كاسل الحضارة والتراث Written by  شباط 04, 2021 - 292 Views

قصص الحب فى الحضارة المصرية القديمة

Rate this item
(0 votes)

          بقلم د. سهام عبد الباقى محمد

باحثة أنثروبولوجية، بكلية الدراسات الافريقية العليا  جامعة القاهرة

يعد الحب فطرة إنسانية فطر الله الإنسان عليها لتكون بمثابة الدافع والحافز له على إعمار الأرض واستمرار البشرية وأول قصة حب أوجدها الله سبحانه وتعالى على الأرض. هى قصة الحب التى ربطت بين آدم وحواء ، حين دخل الجنة وشعر بإحتياجه لأنيس، فخلق الله له من ضلعه أثناء نومه حواء. فاستيقظ فرآها بجواره، ليسكن إليها آدم من وحشته، وربطهما الله برباط الحب الطاهر، فكانا أول زوجين يخٌلقان، وأول زوجين يبث الله فيهماغريزة الحب.ولما أكلا من الشجرة المحرمة،عاقبهما الله ففرق بينهما فنزل آدم بالهند وحواء بجده، فظلا يبحثان عن بعضهما حتى التقيا عند جبل عرفات،وكانت هذه أولى قصص الحب في تاريخ البشرية. وظلت فكرة الجمع بين الرجل والمرأة فى إطار الزواج من أعظم التشريعات التى شرعها الله للإنسان فلم تخل ديانة من الديانات من تقديس علاقة الرجل بالمرأة طالما كانت فى إطار الزواج الشرعى حتى أنبياء الله لم تخل حياتهم من قصص الحب وضرب لنا القرآن مثلا على ذلك لأبنة نبى اللى شعيب حين وقعت فى حب نبى اللى موسى فطلبت من أباها بشكل غير مباشر أن يٌزوجها منه وبالفعل استجاب الأب النبى لطلب أبنته وعرضها كزوجة على سيدنا موسى، ولم تخلو حياة النبى محمد صلى الله علية وسلم من قصة حبه الشديدة للسيده عائشة رضى الله عنها وأرضاها. فالأديان لم تحارب مشاعر الحب وأنما دعت لتهذيبها وقيامها على اساس شرعى يرضاه الله ويتقبله المجتمع ويحفظ للمجتمع عفته وكرامته، وقد حظى التراث المصرى بنماذج عديدة لقصص الحب التى كان بعضها محل إضطهاد ومقاومة، ومؤامرات بدافع العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية  والدينية وسوف نسوق فى مقالنا التالى أبرز قصص الحب بالحضارة المصرية القديمة.

الحب أهم القيم الاجتماعية فى الحضارة المصرية القديمة:

من أشهر ما سجلة الحكيم المصري سنوهي على أوراق البردى عبارته الخالدة"سكن الجمال ديار مصر، وأبى إلا يبرحها إلا على جناح الحب" حيث كانت الحضارة المصرية القديمة رائدة في إرساء القيم الإنسانية مثل الخير والحب، وأسست قانون "ماعت" رمز الحق والعدل على أساس الحب.لذا أصبح لقيمة الحب مكانة مهمة في حياة المصريين القدماء، وكانت من أشهر مقولات المصرى القديم  التى دونتها جدران المعابد"أنا أنفتح على الحب بكل أشكاله"(1). مما يعكس لنا قوة مشاعر المصرى القديم وعاطفتة الجياشة لذا كانت المجتمع يحترم العاطفة المقدسة التى تتم فى إطار الزواج ، وكان الحب بالمعنى الاجتماعى أى حب افراد المجتمع لبعضهم البعض من اهم القيم التى تحكم ابناء المجتمع المصرى فى الحضارة الفرعونية القديمة،ولم يغفل المصري القديم تسجيل يومياته واحتفالاته التي تشير إلى مظاهر الحب على مدار الأسرات. التى لم تخلو من تبادل الهدايا متمثلة في الزهور تعبيراً عن مشاعرهم.تجاه بعضهم البعض وإن لم تتوافر النصوص التي تدل على هذه الاحتفالات، سوى تلك النقوش المدونة على جدران المعابد ومقابر الجيزة التي توثق احتفاء المصري القديم بمحبوبته وبحبة لأهلة وابناء وطنه من خلال احتفالات شعبية شبيهة باحتفالات عيد الحب فى العهد الحديث.كما كان حب الزوجين والوفاء بينهما والاحترام المتبادل من أهم القيم المجتمعية

