كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 09, 2021 - 414 Views

البِشعة طقس بدوى،وقضاءعرفى بقبائل سيناء

Rate this item
(0 votes)

بقلم د. سهام عبد الباقى محمد

الباحثة الأنثروبولوجية- كلية الدراسات الأفريقية العليا-جامعة القاهرة

لجأت المُجتمعات مُنذ القدم إلى طرق مُختلفة للتّعامل مع الخصومات الواقعة فيها بغرض الإصلاح؛وارتكزت في استخدامها هذه الوسائل على مجموعة من القيم المجتمعية،والعادات،والمعتقدات الثقافية،ويعد"القانون العرفى" أو"القضاء العرفى"،أحد أبرز تلك الوسائل، وهو نموذجًا إستمر أجيالاً وعهودًا،ويُستخدم كآليّة لفضّ الخصومات والنزاعات يُمارسها أشخاص من المُجتمع المحليّ بصفتهم قٌضاه عرفيين غير رسميين ويٌقصد"بالمحاكم العرفية" قيام أفراد من داخل المجتمع يتمتعون بمكانة إجتماعية التوصّل إلى تسوية مناسبة بين خصمين أو أكثر باتباع أعراف اجتماعية راسخة يرتضيها أفراد المجتمع، ومن مزايا القضاء العٌرفى فى المجنمع السيناوى أنه يمتاز بسرعة الفصل فى القضايا خاصة أن مشايخ القبائل وغيرهم من القٌضاة العٌرفيّين هم من أفراد المجتمع ولهم علاقات قوية مع جميع أفراده، لذا يكونون على علم تام بحدوث أى خصومة فور وقوعها فيهبون إلى المتنازعين لأنهاء الخلاف فى بدايته قبل أن يتطور ويشتد ويمتد للقبيلة، ومن مزايا هذا القضاء أيضًا سرعة صدور أحكامه بعكس القضاء الرسمى الذى تستغرق أحكامه فترة زمنية طويلة قد تصل لسنوات.

وتخضع مهنة القضاء العرفى للوراثة،فقد يتوارثها أبناء زعماء القبائل عن أبائهم،كما يٌزاولها كل من يتمتع  بالحكمة،وحسن الخلق،والسيرة الحسنة،ولباقة الحديث،وسرعة البديهة ويسبق كل هذا الإلمام بأعراف وتقاليد القبيلة، وتترسخ مكانة القٌضاة العرفيين بقدر قدرتهم على الحل والفصل فى الخصومات الشخصية والقبلية. ويتعدد القٌضاة بتعدد القضايا فهناك قٌضاة "الدم" وهم مٌختصين بقضايا القتل،وقٌضاة "العار" وهم مٌختصين بقضايا الشرف، وقٌضاة للسرقات،والضرب،وقٌضاة "المرأة" وهم معنيين بأمور الطلاق،والنفقة، والتحرش.  وتتراوح العقوبات ما بين طرد،وغرامات مالية،وقتل.كما تمتاز القوانين العٌرفية بأنها قوانين شفاهية وغير مكتوبة غير أن البدو مؤخرًا قاموا بإنشاء سجل للقضايا وتسجيل أحكامها للرجوع إليها والإستفادة منها فى الحالات المشابهة.

ولا تنعقد المحاكم العٌرفية إلا بعد وقوع الخصومة بين طرفين وبعد أن يقوم الجانى بالتواصل مع المجنى عليه، والإتفاق معاعلى القٌضاه المٌراد تدخلهم يتم تسليم القٌضاه مبلغ من المال يسمى "الرزقة" يٌستخدم فى ضيافة القبائل والعشائر حٌضور المجلس العرفى يبدأ بنعجة الى ثمانى جمال، كما يتم دفع مبلغ من المال يسمى"العِنوة" يقدر بنحو عشرة آلاف جنية كشرط جزائى لمن يتخلف عن المجلس ثم يتم الإتفاق على يوم إنعقاد المجلس أو المحكمة العٌرفية وبعدها يتم دعوة القبائل والعشائر، وتتكون الجلسة من هيئة تتكون من ثلاثة قٌضاه يتوسطها القاضى الرئيسى الذى يكون بمثابة "محكمه إبتدائية"، ويكون القاضى الثانى بمثابة "محكمة إستئناف"، والثالث بمثابة " محكمة إستئناف" ويستحضر طرفى النزاع من ينوب عنهم فيكون بمثابة " المحامى" شريطة أن يكون مٌلمًا بالمشكلة وبالأعراف السائدة بالمجتمع،ويمتاز بحسن الخلق،ثم يتم السماع للخصوم ثم يتحدث نوابهم،ثم يأتى دور الشهود اللذين يقومون بحلف اليمين الذى يأخذ ثلاثة أشكال الأول "الخطة والدين" والخطة دائرة تٌرسم علي الأرض برأس السيف ويجلس الشاهد وسطها ويحلف بستة كلمات ثم ينطق بالشهادة، والثانى: الحلف بالرأس بأن يضع المدعي يده علي رأس المٌدّعي عليه، ويذكر اسم الله ثلاثا قبل تأدية الشهادة، والثالث: الحلف بالحزام، وهو أن يضع المٌدّعي يده في حزام وسط المدعي عليه ويحلف بالله ثلاثا أن يقول الحق قبل أن يؤدي شهادته. والرابع: الحلف بالعود، حيث يأخذ الشاهد غصن شجرة، ويقول: «وحياة العود والرب المعبود ومن أخضره وأيبسه رأيت كذا». ويضاف نوع آخر للحلف هو الحلف بـ«الطلاق ثلاثا»، ولا يتم اللجوء إليه كثيراً، حيث يقول الشاهد ثلاث مرات «امرأتي طالق»، ثم يؤدي الشهادة، فإذا أعطي شهادة زور وقع الطلاق(1).،وبعد عرض الأدلة،واكتمال الصورة يٌصدر القاضى الرئيسى الحكم فأن لم يكن مٌرضيًا لطرفى النزاع يتم إستئناف الحٌكم من خلال المرافيع  وهما القاضيان الثانى والثالث على أن يكون حكمهما فى القضية نهائيًا وملزمًا للأطراف فلا يتم الخروج علية وإلا عرضّ الشخص نفسة للإذدراء المجتمعى.

