كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 21, 2021 - 189 Views

طٌقوس دورة الحياة بالسودان الشمالى(الوفاة)

Rate this item
(0 votes)

   بقلم - د. سهام عبد الباقى محمد

الباحثة الأنثروبولوجية – كلية الدراسات الأفريقية العليا- جامعة القاهرة

        تسمى الوفاة  باللهجة السودانية البِكىَ، ولا تختلف كثيراً المآتم فى السودان عن المآتم المٌتعارف عليها إلا في بعض التفاصيل كتولى الجيران هذه المناسبة بإعتبار أن الموت يأتى بشكل مفاجئ فيكون على الجيران أعداد الصيوان والذهاب إلى المقابر وتجهيز قبر المٌتوفىَ 

طقوس الوفاة بالسودان الشمالى

بظهور علامات الموت على الشخص المٌحتضِر لا بد أن يرافقه شخص له دارية من  أفراد العائلة بحقوق المتوفى فيقوم بتلقينة الشهادة ويقرأ له القرآن لتخفيف سكرات الموت عليه، وبالتأكد من موته يقوم المرافق للمتوفى بإتباع السنه فيقوم بربط الركبتين،وتسبيل العينين،ويٌعبر عنها باللهجة المحلية( يموتوا له عينه) وأول من يدخل على المٌتوفىَ هم أبنائه الذكور،والأناث، فيقوم الذكور بتحميم الأب بينما تتولى الإناث تحميم الأم  قبل أن يقوموا بعملية الغٌسل الشرعى ويلبسوه شيء من ثيابة بعد تلك المرحلة،يٌسمح لأقارب المٌتوفىَ ومحارمه بالدخول عليه،ويتولى عملية الغٌسل أولاده وأخوته ولا بد أن تتم عملية الغٌسل وفقاً للضوابط الشرعية بدون نقص أو زيادة ،وأثناء عملية الغٌسل يخرج بعض أفراد الأسرة ومعهم بعض جيران المٌتوفىَ لتجهيز المقبرة ويتم تكفين المٌتوفىَ الكفن الشرعى وأثناء خروج المٌتوفى من بيته يودعه أهل بيته والنسوة من العائلة والجيران حتى باب المنزل(خشم الباب) ثٌم يٌحمل المتوفى على عنجريب (سرير) من الخشب لا يوجد به حديد انما توجد به خيوط  تسمى حبل العصب، ويتم وضع (برش) على العنجريب وهو حصير مصنوع من جريد النخيل سبق الحديث عنه ضمن طقوس الزواج بحيث يوضع تحت المٌتوفىَ ثم يٌحمل إلى الميدان لإقامة صلاة الجنازة، بعد وصول النعش إلى الميدان يٌحمل المتوفى بالبرش ويٌوجه باتجاة القبلة ويضعوا تحت رأسه وسادة ويجتمع الناس فى الميدان لصلاة الجنازة يتقدمهم أقرب أهل المٌتوفىَ وأكثرهم تقوى وتدين فيصطفوا للصلاة وبعد الفراغ من الصلاة يٌرفع المتوفى على العنقريب مرة أخرى مٌتجهين به صوب المقبرة.

طرق الدفن بالسودان الشمالى

لا يسود بالمجتمع السودانى بناء المقابر الأسمنتية أو بالطوب فهم يميلون إلى حفر القبور في الأرض دون وضع جدار عليها لأنهم يرون هذا النمط من الدفن مخالفاً للشريعة الإسلامية ولا يتم تخصيص مقبرة لكل عائلة فمن توافيه المنية يٌدفن في أية بقعة بدون تخصيص ويتم تجهيز القبر بحفر حفرة بعمق مترين وعرض متر ويقاس المتر(بالركبة) وبعد حفر عمق متر يتم حفر نصف متر آخر وهو مكان اللحد ويسمى (ودّ اللحد) وهو الجزء الذى يوضع فيه الجثمان وبعد وضع المٌتوفىَ في ود اللحد المحفور بعمق متر ونصف يغلق علية فيسدوا ود اللحد بالحجارة بحيث يكون الميت غير مأذى من الحجارة  فهى لا تٌلامس جسده لأنه في أسفل الحفرة، ثم يٌهيلوا علية التراب ويسدوا المنافذ بالطين حتى لا يصل الغبار للمتوفى وحتى لا تصعد رائحة تحلل الجسد ثم يٌهيلوا على الجثمان التراب الخارجي وعندما يصلوا لسطح الأرض يتم استكمال عملية الردم ولكن بشكل هرمى أو بأى شكل مرتفع حتى لا تدوس اللحد الأقدام ويقوموا بتثبيت جريدتين أحداهما عند الرأس والأخرى عند قدم المٌتوفىَ وعادة ما يخرج جريد النخل مع الميت من بيته أو  يتم استبدال الجريدتين بحجرين بحيث يثبتوهما بنفس الطريقة سالفة الذكر.ولتمييز اللحد يتم وضع لافته على رأس القبر خوفاً من نسيان القبر. وحيث أن طريقة الدفن بالمجتمع السودانى  تكون على ارتفاع قليل جداً من الأرض كما أنه لا يتم تخصص أماكن بعيدة ومنعزلة عن المناطق السكنية وإنما تكون المقابر على مقربة من المنازل أو أمامها. فهناك منازل تفتح على المقابر مباشرة ودون ان يتم عمل أسوار لها لعزلها عن المنازل المحيطة يكون أفراد المجتمع الذين يعيشون على مقربة من تلك المقابر أكثر عرضة  لانتشار الأمراض التي تنتج عن تحلل الجثث كالأمراض الوبائية والفيروسية. رغم هذا لا يسود لدى أفراد المجتمع السودانى  تخوفاً من هذا الأمر فلم يٌعرف لديهم أن شخصاً قد أصيب بمرض لقرب منزله من منطقة المقابر فالدفن والموت وفقاً لثقافة المجتمع السودانى عملية طبيعية لا تٌمثل أية خطورة ولا يوجد منها أى ضرر يؤثر على أفراد المجتمع.

