كاسل الحضارة والتراث Written by  تموز 15, 2021 - 100 Views

قوافل الحجيج المصرية بين الماضى والحاضر

Rate this item
(0 votes)

د.سهام عبد الباقى محمد

باحثة أنثروبولوجية -كلية الدراسات الأفريقية العليا-جامعة القاهرة

لم تكن قوافل الحجيج التى تخرج كل عام من مصر مٌتجهة صوب بيت الله الحرام طلباً للحج كغيرها من القوافل،إذ كانت تحظى بتنسيق وإهتمام كبيرين لتأمين حاجات الحجيج الصحية،الغذائية والمائية، وتأمين القافلة من أى إعتداء خارجى ومن المٌتربص بها،لما لا وهذه القوافل النورانية تقطع خير رحلة لخير رٌسل الله وخاتم أنبائيه لأداء مناسك فريضة الحج،وقد كانت لقوافل الحجيج  طٌقوس معينة  خلال رحلتهم المقدسة فعادة ما كان موكب الحجيج أو "المحمل" كما كان يٌطلق علية يتضمن فرقاً كاملة تعمل على تأمين حاجات الحجيج من أمراء،وحرس،وحاملى المشاعل،وطٌهاه،وسٌقاه لتزويد الحجيج بالماء أثناء مسيرتهم الطويلة من خلال الآبار والعيون التى شقها الأمراءوالسلاطين على طول طريق الحج، بالإضافة إلى الأطباء،والبيطريين للعناية بالدواب والخيل والحمير،وكان من ضمن ترتيبات الحج،إعداد حامية عسكرية مٌجهزة بالسلاح والخيول لحراسة القافلة ذهاباً وإياباً.وعادة ما كان المحمل يحمل إسم البلد الذى خرج منه فتجد المحمل المصرى، المغربى،....الخ

وكانت وظيفة أمير المحمل تأمين كل ما يحتاج إلية المحمل وتحديد خط سير القافله بحيث يكون الأمير هو المسئول الأول عنها وقد كان أول أمير للحج هو أبو بكر الصديق رضى الله عنه حيث خرج بالمسلمين عام 9ه/360م، عندما أمره النبى صلى الله علية وسلم بذلك ،وفى العام التالى رأس النبى صلى الله علية وسلم الحج بنفسة عام 10 ه فى حجة الوداع، ومنذ ذلك الحين إستن الأمراء والملوك  والسلاطين المسلمين سنه تعيين أميراً للحج، وكان يتم الإعلان عن بِدء موسم الحج فى مٌنتصف شهر رجب وكان يٌطلق عليها الدورة الرجبية وقد كان هذا الإعلان بمثابة إحتفال شعبى كبير يتحرك فية المحمل فى الشوارع،من باب النصر،أما الدورة الثانية فكانت فى منتصف شوال وتٌسمى الدورة الشوالية فكانوا يرجعون بالمحمل من تحت القلعة إلى باب النصر،ويخرج إلى الريدانية للسفر ولا يتوجه إلى الفسطاط(1).وكان يتم الاحتفال بالمحمل فى وجود السلطان ويتم تزيين الشوارع والطرقات التى يمر بها ولم يخلو المحمل من الأفيال والطبول ولاعبو الرماح،وكان يتقدم الموكب أمير الحج والقضاة الأربعة والأعيان من الحجاج.

 وقد أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية بوزارة الآثار،فى دراسة له أنه كان هناك تقسيم طبقى للمحمل قبل بِدء الرحلة حيث كان يتضمن الرسميون ثم الأعيان ثم الحجاج، أما صندوق المال والمؤن والنساء والبضائع الثمينة فكانت تتوسط القافلة كما كان هناك راتب خاص لرئيس أو أمير المحمل قٌدر بنحو 18 ألف دينار،وألف أردب من القمح،4 آلاف إردب من الفول.أما عن خط سير المحمل فكان ينقسم إلى أربعة أرباع، الربع الأول من صحراء القاهرة المعزية إلى عقبة آيلة، والثاني من عقبة آيلة إلى قلعة الأزلم، والثالث من قلعة الأزلم إلى ينبع، والرابع من ينبع إلى مكة المكرمة. وفيما يتعلق بطريق الحاج بسيناء فقد إنقسم لثلاث مراحل تتقارب في مسافاتها يقضي الحاج فيها 3 أيام سيرًا في  قوافل وجماعات.ولم يكن قاصرًا على خدمة حجاج مصر وإنما كان يخدم حجاج المغرب العربي والأندلس وحجاج غرب إفريقيا(2).

 بالإضافة إلى رحلات الحج البحرىعبر خليج السويس منذ عام 1303هـ  الموافق 1885م  حين بَطٌلَ إستخدام الطريق البرى عبر وسط سيناء وكان يستغرق الطريق البحرى إلى البحر الأحمر حتى ميناء الجار قرابة 20 يوماً ومنه إلى المدينة المنورة.وقد كان الطريق البحرى سبباً رئيسياً فى إشترك الحاج المسلم مع المقدّس المسيحى فى جزء من الطريق حيث كان يأتى المقدّس المسيحى من أوروبا عبر الإسكندرية إلى ميناء القلزم (السويس) ليركب نفس السفينة مع الحاج المسلم للإبحار إلى ميناء الطور القديم منذ العصر المملوكى ومن ميناء الطور يتجه الحاج والمقدس لزيارة الأماكن المقدسة بمنطقة الجبل المٌقدس بدير سانت كاترين فى القرن التاسع الميلادى وفى الأودية مثل وادى حجاج حيث نقش المقدّسون أسماءهم وفى محراب الجامع الفاطمى داخل الدير نقش الحجاج المسلمون أسماءهم(3) لذا يمكننا القول أن الطريق البحرى كان جامعاً للأديان وعاكساً للوحدة الوطنية بين المسيحيين والمسلمين،ولتقديس وإحترام الأديان.

