كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 28, 2021 - 267 Views

ولائم العرس والخُرْس في العصر المملوكي

Rate this item
(0 votes)

بقلم - دكتورة إيمان صلاح عطاطة

دكتوراه في التاريخ والحضارة الإسلامية

        إن إعداد الأطعمة والأشربة ومد الولائم والموائد للمدعوين بمثابة الجزء الأصيل من أي احتفال عائلي ، وتعددت ولائم الاحتفالات العائلية في عصر سلاطين المماليك ومنها: وليمة العرس فهي الموائد التي تُصنع عند الزفاف والبناء بالزوجة أي الدخول بها، وكانت الدعوة لولائم العرس لا تُرفض , لأنها واجبة شرعا حيث تعتبر إشهارًا عن الزواج.

       وقد اعتاد المجتمع المصري بكافة طبقاته في هذا العصر على إقامة الموائد للأهل والأصدقاء بمناسبة الزفاف، فقد اهتم المماليك من سلاطين وأمراء بإحياء هذه الحفلات ويحضرها القضاة الأربعة وأعيان الدولة وكبار الأعيان وإقامة الموائد والأسمطة الفاخرة للمدعوين والتي امتدت عدة ليالٍ فمنها ما استمر ثلاثة أيام ومنها ما استغرق سبعة أيام .

         ومن الطقوس المتبعة في العصر المملوكي التي تقام في ليلة الزفاف إقامة وليمتين: إحداهما للرجال بمنزل الزوج والأخرى للنساء بمنزل العروس وأحيانًا تقامان في مكان واحد ، مثل وليمة عرس الأمير إبراهيم بن المؤيد شيخ على خوند بنت الناصر فرج  الذي كان بالقلعة ، وكانت وليمة عرس ابنة الظاهر جقمق حافلة بالحوش السلطاني ثم كان الزفاف الكبير من الغد للنساء في بيت خال العروس وللرجال بيت الزوج.

         وتكلفت ولائم العرس المملوكية آلاف الدنانير فالمنصور قلاوون أنفق على ولائم عرسه على آشلون خاتون عشرة آلاف ديناراً ، وكان تطبخ في هذه الولائم أنواع شتى من اللحوم وتُقدم فيه الأغنام والدجاج والإوز ففي عرس غازية خاتون على السعيد بركة مد أبوه الظاهر بيبرس السماط في الميدان الأسود وحضره شتى الناس، وذُبح أيضًا في عرس الأمير قوصون الساقي على ابنة السلطان الناصر محمد بن قلاوون من الغنم خمسة آلاف ومائة من البقر وخمسون فرساً وعدداً من الطيور مالا يحصى ، وأقيم في أيام عرس الأمير آنوك بن الناصر محمد على بنت الأمير بكتمر الساقي الولائم المختلفة فيها من الأغنام والدجاج والخيل والبقر والفراخ ما يزيد عن عشرين ألف رأس ، وذُبح في عرس الأميرة  قطلوملك والأمير أحمد بن بكتمر الساقي ثلاثة آلاف رأس ومائة بقرة وكل من السكر وجلب عشرة أحواض كل حوض بعشرة جزارين ، وكذلك كانت وليمة عرس الأمير الكبير نوروز على خوند سارة ابنة الظاهر برقوق فخمة ذبح فيها ثلاثمائة رأس من العين وستة عشر فرساً ، وفي عرس الأمير فخر الدين بن السعيد على إحدى جواري السلطان الكامل شعبان مد سماطًا حافلًا ذبح فيه ثمانية وعشرون فرساً وبلغ زنة لحم الأغنام عشرة آلاف رطل وألفين من الدجاج ومن الأرز ثلاثة آلاف طائر ومن الدقيق ست وخمسين قنطاراً .

