كاسل الحضارة والتراث Written by  أيار 27, 2021 - 223 Views

فن الزجاج المعشق بالرصاص

Rate this item
(3 votes)

بقلم - نورهان نبيل مصطفى

ماجستير فى الآثار الإسلامية

يعتبر فن الزجاج المعشق بالرصاص  Stained glass أحد أشكال الفنون التصويرية  الهامة المعروفة  ، فهي تبهر المشاهد بتأثيرها المتلالئ، وترجع الأهمية الجمالية لهذا الفن إلى اعتماده كلية على الضوء المار من خلال ألوانه الجذابة  ،وقد وصل هذا الفن إلى قمة تطوره في العصور الوسطى في أوربا.

وهذا النمط الفني عبارة عن تجميع قطع زجاجية ذات ألوان قوية جنباً إلى جنب بحيث تعطي في النهاية مشهد تصويرياً ونسقاً لونياً مبهرًا، ويتم ذلك من خلال تجميع الحشوات الزجاجية بواسطة قضبان معدن الرصاص اللين الطيع - الذي إلى جانب وظيفتة الأساسية  - في ربط حشوات (قطع) الزجاج، يؤدى دوراً هأما في إبراز التفاصيل الزخرفية للحشوات الزجاجية، حيث يبدو بصورة جذابة قوية بلونه الأسود القاتم، عند مقارنته بالألوان المختلفة للحشوات الزجاجية.

كانت بداية فن الزجاج المعشق بالرصاص في العصر الرومانسكي حيث برع فنانو هذا العصر في صناعة الزجاج الملون للنوافذ فقد كانوا يرسمون حياة السيد المسيح بقطع من الزجاج المختلف الألوان ويعشقونها بالرصاص، وقد تأثر أهالي شمال فرنسا بهذا الفن حيث كانت تسيل منه أشعة من النور على شكل صور جميلة تشع النور على العابدين، ويعتبر شباك كاتدرائية لومانز من البدايات الأولى لفن الزجاج المعشق بالرصاص، إلا أن أقدم الأمثلة الباقية لهذا الفن في كاتدرائية أجوسبورج Augsburg  في ألمانيا والتي ترجع إلى سنة 1065 م ، وانتشر هذا الفن بشكل كبير في الطراز القوطي، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن عمائر الطراز القوطي التي امتلأت جدرانها بالنوافذ العالية المتسعة و- بالتالي إنحسرت  المساحات لممارسة التصوير الجداري- ، ونشأ عن هذا التطور المعماري فن زخرفة النوافذ بلوحات تصويرية من زجاج ملون عرف بفن الزجاج المعشق بالرصاص.

وقد ارتبط  فن الزجاج المعشق بالرصاص في العصور الوسطى في أوربا بالكنيسة ارتباطاً وثيقاً فهو فن ديني كنسي من الدرجة الأولى، فقد كانت الموضوعات المصورة على النوافذ بالزجاج المعشق مستوحاة من القصص الديني المقتبس من الكتاب المقدس حيث إن الصورة المرئية تكون ذا تأثير وقوة إقناع عالية بالنسبة لرعايا الكنيسة أكثر من الكلمة المسموعة في الكتب والمواعظ في وقت كانت الأمية متفشية فكانت الصورة تقوم مقام الداعية ، وإلى جانب الوظيفة التعليمية الدينية لنوافذ الزجاج المعشق بالرصاص فهي تسمح بمرور الضوء من الخارج إلى داخل المبنى بصورة جمالية لا نظير لها في الفنون الأخرى وحيث يمكن وفي نفس الوقت رؤية الزخارف الملونة على المسطح الزجاجي من خلال انعكاسات الضوء الساقط عليه، والذيي تختلف قوته وزاوية سقوطه وانعكاسه باختلاف أوقات النهار وأيضا باختلاف فصول السنة وما يتبع ذلك من اختلاف الظروف الجوية.

وقد بلغ هذا الفن ذروته فى القرن التاسع عشر لا سيما مع إحياء الطرز القديمة خاصة طراز العمارة القوطية والذي أطلق عليه القوطية المستحدثة، وقد كان يطلق على زجاج القرن التاسع عشر اسم الزجاج "الفيكتوري" نسبة إلى الملكة فيكتوريا والاهتمام الكبير بالعمارة القوطية مما جعل الإقبال يتزايد على منفذي الزجاج في هذه الفترة، وقد دفع ذلك مصوري الزجاج أن يعيدوا استخدام تصميمات وتصاوير العصور الوسطى.

لم يعرف فن الزجاج المعشق بالرصاص في البلاد العربية ومنها مصر إلا مؤخراً  "منذ أكثر من مائة عام" وذلك لأسباب بعضها يرتبط بالناحية الدينية والبعض يرتبط بالظروف الطبيعية، فالبيئة العربية في هذه البلاد نظرت دائماً إلى هذا الفن على أنه فن ديني مرتبط بالكنيسة الأوربية، ولذلك لم يلق تشجيعاً في هذه البلاد في العصور الوسطى، وهي الفترة التي ازدهر فيها هذا الفن في أوربا، ومن ناحية الظروف الطبيعية فإن الأمر يختلف تمأما عما عليه الحال في أوربا، حيث استغلت حشوات الزجاج المعشق بالرصاص المستخدمة في صناعة النوافذ في إدخال أكبر قدر من الضوء إلى داخل العمائر الدينية نظراً لطبيعة المناخ وقلة الإضاءة الطبيعية، أما في البلاد الشرقية الإسلامية فإن الأمر قد يقابل بالعكس من قبل الفنان المسلم ، حيث عمل على تخفيف حدة إضاءة الشمس الساطعة عن طريق استخدام  الشمسيات والقمريات الجصية المعشقة بالزجاج الملون.

وإن كانت بواكير فن الزجاج المعشق بالرصاص في مصر، والتي ظهرت مؤخرًا قد نفذ معظمها بأيدي فنانين أوربيين نظراً لما لهم من باع طويل في ممارسة هذا الفن في بلادهم، لهذا نجد أن موضوعات الحشوات الزجاجية ، والتي تذخر بها القصور والمباني المصرية إنما جاءت بعيدة كل البعد عن تلك المنفذة على حشوات الزجاج المعشق الأوروبي في الكنائس والمستوحاة من القصص الديني المسيحي.

أما الزجاج المعشق بالرصاص في مصر والذي نفذ في قصور الأمراء والباشوات فقد كان هدفه زخرفياً أحيانا، لذلك فقد التزم الفنان بالزخارف الهندسية والنباتية أو بعض الرسوم المستوحاة من المشاهد القديمة مثل الآثار المصرية، ومناظر من العمارة الإسلامية.

ومن اهم امثلة الزجاج المعشق بالرصاص بمصر :

( سراى الجبلاية بقصر محمد على بشبرا سنة 1836م  ، قصر الزعفرانة 1850م ، قصر عابدين 1863م  ، قصر حبيب سكاكيني 1892م ، قصر عائشة فهمى بالزملك 1907م).

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.