أما عن مراسم إستقبال موكب الحجيج فكانت لا تقل أهمية عن طقوس ومراسم الذهاب، فعندما كانت تصل الأنباء بإقتراب محمل الحجيج من الوصول إلى القاهرة حتى يخرج الجموع من الأهل والآقارب والجيران بل وجموع المصريين إحتفالاً بوصول المحمل الطاهر بعد أن أدى الفريضة وعاد خالياً من الذبوب والآثام كيوم ولدتهم أمهاتهم. فكانوا يستقبلونهم سيراً على الأقدام على مسافة كيلو مترات من القاهرة حاملين معهم الرايات الملونه والدفوف مرددين بعض الآناشيد الدينية والأذكار،ويتم توزيع الحلوى، كما كان يتم توزيع النقود على الفقراء والمحتاجين.وكان يتم دفن من وافته المنية من الحجيج فى مكة المكرمه، ومن تٌوفى أثناء الرحلة كان يتم حفر لحد له فى الطريق وكان يستقبل أهله نبأ وفاته بإطلاق الزغاريد ولا تزال تلك العادة مستمرة إلى يومنا هذا، لذا كان يصحب الموكب فى العصور الأسلامية أشخاص مسئولين عن تكفين الموتى ودفنهم. ولم تختفى عادة الأحتفال بالحجيج فى الوقت الحالى وإن كانت أقل فى المظاهر بسبب التقدم التكنولوجى الذى أتاح للحجيج التواصل مع أهلهم وذويهم عبر الهواتف المحمولة،ومواقع التواصل الإجتماعى فأصبح الإتصال مباشراً بينهم، ولكن الأمر لم يخل من بعض الطقوس أهمها قيام الحاج بزيارة الأهل والجيران،ورد المظالم،وطلب العفو ممن أساء إليهم ليكون حجه مبرور، وزيارة أضرحة الأولياء والصالحين،وتجهيز قائمة بأسماء المقربين مكتوب بها الأسم كاملاً ونوع الدعوة ليدعوا لهم الحاج أمام الكعبة المٌشّرَفة أملاً فى تحقيق مطالبهم، كما يتم توديع الحاج بالطبل البلدى والزغاريد ،يصحبة أبنائة وعائلته إلى المطار أو إلى الميناء، وقبيل مجىء الحاج يتم تزيين الجدران الخارجية لمنزله برسم صورة للكعبة يٌكتب بأسفلها حج مبرور وذنب مغفور، حمد الله على سلامتك يا حاج  فلان كل بأسمه ليكون اللقب الجديد لمن زار البيت الحرام حاجاً وإن كان شاباً أو طفلاً صغيراً خاصة فى ريف مصر،كما يتم إستقبال الحاج بالزغاريد ويلتف حوله الأهل والجيران يقدمون له التهنئة والهدايا التى قد تكون فى صورة مادية كنقوط أو مواد غذائية كالسكر والشاى،والزيت والأرز وأول ما يفعله الحاج هو التأكيد على أنه لم ينسى أحد بالدعاء،ويقوم بتقديم بعض الهدايا البسيطة التى يكون قد حملها معه لتقديمها للمهنئين والمٌباركين والتى ينتظرها الجميع ككنز ثمين مهما كانت درجة بساطتها ولما لا وهى بركه من عند الحبيب صلى الله علية وسلم ،وتتنوع الهدايا ما بين قوارير ماء زمزم،السبح، والمصلية، والمسك، والطواقى البيضاء، والجلاليب الرجالى وتكون الهدايا الثمنية من نصيب الأهل والمقربين أو لمن قدم هدية للحاج، وتكون هدايا النساء فى صورة ملابس اسدال صلاة،خمار، قطع من القماش تقدمها زوجه الحاج وبناته إلى نساء العائلة، وتمتد اللقاءات والزيارات للحاج لعدة أيام للاستماع بشغف إلى رحلته وما حدث بها، يسمعها الحضور بشوق وأمل فى زيارة الحبيب صلى الله علية وسلم مرددين "اللهم أوعدنا" .   

المصادر

  • نورا عبد المهيمن، محمل الحج المصرى بين الدين والسياسة،جريدة أبو الهول،العدد(9)،(النشر فى2016)، (الاسترجاع فى 10/2021).

https://www.abou-alhool.com/arabic1/details.php?id=34980

  • هانى الأسمر:الحج فى زمن الملوك والسلاطين،مجتمع حضارى تقوده قوافل الخير بسيناء،بوابة الاهرام،النشر فى(24/8/2017)، الاسترجاع فى(10/7/2021).

https://gate.ahram.org.eg/News/1569732.aspx

  • هانى الأسمر:طريق الحج القديم عبر سيناء يشهد على خدمة حجاج العالم،بوابة الأهرام ، الإسترجاع فى(14/2021).

https://gate.ahram.org.eg

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.