أشهر قصص الحب فى الحضارة المصرية القديمة:

كان من اعظم قصص الحب لدى الفراعنة وأشهرها أسطورة إيزيس وأوزوريس على أساس قصة حب وفاء الزوجة التي ظلت تبحث عن زوجها. ولم يقتصر تسجيل قصص الحب والعشق في مصر القديمة على طبقة الملوك بل شملت كل طبقات وفئات المجمع ومنها مقبرة "كاهاي" مطرب البلاط الملكي وزوجته "ميريت إيتس" إحدى كاهنات معبد آمون.بمنطقة سقارة ويرجع تاريخها إلى نحو 4400 عام، وعٌثر بها على نقش جداري يٌسجل لحظة يتبادل فيها الزوجين نظرات ومشاعر الحب، ومشهداً  آخر تضع فيه الزوجة يدها اليمنى على كتف زوجها الأيمن تعبيراً عن الاحتواء والحنان. وسجّل التاريخ أيضاً وقائع لمن ماتوا في سبيل الحب، ومنهم فتاة تٌدعى "أيزادورا" أحبت ضابطاً، لكن إعتراض أبيها على زواجهما دفعها للذهاب لوداع حبيبها، فسقطت في النهر وهي في الطريق إليه. وتظل قصة "شهيدة الحب أيزادورا" خالدة على جدران مقبرتها في منطقة تونة الجبل في محافظة المنيا بصعيد مصر.(2)

 ومن قصص الحب العظيمة بين الملوك تلك التى جمعت الملك أمنحتب الثالث والملكة تي، إذ تحدّى الجميع وتزوجها على الرغم من أن قراره كاد يٌهدد عرشه وقتها".، وقصة عشق الملك توت عنخ آمون للملكة عنخ أس يا أمون، على الرغم من أن زواجهما لم يدم طويلاً، إضافة إلى قصة حب الملكة نفرتيتي والملك أخناتون، والتي خُلِّدت على جدران المعابد.وكان بناء المعابد في مصر القديمة إحدى وسائل التعبير عن الحب، حيث شيد الملك رمسيس الثاني أحد ملوك الأسرة 19 للملكة نفرتاري معبد أبوسمبل، الذي يجاور معبدا بأسوان جنوبي مصر"، التى بلغ حبة لها لحد وصفه لها بـ"حتحور" معبودة الحب والجمال.

ألقاب المحبوبة وأوصافها فى النصوص الأدبية المصرية القديمة

سجلت النصوص الأدبية للمصرى القديم عدداً من الألقاب التي أطلقها المصريون على المرأة المعشوقة، من بينها "جميلة الوجه"،"عظيمة المحبة"،"المشرقة كالشمس"، مٌنعشة القلوب"،"سيدة البهجة"، "سيدة النسيم"، "سيدة جميع السيدات"،جميلة الجميلات"،"سيدة الأرضين"، وغيرها من الألقاب الواردة في الكثير من نصوص الأدب المصري بحسب السياق والمناسبة. كما خلّد أخناتون حبيبتة باستخدام أساليب فنية جديدة لم يألفها الفن المصري قبلها، كتصوير الزوجين في العديد من الجلسات الأسرية محاطين بثمرة حبها، الأميرات الست "مريت آتون (محبوبة آتون)"،و"ميكت آتون (المحمية من آتون)"، "عنخ إس إن با آتون (إنها تحيا من أجل آتون)"، و"نفر نفرو آتون (جميل هو كمال آتون)"، و"نفر نفرو رع (جميل هو كمال رع)"، و"ستب إن رع (اختيار رع)".  كما قام الملك أمنحوتب الثالث، الذي يعني اسمه (آمون يرضى)، والملكة "تيي"، بسن عرف من أجلها لم يكن متبعا وهو اقتران ألقابه الملكية الخاصة، في النصوص الرسمية والنقوش، باسم الملكة محبوبته جنبا إلى جنب(3). مما يعكس البعد الإجتماعى فى العلاقة بين الزوجين والتى تبدوا فى الإحترام المتبادل  فيما بينهما والتى أصلتها قيم الحضارة المصرية القديمة، والأهتمام بالاسرة ورعايتها واكرام الزوجه والأبناء.