        كما كانت الولائم تتضمن العديد من الحلوى والأعسال بالإضافة إلي المشروبات المختلفة، ففي وليمة عرس ابنة الأمير بكتمر الساقي على الأمير آنوك عُمل للحلوى من السكر والمشروب ثمانية عشر ألف (ألف قنطار بالمصري) قنطار من السكر ، وفي عرس ابنة السلطان الناصر على الأمير قوصون اُستعمل من السكر أحد عشر ألف أبلوجة برسم الحلويات وتحالي الأطعمة ، وفي وليمة عرس إحدى جواري البلاط قدموا من الزبيب خمسين قنطاراً لعمل المشروب، وأيضًا وليمة عرس خوند فاطمة ابنة المؤيد أحمد بن إينال فكان بها أشياء كثيرة من السكر والحلوى والفاكهة، وفي وليمة عرس الأمير الكبير قانصوة خمسمائة على خوند ابنة الأتابك أزبك أحضر السلطان الأشرف قايتباي العديد من الحلوى وسكر وفواكه، وكذا أثناء عرس ابنة الأمير سيباي على محمد بن السلطان الغوري حضره القضاة الأربعة وخلع السلطان الغوري على الحاضرين كوامل ووزعوا عليهم بنحو عشرين سلطانية صيني فيها سكر .

        وعلى صعيد آخر فقد كانت توجد ولائم وأسمطة أقل بذخًا بكثير من ذلك مثل وليمة عرس ابنة الأمير دولات باي الدودار على ابن الأمير بردبك الأشرفي الدودار الثاني، ورغم أن جده الأشرف إينال الذي مد السماط إلا أنه لم يقع به ما يتحاكاه الناس من كثرة المأكل والمشرب.

        الجدير بالذكر أنه كانت هذه الولائم الفخمة سببًا في حدوث بعض الجرائم من سرقة وقتل فإحدى السارقات إذ تذهب إلى البيوت وتغري المرأة بوليمة عرس لبعض أعيان الدولة وتدعوها إليها وتشير عليها أن ترتدي أجمل ما عندها من ثياب وتتزين بأفخر حليها، لتتباهى بها أمام بقية النساء المدعوات، وما أن تصل إلى بيت زوجها حتى تأخذ جميع ما عليها ثم تخنقها وترميها في بئر في داره، فشاع أمرهما وتم خنقهم خارج باب الفرج.

حاولت باقي طبقات المجتمع المصري في تقليد طبقة المماليك في التفاخر في أحياء هذه الأفراح حتى بلغ الأمر ببعض الناس أن يبيع الواحد منهم ثيابه ويقترض الأموال بالربا ليتباهى أمام الناس لإقامة الولائم، فيقال في ذلك "أما أطعمة العرس الواسعة فإن الغالب على صاحبه التكلف فيه فيطبخ ما ليس من عادته أن يطبخه مما هو فوق طاقته فترى أبا العريس وأم العروسة أو أم العريس يبيع أحدهم ثيابه في عمل الطعام أو يقترض غالب ذلك ولو بالربا، ويقول: قد تجونت في عمل هذا العرس وما بقى عمل إلا عمله فيعمل ذلك الطعام متكرها له ومتفاخرا به، حتى أنه بعد ذلك ربما سمع بعض الناس يقول: كان طعام فلان أكثر من طعام فلان فيتأثر بذلك" .

وكانت إحدى ولائم عامة المجتمع المصري عبارة عن عسل وأرز وخضروات وخبز وجبن وحطب وماعون وقلقاس وقرع وزيت ، ولكن ولائم أهل الريف كانت مخيبة لأمال المدعوين إذ إنها لا تتعدى العدس والبيسار والكشك الحامض بالفول أو نوع من العدس أو البقول فهذه الأصناف أفضل ما عندهم ولذا كانوا غالبا ما يصنعونها.

        ويقول ابن دانيال عن وليمة دعي إليها:

