كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 28, 2021 - 248 Views

طقوس الخصوبة فى المجتمع المصرى

Rate this item
(0 votes)

                                                                د. سهام عبد الباقى محمد

الباحثة ألأنثروبولوجية،كلية الدراسات الافريقية العليا

                                                    جامعة القاهرة

أولت الثقافة المصرية إهتماماً كبيراً بطقوس الخصوبة بالمجتمع المصرى، وتبدأ ممارسات المحافظة على الخصوبة منذ مرحلة الطفولة للذكر والأنثى بدفع المشاهرة عنهم ، والمشاهرة تأتي من كلمة الشهر والمقصود به الشهر العربي، فرؤية هلال الشهر العربي يمنع حدوثها، وعدم رؤيته يحدثها وهي مرحلة تتعرض لها المرأة في أوقات معينة من حياتها مثل ختانها، زفافها، نفاثها، وفطامها. ويقٌصد بالمشاهرة الأذى الذي من شأنه تعطيل الخصوبة،وفقاً للمٌعتقد الشعبي.ولتجنب حدوث المشاهرة التي تٌمثل الفعل المضاد للكبسة،أو وسيلة الوقاية منها، أما الكبسة فهى مرحلة لاحقة للعملية الأولى عندما لا تفلح إجراءات وخطوات منع المشاهرة فيحدث الأذى بحدوث الكبسة والذى تعد من أهم معوقات الإنجاب فى التراث الشعبى المصرى لذا إتخذت الثقافة مجموعة من التدابير لحماية خصوبة الذكر والأنثى بالمجتمع المصرى.

طقوس الخصوبة عند المصريين القدماء:

أهتم المصري القديم بالخصوبة عامة وجعلها شيىء مقدس لزيادة الأولاد والأهتمام بفحولة الرجل و كانت المرأة الجذابة فى مصر القديمة هى المرأة الأكثر خصوبة وكانت المرأة تعتبر محظوظة بمدى قدرتها على إنجاب الأطفال وكانت النساء فى مصر القديمة يعتبرن قدوتهن هى الإلهه "إيزيس" أم "حورس" والتى كانت قرينتها "نفتيس" عاقر بينما كانت إيزيس مثال للخصوبة. ومع ذلك تحفظ المصرى القديم عن الممارسات المحرمة خارج الإطار الشرعي فلم يشيع البغاء بالمجتمع المصرى، فالمصري القديم حذر في أدبياته من العلاقات غير الشرعية فنجد الكاتب "آني" من عصر الدولة الحديثة في الأسرة 19 حوالي 1275 قبل الميلاد ينصح أبنه "خنسو حتب" بالعديد من النصائح العامة جاء في إحدى فقراتها: "احترس من المرأة الغريبة التي لا يعرفها أهل بلدتها لا تغازلها ولا تقربها فهي كالبحر العميق لا يعرف الرجال مساراته. أما المرأة البعيدة عن زوجها التي تقول لك يوميا "أنا جميلة" عندما تكون بعيدة عن أعين الناس ستجيئك لتوقعك في حبائلها فاحترس فهذه خطيئة" .كما كان المصريون القدماء يترقبون باهتمام كبير نبأ الحمل، وكانوا يقوموا باجراء إختبارات الخصوبة لها لمعرفة إن كانت المرأة ستحمل أم لا من خلال وضع عصير البطيخ في لبن امرأة حملت ولدًا، فتقوم المرأة المراد معرفة أن كانت ستحمل أم لا، بتناوله فإن تقيأت كان هذا دليل أنها ستحمل، وإن انتفخت بطنها فلن تحمل. كما استطاعوا تحديد نوع الجنين من خلال بول المرأة ، حيث توضح البردية الموجودة بمتحف برلين، والتي يرجع تاريخها إلى 1350 ق م، أن المرأة في مصر القديمة كانت تٌبلل حبات الشعير والقمح، بقطرات من البول فإذا نما الشعير يكون هذا دليل على أنها حامل في ولد، وإذا نما القمح يكون دليل على أنها حامل في بنت، وإن لم ينبت إحداهما يكون هذا دليل على أن هذا الحمل كاذب، والغريب أنهم حددوا نوع الجنين في الشهور الأولى رغم أن العلم الحديث تمكن من معرفته في الشهور الأخيرة للحمل.

