كاسل الحضارة والتراث Written by  حزيران 10, 2021 - 64 Views

أصحاب الحرف في العصور الإسلامية

Rate this item
(0 votes)

                                                            بقلم د :  ريهان نجدى

دكتوراه في التاريخ والحضارة الإسلامية

يشكل الدخل الشهرى  لصاحب الحرفة معالم الصورة الإقتصادية لحياته  لذا فإننا نجد أنه من الخطأ أن نجذم بأن مستوى المعيشة  في أى منطقة أو عصر يمكن أن يخضع لنظم معينة ، تمكننا من الحديث عنها وعن أحوال أصحابها بصورة  واضحة

الا أنه من الثابت أن مستوى المعيشة لدى أصحاب الحرف الذين يشكلون القاعدة الرئيسية للمجتمع الإسلامى يمكن أن تتأثر بمجموعة من العوامل على مدار العصور ودويلات الحكم التى تتابعت على هذا المجتمع والتى  من أبرزها:

*الأحداث الطارئة : كخضوع بعض مناطق العالم الأسلامى  للكثير من القلق وعدم الأستقرار فى الأحوال السياسية ، والخضوع للكثيرمن الدويلات الى توالت فترات حكمها على هذه المناطق ، مما أدى الى حالة من عدم الإستقرار السياسي .

بالإضافة الى زيارات الخلفاء  لبعض المدن الإسلامية كزيارة الخليفة المتوكل لدمشق 244هـ وعزمه على المقام فيها وأصطحابه لحاشيه كبيرة الأمر الذى أدى الى غلاء الأسعار بصورة كبيرة وعدم توافر الأطعمة والبضائع والذى ظل أثره لفترة طويلة بعد ذلك ،أيضا محاولة احمد بن طولون 264هـ الأقامة بطرسوس فكان له أيضا نفس الأثرعلى أرتفاع الأسعار وقلة البضائع وأنخفاض المستوى المعيشى لأصحاب الحرف

*الظروف الطبيعية: وهى مجموعة الظروف التى لا دخل للبشر فيها  ولكنها من صنع الطبيعة ، ومنها الزلازل المدمرة التى ضربت بعض المناطق في  مراحل زمنية متقاربة أو متباعدة والتى أعتبرها الناس فى بعض الأحيان عقاب من الله على ذنوبهم ، أو العواصف الشديدة التى يمكن أن تؤدى الى إ تساع نطاق الحرائق مع تلاصق الدور وضيق الشوارع وكذلك الصواعق والصقيع ،أو الجفاف والآفات الزراعية كالفئران والجراد والطواعين وسقوط الثلوج  وإنحباس المطر التى كانت تعتمد عليه الكثير من المناطق كبلاد الشام ومصر فى زراعة الكثير من الحاصلات الزراعية أو تأخره أو حتى زيادته التى تؤدى الى حدوث سيول وفيضانات تؤدى الى جرف المزروعات وتدمير الأسواق وقطع طرق التجارة ، مما يؤدى الى القحط و المجاعة والأوبئة التى غالبا ما تأتى معا ، فيقل الإنتاج نظرا للتلف الذى سيطر جراء هذه العوامل على المحاصيل الزراعية وترتفع الأسعار ويحدث الغلاء ، مما يتكشف معه مدى ضعف السلطة وسوء الأوضاع  الإقتصادية والإجتماعية  التى يرزح تحت عبئها العامة والحرفيون التى كانوا بمثابة أول الضحايا لهذه الاوبئة الاقتصادية ، مما عمل على انهاك هذه المناطق  فى فترات متاخرة فكانت عرضه للغزو بعد ذلك ، مثل  زلزال أرض الشام عام 232هـ ،فهدمت أكثر دور دمشق ومات تحتها الكثير، و زلزال دمشق عام 233هـ فخرب جامعها الكبير، وأمتد الزلزال الى أنطاكية والبلقاء والجزيرة والموصل والثغور وهدمت على اثره أجزاء من أنطاكيه ، وزلزال أهل البادية عام 259هـ  ورياح وظلمة  خربت الكثير من دورهم فهرب أهلها من بنو سليم وكل بطون قيس بعد أن هلك منهم الكثير الى  المدينة وأحتموا بقبر رسول الله وغيرها من الكوارث الطبيعية

*مرور قوافل الحج : حيث كانت خطوط السير لهذه  القوافل والمدن التى ستمر عليها عامل على رواج الحركة التجارية فى معظم هذه المدن ، الأمر الذى أدى الى إستغلال بعض التجار هذه المناسبة لرفع أسعار بعض السلع.

