كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 28, 2021 - 236 Views

البيانولا في التراث المصري

Rate this item
(0 votes)

بقلم الدكتور /محمد أحمد إبراهيم

أستاذ التاريخ بكلية الآداب جامعة بني سويف

الكثير من هذا الجيل لايعرف البيانولا ولم يراها إلا من خلال المشاهد السينمائية في الأفلام , ولعل آخر ظهور لها كان من خلال مسرحية ( ريا وسكينة )وظهور الفنان عبد المنعم مدبولي وهو يحملها علي ظهره أمام الجمهور.

والبيانولا كلمة أطلقها المصريين علي هذه الآلة لأنها تصدر نغمات موسيقية لآلة البيانوالشهيرة, وهي عبارة عن صندوق خشبي يشبه الدولاب الصغيرلونه أسود, مرسوم عليه رسومات لشخصيات كرتونية وزخارف خشبية , وعلي جانبه الأيمن ( مانفيلا)أو عصا للتدوير , أما الجانب الأيسر فيوجد به رافع لتشغيل بعض قطع الموسيقي المسجلة علي شريط من الورق المخرم تبعا للنوتة الموسيقية, وكانت إدارة المانفيلا بمثابة إعطاء الهواء داخل البيانولا مثل آلة الأكورديون لتخرج أنغام الموسيقي,وكان عادة مايلازم عازف البيانولا شخص آخر يمسك (رق أو طار) يتراقص أمام آله البيانولا بحركات بهلوانية تجذب المشاهدين, ثم يقوم بعد انتهاء العرض بالمرور علي المشاهدين ورواد المقاهي لجمع البقشيش الذي لايتعدي بعض القروش البسيطة نظير استمتاعهم بالعرض الموسيقي.

كانت آلة البيانولا توضع علي حامل صغير يحمله العازف علي ظهره , وحين يبدا العرض يضع عليه البيانولا ويقوم  بتشغيل المانفيلا ,كما كان عازف البيانولا يرتدي بدلة  سوداء كاملة طويلة من الظهر تسمي (البنجورة) وفوق رأسه برنيطة عالية أو كاب , وهي الملابس التي كان يرتديها العازفين الأوائل للبيانولا من اليونانيين والإيطاليين, فقد كانت هذه المهنة يحترفها أبناء هذه الجاليات في مصر في مدن الإسكندرية وبور سعيد والسويس والإسماعيلية في فترة العشرينات لمن لا مهنة له.

ومن الطريف أن مجلس قيادة الثورة عند جرده لمحتويات ووممتلكات الملك فاروق بقصر الطاهرة, عثروا علي آلة بيانولا, وعند سؤال الشماشرجي الخاص بالملك فاروق ( محمد إدريس)عن هذه الآلة أجاب بأن الملك فاروق كان يرتدي بدلة ممزقة وبها رقع كثيرة, وبرنيطة, ويحضر بناته الأميرات فريال وفوزية وفادية إلي الحديقة ويعزف أمامهم عليها, وبعد الإنتهاء من العزف كان يخلع البرنيطة , ثم يستجدي الأميرات لأعطائه القروش , وهو ماكان يدفع بناته إلي الضحك , وهي لفته إنسانية لم نكن نعرفها عن الملك الأب .

اندثرت مهنة عازف البيانولا في مصر عقب قيام ثورة 1952 وبعد العدوان الثلاثي علي مصر 1956 لعدة أسباب منها خروج الأجانب من مصر ( اليونانيين والايطاليين) رواد هذه المهنة, كذلك عدم تمكين أبناء هذه الجاليات لغيرهم من عمل شريط الألحان الموسيقية الورقي, والذي توقف تصنيعه بخروجهم من مصر, واقتصر وجود البيانولا والعزف عليها من خلال بعض المصريين الذين ألت إليهم هذه الآله عن طريق الشراء ممن ترك مصر من الأجانب, حتي تلاشت بتلاشي عازفيها أو انتشار الراديو والكاسيت و السينما.

وقد وثقت السينما المصرية هذه الآلة من خلال عدة أعمال سينمائية منها فيلم ( عصافير الجنة  عام 1955 ) بطولة الطفلة المعجزة فيروز والفنان محمود ذوالفقار, وكذلك في فيلم ( اسماعيل ياسين للبيع عام 1957 )حيث قدمت الفنانة كيتي عرضا استعراضيا راقصا علي انغام البيانولا, كذلك في فيلم ( سمع هس  عام 1991) حيث قدم الفنان الراحل ممدوح عبد العليم والفنانة ليلي علوي هذه المهنة لعازف البيانولا المتجول في شوارع الإسكندرية , كذلك ظهرت البيانولا كما ذكرنا علي خشبة المسرح من خلال الفنان عبد المنعم مدبولي في مسرحية ( ريا وسكينة عام 1983), كما خلد الفنان والشاعر صلاح جاهين البيانولا من خلال قصيدته الشهيرة ( البيانولا ) التي قال فيها : بيانولا وألابندا وحركات .. أطلعي بقي يانصاص يافرنكات .. انا عازمك ياحبيبي لما ألاقيك .. علي فسحة في جميع الطرقات .. نتنطط نتعفرت نترقص كدهوه كدهوه كدهوه !!!!

لم يعد الان يوجد حضورا للبيانولا أو عازفيها في الشارع المصري , فقد اكتفي المصريين بالفرجة علي بعضهم البعض والاستماع إلي نغمات الموسيقي من الموبيلات ووضع السماعات علي الاذان وسط ضجيج كلاكسات السيارات ومشاحنات المارة بعد اختفاء زمن البهجة والفرجة الراقية !!!!!

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.