كاسل الحضارة والتراث Written by  حزيران 10, 2021 - 61 Views

المصوراتي في التراث المصري

Rate this item
(0 votes)

بقلم  الدكتور / محمد احمد إبراهيم

أستاذ التاريخ بكلية الآداب جامعة بني سويف

الولع بتخليد الذات والأحداث والذكريات المرتبطة بها ظاهرة فطرية إنسانية منذ القدم, فقد تفنن القدماء المصريين في القيام بذلك علي جدران معابدهم برسم صورهم وحياتهم ومعاركهم الحربية وانجازاتهم رغبة في تخليد أنفسهم ليراها من ياتي بعدهم, فقد كان الرسم هو الأساس الأول الذي تطور بعد ذلك إلي ظهور الصورة بمراحلها المختلفة حتي أطلق علي العصر الذي ظهرت فيه( عصر الصورة).ويعد اختراع الكاميرا ثورة حقيقية في طريقة التوثيق لكل مجالات الحياة(الصورة لاتكذب),فقد كانت الصورة أبلغ من وصف الواصفون والأكثر اقناعا إذا ماتم استخدامها بطريقة صحيحة دون إساءة أو تحوير.

يعد العالم الإسلامي الحسن بن الهيثم صاحب اختراع الكاميرا البدائية عن طريق اكتشافه لإنكسار الضوء علي الأسطح وانعكاسه, في سياق دراسته علم البصريات في الجامع الأزهر بالقاهرة,ثم ظهر اختراع الكاميرا وخرجت إلي الوجود عن طريق لويس داجير,وهو فنان وكيميائي فرنسي الأصل،ولد عام 1787م في مدينة كورجي الموجودة شمال فرنسا،وكان لويس رساماً في بداية حياته،وعند وصوله عمر الثلاثين اخترع طريقة لعرض اللوحات الفنية مستخدماً أسلوباً معيناً في الإضاءة، حيث حاول أن يجد طريقة لنقل المناظر الطبيعية بصورة آلية عن طريق الكاميرا.وكان جسم( الكاميرا ) هو في الأساس الصندوق المحكم للضوء الذي يسمح بالتقاط الضوء على الفيلم أوالورق أوالمستشعر الرقمي عن طريق ضوء الشمس،لذلك عرفت هذه الطريقة بالتصوير الشمسي .أما عن أول صورة التقطت في مصر فترجع إلي عام 1839 بعد أربعة أشهر من إداع داجير لاختراعه آلة التصوير الأولي وكانت هذه الصورة لمحمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة .

انتشرت آلة التصوير الشمسي في مصر وراج استخدامها في ظل وجود العديد من الأجانب

( اليونانيين – الأيطاليين – النمساويين – الفرنسيين – الأرمن )الذين كان لهم السبق في مهنة التصويرالفوتوغرافي,وكلمة فوتوغرافيا مكونة من مقطعين Graphy وتعني الرسم,و photo وتعني الضوء(الرسم بالضوء),ثم بدا المصريين يزاولون مهنة التصوير عن طريق الكاميرا الخشبية التي كانت (عبارة عن صندوق خشبي مستطيل فيه عدسة وبداخله محلول لتثبيت الصورة أولا, وثلاثة قوائم خشبية يرتكزعليها جسم الكاميرا),وكانت هذه الكاميرا تنتهي بستارة سوداء طويلة يدخل المصوراتي رأسه بها حتي يشاهد الكدر المراد تصوير,ويمنع تسلل الضوء إلي داخل الفيلم حتي لايتلف, وبعد أن ينتهي من إلتقاط الصورة يخرج كارت أبيض ويضعه في درج به سائل لإظهار الصورة ,ثم يضع الكارت بعد ذلك في (جردل) به سائل آخر لتثبيت الصورة,وهو ماجعل البعض يطلق علي هذه الطريقة اسم (التصوير المائي)أو صورة المية.كانت أكثر الصور المصورة بهذه الطريقة تستخدم في الأغراض الرسمية لتقديمها إلي المصالح والمؤسسات الحكومية, لذلك كان المصور يحتفظ اثناء التصوير ب( جاكت بدلة – جرافتة – طربوش – برنيطة – مشط للشعر) هذا بخلاف وجود كرسي يجلس عليه الزبون وخلفه ستارة سوداء كخلفية للصورة .

من الطرائف أن المصور كان دائما مايعطي أوامره للزبون اثناء التصوير حتي لايضطر إلي إعادة التصوير مرة أخري, فكان يقول للزبون (ماتحركش دماغك –  اكتم نفسك ,بص لي هنا – ابتسامة خفيفة), ثم يبدأ بالعد من 1-2-3,وعند الإطمئنان من ثبات الكدر وصلاحية منظر الصورة يبدا في نزع غطاء العدسة الأمامية للكاميرا مع ترديد كلمة خلاااص!!!