طقوس العزاء بالسودان الشمالى

بعد الإنتهاء من مراسم الدفن يمتد العزاء عادة لثلاثة أيام يٌنصب فيها الصيوان للرجال فقط ويقوم شباب الحى بترتيب أمور الطعام والمبيت للقادمين للعزاء من بقاع بعيدة، ومن العادات والتقاليد داخل المجتمع أنه يجب على من يٌقدم واجب العزاء وقبل مصافحة أهل المٌتوفى الذين يتقدمون العزاء أن يرفع يديه كمن يدعو الله ويقول بصوت مسموع كلمة الفاتحة فيقوم باستقباله أقرب الحضور صلة بالمتوفى ويقرئوا الفاتحة مع الدعاء للمتوفى بالرحمة والمغفرة. بعد ذلك يقوم بمصافحتهم والجلوس ثم يٌقدم له الشاي والماء فقط وعند المغادرة يتوجب عليه قراءة الفاتحة مرة أخرى بنفس الطريقة المذكورة. ولا بد إن تخرج مائدة من كل بيت من العائلة والجيران تسمى سٌفرة أو عامود للمشيعين ويأكل أهل المٌتوفى من الطعام الموجود في البيت  ويقدموا منه للمعزيين اي ما كان نوعه فلا توجد مٌحرمات طعام فى المآتم، ويتضمن المأتم كشف أو قائمة المساهمة المالية مثلما يحدث في الأعراس فيقوم أبناء الحى بأعداد الكشف وهو عبارة عن قيد لمساهمات مالية تٌدفع من الحضور لمساعدة أسرة المٌتوفىَ، يساهم فيه الجميع كل قدر استطاعته وهى تٌعتبر من العادات الراسخة  بالسودان وتٌقدم للفقراء والأثرياء على السواء لأن لها مضامين اجتماعية وثقافية عميقة الجذور بالمجتمع .وهى غير إلزامية لكن من يمتنع عنها يتعرض للوم والنبذ من أفراد المجتمع لأنها تعد أحد أشكال التكافل الإجتماعى بالمجتمع ولا توجد ملابس خاصة بالحداد للرجال وبالنسبة للمرأة فاللون الأبيض هو لون الحداد في ثقافة المجتمع السودانى ومن مظاهر الحداد الأخرى للرجال إطلاق اللحية ولا حرج على الرجل أن يغتسل ويرتدى الثياب العادية الملونه بعد إنقضاء أسبوع على الوفاه وممارسة حياته بشكل طبيعى.

النظرة الثقافية للوفاة بالمجتمع السودانى

يستدل أفراد المجتمع  على دنو أجل المريض بإمتناعه عن الطعام واذا كان المريض يعانى من مرض قاتل يتأكدوا من دنو أجله ويستعدوا لموته في أية لحظة رغم ذلك لا يٌعد المرض لديهم هو المسئول عن الموت فالموت ليس له سبب إلا انقضاء الأجل فمن ينقضى نحبه يموت بلا أسباب فلا علاقة للموت بالصحة والمرض فاحياناً يموت الشخص الصحيح بينما يعيش الشخص المريض طويلاً فالمرض يجعل المريض يتألم فقط ولا يٌعجل أو يؤخر الأجل، اما الموت  المفاجئ دون سابق مرض أو شكوى  فيكون أشد  وطأة على أفراد المجتمع،وكذلك موت الشباب أيضا فعادة ما يسبب حزناً شديداً لأهل المتوفى ويمتد ليشمل جيرانه. ومن القيم الأخلاقية بالمجتمع السودانى عدم الحديث عن المٌتوفى بالسوء حتى وإن أساء ، فإذا مرض شخص لا يٌقال عنه أنه مرض من سوء عمله أو من شره بل يٌنظر للمريض نظرة عطف وحب وتسامح مهما كانت أفعاله. كما ينظرون للمرض على أنه رحمة من الله وكفّارة للذنب فأفراد المجتمع السودانى يحملون مشاعر فياضة ومسالمة تجاه بعضهم البعض ولا يشمتون فى المرض ولا فى الوفاة. ومن واجبات أهل المٌتوفىَ طلب السماح المعنوى من المشيعين إن كان المتوفى قد أساء إليهم حتى لا يٌعذّب في قبرة بسوء عمله ومعاملته للغير، كما يطلبون العفو المادى للميت بسؤال المشيعين إن  كان الميت مديون لإحد منهم وعادة ما تكون الإجابة من المشيعين(عفانا له) أى أبرأنا ذمته، أو يتكلم الدائن فإن تكلم يٌطلب منه المجىء لبيت المٌتوفىَ لأسترداد دينه، والشائع  في المجتمع أن الدائن لا يذكر دينه على المقبرة وانما قد يعاود أهل المٌتوفىَ بعد مرور أسبوعين أو  شهر على الوفاة  فان ترك دينه قال لأهل المتوفى (عافيتها له) ويكون بهذا التصرف قد أراح المتوفى في قبره ورفع الحرج  في نفس الوقت عن أهله وإن لم يعفوا يردوا له دينه ويكون هذا السلوك من الدائن مقبولاً اجتماعياً واخلاقياً فالهدف الأساسى هو إبراء المتوفى.

 

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.