طقوس الخصوبة الخاصة بالمتزوجة.

تتنوع تلك الطقوس وتختلف بإختلاف المناطق والمجتمعات التى انبثقت عنها ولكنها فى مجملها تعكس لنا المعتقدات المصرية الشعبية بخصوص مسالة الخصوبة منها على سبيل المثال إرتداء العروس حلية ذهبية جديدة حتى لا تحدث لها الكبسة إذا دخلت عليها إمرأة مرتدية حلية ذهبية جديدة. كما ينبغى للعروس الجديدة أن تحمل نوعاً من الملح المقروء عليه بعض آيات من القرآن الكريم، أو تلف شبكة صياد حول خصرها، وتخرج هي على ضيوفها ولا يٌسمح لهم بالدخول عليها تفادياً لأعينهم. وتٌمنع العروس حديثة الزواج  من الدخول على عروس مثلها قبل الأربعين كي لا تكبسها فيتأخر أنجابها. ولا يتم السماح لرجل قام بحلق لحيته من الدخول على العروس يوم صباحيتها. ولا على المرأة حديثة العهد بالولادة لمدة 40  يوم حتى لا يجف حليبها. ويٌمنع كذلك عن العروس الطفل المختن، والحائض، والفاطمة لمولودها حديثا الا ببذوغ هلال الشهر العربي، وكذلك الشخص الذي يحمل الباذنجان أو اللحم النيئ.

طقوس الخصوبة المرتبطة برؤية الهلال

كان للقمر دوراً هاماً فى كافة الثقافات الإنسانية وارتبط بكل طقوس دورة الحياة من ميلاد، وزواج ، وكانت ربات القمر عند الإغريق هن رمز الخصوبة والإنجاب، ولا زالت تلك المٌعتقدات سائدة بكافة المجتمعات الإنسانية حتى يومنا هذا ومن الطقوس التى ارتبطت برؤية هلال الشهر العربى عدم خروج المتزوجة حديثاً من بيتها إلا بعد ظهور الشهر العربى ورؤية هلاله واذا إضطرتها الظروف للخروج فعليها أن تقوم بركوب القطار لمسافة طويلة حتى تحل الكبسة. وكذلك الحال بالنسبة للمرأة فى مرحلة الإنجاب والفطام.

كما كان لا يٌسمح للأطفال فى مرحلة الختان بالخروج من البيت أيضاً إلا بعد ظهور ضوء الهلال الذى يٌعد بمثابة حرز ووقاية وحماية من كل الشرور التى تؤثر على الخصوبة وتعوقها. ومن ممارسات فك الكبسة أن تقوم إحدى النساء المٌسنات بإلقاء عقداً من العقيق الخاص يأتي من الأراضي المقدسة على الأرض فتلتقطه المكبوسة وتضعه في كوب به ماء ويبيت ليلته في الندى ثم تستحم بهذا الماء في اليوم التالي وترتديه ولا تتركه إلا بعد الحمل". ومن طقوس الكبسة أيضاً عدم دخول إمراة لا تنجب على النفثاء،أو من تعرضت للإجهاض حتى يهل عليها الهلال.ولا بد أن تٌخطى على السقط حتى تستطيع الإنجاب مرة أخرى.

الأمثال الشعبية الخاصة بالخصوبة والإنجاب فى التراث المصرى:

يعد الإنجاب من أهم القيم فى التراث الشعبى فمهما أوتى الرجل والمرأة من حسب ونسب وأخلاق،ووضع إجتماعى تتراجع تلك القيم أمام قيمة الإنجاب، كما أن إنجاب الذكور هو المفضل ثقافياً عن إنجاب الإناث، وخاصة فى الأوساط الريفية والشعبية لأنهم الأيدى العاملة التى تزرع وتحرث الأرض وتعمل وتكد من أجل تأمين مصادر العيش للأسرة المعيشية، ويعينون الأب فى متطلبات الحياة بعكس الفتاة التى ترفض الثقافة الشعبية عملها وتعده نوعاً من الإهانة لاسرتها خاصة فى المجتمعات القروية والريفية ، كما تشجع الثقافة بقرى مصر كثرة الأنجاب لأنهم عزوة الأسرة والعائلة ، وتتنافس النساء فى الريف على الإنجاب ويسود هذا الأمر فيما بين السلايف داخل الأسر الممتدة بالريف المصرى لأن كثرة إنجاب الأبناء يٌعزز مكانة الزوجة فى أسرة زوجها ويمنحها قدر من التميز والفخر،وقد زودتنا الثقافة الشعبية بالعديد من الأمثال التى فى مجملها تقوم بتعظيم قيمة تعدد الأبناء وكثرتهم حيناً ،وتستهجنها حيناً أخرى من هذه الأمثال ما يلى:

  • الله يعز البيت اللى يخرج منه بيت.
  • أعز الولد ولد الولد.
  • لولا الغيرة ما حبلت النسوان.
  • إن غلبك بالمال إغلبية بالعيال.
  • قبل ما تحمل حضرت الكمون وقبل ما تولد سمته مأمون.
  • ِحبلى ومٌرضعه وقدامها أربعة وطالعة الجبل تجيب دواء للحَبَل وتقول يا قلة الذرية.

كما  قامت بعض الأمثال بتعظيم، إنجاب الذكور، حتى وان كان عديم النفع  والفائدة لأسرته منها:

  • لمة ولد تهز البلد.
  • أم الغٌلام تستاهل الإكرام.
  • حطّت عجلها ومدت رجلها.
  • الولد فرحه ولو كان طرحه.
  • ربنا يبعت للوليه ولد تقعد جنبه وتتسند.
  • ياريت الولد ورجليه جريد والله الولد عند العدا بيكيد.
  • يا أم الولد حطى الولد فى الجيب الولد ذخيره للعجز والشيب.
  • اللى مالوش ولد عديم الظهر والسند.
  • الولد ظهر أبوه، الولد دراع أبوه، الولد رد لإخواته.

كما لم تخلو الأمثال الشعبية من تعظيم إنجاب الإناث، والإستهجان بهمن أحياناً كما فى الأمثال الأتية

  • البنت حبيبة أمها.
  • اللى يسعدها زمانها تجيب بناتها قبل صبيانها.
  • لولا البنات ماجم الولاد.
  • رزق البنت برزقين.
  • أبو البنات مرزوق.
  • يا مخلفة البنات يا شايلة الهم للمات.
  • بِنية على بنية شمتوا العٌزّال فيا.

ولم يخلوا تراثنا من بعض التفضيل والميل إلى الفتاة وتفضيلها على الذكر بسبب بر الفتاة ووفائها بأهلها حتى بعد زواجها بعكس الولد الذى فى كثير من الأحيان يميل كل الميل إلى عائلة زوجته ويجور على حقوق أهلة وذوية مما يقلل أواصر الترابط والتلاحم بينه وبين جماعته القرابية وبين أولاده وعائلة أبيهم من هذه الأمثال:

-اللى مالو بنات، محدش بيعرف إمتى مات.

-أبو البنات شايل على  أكتافه حسنات.
-
البنت هدية ...والصبي بلية.
-الحياة بدون أخت زى الشارع بلا زفت.
_
ابني هوي ابني لحد ما يتجوز وبنتي هي بنتي طول العمر.
_
عشر أصهرة ع باب داري ولا كنة تكشف أسراري
 -البيت اللي مافيه بنات مافيه حناين.
_
بنتك هي اللي بتفتح لك الباب، وأبنك اللي بيطردك من بابه.

-ربى يا خايبة للغايبة .

- الولد ابن مراته وحماته.

ويعكس لنا هذا التراث الثرى تعدد وجهات النظر بخصوص عملية الانجاب بحد ذاتها والنظرة الشعبية للجنسين وكأن الأمثال تجسد لنا بشكل لطيف وعفوى نوع من أنواع المناظرة والمنافسة والتباهى بين الأسر التى رزقت اناثاً والأسر التى رٌزقت ذكور ومحبة كل فريق لما رزق بة واعتزازه وشعوره بأن الله قد فضلة عندما رزقه الذرية.

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.