كاسل الحضارة والتراث Written by  شباط 20, 2021 - 387 Views

حكايات الحب الشعبية فى التراث المصرى،حسن ونعيمة

Rate this item
(0 votes)

                                                  د. سهام عبد الباقى محمد

باحثة أنثروبولوجية، بكلية الدراسات الأفريقية العليا

                                                   جامعة القاهرة

خلق الله عزّ وجلّ الإنسان وأودع فية عاطفة الحب ليواجهه بها الحياة ولتعينه على بناء وإعمار الكون فأودع الحب فى قلبى أدم وحواء أول زوجين خلقهما الله عزّ وجلّ وهذّب الله عبر الأديان تلك العاطفة السامية التى تجمع بين قلبى الرجل والمرأة عبر الشرائع والأديان السماوية فوضع لها ضوابطها الشرعيه وإطارها الدينى لتحتفظ عاطفة الحب بقيمتها وطهارتها ورقيّها،وظلت تلك العاطفة تواجه كثير من الصعاب عبر العصور فى مختلف المجتمعات الإنسانية،وظلت أشهر قصص الحب  فى التراث الشعبى محل رفض مجتمعى لأسباب أجتماعية،أو ثقافية،أو إقتصادية تحول دون الجمع بين الحبيبين فى إطار رسمى ممثلاً فى علاقة الزواج.برغم عدم وجود مانع شرعى يحول دون جمع شمل الأحبة سوى العادات والتقاليد الاجتماعية،وسلطة النظام القرابى،ويتناول المقال التالى أشهر حكاية شعبية عن الحب وهى حسن ونعيمة، ورغم كثرة حكايات الحب الشعبية إلا أن  تلك القصة كانت الأشهر بحكم أنها قصة حقيقية وقوية من واقع المجتمع المصرى لم تكن ذات أبعاد سياسية، كقصة حب بهية وياسين لذا تم تناولها عبر الأغانى الشعبية، والدراما المصرية كقصة حب نقية وقوية بين حبيبين جمعهما الحب وفرقتهما العادات والتقاليد الإجتماعية.