*الظروف الاقتصادية: والمقصود هنا التفاوت بين المدن وبعضها فى مستوى المعيشة نفسه ، فبعض المدن يمكن أن يكثر فيها العمران ويكثر مترفيها ، وهناك من المدن ما تعز فيها بعض الصنائع والحرف ، فيزيد الإقبال عليها وترتفع أسعارها  فيرتفع مستوى المعيشة لهذه المدن ، لذا كانت الأسعار فى البادية أرخص منها  فى المدن ، وهذا ما يحدث أيضا فى المدن الصغيرة القليلة الرزق فتندر فيها الأقوات وتزداد أسعارها وهكذا.

*الظروف السياسية:وتمثلت فى الاضطرابات الداخلية والحروب واهمها:

-- حروب البدو وغاراتهم على المناطق الحضرية: حيث كان البدو على مر عصورهم أصحاب غزو بهدف الحصول على مقومات الحياة من غذاء وماء ، كأحد أسباب هذه الغزوات أو  للتنازع على الشرف والرئاسه لذا دارت الكثير من الحروب بين القبائل المتقاربة فى النسب لهذا الغرض ، مما عمل على إعراض الخلفاء عن العرب  في بعض فترات الحكم الإسلامى وإتكالهم على العناصر الغير عربية سواء فى المناصب العليا أو فى عناصر الجيش مما دفع بهؤلاء الى التمرد على هذه الأوضاع فمنهم من أستطاع لم شمله والإستقلال عن الخلافة فى دويلات مستقلة ، والبعض الآخر أصبح عنصرا مقلقا للحكام ومشكلة أمنية

 *ظلم الولاة وتعسفهم: ظلت العديد من المدن الأسلامية  فريسة يتناوشها الحكام والعمال فتارة يعصونهم وتارة يخضعون لهم ، فكانوا يقومون بجمع الأموال بحق أو بغير حق ،  وفرض الضرائب وزيادتها وتنفيذ المصادرات ، وهى عادة جرى عليها الولاة والحكام وغحتكار كبار التجار للسلع وإشرافهم على تسويقها وتحديد سعرها نتيجة لإشتغال بعض الولاة بالتجارة ، فى ظل غياب كامل من السلطة الحاكمة

وقد ظهر هذا جليا فى الوقت التى خضعت فيه بعض المناطق  للفاطميين ، حيث إزدادت الضرائب بشكل أرهق عوام الناس ، حيث كان كل والى يعمل على جمع ما يستطيع من الأموال نتيجة لعدم إستقرارهم فى مناصبهم لفترات طويلة ، بالغضافة الى ما أتبعه قادة الفاطميين من فرض الحصار حول مجموعة من المدن المراد فتحها مما تسبب فى قلة الأقوات وإنتشار المجاعات وقلة أرزاق الناس.

*الحروب مع البيزنطيين:تعد الحروب أحد الأسباب البشرية المسببة للمجاعات وتزايد حدة الأزمات خاصة على أفراد الشعب القانطين بالقرب من مواضع هذه الحروب ، فقد دفع التدمير الذى حدث بالشام أيام الحمدانيين البيزنطيين منذ عهد الإمبراطور تزمسكيس الى شن الكثير من الهجمات على الأراضى الإسلامية ، و بخاصة شمال وأواسط بلاد الشام ، حيث قتل البيزنطيون فى إحدى هجماتهم على حلب بعد عام 370هـ الكثير من أهلها ، وهذا ما فعلوه بعد ذلك فى كلا من قنسرين وآمد وحمص ، حيث خربوا هذه المدن وقتلوا الكثير من أهلها.

