد بالمجتمع السودانى

يتم الإستعداد لإستقبال الطفل قبل مولاده بعدة أشهر حيث تنشغل الأم بتجهيز أغراض طفلها وفقاً لنوعه فيتم تجهيز غرفة المولود وتجهيز ملابسه، وقديماً كانوا يقوموا بحياكة ملابس المولود وصٌنع مرايل له من الكروشية فكان المولود بعد أن يستحم يرتدى القميص وهو قطعة من القماش البيضاء للذكر والأنثى وتسمى سكوبس وهى من الخيط ويتم تجهيز حفاض من القماش ويٌحمم الطفل صباحاً ومساء لمدة 40 أما الأن فقد أصبحت الحفاضات الطبية، والملابس الجاهزة  هى السائدة ، وتسمى أغراض المولود بعدة المولود وتكون عبارة عن أغراض المولود الشخصية مثل شنطته المولود، البطانية، الملابس، السرير، والحفاضات. والملايات الجديدة للسرائر،الشراشف،والسجاد، والترابيزات،وبمبونيرة الحلوى والتي تٌقدم فيها المخبوزات التي تٌخبز خصيصاً من أجل المولود، وتسمى هذه الأغراض بالديكور ولا بد أن يكون لون الحوائط والمفروشات والسجاد والتحف بلون موحد.

ومن أهم الطقوس إشعال الطلح وهو البخور بشكل دائم فى غرفة الطفل لمنحها رائحة عطرة أثناء توافد المٌباركِين والمٌهنئين،ولإبعاد العين والأرواح الشريرة عن الأم والطفل، وإبطال مفعولهما وكثيراً ما يٌصاب حديثى الولادة بصعوبات فى التنفس بسبب الدخان المٌتصاعد وحساسية صدرية رغم ذلك يظل إشعال الطلح أحد الممارسات الثقافية الهامة بداخل غرفة الوليد لقيمة الجمالية والوقائية حيث يقوم بطرد البعوض،ويحمى الرضيع من لدغاته الشرسة، وتمتنع النفثاء عن الغٌسل لمدة 40 يوماً من الوضع وتكتفى بتنظيف المناطق الداخلية من جسدها وغسل الوجه واليدين فقط، وتعتزل زوجها حتى ينقضى الأربعين كما تقوم بالاحتفاظ بحفاضات المولود لمدة 40 يوماً،بعد ذلك يأخذوا الأم،وحفاضات المولود لشيخ يٌعتقد به حاملين معهم العيش والتمر والماء وبعد زيارة الضريح تٌترك هذه الأشياء فى ضريح الشيخ المٌعتقد به. ويتم ربط حفاضات المولود فى فروع شجرة السلم وأثناء إجراء هذا الطقس لا بد أن تكون النفثاء قد اغتسلت الغٌسل الشرعى الكامل. ومن طقوس الميلاد الهامة يوم السماية:وتبدأ طقوس السماية فى اليوم السابع من الميلاد فيتم صباح هذا اليوم تجهيز الفطور والذى يكون عبارة عن المٌلاح والشعرية واللحم المٌحمر،الكباب، أو الصاج وتقدم ذبيحة قرناء الأولى يجتمع عليها النسوة ثالث أيام الوضع وتٌسمى الكرامة شكراً لله على سلامة الأم والمولود ويذبح للطفل فى يوم السماية خروفين للمولود الذكر، وخروف للأنثى يجتمع عليها الأهل والعشيرة رجالا ًونساءً وفيها يتم الإعلان عن أسم المولود الجديد بحيث تقف إمرأة مسنة ، وتسمى التليجة وسط الدار وتضع على رأسها كِسرة( نوع من الخبز يشبة الكريب)، وفوقها عظم من لحم ذبيحة ذلك اليوم وتٌعلن وسط الجمع الحاشد أن المولود إسمه فلان وهي تحمله بين يديها ثم تشير مٌجرد إشارة بفمها نحو فمه وكأنها تباركه،ويٌشترط أن تكون مٌباركة فى عشيرتها وطيبة السيرة، ويقسّم لحم الذبيحة لسبعة أكوام لأقرب سبع جيران، وتقوم عمات وخالات المولود بتجهيز طعام هذا اليوم وتقديم حق اللبن وهو النقوط .وتظهر الأم يوم السماية بكامل زينتها فتضع المساحيق على وجهها وتقوم بعمل الخٌمرة وتتدخن وتتبخر فهى تٌجهز كعروس لأنها تظل لمدة أربعين يوماً ممنوعة من التزين،ومن إرتداء الملابس الفاخرة الأنيقة بل ترتدى ملابس عادية وداكنه ولا يٌسمح لها من الطيب إلا بالدخان.حتى لا تٌصاب بالمرض أو بالعين فيكون يوم السماية أول يوم تتزين فيه لحضور الحفل فترتدى عباية أو ثوب يتماشى مع ديكور غرفة المولود ولون المفروشات والستائر والسجاد كما ذكرنا سلفاً، ويرتدى المولود ملابس بنفس اللون.وبعد انتهاء اليوم تتوقف عن وضع المساحيق وإرتداء الثياب المٌميزه حتى إنتهاء مدة الأربعين يوماً لنفاثها.