حسن ونعيمة بين الحب والرفض المجتمعى

تدور أحداث الحكاية الشعبية عن حب "حسن" لنعيمة، وهو الشاب الفقير المغنى الشعبى فى الأفراح والموالد بصعيد مصر، فيرى البطلة "نعيمة" الفتاة الصغيرة الجميلة الأبنة الوحيدة “للحاج متولي” صاحب الأموال والأراضي وعين أعيان قريته، فى إحدى الأفراح  في قرية نعيمة “بني مزار”، بالمنيا فتًصيب سهام الحب قلبيهما،فيقعا فى الحب، ثم يأتى المغنى المحبوب لدى الناس إلى والد نعيمة طالباً يدها فيرفض الأب معللاً رفضة بأن أبنته نعيمة موعودة لأبن عمها “عطوة” فيرفضا الحبيبان قرار الأب الذى أبى إلا أن يحول بينهما ويقرارا الزواج سراً رغم معارضة الأب فتفر نعيمة ليلاً من بيت والدها إلى بيت الحبيب"حسن المغنواتى" ليتزوجا وتقيم معه فى بيته مع والدته، وفى صباح اليوم التالى يكتشف الأب أمر إبنته فيذهب لقرية حسن المغنواتى لإعادة أبنته إلى بيتها وقريتها بالقوة لكن «حسن» يتصدى له، مما أضطر الأب إلى مهادنة حسن ووعده بموافتة على الزواج  بإبنته شريطة أن يعود بها إلى القرية حفاظاً على شرفه وكرامته،  ثم ياتى ليطلب يدها من عائلتها،فيصدقه حسن ويوافق على تسليم نعيمة لوالداها الذى تعهد بإتمام هذا الزواج فتذهب نعمية مع والدها وهى تعلم أنها قد فقدت حبيبها، ويٌنزل بها أباها أشد العقاب ويَضربها ضرباً مبرحاً عقاباً لها على فعلتها المشينة، ثم يكيد الوالد لحسن ويمكر به إنتقاماً لشرفه فيقوم بإستدراجة إلى القرية ليكون عطوة ابن العم فى إنتظاره لقتله، وبالفعل قٌتل حسن المغنواتى وقام عطوة بالتمثيل بجثتة وفصل رأسه عن جسدة وألقى بجثته فى النيل، لتنتهى حياة حسن وقصة حبه البائسة،ولم يٌعرف بعد ذلك ماذا فٌعل بنعيمه هل اٌجبرت على الزواج من عطوة أم قٌتلت، وكأن المعنى الرمزى للسكوت عن قصتها أن نعيمة قد ماتت ودٌفنت مع قصة حبها لحسن فلن يٌجديها العيش ولن تهنأ لها الحياة بعد رحيل حبيبها. والسؤال هل كان من الممكن أن يتزوج الحبيبان؟ الإجابة لا. ويرجع هذا إلى عدة عوامل منها إختلاف المكانة الإجتماعية بين الحبيبين فهى أبنة الإقطاعى وهو المزارع  والمغنى الفقير الذى يمتهن مهنة متدنية إجتماعياً حيث كانت النظرة الشعبية للمغنيين نظرة لا تحظى بإحترام شعبى، كما أن الحبيبين قد ضربا بالأعراف والقيم الإجتماعية كالعفة والشرف عرض الحائط، وإن لم يمسسها حسن بسوء وإن لم يدنس عفتها ولكن مجرد هروبها من منزل أبيها كان بمثابة عاراً شديدً فى ثقافة مجتمع تقليدى محافظ كصعيد مصر، لذا لم يكن هناك مناص من إراقة دمه وفقاً لثقافة العار التى لا يمحوها إلا الدماء.كما لعبت العوامل الإقتصادية دورا ً كبيرأ فى ظل الثروة الكبيرة التى كانت سترثها نعيمة بعد وفاة والدها ولذا ووفقاً للنظام القرابى كان لا بد أن تؤول تلك الثروة إلى العائلة من جديد بزواجها من إبن عمها الذى سيجعله الزواج بأبنة عمة يمتلك ثروة عمه كاملة وضمان بقاء الثروة تحت ملكية العائلة، ولم تٌجزم لنا القصة بحقيقة مشاعر عطوة تجاه إبنة عمة نعيمه هل كانت تربطه بها مشاعراً حقيقية جعلته يتمسك بالزواج بها رغم علمه بتعلقها بغيره؟ الم تمنعه نخوته ومرؤته على الزواج بها عنوة رغم رفضها؟ ام أنه كان يلهث وراء التروة فقط فتشبث بها مستنداً إلى ثقافة المجتمع التى ترى أن زواجه بابنة عمه مقبولا ثقافياً  وحق مشروع ، فى مجتمع يرى أن أبن العم هو أولى الناس بالزواج بإبنة عمه ومن الجمل المأثورة فى صعيد مصر(أن ابن العم حقة ياخذ ابنه عمه من على الفرس) أى أن من حقة أن يأخذها وهى تٌزف على الحصان مع زوجها إن كان غريباً وليس من أبناء عمومتها، لذا فوفقاً للنظام القرابى كان الزواج بأبناء العمومة حقاً مشروعاً ومٌفضل ثقافياً عن زواج أبناء الخؤولة وفقاً للنظام القرابى الأبوى، لذا خٌلدت قصتهما وظلت إحدى الحكايات الشعبية فى الدراما المصرية وتغنى بها المغنيين الشعبيين على الربابة بالصعيد وبقرى مصر، من اشهرهم المطرب الشعبى محمد طه فى مواله الشهير ( حسن ونعيمة ) مردداً

يا ليلى يا عينى ياااااااااليل

كلامنا بلدى إسمع يا ولدى

قصة عظيمة قصة حسن ونعيمة

أصل القضية بنية حلوة ونعيمة،  

 وأهلها أغنياء بالمال ونعيمة،

 لكن الهوى لو هوى في بحر نعيمة،

 الحب خلى الغزالة اتعلقت بالنمس،

 وفاتت الأهل، لساك تقول المبادئ تتبلي بالنمس،

(حسن) المغني كان يغنى فن وليالي،

ويندعي بالطلب لأفراح وليالي،

ودعوه في ليلة وكانت حظ وليالي،

 في منشية أبوحنبل أول أسوان المنيا مركز بني مزار،

راح الجدع راح وقصده يبلغ المنية،

 والخلق دنيا تقول ياعين ياليالي غنى الكروان،

وألحان الندم شبابية، طلعوا البنات في العلالي

وفتحوا الشبابيك، قالت (نعيمة) غرامي يا (حسن)،

 شبابيك بعتت له منديل، وأسباب الغرام منديل

 والحب لجله اتصل واللي حصل منديل

وفي قلته ياليل فين نار الغرام شبابيك”.

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.