ومن أشهر الأبيات الشعرية التى عبر بها المصرى القديم عن حبه للمحبوبة:

  • حبي لك ينفذ إلى كل جسدي، كما يذوب الملح في الماء، كما يمتزج الماء بالنبيذ.
  • الحب هبة السماء تسكبه الطبيعة في كأس الحياة لتلطف مذاقها المرير.
  • ملكت شغاف قلبي، من أجلك سأفعل كل ما تريده. رغبتي فيك كُحل عيني، وعيناي تلمعان لأني أنظر إليك وألمس حبك،أيها الرجل يا من ملكت قلبي،يالها من لحظة هنية،عساها تدوم للأبد.
  • ثغر حبيبتي بٌرعم زهرة لوتس، جبينها حلقة من خشب السنط، وأنا أوزة برية، أتطلع بنظراتي إلى شعرها المسترسل، كأني طُعم في شرك وقعت فيه".
  • إنها الحبيبة المثلى، ليس كمثلها أحد، إنها أجمل النساء، أنظر! إنها كالنجم المشرق في مطلع سنة سعيدة،إنها متألقة وكاملة،بشرتها نضرة، نظرات عينيها فاتنة،تسحر بكلمات شفتيها،عنقها طويل، وشعرها من اللازورد الأصلي، ساعدها أروع من الذهب، أناملها أزهار لوتس، لها ساقان هما الأجمل بين كل ما هو جميل فيها، نبيلة المظهر عندما تمشي على الأرض".

وتسجل قصائد أخرى فرحة المرأة بلقاء حبيبها ولحظات الاستمتاع معه بجمال الحدائق كالمقطع التالى:

  • أنا صديقتك الأولى،أنا كالبستان الذي زرعته زهورا، بكل أنواع العشب الرقيق.جميل هو المكان الذي أتنزه فيه عندما تكون يدك في يدي،جسدي في غاية الراحة،وقلبي مبتهج لأننا نمشي معا. أنا أحيا بسماع صوتك، وإذا نظرت إليك، فكل نظرة بالنسبة لي أطيب من المأكل والمشرب(4).

هكذا سجل التاريخ المصري القديم مشاعر المصريين القدماء بمختلف طبقاتهم،فكانوا أول من خلدوا مشاعر وقصص الحب على جدران معابدهم وعبروا عن مشاعر الحب بمختلف المفردات والصور البلاغية وصوروا المحبوبة بعناصر مستمدة من بيئتهم المحلية من ثمار وازهار وطيور وقد انتقل الينا هذا الأرث العاطفى فالمصريين يعرفون بطيبتهم وشهامتهم وتلاحمهم الاجتماعى وقيم احترام الغريب و احتوائة وتبجيل وتوقير كبار السن فالمصرى جٌبل على الحب والتسامح والتعاطف،وستظل تلك الصفات لصيقة به فهى طبيعة متأصلة فيه على مر الأجيال.

المصادر

  • داليا عريان: أشهر قصص الحب فى مصر الفرعونية،تاريخ النشر(12/2/2020) ،

الاسترجاع(3/2/2012).

https://al-ain.com/article/egypt-valentine-ancient-egyptian

  • نفس الموقع الالكترونى. 
  • وائل جمال الدين :الحب فى زمن الفراعنة، النشر فى (15/مارس/2019)، الاسترجاع فى (3/2/2021).

https://www.bbc.com/arabic/art-and-culture

  • المصريين القدماء اقدم شعوب الارض فى الحب

https://egyptiangeographic.com/ar/news/show/

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.