المٌعتقد الثقافي للأمراض التي تٌصيب النفثاء:

ومن المٌعتقدات التى تٌقال عن المرأة النفثاء أنه إذا دَخلت إمراة مٌحننه على النفثاء فإنها تمرض أو تٌصاب بالحمى الشديدة التى قد تؤدى للوفاة، وكذلك تٌحجب عن النفثاء من كانت تٌقدم واجب العزاء. فلا تدخل عليها بعد الرجوع من واجب العزاء مٌباشرة بل يجب عليها أن تعود لمنزلها أولاً ثم تأتى للزيارة فى وقت لاحق،وتتحصن النفثاء بوضع المٌصحف أو تعليقة فى أقرب مكان منها، لِدرء الشرور عنها وعن وليدها، وحديثاً تم إستبدال المصحف بحبة البركة أو الكمون باللهجة المحلية، بحيث يتم لفها حول معصم الأم والطفل أو تٌعلق على حائط بجوارهما ليكون لهما حرزاً ضد المٌشاهرة والعين والمرض فإذا وقعت سٌرة المولود دون أن يلتئم الجرح يتم التعامل مع الجرح ومدواته بمسحة بقطعة مبلله بماء مضافاً إلية كربوناتو(بيكربونات الصوديوم).

مٌحرمات الطعام الخاصة بالحامل والنفثاء بالمجتمع السودانى:

تتغذى النفثاء على المديدة وهى عبارة عن الحلبة الحصى يتم طبخها حتى تسير البذور لينة ويضاف إليها النشا والسكر والمكسرات واللبن وهى من الأكلات المفضلة ثقافياً لفوائدها الغذائية، ولأنها مٌدرة للبن، والسائد لدى المجتمع أن تأكل النفثاء بمفردها فى غرفة مٌغلقة فلا تأكل مع أحد، ويعتمد غذاء النفثاء على اللحم والدجاج المحمر والكبدة وتُمنع من تناول الأطعمة الحارة كالدكوة والشطة وهى تستخدم بكثرة فى معظم الوجبات سواء كانت الشطه الحمراء أو الخضراء حتى لا يتأثر المولود وتمتنع عن شرب المشروبات الحارقة كالقرفة والزنجبيل حيث أن من طقوس المجتمع تناول الشاى بحليب مضافاً إلية الزنجبيل، وتمتنع عن تناول الحرجل والقرفة لأنها قد تٌعجل بالولادة أو تٌجهض الحمل كما تمتنع عن شرب الحلبة لأنها قد تسبب الطلق المبكر أو الإجهاض فلا تشربها إلا بعد الولادة أي في فترة النفاث.ويٌستحب للحامل تناول البلح  لمساعدتها أثناء عملية الطلق،وبعد الولادة مٌباشرة يٌسمح لها بتناول(الجَبَنه)أى القهوة لتمنحها النشاط واليقظة وبعد أن تغتسل النفثاء الغٌسل الشرعى تقوم بعمل الدكن، وتٌغطى جسدها بالدلكة ولا بد أن تحضر(حبوبتها)  أى جدتها غٌسلها فتقوم بسكب 40 فنجان ماء صغير على رأس حفيدتها ثم تجرى الغسل لها بالماء وتلبسها ثياب جميلا يكون قد تم اعداده مسبقاً وبعد أن تجهز الأم فى يوم الأربعين تخرج الأم والطفل إلى البحر رمز الخصوبة والنماء ويتم عمل السيرة لها على النيل مثلما هو مٌتبع فى النوبة المصرية.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.