دعوتني للعرس يا سيدي        فكدت أن أحضر من أمس

وها أنا الليلة في داركم           فالكلب ما يهرب من عرس

       أما عن وليمة الخُرْس هو الاحتفال بالنفاس بإقامة الولائم والتي غالبا تستمر سبعة أيام متوالية، فعندما تحمل إحدى النساء يتمنى الرجل أن يكون المولود القادم ذكراً يحيي به ذكره وينشرح له صدره فاعتاد المجتمع المصري في هذا العصر إذا كان المولود ذكرًا أن يقيموا "وليمة مولود ذكر" ، وإذا تم له ما تمناه السلطان بأن يكون المولود ذكراً تُقام الاحتفالات بالقلعة وتُدق البشائر وتُزين القاهرة، ويُنعم على الأمراء بالخلع، مع استمرار الاحتفال لمدة سبعة أيام تقام فيها الولائم الفخمة ، فعندما أنجبت خوند أردكتين للناصر محمد بن قلاوون ابنه علي في (سلطنته الأولى) أراد أن يستمر الاحتفال به سبعة أيام متوالية، ولكن الأمراء رفضوا ذلك، وقرروا الاكتفاء بيوم واحد ، ولكن في سلطنته الثانية عندما أنجبت له خوند قطلوملك ابنة تنكز الحسامي ولده الصالح صالح مدت الأسمطة الفاخرة في القاهرة بل ودار السعادة بدمشق واحتفل احتفالاً عظيماً. وعندما وضعت الست طولوقوطقا زوجة الأمير يلبغا اليحياوي وأخت خوند أردو زوجة السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي عمل لها احتفالاً عظيماً ومدت به الأسمطة الفاخرة وأقيمت الولائم سبعة أيام بلياليها . وعندما أنجبت اتفاق محظية السلطان الكامل شعبان ولدًا سماه (شاهنشاه) عمل احتفالاً سبعة أيام وذكرت المصادر أنه بلغ ما صُرف على ذلك خمسة وتسعين ألف دينار مصرية . ورزق المؤيد شيخ من أَمَة له يُقال لها طولوباي بولد سماه موسى فأقام له ولائم كثيرة صُرف عليها خمسة عشر ألف دينار وعندما ولدت له زوجته خوند سعادات ابنه أحمد عمل ولائم أعظم منها .

        وأنجبت خوند بنت الملك الظاهر ططر ولدًا ذكرًا للأمير الكبير يشبك الفقيه فاحتفل به احتفالاً كبيراً وأقيمت الولائم الكثيرة خاصة أنه لم يكن له ولدُ قبله ، كذلك عندما أنجبت ابنة السلطان جقمق ولداً للأمير أزبك الظاهري سماه محمداً تغالت أمه في زلابيته وعقيقته ، وكذلك أنجبت خوند ابنة المؤيد أحمد بن الأشرف اينال للأمير يشبك من مهدي الدويدار الكبير ولداً صُنعت له الزلابية والحلوى ثلاثة أيام مع الأسمطة الفاخرة.

        وفي اليوم السابع من النفاس تجتمع النساء بأم المولود حيث يُقام احتفال حافل، وتُمد لهن الأسمطة والولائم الفخمة، وطعام النفساء فيكون حَسوا من ماء الشعير والحنطة المهروسة والحلبة المحلاة بالعسل، واعتادت الأم النفساء أن تأكل في السبوع عصيدة .

       وأحدثت نساء العوام في هذا العصر أن يكون عند رأس المولود رغيف من الخبز وقطعة من السكر إن كان فقيراً ومن كان له سعة مال عمل رغيفاً كبيراً من الكماج وأبلوجة من السكر وطبقاً من الفاكهة وقفة من النقل وسمعاً، ومن كان فقيراً أخذ من كل واحد من ذلك شيئاً ما، فإذا كانت صبيحة تلك الليلة فرقن كل ما اجتمع عند رأسه من ذلك ويزعمن أنه بركة لمن أخذ وأنه ينفعه من الصداع .

        ويعيب أحد الفقهاء المعاصرين على التفاخر بما يصنعونه من الأطعمة الكثيرة ويستمرون على هذا الحال سبعة أيام ليلا ونهارا حيث يتكبد فيها والد المولود مشقة عظيمة ونفقات باهظة علاوة على ما يلحق بالنفساء وطفلها من التعب .

       ومما سبق يتضح أن ولائم العرس والخُرْس هي عادات اجتماعية استمرت فترات طويلة حتى أصبحت تقليداً ليومنا هذا ، فلم تختلف هذه العادات كثيراً بين الماضي والحاضر.

المصادر :

ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تحقيق حسين نصار، ط2، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2005م

ابن الحاج: المدخل، مكتبة دار التراث، القاهرة، [د.ت]

ابن سودون: نزهة النفوس ومضحك العبوس، تحقيق منال محرم عبد المجيد، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2003م

الصفدي: المختار من شعر ابن دانيال، تحقيق محمد نايف الدليمي، مكتبة بسام، الموصل، 1979م

الصيرفي: نزهة النفوس والأبدان في تواريخ الزمان، تحقيق حسن حبشي، ط2، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2010م

ابن طولون: فص الخواتيم فيما قيل في الولائم، تحقيق نزار أباظة، دار الفكر، دمشق، 1983م

الكتبي: فوات الوفيات والذيل عليه، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1973م.

المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق سعيد عبد الفتاح عاشور، ط3، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2006م

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.