كانت براعة المصور لاتقف عند حد التقاط الكدرالمميز للصورة فقط, بل في عمل بعض الرتوش النهائية لها,عن طريق استخدام القلم الأحمر أو الدبوس أو الموس علي مسودة الصورة( النيجاتيف)لإزلة بعض الهالات أوالبقع من علي الوجة في الصورة,كما كان اختيار وقت التصوير من ساعات النهار مهم,وغالبا ماكان أفضل وقت للتصوير الشمسي بعد العصر عندما لاتكون الشمس فيه عمودية,كانت كل الصور في ذلك الوقت بالأبيض والأسود,التي تبرز فيها براعة المصور لتمكنه من تصوير الظل والضوء, والذي كان له ابعاد فنية لايشعر بها إلا المتذوق للفن.ومع تطور مهنة التصوير الفوتوغرافي عرفت القاهرة والاسكندرية وبورسعيدوالسويس وجمصة,عدةاستديوهات للتصوير احتكرها الأجانب من جنسيات عدة,كان أشهرهم الأرمن مثل (ليكيجيان – بابازيان – اوزيان – ارتينيان – بيلا –أرمينل أرزروني – زولا – ميلانوس- ديليكان- ارمان )وغيرهم,وهو ماصعب مجال المنافسة للمصور المصري المتجول أو مصور الشارع والميدان الذي لم يتعد ثمن صورته عن القروش( 5 صاغ),لذلك لجا البعض منهم إلي اقتناء بعض الكاميرات الحديثة( أولمبس- ياشكا – كانون- نيكون ), للتصويرفي الشوارع والميادين, وكان المثلث الذهبي لممارسة عملهم ميدان الأوبرا وقصر النيل وشارع سليمان باشا, إضافة إلي الحدائق العامة( الإزبكية- الحرية – الأورمان – حديقة الحيوان), وعلي الرغم من ظهور الكاميرا الفورية الملونة( بلورويد )إلا أنها لم تستهوي المصريين للتصوير أو أقبل عليها مصوري الميادين والشارع,لأنها لاتقدم أبداعا حقيقيا في التصوير أكثرمن تقديم سرعة في ظهور الصورة فقط.

كانت مهنة المصوراتي من المهن المهمة في المجتمع المصري, فقد حرصت الأسر العريقة في المدن والريف علي التقاط صور لها ولأفرادها بصفة دورية لتوثيق المناسبات والذكريات ,فضلا عن بعض المدارس والكليات التي كانت تحرص علي توثيق حفلات التخرج لأبنائها, ومن الطريف أن شخصية المصوراتي خاصة في حفلات الزواج كانت تلي في الأهمية شخصية الماذون الذي يعقد القران,باعتباره مسجلا – أيضا- لأهم لحظات السعادة في حياة العريس والعروسة,كذلك كان لمصور الشاطئ أهمية كبري في تخليد رحلة ألأسر المصرية لقضاء الصيف علي الشواطئ( الإسكندرية – بور سعيد – جمصة – بلطيم), الذي اضطر إلي تطوير مهنته باستخدام بعض التماثيل البلاستيكية علي هيئة أشكال( الفيل – الزرافة – الأسد – النعامة) لجذب أكبرعددمن الزبائن علي الشاطئ خصوصا الأطفال, خاصة بعد ظهور التصوير بالموبيل والصورالسيلفي,التي لاتكلف صاحبها شيئ,الأمر الذي اثر علي رواج مهنة المصوراتي المتجول واندثارها.

وثقت السينما شخصية المصوراتي في العديد من الأفلام بدءا بالفنان كمال الشناوي بكاميرته الخشبية في فيلم(الأرض الطيبة)مرورا بالفنان عبد السلام النابلسي في فيلم (يوم من عمري) صاحب أشهر تعليق للصور التي كان يلتقطها(سرياليزم – صورة توتالة)مرورا وأخيرا بالفنان أحمد زكي في فيلم ( أضحك الصورة تطلع حلوة ) الذي جسد معاناة المصور المتجول في سبيل كسب لقمة العيش بشرف,ولاتزال الصورة تحتفظ بأهمية كبري في الوجدان المصري,وتحتفظ الكثير من الألبومات الشخصية والعائلية بالكثير منها, فضلا عن البراويز المعلقة علي جدران الحوائط في المنازل,المحتفظة بصور الأبناء والآباء والأجداد والأمهات لتخليد ذكراهم,كما تزال بعض الصور تحتفظ باسماء مصوريها الموقعة أسفلها أوأسم الأستديوهات التي الطقتت بها الصورة,فالصورة هي التاريخ الذي لم يكتب بحروف القلم ولكن بعدسات المصورين بل هي التاريخ المرئي عبر العصور,وشاهدا محايدا لأحداث وذكريات لاتنسي !!!!!

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.