كاسل الحضارة والتراث Written by  حزيران 10, 2021 - 248 Views

العيب فى الثقافه الشعبية

Rate this item
(0 votes)

بقلم. د. سهام عبد الباقى

باحثة أنثروبولوجية – بكلية الدراسات الأفريقية العليا-جامعة القاهرة

يسود بالمجتمع المصرى إستخدام كلمة(عيب) أو(عيب عليك)،كما يسود بالمجتمعات العربية إستخدام كلمة(يا عيب الشوم) للإشارة إلى أى موقف أو تصرف يتنافى مع عادات المٌجتمع وأعرافه،وقيمه السائده. وقد إنبثق عن كلمة(عيب) مصطلح (ثقافة العيب) وهو يشير إلى جملة المواقف والسلوكيات التى لا تٌقرها المجتمعات ولا تقبلها والتى عادة ما يتم تلقينها للنشئ خلال عملية التنشئة الاجتماعية وفى المرحلة الأولى من حياة الطفل ترتكز عملية التنشأه على ما يمكن تسميته بالعيب الذاتى،والذى يعنى تعويد الطفل على صيانة أعضاء جسده فلا يٌظهر عورته أمام الآخرين،ولا يتجرد من ملابسه أمامهم، وينطبق هذا على الأنثى والذكر.تليها مرحلة العيب الإجتماعى وتتمثل فى تعويده على إحترام الكبار،والصغار فلا يبثق على أحد، ولا يخرج فمه للكبار ولا يٌعصى لهم أمر،ولا يعتدى بالضرب على غيره من الأطفال،ولا يأخذ أشياء غيره.......الخ.

هذا ويختلف مفهوم العيب بصفته مفهومًا ثقافيًا ينبثق عن الثقافة السائدة بمجتمعِ ما عن مفهوم(الحرام) بصفته مصطلح دينى يعكس تعاليم ونصوص الدين وأوامره ونواهيه، لذا فليس كل عيب بالضرورة حرام، لكن كل حرام هو عيب.لتنافيه مع تعاليم الدين وكما يختلف مفهوم العيب بإختلاف المجتمعات يختلفٌ مفهوم الحرام بتعدد الديانات.

مفهوم العيب

العيبٌ لغة يعنى الوصمه، ويأتى بمعنى الخلل فى شىء ما كالخلل فى جهاز،جمله،المنطق الفكرى..الخ. وهذا يوازى كلمة(Defect)فى اللغة الإنجليزيه،والعيب في الفقه الإسلامي غالبًا ما يكون فى فقه المٌعاملات

كالعيب في المَبيع.والعيب الإجتماعي هو التصرف غير الملائم وغير المقبول فى إطار ثقافة المجتمع وهذا يوازى عبارة Inappropriate behaviour باللغة الإنجليزيه،وتعني"تصرف غير لائق".وقد يٌعاقب المجتمع مٌرتكب العيب بدرجاتِ متفاوته بحسب التصرف،وقد تتدرج العقوبة من نظرة إزدراء إلى القتل،بحسب المفاهيم والأعراف الإجتماعية السائدة(1).

وتعد ثقافة العيب هي ظاهره من الظواهر التي يرفض فيها مجتمع ما قبول شيءٍ لا يتناسب مع العادات، والتقاليد السائدة،أو النظرة الفكريه المشتركه بين الأفراد عموماً، وترتبط ثقافة العيب عادةً بظهورِ شيءٍ جديدٍ وغير مألوفٍ أو معروفٍ مسبقًا وقد يكون معتمدًا على ثقافه غيريه؛ أى مأخوذٌ من ثقافة المجتمعات الأخرى،لذلك يٌعتبر مرفوضًا،وغير مقبول بسبب عدم توافقه مع الأفكار الثقافيه،والاجتماعيه،والأخلاقيه داخل المجتمع الواحد.لذا فثقافة العيب من القضايا الإجتماعية الشائكه،والتي إنتشرت في العديد من المجتمعات العربية(2)،بسبب وحدة الثقافه والمفاهيم الإجتماعيه ومن اللافت للنظر أن تلك الثقافه ربما طغت على مفاهيم الحرام بحيث أصبح مفهوم العيب أكثر عمقًا وتاثيرًا من مفهوم الحرام وهذا مكمن الإشكاليه بل والخطوره. فتعويد الطفل على الحلال والحرام منذ صغره يساعده على مراقبة الله وبالتالى يساعده على حسنِ معاملة الآخرين من قبيل مخافة الله،أما كلمة عيب تجعله لا يأتى بالفعل فى العلن حتى لا يٌقابل بالرفض الإجتماعى والهجوم عليه،ويفعله بالسر بعيدً عن الأنظار لذا نؤكد على شمولية مفهوم الحرام لإعتماده على مراقبة الله، بينما يعتمد مفهوم العيب على مراقبة الناس فإذا غاب الناس غابت القيم.