فإذا كانت القضية بحاجة للمزيد من الأدلة أو الشهود، أو تنقٌصها الأدلة يتم إحالة القضية إلى قاضى "البشعة" وهو القاضى المٌختص بإجراء طقس البشعة لإظهار الجانى من خلال إعتماد القاضى على "المبشع" وهو الشخص الذى يقوم بأجراء هذا الطقس الذى يمارسة بدو سيناء وغيرهم فى المجتمعات العربية ويقوم "المبشع" فى هذا الطقس بأحماء سكينًا أو ملعقة على الجمر حتى الإحمرار، وقديمًا كان يتم إحماء إبريق على الجمر فيطلب من طرفى النزاع أن يقوموا بالمضمضة ثم يقوم بإمرار الملعقة الملتهبة بسرعة كبيرة وإتقان لا يأتية إلا المبشع وبعد مرور خمس دقائق يطلب من الخصوم فتح أفواههم فيكون الشخص الذى تأذى لسانه بوجود بثور أو حروق به هو الجانى والشخص السليم هو البرىء. ولا بد أن يمتاز المبشع بصفات روحية وبنقاء السريرة،والفطنه،وحسن الخلق، ليتمكن من القيام بعمله بكل إخلاص وبعيد عن أهوائه وظنونه، فلا بد أن يتسم بالنزاهة والشفافية، لأنه يتم تفويضه فى القضايا الكبيرة ولا بد أن يقوم قاضى البشعة بالإختلاء بالخصوم لتجميع الأدلة ومعرفة الجانى الحقيقى لأن البشعة إجراء شديد الصعوبة وقد سٌميت بهذا الإسم لبشاعة الطقس وفظاعته،وربما استدل القاضى على الجانى من خلال  ما يظهر علية من علامات خوف وارتباك أثناء إجراء البشعة بخلاف المجنى علية الذى يكون ثابتًا هادئًا، ومن الحقائق العلمية التى تدور حول عملية البشعة أن الخوف الشديد يؤدى لجفاف اللسان مما يؤدى إلى إحتراقة ، مما يؤكد دقة النتائج التى يتم الوصول إليها باتباع طقس البشعة.

لذا تعد "البِشعة" من التقاليد الراسخة لدى القبائل البدوية بصفة عامة،ولدى قبيلة العبابدة بصفة خاصة ، بصفتها أحد أدوات القانون العرفى بالمجتمع، ووسيلة فعالة لإحقاق الحق  بين المتخاصمين وبصفة عامة لا يتم ممارسة القضاء العرفي بين البدو فقط إنما بين البدو وخصومهم من المدن المحيطة غير المنتسبين للبدو وغير الخاضعين لسلطة تلك الأعراف مما يؤكد أهمية تلك القوانين وقدرتها على حفظ  تماسك المجتمع وإستقراره الذى يرتبط أفراده بعلاقات إجتماعية قوية وتربطهم روابط القرابة لذا يعد اللجوء للقضاء الرسمى لديهم خيانة لروابط الدم وصلة الأرحام فيما بينهم مما يجعلهم لا يرتضون بالقضاء العرفى بديلاً وقد أثبت هذا النوع من القضاء جدارته وقدرته فى تحقيق السلم والامن بالمجتمع السيناوى بصفته إحدى آليات الضبط الإجتماعى بمجتمع تقليدى محافظ.

 المصادر

  • يسرى الهرش:القضاء العرفى بسيناء،كنانه اونلاين،الاسترجاع فى(31/8/2021)

، https://kenanaonline.com/users/yousrisalim/posts/145937

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.