كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين2 13, 2021 - 154 Views

الممارسات الشعبية لدرء العين

Rate this item
(0 votes)

بقلم - د.سهام عبد الباقى محمد

باحثة أنثروبولوجية -كلية الدراسات الأفريقية العليا-جامعة القاهرة

ساد فى الثقافة العربية بعض المٌعتقدات الشعبية التى إرتبطت بقوة وقدرة العين على جلب الضرر للأنسان لدرجة قد تصل به حد الموت. لذا إتخذت الثقافة الشعبية بعض الطٌقوس الحرزية للوقاية من قوة العين إرتبطت بعضها بالنسق الدينى والشعبى السائد فى المجتمعات حيث أقرت الكتب السماوية "الحسد" وورد ذكره فى بعض آيات القرأن الكريم منها ما تناولت حسد الإنسان لغيره، بينما تناولت آيات أخرى ضرورة تحصين الإنسان لنفسه حين يٌعجبه شىء من رزقة أو ولده أو مٌمتلكاته كما فى قولة  تعالى﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴾ سورة الكهف،الآية(39). ولم يخل الإنجيل من بعض الأسفار التى تتحدث عن الحسد. منها "أن المسيح الذي فينا هو أقوى من أي قوة شريرة في هذا العالم) 1) يوحنا 4: 4(.

وقد تضمن القرآن الكريم طرق التحصين من الحسد بتلاوة الآيات الخاصة بالحسد،والمعوذات            (سور الفلق،والناس) والمواظبة على أذكار الصباح والمساء.إلى جانب طرق التحصين الدينية التى لا خلاف عليها حظيت مٌمارسات التحصين الشعبية بقدر كبير من الأهمية لأنها لا تتطلب جهدًا كبيرًا أو إجراءات مٌعقدة خاصة لدى غير المٌتعلمين،وكبار السن.وقد مَزجت مٌماراسات التحصين الشعبية بين الدين والثقافة الشعبية من خلال ذكر أسم الله بالقرب من أذن المعيون، والصلاة على النبى صلى الله علية وسلم وإطلاق البخور،وتشتيت الملح فى أركان المنزل لأبعاد الطاقات السلبية كالعين،والسحر،وتشكيل عروس ورقية يتم وخزها بأبر الحياكة مع ذكر بعض أسماء الأشخاص الذين يٌخشى شرهم،وضٌرهم، كما يتم ذكر أقرب أقرباء الشخص مع ترديد"من عين أمك، وأبوك،وإخواتك فلان وفلان...،وجيرانك فلان. وفلان....، وكل اللى شافوك ولا صلوش على النبى. ثم يتم إحراق العروس الورقية فى الختام.ويحمل هذا الطقس بعض الدَلالات الرمزية حيث ترمز العروس إلى المعيون،أى من أٌصيب بداء العين،ويرمز وخز الأبر إلى فقء عين الحسود،كما يرمز إحراق العروس إلى التخلص من أثار العين الشريرة نهائيًا،ويتم وضع رمادها على الجبين وكأن هذا الرماد مسحة الصحة والعافية التى تٌخلص الجسد من المرض.وكان البعض قديمًا،يٌشكل رماد العروس على هيئة "الصليب"على جبين المريض فى كثير من المناطق الريفية وفى المجتمع النوبى غير أن تلك العادة كانت سائدة فى العصور المسيحية لذا كان يتم رسم الصليب كرمز مقدس يٌشير إلى الحماية وكان يفعله الكثير من المسلمين من قبيل التعود دون وعى أو إدراك لمعناه الرمزى. ومن ممارسات التحصين الأخرى"طقطقة الملح" بوضع الملح على الفحم المٌشتعل فى صحن أو مبخرة حتى يٌحدث المِلح صوت طقطقة، ثم التعرض لدخانه. كما يتم مسح الأرض بماء وملح رشيد  وقديمًا كان يتم تحصين العروسين برش الملح عليهما فور وصولهم إلى المكان المٌخصص للفرح ثم إندثرت تلك العادة واستٌخدمت الورود عِوضًا عنها وخاصة الورد الأحمر لأنه من الألوان الحامية والحرزية،ومن الألوان الحرزية الأخرى اللون الأزرق للإعتقاد بأنه يمتص الحسد،والخرزة الزرقاء،والكف الأزرق إعتقادًا أن التخميس يٌبطل مفعول العين،والعين الزرقاء وهى تقليد فرعونى ترمز لعين الأله حورس وريث أوزوريس الشرعى بعدما فقد عينه فى حربة مع إله الشر والعم "ست" فتحولت عينه إلى رمز مقدسًا لأنه فقدها أثناء حربة ضد الشر فأصبحت أحد أدوات التحصين لأنها تحمى من الحسد والأرواح الشريرة " ولأن حورس إله السماء تم اختيار اللون الأزرق.

 ويتم تحصين الأطفال بلصق الكف الذهبى على شعورهم،وإطلاق إسم حركى مٌنَفر عليهم، وإلباس الطفل الجميل ملابس مٌهلهلة أو مٌتسخة،وإلباس الذكر ملابس الأنثى أحيانًاكما يتم رش المولود وأمه بالملح الرشيد أثناء طقس السبوع وخلط الملح الرشيد بالسبع حبوب وتشتيتها فى أركان المنزل.ومن الطقوس المرتبطة بشراء السيارة و المنزل الجديد الذبح أسفل السيارة وبداخل الشقة قبيل سكنها ويسمى هذا الطقس" تزفير السيارة أو المنزل" برغم أن هذا يدخل دينيًا فى دائرة(ما أٌهل لغير الله به) إلا أن إراقة الدماء أو الذبح يٌعد من أهم طرق التحصين الشعبية ليس فى مصر فقط بل فى الثقافة العربية بشكل عام. كما يتم تحصين السيارة الجديدة ومٌباركتها بوضع المصحف الشريف بها ،أو لصق أحد الكلمات الدينية عليها كالشهادة،أو الصلاة على النبى، أو(العين صابتنى ورب العرش نجانى)،(بركة دعاكى يا أمى)،(متبصش فى اللى أدفع فيا،عليا ديون) .......الخ. وغيرها من العبارات التحذرية أو كما يتم التعبير شعبيًا " تخزى العين".

هكذا كان الأعتقاد بالعين سائدا فى كل الثقافات إستنادًا إلى النٌصوص الدينية التى أكدت وجوده ودعت إلى التحصن منه كما دعت السنة النبوية لذلك فى حديث" إستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان" لأنه يٌبعد العين فلا يتعطل سير ما يٌخطط له الإنسان أو ينتوى فعله لذا لم تأتى طرق التحصين الشعبية من فراغ لأنها إستندت إلى القرآن والسنة ووضعت الثقافة بصمتها الخاصة عبر طقوس وعادات مٌجربة توارثتها الأجيال وأطمئنت إلى قٌدرتها على درأ العين.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.