مفهوم الحرام

يٌعد مفهوم الحرام مفهوم دينى وأقل درجاته المكروه ومعناه الإصطلاحى:هو ما يٌثاب تاركه إمتثالاً ولا يٌعاقب فاعله،أما الحرامٌ لغة فهو الممنوع،واصطلاحًا، ماطلب الشَّارِعُ تركه طلبًا جازمًا ويٌعاقب فاعله، والحرام ضِدَّ الحلال وإنما يُؤْجَرُ العبد على اجتنابِهِ للحرام إذا تركه إمتثالًا(أيْ لنَهْيِ الشَّرْعِ عنه) ليس لخوفٍ أو حياءٍ أو عجزٍ عن المحرم فلا يثٌاب على هذا الترك (3).وأوجه التشابه بين العيب والحرام في كونه تصرف غير مقبول، ولكن مفهوم العيب مفهوم اجتماعي يتغير بتغير الزمان والمكان، بينما مفهوم الحرام ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان لأن التعاليم والنصوص الدينية تمتاز بالثبات وعدم التغير.

العيب والنوع الإجتماعى

يختلف مفهوم العيب وفقًا للنوع الإجتماعى فما يجرمه المجتمع ويعيبه على الأنثى ربما لا يعيبه على الذكر وربما تدفعٌ تلك الإزدواجية فى التفرقةِ بين الذكر والانثى من خلال عملية التنشأة الإجتماعيه فى نفس القضيه،بحيث تبيح للذكر تصرفٍ معينٍ بينما تمنعه على الأنثى فى تمرد الفتاه على الأسره،والعادات والتقاليد الإجتماعية التى تقيدها وتمنح الذكر داخل أٌسرتها الكثير من الصلاحيات التى تحجبها عنها،حتى وإن كانت أكثر تفوقًا من أخيها وأكثر التزامًا تجاه أٌسرتها.

لذا يمكننا القول أن تأنيث العيب وجعلة أكثر ارتباطًا بالأنثى يٌعد من الإشكاليات الكبرى التى قد تتسبب فى تمرد الفتاه ودفعها نحو الإنتقام من أٌسرتها التى تبخسها حقها. فتفعل كل ما يٌخالف ثقافة العيب دون وعى منها بتلك الدوافع التى تحرك سلوكياتها،والأمثلة على تأنيث العيب كثيره.منها على سبيل المثال لا الحصر،إعطاء العائله الحق للذكر فى الإختيار الزواجى دون الأنثى،حرية السفر للخارج أو العمل فى مجالٍ معينٍ ورفض نفس مجال العمل للأنثى، رفض الأسره تعامل فتياتها مع زملاء الدراسه فى حين تسمح للذكر بذلك بل وتسمح له بدعوتهم فى الإحتفالات العائليه كحفلات الزفاف،وأعياد الميلاد دون أن يكون للفتاة نفس الحق،السماح للذكر بالتدخين وتحريمه على الأنثى من منطلق العيب على الرغم من أن التدخين محرمٌ شرعًا لأنه ضار بالصحه بشكل عام لذا غالبً ما تقوم المدخنات من الفتيات والنساء بالتدخين سرًا بعيدًا فى غفلة من الاهل والزوج تجنباً للهجوم عليها وفقًا لثقافة العيب.ورغم أنه فى كثير من الحالات تكون الموافقة أو الرفض الأسرى  منطقية وتتناسب مع طبيعة كل من الفتاة والذكر ولكن المبالغة فى الأمر ومنح جميع الصلاحيات للذكر دون الأنثى قد تصيب الفتاة بضرر نفسى بالغ يصاحب الفتاة طيلة حياتها ويجعلها تٌعوض ذلك الخلل من خلال التعامل بنديةٍ مفرطهٍ مع الزوج مما يجعلها عرضة للكثير من المشكلات التى تؤدى لإنهيار حياتها الزوجيه بسبب الخلل الذى أصابها من جراء تلك الثقافة.لذا نؤكد على أن إحلال ثقافة الحلال والحرام الوسطيه المعتدله محل ثقافة العيب تعمل على ترسيخ القيم الإيجابية،وتٌساعد فى تكوين شخصية سويه تٌدرك ما لها من حقوق فتطلبها بقوه، وتعرف ما عليها من واجبات فتؤديها بنفس القوه. فلم تعد الأنثى ذلك الكائن الضعيف المٌهمش الذى يجب علية الطاعة العمياء دون نقاش وإنما أصبحت الفتاة تشعر بقيمتها داخل أٌسرتها ومجتمعها وتٌدافع عن كينونتها وتحافظ على عاداتِ وتقاليدِ مٌجتمعها، ومعايره الأخلاقيه لذا يجب ألا نسحقها بثقافة العيب التى ربما لا يٌقرها الدين نفسه فنجعلها مترددة بين العٌرف والدين فتنسلخ عن كلاهما طلبًا لحريتها.

المصادر

  • ويكيبيديا،النشر فى(20/ديسمبر/2016)، الاطلاع فى (6/6/2021).

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D9%8A%D8%A8

  • مجد خضر:مفهوم ثقافة العيب،النشر فى(14/ أبريل/ 2016)، الاسترجاع فى (6/6/2021).

 https://mawdoo3.com/%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D

  • تعريف الحرام والمكروه، النشر فى(7/2/2021) الاطلاع فى (6/6/2021)

https://islamqa.info/ar/answers/9084/%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.