*انعدام الأمن والأستقرار الداخلى: وذلك لأنتشار الفتن والمنازعات الداخلية التى أدت الى القتل والتخريب والدمار بالإضافة الى خطر القرامطة الذين عاثوا فسادا منذ عام 360هـ وقطعهم للطرق خاصة طرق الحجاج ونشر الفوضى فى الأماكن التى يحلون بها ، وكذا سياسة الفاطميين التى أتبعوها من إستماله زعماء القبائل العربية والإيقاع بينهم وبين زعماء القرامطة وصولا الى عام 415هـ ، حيت قسم أمراء القبائل العربية الشام بينهم مما كان له أكبر الأثر فى نشر الفتن والإضطرابات الداخلية بالشام  ، وكذا منح الفاطميون لأفراد جيوشهم من المغاربة سلطة التصرف مع سكان المدن المفتوحة مما أدى الى نشر الفوضى والقتل فى هذه المدن ، كما أمتدت ايديهم الى أموال الناس وأقواتهم فتعرض الكثير من سكان هذه المدن الى الموت لقلة الأقوات وأرتفاع الأسعار.

فقد كانت الحروب والمنافسات إضافة الى الأطماع وغيرها وبالا على السكان حيث تعرضوا بسببها لمختلف أنواع القمع الذى دعمه ضعف الحكام الذى مثل السلطة الفعلية التى تركت الأهالى دون حمايه وجعلتهم يعانون من أوضاع محيطة قاسية بالإضافة الى أنتشار العديد من الأمراض والأوبئة والمجاعات بسبب الحصار الذى يضرب حول سكان هذه المناطق ، مما ترتب عليه دمارا وتراجعا إقتصاديا نتيجة لعدم الإستقرار وتوافر الأمان، وحدوث الغلاء وأرتفاع الأسعار وإنقطاع  السلع التجارية من الأسواق لإرتباط الأسعار ومعدل الإنتاج والعرض والطلب بكل هذه العوامل ، وسوء الأحوال الإقتصادية التى لم يتحمل تبعاتها الا العوام من اصحاب الحرف والمهن البسيطة الذين ضاقوا ذرعا بهذه الأحوال ، إذ ان أعمالهم لم تكن من الرواج بحيث تسمح لهم بالعيش الأمر الذى أدى الى إنتشار السرقات خاصة فى الأسواق وقطع الطرق ، ولجوء العوام أثناء هذه الأزمات الى تناول لحوم الكلاب والقطط الميتة بالشوارع .

مما دفعهم  الى اللجوء بعض الوسائل للتعبير عما أصابهم من ضرر جراء هذه الظروف منها الإبتهال الى الله لنزول المطر ورفع البلاء عنهم ، وهجرة الأماكن المنكوبة الى الأراضى الخصبة الأمر الذى أدى الى خلق مشكلة للاجئين فى بعض المدن التى اكتظت بالسكان نتيجة هذه الهجرات ، بل وحدوث عدة انتفاضات نتيجة للظروف الإجتماعية و الإقتصادية الصعبة التى لم يتحمل تبعاتها إلا فئاتهم مما دعم روح المقاومة لديهم  ، فكانوا عينا على حكامهم ثائرين عليهم إذا حادوا عما يريدون .

وفى مقابل ذلك مرت  العديد من المناطق كمصر والشام بفترات إستقرار وإزدهار أستتبت فيها أحوال البلاد وزادت أرزاق السكان كفترة الحكم الطولونى  حيث أخذت البلاد فى الإنتعاش خاصة فى عهد خمارويه ، لكثرة ما كان يجرى على الناس من أموال ، بالإضافة الى فترة حكم الإخشيديين خاصة محمد بن طغج  ومن بعده كافور ، حيث اكثروا من الخلع والهبات على أهل المدن التابعة لحكمهم ، فى الوقت التى كان أهل حلب على سبيل المثال يعانون من كثرة الضرائب التى فرضها عليهم الحمدانيون نتيجة لحروبهم المستمرة مع الروم.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.